ها أنا آتي سريعاً

 

الجزء الأول

 

 

رؤيا يوحنا اللاهوتي

الإصحاح 1:1-3: 22

 

 

الرب المقام من بين الأموات

يهيّئ كنيسته لمجيئه الثاني

 

 

عبد المسيح

 

 

الحياة الفضلى- مزرعة يشوع - لبنان

 

 

 

ها أنا آتي سريعًا

تمسّك بما عندك

لئلاَّ يأخذ أحد إكليلك

(رؤيا يوحنا 3: 11)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كل نصوص الكتاب المقدس مأخوذة من ترجمة فان دايك

 

كل الحقوق محفوظة

الطبعة الأولى 2002

الحياة الفضلى- ص.ب.226- مزرعة يشوع - المتن لبنان

 

E-mail: family@hayatfudla.org


في هذا الكتاب:

 

مقدمة من يوحنا الرسول لإعلان يسوع المسيح (1:1-8)

 

1 : تحية لأعضاء الكنيسة من اصل يهودي (1: 1-3)

2 : تحية لأعضاء الكنيسة من اصل يوناني (1: 4-6)
3 : موضوع و هدف إعلان يسوع المسيح (1: 7)
4 : ختم الله على إعلان يسوع المسيح (1: 8)
 
الرؤيا الأولى:
ظهور ابن الإنسان لتقديس كنائسه (9:1-22:3)
 
أولا: ظهور الرّب المجيد المقام من بين الأموات (1: 9-20)

 

مقدمة: يوحنا المنفي في جزيرة بطمس (1: 9)

1-   ظهور ابن الإنسان كرئيس كهنة و ديان العالم (1: 10-16)

2-  ابن الإنسان يتعمق في التعريف عن نفسه ليوحنا (1: 17-18)

3-  توضيح لرموز الكواكب السبعة و المناير السبعة (1: 19-20)

 

ثانيا: رسائل يسوع المسيح المقام من بين الأموات
إلى الكنائس السبعة في آسيا الصغرى (1:2-21:3)

 

1-  إلى ملاك الكنيسة التي في أفسس (2: 1-7)

2-   إلى ملاك الكنيسة التي في سميرنا (2: 8-11)

3-  إلى ملاك الكنيسة التي في برغامُس (2: 12-17)

4-  إلى ملاك الكنيسة التي في ثياتيرا (2: 18-29)

5-  إلى ملاك الكنيسة التي في ساردس (3: 1-6)

6-     إلى ملاك الكنيسة التي في فيلادلفيا (7:3-13)

7-    إلى ملاك الكنيسة التي في اللاودكيّة (3: 14-22 )

 

 

 

ثالثا: من له أذن فليسمع ما يقوله الروح (3: 22)

 

مقدمة: اقرأ سفر رؤيا يوحنا مصليًا

1-     أمر يسوع يوحنا سبع مرات للكتابة

2-     التعاريف المختلفة من يسوع عن نفسه

3-     تحليل يسوع عن حالة ملائكته السبعة في كنائسهم

4-     علاج روحي من يسوع لكل واحد من رسله

5-     كلمات الأمل و الاستشارة الإثني عشر للغالبين بقوّة الروح القدس

6-     إنذار مثير من يسوع المسيح لمجيئه القريب

7-    الرب الحي هو العامل

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المقدمة

من يوحنا الرسول

لإعلان يسوع المسيح

(1:1-8)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1: التحية لأعضاء الكنيسة من اصل

يهودي في كنائس آسيا الصغرى (رؤيا 1:1-3)

 

1-      إعلان يسوع المسيح, الذي أعطاه إيَّاه الله, لِيُري عبيده ما لا بدَّ أن يكون عن قريب, و بيَّنَه مرسِلاً بيدِ ملاكه لعبده يوحنَّا.

2-               الَّذي شهد بكلمةِ الله و بشَهادة يسوع المسيح بكلِّ ما رآهُ.

3-               طوبى للَّذي يقرأُُ و لِلَّذين يسمعون أقوال النُّبوَّة, و يحفظون ما هو مكتوب فيها, لانَّ الوقت قريبٌ.

 

حدث إعلان

 

أبرز يوحنا من البداية أن اسم كتابه هو "إعلان يسوع المسيح". لذلك من الأفضل ألاَّ نسمّي كتابه "رؤيا يوحنا".

لم يبدأ الرسول يوحنا الدرج البابيروسي باسمه الخاص كمؤلّف لهذا الكتاب, إتباع للنظام التقليدي في معظم رسائل الرسل في العهد الجديد, بل ابرز أولاً حدث الوحي العجيب. فاعتبر ظهور الرب المقام من بين الأموات الذي خرج من خفائه أهم من ذكر وسيط الإعلان. يسوع هو السبب و الفحوى و هدف هذا التنبؤ التاريخي المثير.

 

يشبه الإطار الخارجي لمقدمة الكتاب منهج الأسفار النبوية في العهد القديم (إشعياء 1: 2; يوئيل 1: 2;ميخا 1: 2 و غيرها). كما اعتقد الأنبياء أن إعلان كلمة الرب هو الحدث الفاصل ودخول الأبدية إلى عالمنا. لذلك نجد في الأسفار العبرية حدث الإعلان في بداية الكتب الروحية كإثبات حتمي للنبيّ و لكلماته.

 

كان قسمًا محترمًا من أعضاء الكنيسة في أفسس و ضواحيها مسيحيين من اصل يهودي. لهذا كانت تحية يوحنا أولى موجهة إليهم. فصار لليهود يهوديا ليربحهم للمسيح الحي.

 

يسوع المسيح هو العامل

 

المصلوب المقام من بين الأموات لم يصف في هذه الرؤيا أحداثه و معجزاته من الماضي بل تنبأ عن مستقبل عالمنا كنتيجة لانتصاره التَّامّ على الصليب. و اسم "يسوع" الذي جاء 975 مرّة في العهد الجديد يعني "يهوه يخلِّص" (متى1: 21; لوقا 4: 18-19). و جاء لقب "المسيح" 569 مرّة في العهد الجديد لأنه الممسوح بملء الروح القدس و يمسح أتباعه بهذه القوّة الإلهية ليصبحوا مسيحيين بالجوهر و الحق. ووضّح يوحنا من خلال هذين الاسمين موضوع و اتجاه و هدف إعلان يسوع المسيح ليظهر بهما مبادئ خطة خلاصه.

 

الله أعطى يسوع الإعلان

 

قبل أن أعلن الرب يسوع مجرى التاريخ سبق و حدث انقلاب في السماء. لم يوحي يسوع بإعلان نهاية الزمان من تلقاء نفسه, بل استلم هذه الأسرار من الله أبيه الذي أعطاه إيّاها. تواضع يسوع اتجاه أبيه جعله أن يمنح إبنه المعرفة و السلطان لينفذ الخلاص التام و الدينونة الأخيرة. لم يأخذهما عنوة بل انتظر حتى أعطاه إياها الله.

كان يوحنا يؤكد في إنجيله مرارًا و تكرارًا أن الأب هو المعطي و أن الإبن هو المستلم في تواضعه (يوحنا 3: 35; 5: 22 و 27;6: 39 و 65; 17: 2-12 و 22-24

(13 مرّة ) ;18: 11). أعطى الأب لإبنه كل سلطان في السماء و على الأرض (متى28: 18). تقوم وحدة الثالوث الأقدس على التواضع و المحبة و الثقة بين الأب و الابن (يوحنا 12: 49-50;14: 8-12).

لكي يُري عبيده

 

لم يحتفظ الإبن بأسرار نهاية الزمن لوحده إنما أعلنها لعبيده الذين وضعوا أنفسهم طوعًا تحت إمرته. لا أحد منهم يقصد ان يبرز أفكاره الخاصّة أو آية غريبة. بل كل واحد إعتبر نفسه لسان الموحي السماوي.

نلاحظ أن إعلانات نهاية الزمن المتعددة لم تعطى لنبيٍّ واحد فقط من اتباع المسيح بل مُنحت إلى بعض العبيد الموهوبين بالنبوّة في الكنيسة. و صارت رؤاهم متّحدةً في رؤيا يوحنا الفريدة عن الأحداث الآتية.

 

اللزوم الإلهي

 

إن مُضيّ الزمن الأخير ليس صدفة بل خاضع لعلم الله و قراره الّذي لابدّ منه أن يكون. هو الصادر من قداسة الله و محبته. ينتهي صبره عندما تزداد و تفيض خطيئة الفرد و خطيئة الشعوب. و أمّا رحمته تحافظ و تحمي كل تائب. يسوع لا يترك خروفا واحداً يضيع من رعيته (يوحنا 10: 27-30). عرّف يسوع لأتباعه ماذا سيأتي من دينونات و من حماية لكي يعرفوا الحقيقة الآتية. و أن يُمسك ربّنا بزمام تاريخ العالم بشدّة.

تبيّن مرارًا في حياة المسيح اللزوم المفروض عليه من محبة الله و قداسته و خاصةً في زمن آلامه. بهذا ندرك أن حمل الله يحتمل و ينفذ الضرورة الإلهية الملقاة عليه

(يوحنا 19:28; رؤيا 5: 1-14).

 

 

 

 

النهاية القريبة

 

بدأت الأيام الأخيرة بميلاد يسوع. و أما النموّ الروحي لدى المؤمنين بيسوع و قساوة قلب المتمرّدين فتعمل منذ ذلك الحين. و ينبغي على الشر أن ينضج ليصبح شراً كاملاً. و أما التائبون فيتقدّسون و يجرَّبون بالألآم ليُصفونَ في صفا ربّهم(رومية 1:5-5). و أضحت نهاية العالم اليوم أقرب ممّا نفكّر. و تأتي النهاية فجأة و بسرعة.

 

الرؤيا أحضرها ملاك

 

لم يظهر يسوع شخصيًّا ليوحنا ليلهمه بإعلاناته بل أرسل ملاكه (ربما جبرائيل) ليخبر رسوله الذي كان الأصغر سنًا و صار أكبر الجميع بمجرى نهاية العالم. أما الرسل الأخرون و كذلك بولس فقد استشهدوا أو ماتوا.

 

إن الملائكة الذين عيّنهم يسوع لخدمته جاء ذكرهم 67 مرَّة في رؤيا يوحنا. و في العهد الجديد كله يذكر الملائكة 175 مرَّة. و يظهرون عادة عندما تنقص مقدرة الإنسان ليدرك ما لا يُدرَك, أو ليتغلّبوا على الأرواح الشرّيرة في تجاربهم.

 

يوحنا عبد يسوع المسيح

 

بقى يوحنا الوحيد من شهود عيان عن حياة و الآم و قيامة يسوع. طرَحَته محبة مخلصه في التّراب, و جعلت منه عبدًا طوعاً. وهو سمّى نفسه عبد سيِّده الذي كان "التلميذ الذي أحبَّه الرب". عاش يوحنا بحسب معنى إسمه الخاص: يهوه يتحنَّن و يترأف.

أما بقية الرؤى من أنبياء العهد الجديد فلم يأخذها أباء الكنيسة في سجلّ "قانون العهد الجديد" لأن رؤيا يوحنا تشمل جميع رؤى نهاية الزمن.

 

هو شهد "بكلمة الله"

 

شهد يوحنا كثيرًا في إنجيله و في رسائله أن يسوع هو "كلمة الله" المتجسد. صار فيه كل الوعود نعم و آمين. و أكمل يسوع الشريعة الموسوية و ثبت بدون خطية لأنه عاش ما قاله. تجسدت فيه سلطة كلمة الله الخالقة و الشافية و الغافرة والمعزِّية و المجدِّدة. ظهرت مشيئة الله متشخصة في يسوع. و أسهب يوحنا في وصف تجسد كلمة الله في سيرة يسوع أكثر من الرسل و البشراء الآخرين (يوحنا 1: 1-18)

 

تمسّك بشهادة يسوع

 

لم يشهد يوحنا بألوهية يسوع فحسب بل حافظ على إعلان انتصاره: "قد أكمل"‍! تمّم يسوع في ضعفه الأليم و في منتهى احتقاره خلاص العالم و التبرير الخطاة, كذلك انتصر على الخطية و الشيطان و الموت و أطفأ غضب الله. أزال يسوع الفاصل بين الخالق و مخلوقاته. و أعلن لنا من هو الله و فتح الباب إلى الديار الأبدية على مصراعيها. حافظ يوحنا على شهادة يسوع المسيح بطريقة فريدة في نوعها و عرّف العالم باعترافه "أنا هو" الذي لا و لن يتغير.

 

شهد بكل ما رآه

 

كتب يوحنا للكنائس كل ما رآه بعينيه, و كل ما سمعه بأذنه, و كل ما أبصره بقلبه. و كان أمينًا و دقيقًا في تدوين الوحي المعلن له. لذلك ائتمنه ربّه على إعلانات أكثر و ألهمه رؤىً عن تطوّر نصره النهائي.

 

تطويب قرّاء هذا الكتاب

 

أكد يوحنا مرتين, في بداية كتابه و في نهايته أن يتطوب من يقرأ النبوّة عن نصر الله و يسمع أقواله و يحفظ الآيات المدونة في هذا السفر. يحتاج المرء إلى ساعة و نصف تقريبا ليقرأ ال22 إصحاحا في هذا الكتاب جهرًا. و تملأ بهجة الروح القدس من يؤمن بالحقائق المعلنة عن المستقبل و يرويها لمستمعيه كتعزية إلهية في يأسهم و كرجاء أكيد في قلقهم. يتبارك أولائك الذين يتعمّقون في الإعلانات عن نهاية الزمن و يخبئونها في قلوبهم ليمتلئ بها وعيهم الباطني فيترقبون مجيء ربّهم و مخلصهم بتشوّق.

 

يتحدث هذا الكتاب سبعة مرّات عن السرور العميق الذي يتميَّز به الثابتون في المسيح (رؤيا 1: 3; 14: 13; 16: 15; 19: 9; 20: 6; 22: 7 و 14) ونقرأ 14 مرّة عن "الويل" في 7 آيات الذي يصيب قساة القلوب في عصيانهم (رؤيا 8: 13 ثلاث مرات) ; 9: 12 (مرتين) ; 11: 14 (مرتين) ; 12: 12; 18: 10 (مرتين); 16 (مرَّتين); 19 (مرتين).

 

وقت الميعاد قريب

 

يرسّخ يوحنا في أذهاننا أن وقت إتمام الخلاص قريب. و يشجعنا أن لا نخاف كالآخرين من يوم الدِّين, و لا ترجف قلوبنا من الدينونة الأخيرة, بل نفرح و نتعزّى لان ربنا آتٍ ليأخذ أحبائه إليه. فلا ننسى أن فرح الرب هو قوتنا. مُنح للمولودين ثانية بحلول الروح القدس فيهم عربون العالم الجديد. سيشرق مجد المسيح كالشمس الخارجة من غسق الصباح و دُعينا أن نكون مرآة يسوع المسيح لنعكس مجد محبته و حقه و طهارته.

 

 

2: التحيَّة لأعضاء الكنائس اليونانية في آسيا الصغرى

(الرؤيا 1: 4-6)

 

1-   يوحنا, إلى السبع الكنائس التي في آسيا: نعمة لكم و السلام من الكائن و الذي

يكون و الذي كان و الذي يأتي, و من السبعة الأرواح التي أمام عرشه,

2-   و من يسوع المسيح الشاهد الأمين, البكر من الأموات, و رئيس ملوك الأرض.

الذي أحبّنا, و قد غسَّلنا من خطايانا بدمه,

6- و جعلنا ملوكًا و كهنة لله أبيه, له المجد و السّلطان إلى ابد الآبدين. آمين

 

يوحنا المنفي

 

عرَّف يوحنا عن نفسه انه كاتب هذا السفر في بداية المقدمة الثانية على نسق رسائل رسل العهد الجديد إلى الكنائس اليونانية. فأصبح البشير يونانياً لليونانيين إذ اتخذ أسلوبهم في كتابة رسائلهم, و لهذا ابرز اسمه أولا كمرسِل كتاب الرؤيا.

 

نُفي البطريرك بواسطة السلطة الرومانية لمنطقة أفسس, عاصمة محافظة آسيا, إلى جزيرة بطمس القاحلة و التي تسكنها قلّة من الناس عند بحر إيجة. و كان مشتاقا إلى كنائسه الحديثة في آسيا الصغرى التي كان راعيًا لها.

 

انتقل مركز كنيسة المسيح و نموّها و حيويتها بعد خراب أورشليم على يد تيطس سنة 70 ب. م . إلى أنطاكية و من ثمّة إلى افسس. فكثير من اليهود و المسيحيين من اصل يهودي, الذين ساءَت سمعتهم عند الرومان, هربوا و عاشوا منذ ذلك الحين مبعثرين في بلدان الحضارة الهيلانية. فتكوَّنت حسب المعروف في ضواحي افسس اكثر من سبعة كنائس على تلال و جبال أناضوليا, التي نشـأت في المدن المركزية في الأقاليم التابعة لعاصمة افسس.

 

الكنائس السبعة

 

تكلَّم يوحنا إلى جميع المسيحيين في محافظة افسس و لقّبهم "بالكنائس السبعة". و كان العدد سبعة يعني آنذاك الملء و الكمال. و لا تعني تسمية السبع كنائس تسمية وهميّة لأن هذه الكنائس كانت موجودة حقًا. إنما كانت مميّزة و مثالا لوضع الكنائس الأخرى المحيطة بها.

 

 

اشتاق الراعي المنفي إلى رعيّته اليتيمة, تألّم معها تحت الصعوبات و الاضطهادات التي بدأت في الدولة الرومانية. و كان يتصارع في صلواته مع الله و المسيح حول نجاتهم و قداستهم و حفظهم في تجارب الأيام الأخيرة.

 

رأى يوحنا بعد حكم القيصر نيرون الذي كان طاغيًا و ضدّ المسيح (54-68 ب.م.), و بعد تأله القيصر دومتسيان (81-96 ب.م) أن تهاجم تجارب عنيفة و خطر مهلك على الكنائس الحديثة.

 

أمّا الرسول فقد نفاه الرومان إلى بطمس و عزلوه عن بطركيّته لكي تنهار كنائسه و تتبعثر. و بينما كان مطروحًا إلى الجانب, و غير قادر أن ينصح و يرشد القسوس المتروكين و الشيوخ المعينين هاجم الله و يسوع في صلواته لينقذ كنائسه المهدّدة و يقدسها ويحفظها من الشرير.

 

أجابه الرّب يسوع جوابًا باهرًا و أعلن حضوره الشخصي بين الجماعات الوحيدة المتروكة وأراه تطوّر الخلاص في وسط ويلات نهاية الزمن التي كانت بمثابة مخاض الولادة ليتحقق العالم الجديد. و أعطى الرب هذا الإعلان ليتأكد البشير من إتمام الفداء و يدرك انه و كنائسه يتبعون موكب انتصار المسيح, ليطمئن الناظر و ينال هدوءًا و قوّة و سلامًا.

 

نعمة لكم

 

أهم كلمة قدمها يوحنا لكنائسه في كآبتهم و اضطهادهم هي تحية الرسل التي بدءوا بها رسائلهم في العهد الجديد: نعمة لكم!

ليس الخوف من الاضطهاد و لا من الدينونة أو الضغط المتزايد من بنود الشريعة الغير متمَّمة بل تبرير الخطاة الآثمة و تزويدهم بمواهب الروح القدس هي الشعار الرئيسي و الحقّ الروحي و ينبوع القوّة لكنيسة المسيح في كل الأزمان. فلا نإنُّ تحت حكم الشريعة بل نسلك في النعمة. اكتملت متطلبات الحقّ الموسوي بواسطة كفّارة المسيح الفاصلة. و بدأ عصر جديد عظيم و هو عصر النعمة الكاملة المجانية الحاضرة لكل إنسان. هذا عكس مبادئ الشريعة الطالبة البرّ الذاتي بالأعمال الخاصة. فلا يمكن للشريعة أن تقدِّم الخلاص بالنعمة بل تفرض إتمام بنودها بدون رحمة.

 

سلام لكم

 

هدف تبريرننا بالنعمة هو السلام الأبدي. قد أطفأ المسيح غضب الله بواسطة ذبيحة كفّارته النيابية عنا مرّة واحدة. من يؤمن به لا يأتي إلى دينونة. المسيح هو سلامنا. منحنا سلامه الخاصّ بحلول الروح القدس فينا. و يجعلنا صانعي السلام وسط العالم المليء بالبغض و الإنتقام و سفك الدماء. و يقوّي المسيح اتباعه أن يحبوا أعدائهم و يباركوا لاعنيهم. يستقرّ السلام في قلوبهم ما داموا في المسيح. يتغلب الرب على مشاكل العالم بواسطة اتباعه. فيحبون كل إنسان و يعملون ما يؤول إلى السلام.

 

هذا عكس ما تعلمه الشريعة لأنها تفرض على اتباعها عين بعين و سن بسن. فالسلام الدنيوي يتوقف على الإنتقام و الخضوع للحاكم السياسي. أما سلام الله الذي يحفظ القلوب يفوق كل عقل, لا تعرفه الشريعة.

 

الكائن و الَّذي كان و الَّذي يأتي

 

النعمة و السلام لا يُعطان للكنائس بالقول فقط بل يأتيان إليها فعلاً من وحدة الثالوث الأقدس. النعمة و السلام, التين لا يستحقهما أحد, يصدران من الأب و الأبن و الروح القدس و يثبتان في المؤمنين و خاصة في المهدَّدين و المضطهدين.

 

شهد يوحنا باله العهد القديم الذي لن يتغيّر. هو الكائن الذي يكون. أمانته ووعوده لا يبطلان في وقت الضيق. كان قبل الزمن و قبل بدء خليقته و سيأتي شخصياً في نهاية الزمن ليدين العالم الملحد.

 

الله الحقيقي الكائن هو الآتي (الأدفنت) و يأتي ليطلب و يخلّص ما قد هلك. لا يقصد أن يأتي ليدين العالم و يهلكه, بل ليخلّصه. و تصدر من محبته الخليقة الجديدة. تهدف خطّة خلاصه إلى سماء جديدة و إلى ارض جديدة يسكن فيهما البرّ.

 

ربما لا يريد يوحنا أن يبلِّغ اللاجئين من اليهود و المسيحيين من اصل يهودي في كنائسه من بداية كتابه عن الآب السماوي بل حدثهم عن الكائن الأبدي الغير متغيّر. و ربما رأى أيضا أن الله الآب قد غطّى وجهه نظراً للدينونة الآتية و أعلن نفسه كالديان الغاضب. ستوضِّح الآيات القادمة هذه الأسرار في الرؤى المقبلة.

 

الأرواح السبعة أمام عرش الله

 

بعد شهادة يوحنا عن إله العهد القديم الذي لم و لن يتغيّر, شهد أيضًا عن الروح القدس بهيئة السبعة الأرواح الواقفة أمام عرش الله. يأتي منهم النعمة و السلام إلى الكنائس السبعة, كما يأتيا من اله العهد القديم. ترد تسمية الروح القدس كسبعة أرواح الله أربع مرّات في كتاب رؤيا يوحنا المسمّى إعلان المسيح النبوي (إصحاح1: 3; 3: 1; 4: 5 ; 5: 6)

 

العدد سبعة هو مجموع ثلاثة مع أربعة و يعني حسب آراء بعض المفسرين أن يهيمن الثالوث المبارك على الأقطار الأربعة من الأرض. و قد انسكب روح الرب بعد موت المسيح الكفاري على البشر و يتجوّل في الكون, وهو حاضر في كل مكان, و يريد أن يجد مسكناً في جميع الناس و البيوت و البلدان. الأرواح السبعة هي روح الآب و روح الابن الذي كان على اتصال دائم بالكنائس السبع في افسس و ضواحيها. و كان لكل كنيسة الامتياز أن تمتلئ من روح الله.

 

الأرواح السبعة لا تعمل مستقلة عن الله بل تقف دائماً أمام عرش القدير مستعدة لخدمته. و يصدر سلطانها من وحدتها مع الآب و الابن. إن الروح القدس متساويًا للأب و الابن, و هو في نفس الوقت مطيعاً لله الآب كما يخضع الابن طوعًا لمشيئة أبيه. لا تخشى المحبّة الحقة من الطاعة التامّة بل تعمل في انسجام كامل مع إرادة الآب. قد اعترف يسوع: طعامي أن اعمل مشيئة الذي أرسلني و أتمم عمله (يوحنا 4: 34). الكبرياء يعصى الله القدير و أما التواضع فينسجم معه. الأرواح السبعة هي روح الله الخاص.

 

يسوع المسيح هو الشاهد الأمين

 

التحية المبنية على النعمة و السلام تصل إلى السبعة كنائس من الله الآب كما من الروح القدس الذي أعلن نفسه لأجلهم كسبعة ارواح. اخيرًا نقرأ ان النعمة و السلام يأتيان ايضا من يسوع المسيح الذي يعيش و يملك في وحدة كاملة مع ابيه و الروح القدس من الأزل الى الأبد.

 

ذكر يوحنا في تحيته الثانية عن يسوع المسيح ثلاثة أسماء و صفات هامّة التي تصفه بالصّواب.

يدعوه أولا الشاهد الأمين. لم ينكر يسوع في حياته على الأرض انه ابن الله و الملك الأبدي. اعترافه بأبيه السماوي و تمسّكه بسلطانه الروحي, وهو واقف أمام قضاته بقيود, كانا السببين الرئيسيين للحكم عليه بالموت على الصليب. و لم يهرب قبل إلقاء القبض عليه مع انه عرف بالتفصيل ماذا ينتظره. بقي أمينا لدعوته و لإنجيله حتى النصر.

 

 

البكر من الأموات

 

أما الاسم الثاني للمسيح فهو البكر من الأموات. وُلد يسوع قبل الزمان من الآب في الأبدية و صار إنسانا لفدائنا. مات حقاً على الصليب حتى إذا نكر البعض صلبه و يرفضون هذه الحقيقة التاريخية. قد مُسح يسوع للموت و لُفّ بالكفن. و لكن الموت الذي تحت سلطة الشيطان, لم يقدر أن يتمسك بيسوع البار الذي لم يفعل خطيئة. يحيا حياته الأبدية دائما. غلب يسوع الموت و إنسلّ منه بهدوء و دخل بجسده الروحي إلى فترة جديدة من حياته.

 

لقد ظهر في كيانه الأبدي مرارًا. يدعوه يوحنا البكر من الأموات. هو الذي كان دائما ابن الله, فتح فجوة في الموت لكي يستطيع كل من ولد ثانية أن يتبعه الى مجده. نحن بالطبيعة أموات في الخطايا و العار. أما يسوع فبرَّرنا مجانًا و قدسنا لكي يحق لنا أن نستلم حياته و نمجده كأحياء في حياته. أصبح موته حياتنا, و قيامته تظلّل مجدنا مسبقًا. هو الأول بين الأحياء من الأموات. و قد أعطانا الحقّ و القوَّة لنثبت في الحياة الأبدية.

 

رئيس ملوك الأرض

 

الاسم الثالث ليسوع في تحية يوحنا لليونانيين هو: رئيس ملوك الأرض. يسوع هو الرّب. هذا هو مختصر قانون الإيمان في كنيسة يسوع في كل الأزمنة. فيه صار اله العهد القديم إنسانا كما بشر به الملائكة فوق أجواء بيت لحم: "ولد لكم اليوم مخلص هو المسيح الرب!" (لوقا 2: 11).

قدرته و مجده ليست دنيوية بل روحيّة الهيّة و مستترة. كما أن أشعة الشمس تدفئ الأرض بهدوء و باستمرار هكذا يحيا العالم من محبة و صبر الآب و الابن و الروح القدس. لو انسحبت وحدة الثالوث الأقدس من الأرض يصبح إبليس السيد المطلق عليها. و لكن لحد الآن يعرض الابن وهو ربّ الأرباب حقّه و خلاصه للمسؤولين في أرضنا. من يسمع له و يطيعه ينل قوّة و حكمة منه. و من لا يريد أن يسمع سوف يحصد ثماره الصارمة. من يعصى الحق على الدوام بظلمه يتخلى المسيح عنه لكي يهلك نفسه في شهوات قلبه.

 

طوبى للأمة التي يحكمه حاكم يؤمن بالمسيح و الذي يحاول أن يحكم مملكته في مخافة الله و محبته. الويل للأمة التي اختارة لها حاكماً كافرًا او ملحدًا أو ضد المسيح. هذا يركبه الشيطان و يوحي إليه و يسيّره. و مع ذلك يعيش الحكام الملحدون أيضا من طول أناة ابن الله. إنما وضع حدود لظلمهم. المسيح يتغلّب على العظماء كما أن مياه النهر تشحذ الحجارة في حوضها رويداً رويدًا و تصغرها و تنعِّمها حتى تصبح أخيرًا رملاً. ليس أصحاب السلطة الوقتيون على الأرض هم ذوو السلطان بل المُقام من بين الأموات هو الحي و لا نهاية لملكوته و له الكلمة الأخيرة.

 

هو يحبُّنا

 

بعد تكريم المسيح كواحدٍ من مصادر النِّعم و كالربٍّ الحاكم يهتف يوحنا بتسابيح و عبادة روحية. و يدعو الكنائس في ضواحي افسس قائلاً: "الربّ القدير و ملك الملوك, يحبنا, يعرفنا, يهتمّ بنا. هو معنا. لا ينام. ليس بعيداً عنا. يعمل لصالحكم. يقف إلى جانبكم في التجارب و الألام. يحملني أيضا في فقر منفاي. لسنا لوحدنا. هو يسكن فينا. لا نهاية لسلطانه. يؤكد للذين في التجربة: "ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدّهر!" (متى 20:28).

 
غسّلنا من خطايانا بدمه

 

برهن يسوع المسيح عن محبته بكفارته عنا, و غفر جميع خطايانا بدمه الطاهر الثمين. تألم و مات لأجلنا وهو البار. دفع الفدية بآلام جسده المعذَّب و بنفسه المتألمة. و بموته حررنا و أحيانا. "هو مسحوق لأجل آثامنا و تأديب سلامنا عليه و بِحُبُرهِ شفينا (اشعياء 5:53). هو برُّنا التام. لم يبق تبريرنا خيالياً, لأنه بقربان واحد قد اكمل إلى الأبد المقدسين

( عبرانيين 9: 14; 10: 14).

 

اعترف يوحنا بمحبة المسيح و بالخلاص من كل الخطايا ليس من اجل الكنائس السبعة فقط بل من اجل نفسه أيضا, لأنه دمج نفسه بهذا الإقرار بكلمة "نحن".

 

جعلنا ملوكاً و كهنة لله

 

شجَّع الروح القدس يوحنا ليقرّ إن الرّب المقام من بين الأموات جعلنا ملوكاً روحيين و كهنة لله. البطريرك المخلوع وضع بهذه الشهادة تفويض موسى لأسباط إسرائيل الإثني عشر عند قطع الميثاق في البرّية (سفر الخروج 19: 6-6) أيضا على أعضاء العهد الجديد, كما أن بطرس كان يتجاسر سابقًا و وضع امتياز العهد القديم في رسالته الأولى على أتباع يسوع المسيح في الكنائس الأناضولية! (بطرس الأولى 2: 9-10)

 

يحتوي هذا التفويض من يسوع المسيح على قوّة الرسالة و سلطان روحي و مسؤولية العالم ليكونوا "ملحا و نورا" في العالم الملحد. و لكن تفويضهم لملكوت الله لا يشير إلى ممارسة السلطة العالمية لأن ملكوت ربنا يسوع روحية و مملكته لا مدنية. إنما بالأحرى تقصد هذه الدعوة تقديم البركة إلى الضالين, باجتهاد نخبة خدام يسوع المسيح الذين يضعون بصلواتهم و بشارتهم الحق و القوة من موت يسوع الكفاري على شعوبهم الضالة. كما أن المسيح كان خادماً للجميع ووافق أن يصبح اكثر المكروهين, هكذا ينبغي أن لا يخجل الملوك و الكهنة الروحانيون أن يظهروا كخدام متواضعين في الكنيسة و يستعدّون أن يعملوا الأعمال الوضيعة و الغير المستحبة. قدوة يسوع الحسنة تقودنا إلى التوبة.

 

كتب يوحنا بان يسوع لم يعيّننا ملوكًا و كهنة لنعمل منفردين بل وضعنا أمام عرش الله كما أقرّ ايليا سابقًا أنه واقف أمام القدوس (1ملوك 17: 1). و الأرواح السبعة تقف أيضًا أمام عرشه تعالى (رؤيا 1:4) و هم في كل حين مستعدين للخدمة.

 

و يؤكّد لنا وصف وظيفة خدام المسيح ككهنة ملوكيين أمام الله أنهم "من المتقربين" للقدوس. و بانتدابهم تحت مشيئة الآب و في شركة الروح القدس يحققون خلاص يسوع المسيح في دنيانا كما كتب الرسول بولس: "فإننا نحن عاملان مع الله" (1كورنثوس9:3).

تظن بعض الأديان أن القليلين من الناس و الأرواح مقربون للرَّب القدير. و لكن يوحنا علِم اكثر. فكل الذين تصالحوا مع القدوس بدم الخروف هم بقوّة الروح القدس مقرَّبون من الله.

 

الله أبوه

 

في قمّة تحيته الثانية سمّى يوحنا الله لأول مرة في هذا الكتاب "أبا يسوع". نقرأ مرّتين في الرؤيا أن الله "أبوه" (رؤيا 6: 1; 14: 1). و ثلاث مرّات يدعوه يسوع "أبي" (رؤيا 2: 28; 3: 5 و 21).

 

باحترام عميق و بمحبة مخلصة يعلن الرسول السرّ الذي في علاقة الله بيسوع. إن فيه يحلُّ كل ملء اللاهوت جسديا (كولوسي 1: 19; 2: 9). و مع ذلك وضع يسوع نفسه في حياته الدنيوية تحت مشيئة الآب و قال : "لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئًا إلا ما ينظر الآب يعمل. لأن مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك. لأن الآب يحب الابن و يُريه جميع ما هو يعمله" (يوحنا 5: 19-30). و صرَّح في خطابه الوداعي : "الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي لكن الآب الحالّ فيّ هو يعمل الأعمال" (يوحنا 14: 10).

 

تنفتح وحدة الله الأب و الابن الذين ينجذبون في تواضعه و محبته و طهارته. المحبة الحقّة لا تدوم بدون احترام و شركة. "ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به" (يوحنا 16: 32; 17: 26).

 

يرفض البعض أبوة الله و بنوة يسوع المسيح, و يتهمون المسيحيين بالفكر الشنيع أنهم يعتقدون أن الله نام مع مريم العذراء و أنجب منها طفل يسوع. هذا تجديف لا يؤمن به مسيحي قط! إنما حَبل مريم العذراء بيسوع تمَّ روحيا لا جسدياً.

 

له المجد و السلطان

 

إستهل يوحنا في كتابه هذا بتسبيحه الأول لله, بعدما شهد بأُسس إيماننا المسيحي. و بالمجاز, وضع التاج الذي حصل عليه قبلاً كملك روحي و كاهن أمام الله و رجَّعه إلى الرب تعالى بالاحترام و السلطان الموهوب له.

 

اعترف الناظر في بطمس بان المجد يأتي من الله و يخصّه وحده . و يعتبر مجد الرب العظيم في العهد القديم خلاصة صفاته و أسمائه و قواه. و تشبه مجده الشمس التي تنفجر منها خُممٌ من الأشعة باستمرار و لا تنتهي قوتها رغم هذا البث. و من يمسّه شعاع واحد من مجد محبّة الله يبتهج بهتاف الشكر و الحمد. من يسلك في النور كما هو في النور يقدر أن يحبّ الاخوة صعاب المزاج كما يحبنا الله (5:1-7). ظهر لنا مجد الله في يسوع المسيح و في محبّته اللانهائية. لهذا السبب يهتف يوحنا أن كل المجد يأتي من وحدة الثالوث و يدوم فيها و يرجع إليها.

 

يشمل مجد الآب و الابن القدرة و السلطان. ليس إلهنا طاغيًا يستغل خليقته و بعدئذ يبيدها. بل يثبت إلهنا دائما الفادي المضحي ورئيس السلام الذي اختار أن يموت عوضًا عنا على الصليب لنحيا نحن الظالمون المبررون لأجله. سلطان الله عظيم. فمن يقفل قلبه عن سلطانه يتعامى و يُضاد قدرة الكون الأصلية. آمن يوحنا و شهد بسلطان الآب و الابن و الروح القدس الغير محدود طيلة الأزمان و حتى في الآلام و الاضطهاد.

 

 

 

آمين

 

ختم الرسول تسبيح عبادته بآمين جريئة و أثبت بذلك حقيقة و فعليّة كل ما كتبه في مقدمتي سفره. و كان يقرّ في الأعداد الثلاثة (4-6) فإيمانه و محبته قدمهما كبطاقة شخصية لكي يعرف الكل من هو: المنعم عليه في سلام الله الواحد في الثالوث الذي ينقل هذه النعمة و السلام لكل من يقرأ كتابه عن "إعلان يسوع المسيح" و يحفظه في قلبه. آمين

 

 

3: موضوع و هدف إعلان يسوع المسيح (7:1)

 

3-               هوذا يأتي مع السحاب و ستنظره كل عين و الذين طعنوه و ينوح عليه جميع

قبائل الأرض. نعم آمين.

 

هوذا يأتي مع السَّحاب

 

أراد يوحنا أن يبرز شعار و هدف كتابه جلياً. لذلك وضح لكنائسه معنى و هدف تاريخ العالم. المسيحيّة لا تقدّم نظرية جامدة و منتهية بل مذهب ديناميكي متحرك و المتجه نحو مستقبل بهي. و النقطة الفاصلة في انتظارنا هو مجيء يسوع المسيح الثاني في المجد.

 

تنبأ دانيال أن ابن إنسان يُقرَّب إلى الآب الأبديّ في سُحُب السماء, ليعطي سلطانًا و مجدا و ملكوتا, لتتعبد له كل الشعوب و الأمم و الألسنة (دانيال 13:7-14).

 

قبل يسوع هذه النبوّة المشيرة إلى المستقبل مرارا على نفسه. و سمّى نفسه عادة ابن الإنسان (124 مرّة) و شهد بذلك انه سيعود بسلطان عظيم و مجد كثير. نقرأ أيضا أنه آتيا على سَحابِ السماء (متى 30:24-31) و أنه آتيا في سحابٍ (مرقس 24:13-27) و أنه يأتي في سحابةٍ (لوقا 25:21-28). و سمى يوحنا هذا المجيء المجيد "علامة ابن الإنسان" تصديقًا و إثباتا لألوهيته.

استخدم يسوع المسيح هذا الوعد في الدفاع عن الذات و للتعريف عن نفسه. و أعلن لقضاته السبعين: "من الآن تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمينِ القوّة و آتيا على سحاب السماء" (متى 64:26; مرقس 62:14). و بهذا اقرَّ المتَّهم بألوهيته (مزمور 1:110) و أعلن المقيَّد لحكامه انهم لا يقاضونه بل هو سيدينهم بعد مجيئه الثاني كالديان الأبدي. و لكنهم لم يعبدوه بل حكموا عليه بالموت إذ قالوا: قد جدف.

 

بعدما صعد يسوع إلى السماء في سحابةٍ وضّحا الملاكان للتلاميذ الشاخصين إلى فوق: "إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء, سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقًا إلى السماء" (أعمال الرسل 9:1-11).

 

كتب بولس أنّ مجيء المسيح الثاني يبدأ بهتاف النصر من يسوع مع صوت رئيس الملائكة و صوت الأبواق المدوّي. ثمّ يقوم الأموات في المسيح أولا وهو يخطف إليه المؤمنين الأحياء (1تسالونيكي 13:4-18). و شهد بولس بعدئذ أن الرب يسوع يأتي مع ملائكة قوّته في لهيب نار معطياً النقمة للذين لا يعرفون الله والذين لا يطيعون إنجيله. و يتمجد الرب بنفس الوقت في قدّيسيه و يتعجب الهالكون من بهائه الظاهر في أتباعه (2تسالونيكي 7:1-12; يوحنا 3:14; يوحنا 24:17).

 

و ستنظره كل عين

 

أعلن يسوع: "كما أن البرق يخرج من المشارق و يظهر إلى المغارب هكذا يكون أيضا مجيء ابن الإنسان" (متى 27:24). و حينئذٍ تنوح جميع قبائل الأرض و يرتعبون عندما يبصرون إبن الإنسان آتيًا على سحاب السماء بقوّة و مجد كثير محاطًا بملائكته و قديسيه (متى 30:24; 1تسالونيكي 13:3). الملحدون و أصحاب مذاهب الإنسانية, البوذيون و المسلمون, الأغنياء و الفقراء, العلماء و الأميون, الصغار و الشيوخ سيرتاعون عندما يدركون حقيقة سلطان المسيح الآتي. عندئذ يعترف الجميع إما بالهتاف أو بالتمتمة أن "يسوع هو الرب" (فيلبي 10:2-11). و هنا يظهر استهزاء رافضي ألوهية المسيح الذي يُشبه الخشبة المرمية التي تعود إلى راميها و تضربه إذ قالوا: "إن كان للرَّحمان ولدٌ فنحن أول العابدين". في هذه الساعة لا حاجة إلى عظة أو تفسير لان المصلوب المقام من بين الأموات سيظهر شخصيًا للجميع فيتضح انه ربّ المجد. فكل الفلسفات و المذاهب و أديان العالم و عبادة الشيطان ستندثر تلقائيًا من حقيقة الربّ الآتي.

 

و ستنظره كل عين و الذين طعنوه

 

يعلن وعد نهاية الزمن عند زكرياء 9:12-14 أن شعب العهد القديم يتوب و ينوح عند ظهور المسيح لأنهم عندئذ يعرفون بلمحة بصر, انهم قد أخطأوا هدف تاريخهم و معنى تعيينهم. و تتعلق هذه التوبة بحلول الروح القدس في آخر لحظة قبل مجيء المسيح. و يدفعهم هذا الروح يصرخوا بطلب "النعمة" نظرًا لاقتراب مَلِكِ المجد البهي.

 

هل قصد يوحنا بهذه الأيات أن يواجه اليهود المتشددين في كنيسته بمجيء المسيح, و يقودهم إلى توبة حقيقية, و يحررهم من معارضة الإيمان بيسوع؟ أما هذا الحدث العظيم و الأهم في المستقبل سيفتح أيضا أعين القضاة السبعين من المجلس الأعلى اليهودي, الذين حكموا على ديان العالم بالموت بجهلهم. فسيعاينونه برعب آتيًا في سحابة السماء.

 

و تنوح عليه جميع قبائل الأرض

 

و يصف الكتاب المقدس مرارا نواح وولولة الغير مولودين ثانية عند مجيء يسوع المجيد ووصوله إلى الأرض الظالمة. (متى 30:24; يعقوب 1:5; لوقا 25:6; لوقا 30:23; رؤيا 15:6-16).

 

و عندما سيسمع أحد منهم بان إبن الله سيظهر للدينونة و يطلب حساب حياته سيهرب و يختفى في مغارة.

 

من لم يعترف بخطاياه أمام مخلّصه سيقف بغتة مكشوفاً عند مجيء المسيح. عندئذ سيتضح كل فكر و كلمة و عمل و حتى ما لم يعمله الإنسان. و سيظهر كل عار نسيناه أمام ابن الله القدوس. و سيكون رعب الخطاة الغير مؤمنين عظيمًا لا يوصف. و يتمنون الموت و لا يجدونه.

 

نعم آمين

 

كتب يوحنا في نهاية توضيح هدف كتابه عبارة "نعم" باللغة اليونانية وثبتها بكلمة "آمين" بالعبرية. كلتاهما يحملان نفس الإعتراف: هو حق و يقين.

 

لا تتضمن التحيتين في هذا الكتاب فلسفة نظرية و لا أحلام خيالية و لا امنيات فارغة و لا آمال فاشلة بل تصف الحقيقة الإلهية و كيانه الأبدي لا مفر منه.

 

فكل من يتوب و يقبل حمل الله و يؤمن بكفارته النيابية عن الجميع يدفعه الروح القدس أن يخضع طوعا لسلطة وحدة الثالوث الأقدس فيعيش سامعا و مدركًا ارادة الله و يسلك نحو هدف خطة خلاصه. انه لكارثة عظيمة أن يُهمل احد مجيء المسيح الثاني الحتمي.

 

 

 

 

 

 

 

4: ختم الله على إعلان يسوع المسيح لعبده يوحنا

(رؤيا 8:1)

 

7-               أنا هو الألف و الياء, البداية و النهاية, يقول الرب الكائن و الذي كان و الذي

يأتي. القادر على كل شيء.

 

أنا هو

 

بعد أن أنهى يوحنا كتابة المقدمة الموجزة و أبرز كهدف تاريخ العالم مجيء المسيح الثاني سمع صوتاً جهورًا: "أنا هو". و بهذا الإعلان وافق الرب و اقرَّ على شهادة عبده و أثبت موضوع و فحوى و هدف رؤياه.

 

لا يحتوي العدد الثامن على كلمات بشرية بل على وحي مباشر من الله. و ينبغي لكل إنسان أن يحفظ هذا الإعلان مثل لؤلؤة ثمينة و يضمها إلى قلبه. و هذه شهادة من الله عن نفسه هي الختم الإلهي على كتابة يوحنا.

كلنا نحيا من كلمة الله "أنا هو" لأنه حي و يخاطبنا. و بما انه يكالمنا اختارنا, و جعلنا شركاه رفّعنا إلى مستواه الخاص. من لم يسغي إليه يعيش منفردا متروكاً بلا هدف.

 

الذي يقول "انا هو" يظل أساس وجودنا. أما الذين ينكرون وجود الله سينكسرون بعبارة "أنا هو". فالمذاهب و الفلسفات و الأديان الكاذبة و وسوسات الأبالسة ستدان بحقيقة الكائن الى الأبد.

 

قال الربّ لموسى : "أهيه الذي أهيه . هذا اسمي إلى الأبد" (سفر الخروج 3 : 13 16) . و يعني هذا الإسم: إني أنا هو أو ساكون الذي يأكون" و يُترجم هذا الإسم باللغة العربية الى الرب. أكد لموسى انه سيسير معه و يرافقه في وسط الصحراء القاحلة.

إفتتح الرب الوصايا العشر بهذا اللقب. و بدأ يسوع بعدئذ كلماته الجبارة على هذا الأساس "انا هو" ( يوحنا 6 : 35 ، 8 : 12، 10 : 7 + 11 ، 11 : 25 ، 13 :13 ، 14 : 6 ، 15 : 1 ، 18 : 5 8 + 35 ، رؤيا 1: 27 ، 22 : 13) عندما يقول الربّ "أنا هو" يشهد بأبديته وبأمانته التي لا تزول و صفاته لا تتغيرّ لان هو هو إلى الأبد, فيبقى اساس كياننا ومقياساً وهدفاً للجميع.

 

الألف والياء

 

فسََّر الربّ اسمه المستتر بالحرف الأول و الأخير الذين هما حدود للحروف الأبجدية كلها. لا يوجد قبله و بعده حرف و كلمة أخرى. وهكذا يبقى الربّ بذاته حدّ ومقياس كياننا وثقافتنا وتفكيرنا.

أضافت بعض المخطوطات اليونانية الجملة: " انا هو الأول والأخير ". كان الربّ الكائن قبل الأكوان و قبل الزمان والمكان. وسيكون موجوداً عندما ينتهي الكون. و كلمته هي الكلمة الأخيرة الفاصلة. كل ما يدعيه الناس والملائكة و الأرواح الشريرة يستوحى كأنه مهم. أما كلمة الربّ فوحدها تُحسم الحقّ والقيمة واستمرار حياة الأشخاص.

 

الرب

 

الاسم الذي يسمَّى به الله في العهد القديم عادة هو "إيلوهيم", الوارد 2600 مرّة في النَّص العبراني. اصل إيلوهيم " إيل " الذي يعني القوة والقدرة. تظهر لفظة " إيل " 238 مرة في العهد القديم إمّا لوحدها أو مركبة مع كلمة اخرى مثل "إيل رُئي" الذي يعني الله يرى.أو " بيت إيل" الذي يعني بيت الله أو "ايليا" الذي يعني "إلهي". نجد في اسم إلوهيم ضمير "هم" مرتبطاً باسم "إيل" الذي يظهر في صيغة الجمع. لذلك يعني اسم "إلوهيم" آلهة. يستنتج المسيحيون من صيغة الجمع في كلمة إلوهيم الثالوث الأقدس. أما اليهود فيسموا صيغة الجمع هذه "جمع الجلالة" التي تعظم الله الواحد.

 

أما اسم الله الحقيقي الخاص في العهد القديم فهو "يهوه" أي الربّ الذي لن يتغير. و يتكرر هذا الاسم 6828 مرة في النّص العبراني و معناه أن ربُّ العهد أمين و ثابت في وعوده و فروضه. فاسم "الربّ" هو المفتاح لمفهوم لقب إلوهيم "الله", لان هذا الاسم يرد مرتين ونصف أكثر من اسم "إلوهيم". فكل بركة تأتي من الرب مباشرة (سفر العدد 24:6؛ 26:25)

المجد يشع من الرب (مزمور 31:104 ؛ 5:138 ؛ اشعياء 5:40 ؛ 1:60 ؛ حزقيال 28:1 ؛ 12:3+23 ). الرب يدين الشعوب ( مزمور 9:7 ؛ 6:50 ؛ 8:75 ؛ 1:82 ؛ اشعياء 22:33 ؛ 1تسالونيكي 6:4 ). الرب هو بِرُّنا ( ارميا 6:23 ؛ 16:33 ) ؛ الرب راعينا (مزمور 23 ).

 

الكائن

 

يثبِّت يوحنا لكنائسه اعلان الربّ عن ذاته, ويؤكدّ لهم أن الرب ليس ميتاً بل حيّ. و أنه أميناً لأتباعه حتى بعد حرق روما سنة 64 ب.م. و اضطهاد المسيحيين مع صلب بطرس سنة 64 ب.م. و قطع رأس بولس سنة 66 ب.م. و كذلك بعد خراب اورشليم, ودمار الهيكل سنة 70 ب.م. مع صلب 30000 يهودي أمام أسوار أورشليم رغم هذا لم يتغير سموّ وقداسة ومحبة ربيهم. فدينونته عادلة, و كيانه يبقي أساسا للوجود. بدونه يتلاشى الكون. هو القوّة التي توحِّد و تنظم الكل و تثبّتها. بما انه الكائن نكون نحن. و بما أنه يبقى كما أعلن نفسه يثبت رجاؤنا. بدونه لا نقدر أن نفعل شيئاً. فوجود الربّ الهنا هو سبب حياتنا وقوتنا وأفكارنا. بدون كلمته وروحه لا نوجد. ينبغي أن نكرمه و نسجد له و نحبه اكثر من قبل. كياننا مرتبط بكيانه ارتباطاً أبديا لن يفصم. فأين شكرنا؟

الذي كان

 

الربّ هو الخالق و سبب الوجود. خلق الفضاء و السموات و ارضنا الصغيرة وكل ما عليها. معجزاته لا تعدّ و لا تستقصى و حكمته عجيبة. يكتب طلاب العلوم منذ قرون اطروحات فحوصاتهم ويساعدهم على ذلك الاجتهاد الكمبيوتر الذي يحسب بسرعة البرق, ومع ذلك فأن غني وعمق الحكمة فى خليقة الرب لن تستقصى و لا يعرف الإنسان كم شعرة (لاتزال) على رأسه ( مت 30:10 ؛ لو 7:12 ). من يعرف عدد النجوم بالضبط؟ ما هو سرّ الحياة البيولوجية؟ ومن يدرك كيف يحسّ الطفل بمحبّة أمّه؟ ربنا كان قبل بداية الزمان وخلق الكون بكلمته وأوحى لنا بذلك برؤى روحانية.

 

الذي يأتي

 

لم يتكلّم يوحنا عن اله الذي سيرسل لنا اعلاناً عن المستقبل كلا ، الهنا يأتي شخصياً. اله عهدنا ليس منجِّيًا بعيداً بل سياتي ليتمم خطة خلاصه. سيحقق اعلاناته حسب النظام الالهي و سيعمل ما يقوله و لا يفوِّض اناساً او ملائكة بل ياتي شخصيا و يتمم خلاصه. يبني ملكوته بهدوء ويكمل وعوده كلها.

 

متقو الله يحيون من معرفة مجيئ ربهم. ترقبهم لإتيانه هو ينبوع قوّتهم ( اشعياء 1:40 3 + 19). الامر الالهي أن يقوموا و يستنيروا يُنهض حتى التعبان و اليائس لأن وصول الرب وشيك( اشعياء 1:60-3 ) يقول يسوع بنفسه: "لتكن سُرُجُكُم موقدة وانتم مثل اناس ينتظرون سيدهم متى يرجع" ( لوقا 35:12-40 ؛1بطرس 13:1؛ متي 1:25-1).ليتنا نشتاق الى ربنا الآتي بالفكر و الصلاة و القول و الفعل و نعدّ طريقه بفرح و اجتهاد.

 

القدير

 

الربّ الذي يقترب منا سوف لا يظهر كإنسان ضعيف بدون قوّة بل سيكون مستعداً للغلبة. هو القدير الحاكم الذي يملك كل سلطان في السماء وعلى الارض. جيوش ملائكته كثيرة لا تحصى. و لا يحتاج الرب إليهم ليدافعوا عنه لانه هو مصدر القوّة الذي يحمل ويحفظ الجميع. أحد أسمائه "إيل" الذي يعني القوّة و القدرة. يدعى في اليونانية ضابط الكل (بَنتوكراتور). هو المالك في كل حين, و يراقب ويدير ما يرى وما لا يرى لأنه ربّ العالمين.

 

يأتي القادر على كل شيء للنصر و الدينونة و ليصنع سلاماً. له سلطان ليتمِّم خططه ووعوده. و يشاء أن يحررّ كنيسته من سلطة رئيس هذا العالم ويخلصها. و يقدر ان ينفذ احكام دينونته بقوّة. و عزم ان يقيم خليقة جديدة مبنية على البرّ.

 

الإنسان المنتظر ربّه هو حكيم و عادل. لا يوجد بديل للقادر على كل شيء. الأسياد الأرضيين كلهم تحت سلطة الموت فهم مغترّون إن لم يَخضعوا طوعًا للقدير.

 

كرَّر يوحنا ختم ربه هذا أي إعلانه الموجز عن نفسه ستةّ مّرات في كتاب رؤياه, كما سمى الرب الإله نفسه ثلاثة مّرات بهذه الكلمات ( رؤيا 8:1 ؛ 8:4 ؛ 6:21 ) واستعمل يسوع الرب ثلاث مّرات لنفسه هذا التعبير ( رؤيا 17:1 ؛ 8:2 ؛ 13:22 ).

 

قصد الرسول إبراز هذا القرار ليوضح أنه لا فرق بين الله الأب والله الابن و كليهما واحد. طوبى لمن يقبل وحدة الثالوث القدوس في شعوره الباطني ويعترف بها حتى ولو يقول البعض أن هذا الاعتراف خطيئة لن تغتفر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الرؤيا الأولى

و نتائجها

على الأرض

 

 

 

ظهور ابن الإنسان

لتقديس كنيسته

 

 

رؤيا 9:1-22:3

 

 

 

 

 

 

 

 

أولا: ظهور الربّ المجيد المقام من بين الأموات

(رؤيا 9:1-20)

 

مقدمة: يوحنا المنفي في جزيرة بطمس (رؤيا 9:1)

 

9- أنا يوحنا أخوكم و شريككم في الضيقة و في ملكوت يسوع المسيح و صبره.

كنت في جزيرة التي تدعى بطمس من أجل كلمة الله و من اجل شهادة يسوع

المسيح.

 

أنا يوحنا

 

بعدما عرَّف الرب القدير نفسه " كالألف و الياء, الأول و الآخر" تجرأ يوحنا أن يفتتح رؤيته الأولى أيضا بكلمة " أنا". لم يُخفِ نفسه في رؤياه كما فعل من قبل في إنجيله كشاهد عيان ليسوع, لأجل دعوته المهمة في أوقات العواصف السياسية. كان هو صوت الله إلى الكنائس المضطهدة, والوكيل على رؤياه و الرسول الوحيد الذي بقي حيا من رُسُل المسيح الذين كانوا شهود عيان لحياة ربّهم. و كان النبي المختار ليعلن الأحداث المقبلة في الزمن الأخير. و ظلّ اسمه "يوحنا" الموضوع المعزي في ظلمة الأيام الأخيرة الذي يعني: "الرب يتحنن و يترأف". فوفقاً لمضمون اسمه كرز بأمانة ربه و نعمته في وسط الويلات و الدينونات.

 

أخوكم

 

كان بإمكان يوحنا أن يعرّف عن نفسه كأُسقف أو رئيس الأساقفة, أو بطريرك, أو بابا, أو رسولا, إنما اختار لقبًا افضل و متواضع, فقدّم نفسه أخاً لكافة المسيحيين المولودين ثانية في عائلة أبينا السماوي. و كان يسوع يسمّيه و الرسل الآخرين "اخوتي"

(متى 8:23, 40:25, 10:28). لذلك إستحق أن يلقب نفسه أخا في وسط الإخوة. كان المقدام ضمن الرعية الجديدة الروحية السماوية (أفسس 19:2,

1يوحنا 1:3-3).

 

الاخوة و الأخوات الحقيقيون هم مسؤولون بعضهم عن بعض في الأيام الحسنة و الرديئة. و يعلن الواحد للآخر الحقيقة في المحبة, حتى ولو كانت تؤلم. يُصلون بعضهم لأجل بعض, و يتألمون معًا. لأن الضيق يربطهم برباط أوثق.

 

لم يعتبر يوحنا نفسه رئيسًا أو سلطانًا أو فيلسوفا, بل المكلف من الرب بين الاخوة كالمسؤول عنهم. كان ينبغي في الأوقات الصعبة أن يتكلم و يتصرّف و يتألم عوضًا عنهم.

 

شريككم في الضيقة

 

الضغوط المتزايدة و الاضطهادات المبتدئة في الدولة الرومانية لم تُصب يوحنا وحده فحسب بل شملت الكنائس أيضا. الاضطهاد على المسيحيين بعد حريق روما (64ب.م) و مع بداية تأليه القياصرة في حكم دومتسيان أتت بأوامر و قوانين شديدة لتثبيت وحدة الإمبراطورية. كان المسيحيون يصلّون لأجل القياصرة و الملوك و الأمراء و لكنهم لا يعبدونهم. يخضعون للسلاطين الذين لهم سلطان عليهم إنما عاشوا بنفس الوقت في مملكة روحيّة, في إرشاد الروح و تحت حكم ربهم. فأعطوا لله ما لله و للقيصر ما لقيصر (متى 21:22). و لكن الأوامر لتسليم أنفسهم للقيصر كليا كانت لابد أن تسبب صدمة حتميّة. و برهنت موجات الاضطهادات في مدة مئتي سنة تحت القياصرة اللاحقين بعدم إمكانية توحيد هاتين العبادتين المضادتين.

 

يمنح إعلان يسوع المسيح في رؤاه حتى اليوم قوَّةً و تعزية و هداية للكنائس في كافة القارات و خاصة المضطهدة! و حيث يحاول مذهب دنيوي أو شريعة دينية بإخضاع أتباع المسيح لعبادة جديدة, هناك يكون في وسع هذا الكتاب أن يساعدهم, و يري المجرَّبين أنّ يسوع حاضر, و يعمل وسط كنيسته المضطهدة و يعزيها و يقوّيها و يحفظها و يقودها.

 

شريككم في ملكوت يسوع المسيح

 

لمس يوحنا بهذه الشهادة أحد المواضيع الرئيسية في العهد الجديد. نصلّي في الصلاة الربانية: "ليأتي ملكوتك". يأمرنا يسوع: "اطلبوا أولا ملكوت الله و برَّه" (متى 33:6) وأكد لنا بان أباه سيعطينا الملكوت (لوقا 32:12).

 

نقرأ 35 مرَّة في العهد الجديد عن الملكوت, 37 مرَّة عن ملكوت الله, و 33 مرّة عن ملكوت السماوات. و تقصد هذه الآيات كلها ملكوت الله الذي ينشئه يسوع المسيح. و قد اقرَّ أمام بلاطس الوالي الروماني: "مملكتي ليست من هذا العالم... أنت قلت: "إني ملك". لهذا قد وُلدتُ أنا, و لهذا قد أتيت إلى العالم لأشهد للحق. كل من هو من الحقّ يسمع صوتي" (يوحنا36:18-37).

 

لم يأتِ يسوع إلى العالم ليبني كنيسته أصلا, بل أراد أن يوحّد الكل في ملكوت ابيه الذي خلق الكون. فعندما أراد يسوع أن يُرجع العالم الى ابيه, تهرَّب أكثرية اليهود و الوثنيون بعصيانهم من دعوته. عندئذ بدأ يسوع بجمع اتباعه, ليكونوا الكنيسة كالمدعوين من العالم لخدمة ربِّهم. ترد في أقوال يسوع المدونة في الأناجيل كلمة كنيسة 3 مرات فقط, بينما نقرأ كلمة ملكوت اكثر من مئة مرّة. تغيّر هذا الأسلوب فجأة عند حلول الروح القدس. و منذ ذلك الحدث نعيش في عصر الكنيسة. و نجد في أعمال الرسل و في رسائلهم كلمة الكنيسة مرّتين اكثر من كلمة ملكوت. فالكنيسة هي برعم و لبّ ملكوت الله, و صادرة من الروح, و تعمل فيها قوَّة الله. و كل مولود ولادة ثانية هو أهلا للمسؤولية في هذا الملكوت.

 

تألمت الكنائس في آسيا الصغرى بسبب أيمانهم بيسوع المسيح كملك في ملكوته الروحيّ تحت وطأة الاضطهادات المتزايد. لم يرض الرومان بوجود مملكة أخرى ضمن إمبراطوريتهم! و خاصة استهزئوا بملك مصلوب, و رسموه مرّة على جدران القصر الرئيسي في روما مصلوبا برأس حمار و يسجد أمامه أحد جند الرومان. لقد سبّب الإيمان بملكوت يسوع المسيح لهم عداوة و استجوابا و ضغطا و مراقبة و اضطهادا و حتى الموت. و كان ملكوت الله عكس ممالك القياصرة.

 

شريككم في صبر المسيح

 

يوحنا و غيره من أعضاء الكنيسة المعهودين اعتبروا أنفسهم مواطنين شرعيين في ملكوت المسيح. لهذا ضغطت عليهم ممالك هذا العالم. و يحارب إبليس, رئيس هذا العالم, ملكوت الله ليُهشِّشه من الداخل و يحطمه من الخارج. لا يعرف الرحمة! حيث يكون التبليغ و كرازة الإنجيل فعَّالة هناك لا تتأخر هجماته. و بما أن يوحنا كان أهم واعظ في الكنيسة آنذاك عُزل و نُفي بالرغم من سيرته المثالية. و في نفس الوقت أصابت أعضاء الكنائس الأخرى استجوابات و سجون و مجاعات و برد و تعذيب على أنواعه. و حيث يزداد الضغط من الخارج تبتدئ الخيانة و الارتداد عند بعض الأعضاء غير الثابتين من داخل الكنيسة. و تزداد هذه الضعفات من الضيق و الخوف و عدم الاستقرار.

 

لم يعد يوحنا الكنيسة بانتهاء هذه الضيقات بسرعة و ما نصحهم بالهجرة بل حثهم على الإستمرارية في الاحتمال, لكي يثبتوا في المحبة كما في الصبر أيضا.

 

يُخلق الضغط من الخارج كثيرًا ما شركة أوثق لدى الأمناء في الكنيسة. و تزداد الثقة بينهم بعد مرورهم من الاختبارات المُرَّة, و يتضح ثباتهم في المسيح أكثر فأكثر. إنما تتحقق خاصة في اضطهاد كلمة يسوع: " و ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر" (متى20:28). فحضوره هو سرّ الصبر المتزايد عند المؤمنين به. و لا تصدر قدرة الصبر من أنفسهم .كلا. لان قوته تكمل في ضعفهم (2كورنثوس9:12). هم يحيوا "فيه" وهو "فيهم".

 

يُنتج الصبر في الصعوبات رجاءً لمجيء المسيح القريب. و النظرة إلى الملك الآتي تمنح للمتضايق نَفَسًا طويلة لاحتمال المشقات. لا يبقى سلوك المضطَهَد سطحيًا أو مكتفيًا, و لا يتكل على ذاته, بل يمتدّ نحو الهدف السامي فينموا فيه الحنين للوطن الروحي و يترقب حلول ملكوت الله. إنما محبته في خدمة الكنيسة و في تبشير البعيدين تبقيهم على الأرض.

 

لا يستطيع مسيحي ما أن يحتمل تجارب الشيطان و هجماته بقدرته الخاصة إن لم يمنحه يسوع الامتياز أن يثبت "فيه". نقرأ تقريبًا 175 مرّة في العهد الجديد عن كياننا الجديد "في المسيح". هو ملجأنا و سلاحنا و حياتنا كما قال: "أنا الكرمة و انتم الأغصان. الذي يثبت فيَّ و أنا فيه, هذا يأتي بثمر كثير. لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا" (يوحنا5:15).

 

الرسول المنفي في جزيرة بطمس

 

من كلماته نستنتج أنين يوحنا الهادئ: وصلت أخرا إلى جزيرة بطمس! هناك بدأت المرحلة الأخيرة من حياة الرسول الشيخ. أثناء مرحلة شبابه كان صياد سمك على بحيرة جنيسارت, و تعمّد في نهر الأردن على يد يوحنا المعمدان رمزًا لتوبته. و دعا يسوع يعقوب أخاه وإياه لاتباعه. كان التلميذ الذي احبّه الرب بنوع خاص (يوحنا 23:13 26:19 2:20 7:21 و 20). رأى بهول كيف مات يسوع على الصليب, اخذ مريم أمه إليه, نظر مع بطرس في القبر الفارغ, التقى بالمقام من الأموات شخصيًا, كان شاهدًا لصعوده و نال قوة الروح القدس في العنصرة,. تألم مع الرسل الآخرين من جراء الجلد أمام المجمع (اعمال الرسل 40:5-42). و تألم من اجل أخيه يعقوب الذي قتله هيرودس (أعمال الرسل 1:12-2). اختبر إلقاء القبض على بطرس و تحريره من السجن. و فرح بنجاح العمل التبشيري في انطاكيا و آسيا الصغرى. اشترك في مجمع الرسل الأول في أورشليم كأحد أعمدة الكنيسة الأولى (غلاطية9:2). سمع يوحنا لاحقًا عن موت بولس بالسيف, و عن صلب بطرس في روما. أما هو فبقى سالمًا عندما احتلَّ و دمّر الرومان أورشليم سنة 70 ب.م. و هاجر إلى افسس مركز المسيحية آنذاك, و قاد الكنائس المزدهرة في الأناضول و كتب لهم إنجيله الشهير. أما في النهاية فنفي إلى جزيرة بطمس الخالية من الناس الواقعة على بحر ايجه. إذا هل أصبح هذا الأنين عن "الحذف على الجانب" الافتتاح لآخر مرحلة في حياته؟

 

حمل يوحنا المسؤولية على كافة المسيحيين في قلبه كآخر الرسل, و اختبر فجأة الوحدة في المنفى على جزيرة قاحلة لا أشجار فيها, معتقل المنبوذين. فماذا كان في استطاعته أن يفعل؟ فهدير الأمواج المملة على الشاطئ كاد أن يخلق فيه ضغط نفسي. أما الرسول فتأمّل في مجيء يسوع مترقبًا وصوله فورًا, و صلّى لأجل تقوية كنائسه اليتيمة. و آمن نيابة عنهم. كان يسوع يقود يوحنا إلى الهدوء الشامل في عزلته, لكي يرى و يسمع عوضًا عن كنائسه ما يقوله الروح له و لكافة اتباع يسوع.

 

منفي من اجل كلمة الله

و شهادته بيسوع المسيح

 

تسائل يوحنا في وحدته إن أخطأ أثناء مهمته؟ أو أعطى علة لغيظ السلطة الحاكمة؟ لم يجد سببًا آخر سوى ما كتبه في مقدمته للأعضاء الساميّين في كنائسهم أنه تمسك بشريعة موسى و مواعيد الأنبياء التي تدل على يسوع المسيح الذي شهد به في إنجيله. هذه هي الأسباب التي من اجلها نفي. فتألم لأجل كلمة الله و إنجيل المسيح.

 

 

1-           ظهور ابن الإنسان كرئيس الكهنة و ديّان العالم

(رؤيا 10:1-16).

 

دعوة يوحنا في يوم الربّ

 

10- كنت في الروح في يوم الربّ, و سمعت ورائي صوتًا عظيمًا كصوت بوق.

11- قائلا: "أنا هو الألف و الياء. الأول و الآخر. الذي تراه اكتب في كتاب و أرسل إلى

السبع الكنائس التي في آسيا: إلى افسس و إلى سميرنا و إلى برغامس و إلى ثياتيرا

و إلى ساردس و إلى فيلادلفيا و إلي لاوديكية".

 

في وسط وحدته و كآبته, و خاصة يوم الأحد, يوم الربّ, الذي فيه اجتمع أعضاء كنائسه في مدنهم ليحتفلوا بقيامة يسوع المسيح, زار ملاك الربّ يوحنا في معقله.(رؤيا1:1) ابتهج الرسول الشيخ و اختبر من جديد ملء الروح القدس, ليستلم إعلانات تفوق إدراك العقل البشري. لا يقدر اللحم و الدم أن يُدركا الحقائق الروحيّة من تلقائهما (متى 17:16). أما الروح فهو الذي يفحص حتى أعماق الله (1كورنثوس 10:2) جهّز يسوع يوحنا لمستوى المنطق الروحيّ, حتى استطاع أن يرى الأمور "بمنظور سماوي". لم يتألم يوحنا أثناء تلقيه الوحي من العناء و الرعب أو الغيبوبة أثناء استلام إعلاناته, و لم يتصرّف يوحنا كمصروع و ما ظهر كمجنون. إنما سببت الرؤى عن الويلات هَولا في نفسه, و لكن نال وسط هذا الفزع تعزيات كبرى في جوّ قداسة عميقة. لم يفقد الناظر البصيرة في الهدف النهائي رغم الإعلانات المرعبة.

 

الصوت العظيم كصوت البوق

 

ما ابتدأ "رؤيا يوحنا" برؤية صورة مدهشة, بل بسماع صوت عظيم دوّى وراءه. ترجل يوحنا بفزع نحو هذا الصوت المثير خلفه, الذي حدث ليُعدَّه للرؤى المقبلة. و كان الصوت يشبه صوت البوق العظيم. و لكن لم يظهر للناظر جهاز بوق, بل سمع دوياً مثل صوت البوق.استخدم يوحنا في كتاب الرؤيا كلمة "كما"70 مرّة و العبارة "مثل"45 مرّة. كانت هذه الكنايات ضرورية لان حقائق العالم الروحي لا يمكن وصفها إلا بمصطلحات أرضية قريبة المعنى. "الأبدي" لا يقدر أحد أن يوصفه بدقة, إنما يجوز تفسيره بالإرشادات و المشابهات و الأمثلة.

 

الألف و الياء

 

عرّف يسوع نفسه بكلمة "أنا هو". و استخدم بهده العبارة إسم الرب في العهد القديم: "إني أنا هو", أو "سأكون من أكون" لم يخش يسوع أن يسمي نفسه "الرب" و أن يتكلم بنفس التعبيرات مثلما عرّف الخالق ذاته ليوحنا (رؤيا يوحنا 8:1). استحق يسوع هذه التعبيرات, لأنه اله من اله, و نور من نور, اله حق من اله حق, ذو جوهر واحد مع الآب. هو بهاء مجده و رسم جوهره. فقال: الذي رآني فقد رآى الآب (يوحنا 9:14; كولوسي 9:2; عبرانيين 3:1)

 

البداية و النهاية

 

تبعاً لهذه الإعلانات الإلهية وضّح يسوع للناظر أنه هو البداية و النهاية. قد خلق الله الكون بكلمته, و كان الكلمة قبل كل شيء و في نفس الوقت بدايته. و تجسّد كلمة الله في المسيح يسوع. من يتعمق في الإنجيل حسب البشير يوحنا يقترب من الفهم أن يسوع هو البداية (1يوحنا 1:1-18).

 

و يخبرنا يسوع ايضا أنه سيأتي ليدين الأحياء و الأموات و ستسقط الأشرار الذين لا يؤمنون بألوهيته و بكفارته حتما الى الجحيم. أما أتباعه, وهم جسده الروحي, يتجددون في الذي هو رأسهم. لا بقاء للمؤمن إلا في المسيح الذي هو حياتنا. معه و به و فيه لنا الحياة الأبدية. من يثبت فيه يشترك في النهاية لأن الإبن سيسلم أخيرا نفسه مع كنيسته لله الآب ليكون هو الكل في الكل (1كورنثوس 28:15).

الأمر بالكتابة

 

لم يقترح الربّ على يوحنا أن يتأمل على الطريقة الصوفية في الرؤى, و لم يطلب منه أن يحسب أوقات انتظاره أو يحاول أن يستقصي معاني الرؤى منطقياً, بل بالحريّ أمره أن يدوِّن كل ما يراه بالتفصيل كشاهد عيان. جاد يوحنا الكتابة باليونانية, لذلك سجل بدقة كلمات وصور رؤاه كإعلان يسوع المسيح.

 

لم يؤلف يوحنا كتابًا من تصميمه الخاص. إنما الربّ الحيّ التفت إلى كنائسه في آسيا الصغرى, ليملي على رسوله إرشاداته و أخباره ليحصلوا على خبر خطي منه.

يتردد الأمر بالكتابة عدة مرّات في سفر الرؤيا (رؤيا 1:2 و 8 و12; 1:3 و 7 و 14 ;4:10 ;13:14 ;9:19 ; 5:21). أبرز الرب النبوة مكتوبة لئلا تتدخل التخيلات أثناء نقل الرؤى شفهيا (رؤيا 11:1; 7:22 و 9 و10 و 18 و 19). كان على يوحنا أن يكتب كتابًا "واحدًا" فقط و لا ينسخ منه 7 نسخ أخرى. و أصبح كتابه مقياسًا و تصحيحًا و خطا رسميا للأنبياء الآخرين في الكنائس السبع. و كان لوضعه القصد أن يغلب جوّ الزوال بين المؤمنين, و يعلن بوصف الأوجاع الآتية إرادة الربّ لإنشاء خليقة جديدة في إتمام الخلاص.

 

الكنائس السبعة

 

كانت المدن السبعة في مقاطعات ولاية آسيا الصغرى الرومانية المراكز للإدارة الإقليمية و أيضاً مراكز لعبادة القيصر. هنا بدأت الأزمات الدينية. و هناك كان من المنتظر أن تنشب عن القريب اضطهادات الكنائس.

جرى نظام تسمية المدن كعقرب الساعة, مبتدئة من افسس نحو الشمال إلي مدينة سميرنا (اليوم إزمير) ثم برغامس ثم شرقًا إلى ثياتيرا ثم إلى جهة جنوب الشرقي إلى ساردس وثم فيلادلفيا و في النهاية إلى لاودكية الواقعة بين هيرابوليس و كولوسي. و من هناك تكون عودة الطريق غربًا إلى افسس. و يبلغ محيط هذه المسافة نحو 400 كلم و قطر الدائرة يتراوح بين 100 و 130 كلم.

 

كان بجوار المدن الإقليمية الرئيسية السبعة مدن أخرى فيها كنائس لم تُذكر في كتاب رؤيا يوحنا. و كانت لها علاقة أخوية بالكنائس الرئيسية في المدن السبعة و بالرغم من عدم ذكر هذه الكنائس الصغيرة شملها يوحنا في كتابه تحت العبارة "الكنائس السبعة".

 

 

 

 

الرب خرج من خفائه

 

12- فالتفتُّ لأنظر الصوت الذي تكلّم معي. و لمّا التفتّ رأيت سبع مناير من ذهب,

13- و في وسط السبع المناير شبه ابن إنسان,متسربلاً بثوب إلى الرجلين و متمنطقًا عند

ثدييه بمنطقة من ذهب.

14- و أما رأسه و شعره فأبيضان كالصوف الأبيض كالثلج, و عيناه كلهيب نار.

15- و رجلاه شبه النحاس النقي, كأنهما محميتان في أتون. و صوته كصوت مياه كثيرة.

16- و معه في يده اليمنى سبعة كواكب, و سيف ماض ذو حدين يخرج من فمه, و وجهه

كالشمس و هي تضيء في قوّتها.

 

المناير السبع

 

عندما التفت يوحنا فجأة ليرى مصدر الصوت القويّ و قع بصره أولا على سبع مناير عالية. و كان ضوء اللُّهب المتموجة فوق المناير تنعكس على المناير الذهبيّة الأخرى. يدلنا العدد سبعة بالمنارة المُسبَّعة في خيمة الاجتماع (سفر الخروج 31:25-40) التي أصبحت بعد خراب أورشليم رمزا و شعارا لليهود المبعثرين في كل أنحاء العالم. إنما كل من المناير السبعة في رؤيا يوحنا كانت واقفة مستقلّة الواحدة عن الأخرى و ليست مرتبطة بغيرها.

 

ابن الإنسان المجيد

 

في وسط المناير السبع وقف شخص شريف عظيم. يشير لنا اسمه "ابن الإنسان" إلى نبوّة دانيال 13:7-14. و استخدم يسوع هذا اللقب الفريد "ابن الإنسان" 124 مرة للتعريف عن نفسه في الأناجيل الأربعة. تشير نصف هذه العبارة "ابن الإنسان" إلى تواضعه و إتضاعه في طريقه إلى إتمام الفداء (متى 28:20). والنصف الآخر من هذه الآيات عن إبن الإنسان تشير إلى عظمة يسوع عند مجيئه الثاني (متى 27:16;مرقس 38:8; لوقا 26:9;يوحنا 24:17).

كان يوحنا قد رأى تجلّي ربّه و مخلصه على جبل حرمون عند قيصرية فيليبي (متى 1:17-13;مرقس2:9-9;لوقا 28:9-36). أدرك يوحنا محبة يسوع اللانهائية على الصليب, و استهلّ إنجيله بقوله: "ورأينا مجده مجدًا كما لوحيد من الآب مملوءًا نعمة و حقًا"(يوحنا 14:1). أما مجد يسوع المسيح الذي رآه في جزيرة بطمس ففاق رؤاه و معلوماته السابقة.

 

ثوب أبيض طويل إلى الرجلين غطى جسد ابن الإنسان. و كان متمنطقا عند ثدييه بمنطقة من ذهب. في العهد القديم حمل رئيس الكهنة فوق ثوبه الأبيض لوحة على صدره باثني عشر حجر كريم و حُفرت على كل حجرة اسما من أسماء أسباط إسرائيل الإثني عشر للدلالة على انه كان ينوب و يتشفع فيهم أمام رب العهد. لم يمنطق إبن الإنسان رباط ثوبه حول خاصرته كأنه ذاهب إلى العمل أو إلى الحرب, بل وقف رزيناً براحة أبدية كربّ الأرباب و ملك الملوك. أظهر يسوع نفسه رئيس الكهنة و الملك الحاكم و الدّيان الأزلي في شخص واحد. إنه الربّ الحي! (لوقا11:2). يشرق مجده القدوس و يبهو من ملء محبته و رحمته.

 

رأس الربّ

 

رأس ابن الإنسان و شعره كانا يضيئان كالنور و أبيضان كالثلج و نقيان كالصوف النظيف. لم يكن له شعر ابيض من جراء كبر سنّه بل ظهر بقداسة نقيّة. بما أن اللون الأبيض يجمع كافة الألوان في ذاته و يلمع أكثر من بقيّة الألوان شعَّ رأسه بملء بمجده.

 

ازداد بهائه و جلالته بعينيه المقدَّستَين اللتين تبرز نورهما كلهيب نار من وجهه الأبيض. و أشعة عينيه توضحان علمه الخارق الشامل. لن يبقى شيء مخفي أمام هاتين العينين. ظهر يسوع ليوحنا كديّان كاشف و مميّز كل شيء و ببصره يُكتشف كل ظلم. لا تنفع المجادلات و لا التبريرات و لا الحجج الوهمية بعد. كل شيء يتّضح دون كلمات. طوبى لمن اعترف له بخطاياه و حيله و طلب مغفرة ذنوبه مسبقًا قبل أن يقف برعب أمام الديان الأزلي.

 

صلاة: أيها الرب يسوع, أنت ترى كل ما فعلته أو أهملته. إغفر لي ذنبي, لأجل ذبيحتك

الكفارية. آمين.

 

رجلاه المحميّتان

 

الثوب الطويل لرئيس الكهنة و الديّان الأزلي اظهر رجليه فقط التين كانتا كالنحاس الأصفر السائل الملتهب الخارج من المصهر. و كان الربّ يقول له : "اجلس عن يميني حتى أضع أعدائك موطئا لقدميك" (مزمور 1:110). و حيثما تطأ رجلاه الملتهبتان, لا يبقى إلا الرماد (1كورنثوس 27:15;عبرانيين 8:2). فلا يقدر عدوا ما أن يهرب من هذا الجمر المهلك, لأن قداسة الربّ تدين و تبيد النجس و الكذاب و الثائر و القاتل إن لم يتب توبة نصوح.

 

الصلاة: أيها الربّ, لا تدخل في المحاكمة معي, لان خطاياي كالرمل على شاطئ البحر.

 

 

 

 

صوته كصوت مياه كثيرة

 

من وقف عند شلال شفهاوسن في سويسرا على الشرفة السفلية يرتعب من هدير المياه الساقطة أمامه و تحته, و من اختبر شلالات نياجرَا على حدود الولايات المتحدة الأمريكية و كندا يعرف أن جميع الأصوات تُمتص و تختفي أمام زمجرة مياه الشلالات. و هكذا سيكون لابن الإنسان المجيد الكلمة نهائية. سوف لا يعلو صوت دنيوي على صوته السماوي. كلنا سنصمت أمامه و نسمع برعشة ماذا سيقوله لنا.

صلاة: يا ربّ, طهّر فمي فتخبر شفتاي بتسبيحك.

 

في يده اليمنى سبعة كواكب

 

في أيام يوحنا أمر القياصرة الرومان بصكّ عملة عليها صورهم و يحملون فيها بيدهم سبعة كواكب. و كان هذا الرمز يبيّن سلطانهم المطلق.

 

كانت "السبعة كواكب" برج من الأبراج في علم الفلك فصارت آنذاك حديث يومي للكل. و ظهر يسوع هكذا كضابط الكل الذي بيده مصير الكون و جميع اتباعه. لا أحد يخطفهم من يده (يوحنا 18:10).

 

صلاة: أيها الرب نشكرك لأنك لا تدع أحد منا يسقط.آمين.

 

سيف ماضٍ ذو حدَّين يخرج من فمه

 

تشبه كلمة الله بِحسب الرسالة إلى العبرانيين سيف جنود الرومان القصير ذو حدين الذي كان يستعملونه في القتال المتلاحم (عبرانيين 12:4). لذلك للكلمة السّلطة و القدرة في الحديث و في العظة لتخترق أفكار قلوبنا و تكشفها و تتغلب عليها.

 

لكن في رؤيا يوحنا ظهر يسوع كديّان الهي يخرج من فمه سيف طويل ذو حدَّين يشبه سيف الجلاد الذي به يعدم المحكوم عليهم بالإعدام.

 

كلمة يسوع المسيح تحكم على المتمرّد غير التائب الذي يرفض باستمرار موته على الصليب. الكلمات التي تخرج من فم الربّ تستطيع أن تخلق حياة (متى4:4) أو تبيد للهلاك. من يسمع نداء يسوع مدة طويلة و يرفض عرض نعمته عمدًا باستمرار يصيبه أخيرًا سيف غضب الله اللامع.

 

الديان القدوس يحسم بِحُكمه النهائي مصير كل إنسان و كل شعب. سلطته تبقى بلا منازع. لا يقدر أحد أن يخالف رأيه.

 

صلاة: أيها الرب, لا تبدني في غضبك. امنحني نعمة التوبة.آمين.

 

وجهه كالشمس المشرقة بقوتها

 

وصف يوحنا في نهاية رؤياه انطباع ابن الإنسان المجيد. حاول أن يصف ثوبه و شعره و عينيه و رجليه و صوته و فمه باصطلاحات بشرية. و لكي يصف وجه الرب لم يجد شبه أقوى من شمس البحر الأبيض المتوسط و هي تضيء بقوتها و بهائها. من تجرّأ لينظر الى ضوء شمس الظهر الساطعة لحظة اضطرّ أن يغمض عينيه فورا بسبب شدّة نورها و إلا عمي. إن مجد يسوع الخارق يتنصّل نهائياً من كل شبه بشريّ.

 

الحاكم الجليل و رئيس الكهنة القدوس ظهر ليوحنا كالدّيان العادل الذي بدأ بتولي منصبه. إنما صورته المضيئة لم تضغط على يوحنا و على كنائسه ثقيلا رغم جلالها و بهائها لان الناظر كان يؤكد لهم في مقدمة كتابه: "أن يسوع احبّنا, و قد غسّلنا من خطايانا بدمه" (رؤيا 5:1).

 

2- ابن الإنسان يتعمق في التعريف

عن نفسه لعبده يوحنا (رؤيا 17:1-18)

 

17- فلما رأيته سقطت عند رجليه كميت فوضع يده اليمنى علىّ قائلا لي لا تخف أنا هو

الأول و الآخر و الحيّ.

18- و كنت ميتاً و ها أنا حي إلى ابد الآبدين آمين و لي مفتاح الهاوية و الموت.

 

فلما رأيته سقطت عند رجليه كميت

 

نور مجد يسوع اخترق يوحنا الشيخ, فسقط أرضاً كميت. يسكن الله في نور, و لا أحد يقدر أن يأتي إليه

( 1تيموثاوس 16:6) ظهوره يرعب. نوره يخترق العيون و يكشف القلب و عند ظهوره يتلاشى كل تأمين دنيوي. و مجد يسوع الرب بهر و غلب يوحنا. حيثما يظهر مجد الربّ على الإنسان يحدث أمراً شبيهاً بما اختبر يوحنا. فموسى, إشعياء, حزقيال, دانيال, رعاة بيت لحم, بطرس و بولس كلهم اختبروا إدانة أنفسهم و إماتة كبريائهم. لم تبقى فضيلة من كرامتهم الذاتيّة. بعض أنبياء الأديان الأخرى لم يلتقوا بالله القدوس شخصيًا. لهذا السبب بقوا في أنانيتهم الغير مكسور. لم يعرفوا مجد الربّ بالحقيقة و لا فسادهم الذاتي الذي لا أساس له. لم يقفوا قط في نور القدوس و دينونته. بل يتخيلون أنهم صالحون و يقدرون إنشاء برهم الذاتي بأعمالهم الحسنة. يا مساكين! لا يعرفون الحقيقة.

 

وضع يده اليمنى عليَّ

 

يسوع الديّان انحنى إلى رسوله الساقط على الأرض, ووضع يده اليمنى عليه. هكذا كان يسوع يتصرّف في حياته على الأرض عندما كان يشفي المرضى و يقيم الموتى. و هذا بارك تلاميذه قبَيل صعوده إلى السماء. عندما يضع يسوع يده على إنسان فيحدث الشفاء و التقديس, و الإقامة من الموت في الذنوب و جريان القوة السماوية و إرسالهم بالتفويض لخدمة جديدة. مع أن يوحنا اصبح فوق الثمانين سنة, فعندما وضع يسوع يمناه عليه تلقى قوّة إلهية من ملئه, لخدمات جديدة (دانيال 10:10; 18:8; متى 7:7 و مواضيع أخرى).

 

قال: لا تخف

 

عندما خاطب يسوع يوحنا شخصيا جعله شريكه المخاطب. و منح له مهمّة و إرشاد و قيادة. كلمات ابن الإنسان لم تمِت الرسول بل بالأحرى جهزته ليعزّي الكنائس.

 

صُعق يوحنا, عندما برق نور الرب و أدانه فخاف خوفاً مرعبا. يكشف النور الإلهي كل إثم و كل فشل. و قدرته تعني قدرته للخاطئ الإبادة و جهنم- إلا ليوحنا. صوت الله قدم له رحمة و محبّة و نجاة و إحياء و قوّة و حماية و حفظًا و هدى في النور.

 

المسيح منع يوحنا من الخوف! كان ينبغي ليوحنا أن يتذكّر الكلمات التي كتبها بيده: "لا خوف في المحبة, بل المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى الخارج" (يوحنا18:4-19). صار خوف يوحنا من الدينونة باطلا و بلا معنى

لان يسوع حمل خطيئته و خطايا العالم.قد أعلن يسوع: "الذي يؤمن به لا يدان. و الذي لا يؤمن قد دين" و قال أيضا: "من يسمع كلامي و يؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية و لا يأتي إلى دينونة, بل قد انتقل من الموت إلى الحياة"(يوحنا 17:3-18; 24:5).

 

أنا هو الأول و الآخر و الحيّ

 

تعمّق يسوع في تعريفه السابق عن نفسه بثلاثة أسماء من أسماء الله 347 المكتوبة في الكتاب المقدس. و أكد إبن الإنسان لنبيه باستخدام صفات الله عن نفسه ليتيقن مع كنيسته بأنه ليس إنسانا حقا فحسب بل إلها حقا أيضا. "لم يحسب خلسة أن يكون معادلا لله" (فيليبي 6:2) لأنه كان و يكون "اله من اله, نور من نور, اله حقّ من اله حقّ" كما نعترف بقانون الإيمان النقوي. "فيه يحلّ كل ملء اللاهوت جسديًا (كولوسي 9:2).

 

خلق الله العالم بواسطة كلمته, و فدى العالم بكلمته يسوع, و سيدينها بكلمته أيضاً. كان يسوع مع أبيه الأول في الوجود. و سيكون الأخير الذي يخضع له (1كرنثوس 26:15-28).

 

المسيح هو المنتصر! بعده لا أحد يدخل و يظفر في ساحة التاريخ. قد غلب بتواضعه ووداعته و قداسته و محبّيه كل القوى المعادية لله. و قد أنكر ذاته كليًا. و انهزم الموت بقيامته. و سيقضي عليه كلياً في النهاية.

 

يحق للمسيح أن يستخدم أسماء الله الخاصة لأنه يحمل الحياة في ذاته (يوحنا 25:5-29) كما أن الله هو الحياة بذاته. يسوع هو الرب الكائن الأبدي الذي لن يتغير. الكنسية أقرت بهذا السرّ منذ البداية: " يسوع المسيح هو هو أمسًا و اليوم و إلى الأبد" (عبرانيين 8:13). يسوع الحي هو القوّة الأصلية التي تستطيع أن تبطل الموت.

 

كنت ميتًا

 

أعلن يسوع ذاته ليس بأسماء الرب الحسنى وحدها بل كذلك عرف على نفسه بخصائصه الذاتية التي لا تخصّ الله و لا الروح القدس. فيسوع مات! هذه الجملة القصيرة غير معقولة. كيف يموت الحيّ الأبدي؟ لا يقدر و لا يجوز لينبوع الحياة أن يموت.

 

شهد يسوع بهذه الجملة بحقيقة تجسّده و الغاية من ناسوته. وُلد لكي يموت! لبس جسدًا طبيعيًا زمنياً لكي يقدم نفسه ذبيحة كفارية لأجل الجميع. موته أرحم حدث في تاريخ العالم. لأجل محبته لأعدائه احتمل الحيّ الأبدي الآم الموت, و شرب كأس غضب الله حتى حثالته. من يدرك قليلا من هذه المحبة يسجد لحمل الله شكورا.

 

مات يسوع حقًا و لم يُشبه كخيال مصلوب ميت. صلبه حقيقة تاريخية لا تُنكر. كان يوحنا واقفا بنفسه عند الصليب و رأى بأم عينيه كيف مات المتوج بإكليل الشوك. و سمع و سجّل ندائه الأخير: "قد اكمل" (يوحنا 30:19).

 

ماذا اكتمل؟ يسوع حمل الآم القصاص نيابة عنا, و مات لأجل ذنوبنا كذبيحة الإثم المرضية أمام الله. و أطفأ بموته النيابي غضب الله نهائيا و صالح العالم الفاسد بالقدوس. و أتمَّ انتصاره على تجارب الشيطان. و بالإيمان تنبأ يسوع بانتصاره على الموت و بقيامته قبل الحدث بالوضوح (متى 21:16; 23:17;19:20;36:27).

 

 

و ها أنا حيّ إلى ابد الآبدين

 

طلب يسوع من يوحنا أن يدقق النظر واعيًا له ليدرك انه هو المصلوب حيّ. و كان ينبغي عليه أن يتيقن في بداية الاضطهادات أن يسوع ابطل بموته سلطة الموت و أظهر الحياة الأبدية و الخلود (2تيموثاوس 10:1). كان يسوع الإنسان الأول الذي قام بقوته الخاصة منتصرًا من القبر. و بهذا أباد أيضا ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس (عبرانيين 14:2).

 

منذ ذلك الحين تتضاعف حياة يسوع المسيح في اتباعه المصالحين دون انقطاع. يسوع حي عند الله كشخص مستقلّ ممتلئ شفاعة و رحمة. و بنفس الوقت هو حاضر في كنيسته. هو رأسها وهي جسده (رومية 5:12 ; 1كورنثوس 27:12;افسس 25:4).

 

ليست حياته خاضعة للزمان و المكان في ما بعد. هو حي و موجود إلى كل الدهور. من يتبعه يحيا فيه الى الأبد. كان على يوحنا أن يدرك: رب المجد, الذي وضع يده عليّ, هو ابن الإنسان نفسه الذي سمح لي في السابق أن ارتاح على صدره. إنما هو حيّ. إذا سمحنا أن يتغلغل التشاؤم و الخوف والهمّ في صدورنا نخطئ كثيرا لأجل عدم إيمان. و بما أن يسوع حيّ تستحق المسيحية أن تكون متفائلة و فعّالة و مطمئنّة. حياته قوتنا ورجاؤنا.

 

لي مفاتيح الهاوية و الموت

 

سلم يسوع بطرس و بقية الرسل مفاتيح ملكوت السماوات (متى 19:16;18:18;يوحنا 22:20-23). من يؤمن بواسطة شهادتهم أن يسوع ابن الله يحيا إلى الأبد. أما يسوع فلم يقدر أن يسلمهم مفاتيح الموت و الهاوية, لأن هذا يخصّ منطقة نفوذه. أراد الشيطان أن يربط المذنبين به, و تمنّى أنّ إليه راجعون. و لكن يسوع فتح سجن الموت, و حرّر المؤمنين به. حياته تُحيي الأموات في الخطايا. سلطة مفاتيحه رمز على سلطانه الغير محدود. أمام حياته المتغلبة على الموت توضّح أن جميع القياصرة و الرؤساء و الطغاة فاشلين, إذ ليس لهم وقت طويل. فكل فلسفة أو حزب أو مذهب بدون جواب مقنع على الموت باطل.

 

2-           توضيح لرموز الكواكب السبعة و الناير السبعة

(19:1-20)

 

19- فاكتب ما رأيت, و ما هو كائن, و ما هو عتيد أن يكون بعد هذا.

20- سرّ السبعة الكواكب التي رأيت على يميني, و السبع المناير الذهبية: السبعة الكواكب

هي ملائكة السبع الكنائس, و المناير السبع التي رأيتها هي السبع الكنائس.

 

اكتب ما رأيت

 

سمع يوحنا للمرّة الثانية الأمر بالكتابة. لم يرتم فيما بعد على الأرض كالميت, لان الربّ أيقظه لشهادة جديدة. ما كان ليوحنا أن يتفلسف أو يتصوف و لا أن يخاف من الدينونة القادمة بل كان عليه أن يتمّم واجبه و يشهد بدقة على ما رآه و سمعه. فكل ما رآه و سمعه تأثر فيه تأثيرا روحيا عميقاً حتى لم ينس رؤاه بل كتبها بعدئذ بمجمل التفاصيل.

 

أدرك يوحنا في شبابه مجد الرب يسوع المستتر أعمق من التلاميذ الآخرين, و شهد بها بوضوح في إنجيله. أما في ظهور الرب له على جزيرة بطمس غمره المجد المشع المنبعث من إبن الإنسان. فأدرك و شهد بطريقة جديدة أن المصلوب المقام من بين الأموات هو ديان العالم الآتي و ملك الملوك الحاكم. ظهر الرؤساء و المسؤولين على الأرض أمام بصيرة قلبه كلا شيء لان جميعهم سيفنون. الربّ وحده يبقى إلى الأبد, لأنه الحياة في ذاته.

 

العتيد أن يكون

لم يَعرف يوحنا في بداية كتابه ما كان عليه أن يدونه. أعلِن له خطوة خطوة كيف يتقدم تاريخ العالم و تتطور فيه خطة الخلاص نحو هدفه. الشرّ ينبغي أن يتبلور إلى شرٍّ كامل و يحاول أن يتسرّب عمليا في الجماهير. و أما الصالحون فيُصفَّون كالذهب في النار حتى تحترق الشوائب و النجاسة و يظهر صلاح الرب فيهم.

 

وَصف الشرّ الفياض, و وَصف صبّ غضب الله على غير التائبين المجدفين, مع آلام الكنائس المخلصة و حفظها حتى دخول العالم الجديد بحضرة الله, كل هذا كان مخفياً عن بصيرة الناظر في بداية رؤاه. ما كان عليه إلا أن يسجل صورة بعد صورة و كلمة بعد كلمة كما أُعلن له.

 

الله وحده يرى و يعرف مستقبل الكون. تاريخ العالم مكشوف أمامه كالبحر الشفاف. و لكنه يعرض على العالم الثائر و متقسي القلوب خلاصه دون انقطاع. و لكن القليلون يهتدون. إنما لأجل هؤلاء القلَّة لا يبيد الربّ الكون. كنيسة المسيح هي سرّ و معنى تاريخ العالم. و هي العنصر المؤخر لغضب الله. أما يسوع فسينقذ آخر مختاريه حتى ولو كانت الهاوية تفور و تتسرب اكثر فأكثر في السياسة و الدين و الكنيسة العالميّة. و لكن ستتم خطة خلاص الله حتماً. لا أحد يقدر أن يؤخر موقف انتصاره. كلما يدعو و يجمع الرب يسوع من اليهود و الشعوب اتباعه, كلما تتقسى أكثرية العالم ضدّ الإنجيل و تعارض وجود الكنيسة الروحيّة. نختبر أن الخلاص و الدينونة يتقدمان بالقوة نحو هدفهما.

 

 

السبعة الكواكب هي ملائكة السبع الكنائس

 

كلمة "ملاك" في اليونانية و العبرانية تعني "رسول". ربما تعني "الملائكة المُرسَلة من الرب" الشيوخ و القسس المسؤولين في الكنائس السبع في آسيا الصغرى. الملائكة و الأساقفة و القادة في الكنائس و حتى الأعضاء العاملين و المصلين كلهم رسل يسوع المسيح الذي قال لأتباعه: "كما أرسلني الآب أرسلكم أنا" (يوحنا 21:20). كل فرد من رسل المسيح محفوظ في يده. يحقق يسوع بواسطتهم مشيئته. هم شهوده الموكّلون. يريد الرب اليوم بواسطتهم أن يعمل. يبني يسوع كنيسته في الدرجة الأولى ليس بملائكة السماء بل بواسطة اتباعه المولودين ثانية و المطيعين لكلمته. و هذه الدعوة تعني مسؤولية كبرى للرعاة في الكنائس, المختارين و الغير مختارين. تساهم معرفتهم وأمانتهم و شهادتهم و قدوتهم الحسنة و صلواتهم كثيراً في الإنشاء و النمو و الوضع في الكنيسة الروحيّة. و أما كبريائهم و معرفتهم الناقصة و كسلهم و حياتهم النجسة فتهدم الكنيسة و تؤخرها عن النمو الروحيّ. ليت أحد لا يشتهي أو يُقحِم نفسه و يلح على وظيفة كنسية, إن لم ينل دعوة واضحة من يسوع. و ليت أحد لا يرغب في دراسة اللاهوت إن لم يكن مولوداً ثانية و مختبرا في الخدمة الروحيّة. سوف تكون مسؤوليّة ثقيلة على رعاة الكنائس أمام الديان الأبدي.

 

لا يحمل الأساقفة و الأحبار و الكهنة و القساوسة و الوعاظ و الشيوخ وحدهم المسؤولية في الكنيسة بل يشترك أيضاً كل عضو فيها حسب درجة نضوجه الروحيّ. كنائس ميتة روحيّا تختار عادة وعاظ غير حيويين لكي لا يوقظهم من نومهم. و لكن حيث يصلي أعضاء الكنيسة بأمانة لأجل راعيهم المجتهد و يطلبون باستمرار من يسوع أن يرشده و يقويه لخدمة المدعوين, هناك يستجيب الربّ صلواتهم الأمينة و يرسل إليهم خادماً مخلصاً في حينه.

 

رعاة الكنيسة و شيوخها ينبغي أن لا يخافوا من الظلمة المتصاعدة و لا من الظلم النامي في محيطهم. فسيضيئون بأكثر لمعان كلما أظلمت الأحوال حولهم ما داموا ثابتين في ربِّهم و يستمدون قوة من قوّته و بركة من نعمته.

 

المناير السبع هي السبع الكنائس

 

لما التفت يوحنا بعد صوت البوق مذعورًا رأى سبع مناير ذهبيّة عالية التي تمثل السبع كنائس. مهمّة المناير أنها تضيء تنير المحيط. عادة تشع المناير داخل الغرفة. و لكن أحيانا كانت توضع شمعدانات و مصابيح على الشبابيك حتى تضيء للذين هم خارجاً في الظلمة. أمر يسوع رسله و أتباعه: "انتم نور العالم. فليضئ نوركم هكذا قدّام الناس لكي, يروا أعمالكم الحسنة, و يمجدوا بابكم الذي في السماوات" (متى 16:5).

 

بهذه الدعوة وضع يسوع صفته الخاصّة على رسله و اتباعه لأنه شهد عن نفسه: "أنا هو نور العالم. من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة" (يوحنا 12:8).

 

ليت الكنائس لا تُخفض قوّة أشعتها وسط الاضطهادات النامية و لا تضع نورها تحت المكيال, بل تضيء واضحاً كما شهد يسوع و رسله برغم الصعوبات المتكاثرة و الاستشهاد. ينبغي على الكنائس أن لا تنظر بخوف إلى المستقبل لان الملك المجيد يمشي شخصيًا بين المناير المنيرة. و يؤكّد لهم: "ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر" (متى 20:28). الثقة بيسوع المقام من الأموات تمنح الكنائس قوّة للصمود و بركة لخدمة المحبة.

 

رؤيا يوحنا الأولى مع ظهور ديّان العالم الآتي كان استجابة لصلوات البطريرك الذي كان مشغول البال بحالة كنائسه. فأكد الربّ له عنايته و أمانته و حضوره لكافة أعضاء الكنائس و خاصة لرعاة الكنائس أنفسهم. لا يهمل أحداً منهم و حتى يوحنا لم يترك بالرغم من منفاه في جزيرة بطمس القاحلة في وحدته.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ثانيا: رسائل يسوع المسيح المقام من بين الأموات إلى الكنائس السبع في آسيا الصغرى (رؤيا 3:1-21)

رسالة يسوع المسيح إلى ملاك كنيسة افسس (رؤيا 1:2-7)

 

1.       أكتب إلى ملاك كنيسة أفسس: هذا يقوله الممسك السبعة كواكب في يمينه, الماشي في وسط السبع المناير الذهبية:

2.       أنا عارف أعمالك و أتعابك و صبرك, و انك لا تقدر أن تحتمل الأشرار, و قد جرّبت القائلين انهم رسل و ليسوا رسلاً, فوجدتهم كاذبين.

3.                و قد احتملت و لك صبر, و تعبت من اجل اسمي و لم تكل.

4.                لكن عندي عليك انك تركت محبّتك الأولى.

5.       فاذكر من أين سقطت و تب, و اعمل الأعمال الأولى, و إلا فإني آتيك عن قريب و أزحزح منارتك من مكانها, إن لم تتب.

6.                و لكن عندك هذا: انك تبغض أعمال النقولاويين التي ابغضها أنا أيضا.

7.       من له أذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس. من يغلب فسأعطيه أن يأكل من شجرة الحياة التي في وسط فردوس الله.

 

اكتب إلى ملاك كنيسة افسس

 

كانت أفسس العاصمة البارزة في مقاطعة آسيا الرومانية و قد سمع أهلها الإنجيل أكثر

من 30 سنة (من 55 ب.م.). كان الروح يمنع بولس الرسول عدة مرات أثناء سفرته الثانية التبشيرية على دخول العاصمة (أعمال الرسل 6:16-8).

و لكن عند سفرته التبشيرية الثالثة مكث ثلاث سنوات في مركز آسيا الصغرى الثقافية و الاقتصاديّ و بشر هناك علانية (أعمال الرسل 8:19-10; 31:20). إنما ثورة صياغة الفضة سببت هيجان وسط أهل أفسس ضد الكنيسة المسيحية (أعمال الرسل 23:19-1:20). تتميّز كلمة وداع بولس الموجهة إلى أساقفة الكنائس في هذه العاصمة و محيطها بتأثير كبير في أعمال الرسل (أعمال الرسل 17:20-35). كتب بولس وهو في اقامته الجبرية رسالته الأخيرة إلى اعضاء كنيسة افسس (افسس 1:3; 1:4) و سماهم "القديسين في المسيح" (افسس 1:1).

 

ربما كان مساعده تيموثاوس المشرف على الكنائس في هذا المركز الإداري المتعدّد الثقافات بعدما قطع رأس بولس سنة 63 ب.م. في رومية و صلب بطرس سنة 64 ب.م. أما يعقوب أخو يسوع فكان قد رجم بالحجارة سنة 62ب.م. في القدس. و أخيرا أسرع يوحنا الرسول المتبقي الى آسيا الصغرى ليحمل مسؤولية هذا المركز الجديد لكل المسيحية إذ كان له كشاهد عيان لحياة يسوع سلطانا و احتراما بين المؤمنين. و لكن الربّ يسوع نقله كحجرة شطرنج من العاصمة افسس إلى جزيرة بطمس النائية ليكتب رسائله المعزية الى كنائسه و يدون الرؤى عن نهاية الزمان لإنارة المسيحية في كافة الأجيال.

 

الربّ يمسك السبعة الكواكب في يمينه

و يمشي في وسط السبع مناير الذهبيّة

 

سمع يوحنا أمر يسوع المسيح ليكتب رسالة رعاية دينيّة إلى المسؤول عن كنيسة افسس (المدعو هنا ملاك أو رسول). لم يقدّر و لم ينتقد الرسول الكنيسة من ذاته بل دون إملاء يسوع المسيح حرفيا. الربّ نفسه كان المتكلم المباشر مع المسؤول على الكنيسة و أعضائها.

 

تبتدئ الرسائل السبعة بطلب من يسوع المسيح إلى يوحنا أن يكتب إليهم. و عرف الرب نفسه في هذه الرسائل بألقاب و أسماء مختلفة التي أخذها من مقدمة هذا الكتاب و من الرؤية الأولى (رؤيا 1:2و8 و12و18;1:3و7و14).

 

يأتي بعد هذا التعريف عن المرسل وصف الحالة الروحية عن كل واحد من المسؤولين في الكنائس و عن حالة أعضائها. و أنتج هذا التحليل في خمسة من هذه الكنائس إلى طلب فوري للتوبة و تغيير الفكر و إلا يتحقّق تهديد الرب فيهم. أما إلى كنيستين فكتب الرب عوضاً عن الطلب للتوبة تشجيعا للثبات في وسط المشقات.

 

و في نهاية كل رسالة عرض يسوع وعودا باهية شريطة أن رعاة الكنائس يتغلبون على تجاربهم بقوة الروح القدس. هذه الوعود الاثني عشر هي إشارات إلى إتمام الخلاص الآتي كما هو مكتوب بالتفصيل في الإصحاحات 19 إلى 22 من هذا الكتاب الرؤيا. و بهذه المبادئ تبدو رسائل الرب إلى الكنائس منسجمة مع الكتاب كله في تطوّر نهاية الزمن الآتي.

 

و عندما عرّف يسوع عن نفسه في رسالته إلى راعي الكنيسة في أفسس سمى نفسه: "هذا يقوله الممسك الكواكب السبعة في يمينه" فأرشد يوحنا إلى أول مشهد لمحه في رؤية إبن الإنسان المجيد و ديان العالم. و أكد لراعي الكنيسة في افسس أنه الربّ الذي لم يترك و لم ينس الكنيسة رغم نفي يوحنا إنما يحفظه مع الرعاة الآخرين بيده اليمنى المباركة.

 

بالإضافة إلى ذلك يمشي الربّ الحيّ في وسط المناير السبع الذهبية. فليس المشرفون على الكنائس وحدهم بل أيضا أعضائها يختبرون حضور يسوع المسيح الفعّال. و بصفته رئيس الكهنة يملأ المناير الذهبية بزيت الروح القدس ليستمروا مضيئين. و ينظف فتائل ذكرهم ليصبحوا شعلة واضحة. و يهتمّ الرب بعدم انقطاع طاقة إضاءتهم. لا حاجة لاتكالهم على أنفسهم لأنهم ليسوا متروكين. فالربّ يهتمّ بكل واحد من خدامه و أعضاء كنائسه.

 

أنا عارف أعمالك و تعبك

 

يوضح تشخيص الربّ بأنه يعرف بالضبط الأعمال الناقصة و الكاملة عند راعي الكنيسة في افسس. فيسوع هو العليم و الحكيم. لا يتدخل بجفاء عندما لا يعجبه شيء. إنما ينتظر و يرى في العمق الباطني عند كل واحد. ويذكر أعمالهم المهمّة و حتى البسيطة. و يشهد بان العمل في الكنيسة وخاصة في خدمة التبشير عند الغير مسيحيين عمل شاق. لا يدوم العمل عند البعض ثمان ساعات في اليوم فحسب بل تتطلب خدمة الممرّضة أو القابلة استعدادا في كل حين. نقرأ اكثر من عشرين مرّة في العهد الجديد كلمة "عمل" عوضا عن الخدمات روحية. لا يأتي شيء من لا شيء. فينبغي على رعاة الكنائس أن يركضوا و يتكلّموا و يخدموا و يصلوا. و تدفعنا محبّة يسوع المسيح و تحثنا على الذهاب إلى جيراننا و إلى أعضاء كنائسنا لنقدم لهم نعمة يسوع من ملئه. لم يأمرنا يسوع بأن نمكث جالسين في صالات الكنيسة بل أمرنا أن نقف و نسرع و نركض و نعمل و نتلمذ الشعوب. يسوع يريد أن يكسر دوراننا حول الذات لنتقدم إلى الذين هم خارج الكنيسة. و فعلا أسس يسوع في افسس حركة روحية و عمل باجتهاد.

 

أنا عارفٌ صبرك

و انك لا تقدر أن تحتمل الأشرار

 

اختبر المؤمنون و رعاتهم في أفسس أثناء تضحيتهم كصانعي سلام مقاومة عنيفة من خدام الأصنام و من اليهود الذين تمسّكوا ببرّهم الذاتي بحفظ الشريعة فرفضوا نعمة المسيح.

 

سمى بعض أبناء يعقوب أنفسهم مسيحيين و لكنهم كانوا يهودًا اكثر ممّا هم مسيحيون. تكلموا باصطلاحات مسيحيّة و لكنهم قصدوا في النهاية برًّا من أعمال خاصة. ظهروا بثوب نقيّ و كانت عندهم معرفة جيدة من التوراة و الأنبياء. و في الواقع كانوا منافقين خطيرين. سمّاهم يسوع "أشرار". لا تعني التقوى دائمًا الإيمان الصحيح بيسوع و لا اتّباعه بأمانة. فقد تكلم الشيطان مع حواء و مع يسوع و استخدم كلمات الكتاب المقدس لكي يجربهم. أراد أن يضلّ حواء بالمساواة بالله بمعرفة الشرّ فوق الخير المعروف لديها فكذب عليها علانية. جرّب أيضا يسوع ليعمل الخير و العجائب بدون الصليب و ادّعى خادعًا بان كل غنى و سلطان هذه الأرض له.

 

قد جرّبت القائلين انهم رسل و ليسوا رسلاً

فوجدتهم كاذبين

 

يبقى من واجب راعي الكنيسة أن يفحص كل المتكلمين و الضيوف و المبشرين بالإنجيل و الأنبياء و الذين يريدون أن يخدموا في كنيسته. علّمنا يوحنا في رسائله أسلوبا معينًا لنجد من هو الروح ضدّ المسيح فكل من ينكر يسوع أنه ابن الله لا يعرف الآب أيضا (1يوحنا 23:2-25;1:4-5). و يسوع وضح في السّابق: "من ثمارهم تعرفونهم" (متى 15:7-23).

 

من يأتي بدين محترم و ينكر الآب و الابن و الروح القدس الإله الواحد لا يعرف الله بجوهره بل يُضل اتباعه و يربطهم بعيدين عن محبة الله و خلاصه. فلا يحل الروح القدس في قلبه رغم تقواه الظاهرة و يظهر في حياته الرياء و التعصب لأنه يؤمن بتقواه المبنية على أعماله الخاصة فلا يعرف انه خاطئ هالك و لا يعترف بخطاياه بل يرفض صليب المسيح. و ليس عنده غفران و لا راحة النفس و لا يقين في الحياة الأبدية رغم كل تقواه و تدينه المخلص.

 

أما المذهب الإنساني يأتي إلينا بلطف و حنان و يعلمنا أن الإنسان صالح, و لا يحتاج إلى التوبة و المغفرة و الولادة الثانية. كثير من النظريات العلميّة الملحدة انبثقت من هذا التضليل المغري. مثلا الزواج من شركاء نفس الجنس غالبا ما يسمّى "أمرٌ طبيعي" مع انه منحرف جنسيًّا و أخلاقيا.

 

يجب على رعاة الكنيسة المنعشة أن تزيح الستار عن هذه النظريات العالميّة و تسميها بكل وضوح كذبًا. فلا يجوز لنا أن نتساهل مع هذه المبادئ الثقافية المتنوعة, و لا نغوص في مستنقع الحضارة المتعدّدة الأطراف.

 

قال بولس إن ضلالات قوية سوف تدخل إلى الكنائس و ينتظر المسيحيون بالاسم غير التائبين تطوّرات مثيرة خلابة و أفكار جذابة التي تحجب عنهم استياء الصليب. لا تبعد عبادة الشيطان المكشوفة الإنسان عن الله وحده, بل ايضا يضله فكر المسكونة الغير مرتكز على الصليب او السجود لمريم العذراء في بعض الكنائس أو تقدير الحركة السامية Philosemitismus, أو الغلو في موقف المرأة في الدين و المجتمع Feminismus, أو قوانين إجهاض الجنين أو الحساسية الوطنية الزائدة, كل هذه الحركات تشبه ألف صنّارة يحاول الشرير أن يجذب إليه المؤمنين الضعفاء أو الغير مؤمنين بها. من لا يثبت "في المسيح" وحده و يصلّي: " لا تدخلنا في تجربة لكن نجّنا من الشرير" فلينظر كيف يتهرّب من سلطة الشرير. إبليس اقدم منا, و يعرف نقاط ضعفنا بالضبط. ليس يسوع المنقذ للخطاة الهالكين البعيدين فقط بل أيضا المخلّص للمؤمنين الثابتين من حيل و سلطة الشرير.

 

قال يسوع أنه الصراط المستقيم و الشريعة الواقفة و ينبوع الحياة الأبدية, ليس أحد يأتي الى الآب إلا بي (يوحنا 6:14). من لا يقبل شهادة يسوع عن نفسه ينفصل عن ابن الله المصلوب و خلاصه التام لكل إنسان. لا تكفي كلمات رنانة. الإيمان بوحدة الثالوث الأقدس هو حياتنا و حفظنا. كل أصوات مذاهب التلفيق إغراء شيطاني ينقلب سريعًا إلى تعصب و اضطهاد على الذين لا يفكرون مثلهم. فينبغي على رعاة الكنائس أن يبقوا صاحين روحيًا و يطلبوا متواضعين موهبة تمييز الأرواح.

 

ربما كانت للمضللين في افسس مواهب روحية خاصّة يبرزونها و يدّعون بمعجزاتهم المؤثرة أنهم رسل المسيح الرسميين, و لكن ليس أحد منهم كان من شهود عيان لسيرة و موت المخلّص الحنون. لم يكن المصلوب المقام من الأموات مركز تعاليمهم. بهذا انفصلوا عن ينبوع الروح القدس لأنه لا روح بدون ذبيحة الكفارة على الصليب التي هي نبع البركة اللاهية.

 

قد احتملت و لك صبر

و تعبت من اجل اسمي و لم تكلّ

 

شهادة مثل هذه الكلمات ناذرة إن كانت في الحياة الدنيويّة أو في الكنيسة. لم يهرب راعي الكنيسة عندما وقعت الصعوبات. بل برهن عن ثبات و صمود و احتمل الأثقال و الاتهامات و المعاداة و محاولة الانشقاق بصبر ميثالي. كان مجتهدا جهاد الإيمان الحسن و مرّ بسلَّم النضوج و طهر بواسطة الآلام (رومية 4:15).

 

لم يكتفي بالإيمان بالله عامة بل دافع عن اسم يسوع علانية. وجّه الكنيسة بأحاديث فردية و في اجتماعات البيوت و في الوعظ الرسمي عن الآب و الابن و الروح القدس و مارس الصلاة. و لم يكلّ بالرغم من النكسات و من المرائين الذيم لا يحبون النصح إنما طارد الأرواح المظلمة الآتية في لباس حديث لأنه فارغين من فحوى الإنجيل و بدون القوة الروحية.

 

أرشد الراعي كنيسته بحكمة للاشتراك في الخدمات العملية و شجّعهم مرارًا و تكرارًا على أعمال المحبة في سبيل يسوع المسيح. و هكذا أصبحت الكنيسة الرئيسيّة في آسيا الصغرى مزدهرة و صارت قدوة حسنة لكثيرين. ربما لم يجد بعض الشيوخ من الكنيسة وقتا كافيا للصلاة و التأملات بسبب إرهاق عملهم و نشطاتهم المتراكمة التقليدي. بذلوا كل جهدهم في الخدمة و لكنهم لم يعيشوا في حضرة يسوع مرفهين عن أنفسهم هكذا فظلوا مشغولين فوق طاقتهم.

 

عندي عليك انك تركت محبتك الأولى

 

انتقاد يسوع لراعي الكنيسة المجتهد أصابته كصاعقة. لأن يسوع كشف انشغاله و غرقه في الأعمال الكثيرة و تكثف أنظمة مواعيده فأصبح متعصبا للحقّ رغم أمانته في الخدمة. لم يقل الربّ أن راعي الكنيسة لا يخدم بمحبّة, لان خدماته الكثيرة برهنت عن معنى تضحيته.

 

قام الانتقاد على نوعية المحبَّة إذا كانت متّقدة و متحمسة, و نقيّة كمحبّة الطفل لوالديه, و مطمئنة, و متوّجة بالتهليل, أم فارغة من هذه الصفات! أجرت الكنيسة و المشرف عليها كفاحًا عنيفا لأجل حق الإنجيل. أسرفوا في اهتمامهم في كشف الكذب و ردّه و إبطاله. كان كفاحهم موجها ضد الشرير نفسه. الغيرة للحق أثلجت المحبة في الكثيرين. كما حذرنا يسوع: " لكثرة الإثم تبرد محبة الكثيرين" (متى 12:24-13).

 

بيّن يسوع بنفسه ما هي المحبّة الأولى. قبِل يهودا كصديق حين قبّله بقبلة الخيانة على وجنته. صلّى على الصليب في عاصفة الآلام المؤلمة : "يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لوقا 34:23). ضحّى يسوع بكل ما لديه, لكي ينجّينا نحن غير المستحقين الظالمين. محبّة المنقذ هي جوهر المحبّة الأولى.

 

يدفعنا الروح القدس لنحب أعدائنا. فمن يتبع يسوع يصلي لأجل الذين يسيئون إليه و يضطهدونه. ينبغي علينا أن لا نبغض الكاذبين الأشرار بل نحبهم. لا يجوز الاستخفاف بالحق, إنما يُعلن باللياقة. فمن يباشر بالحق بدون محبة يشبه قاتلا معنويا, و لكن من يمارس المحبة بدون حق يشرف على خطر مداهنة الآخرين و الكذب عليهم. ينبغي أن نجمع بين المحبة و الحق, الذي هو الفن في إرشاد الروح القدس.

 

تدفعنا المحبّة الأولى أن نشكر الآب و الابن و الروح القدس من صميم القلب لأجل محبّته غير المستقصى, و لأجل نعمته و رحمته و صبره معنا. و تصعد عاصفة الحمد من الذين اختبروا خلاصهم و تقديسهم بنعمته. ليت هذا الحمد لا يخمد بعد فترة وجيزة بل يرافقنا الابتهاج و الشكر إلى الأبد. هل انتهت الترانيم و التسابيح في قلوبنا؟ هل انكسر الوتر الروحي في فؤادنا؟ لا يمارس المسلمون عادة الترانيم في عبادتهم. إنما فرح المسيحيين ينتعش من ترانيمهم. عبادة المحبوب هي السرّ لتسليمنا للذي احبَّنا أولا. عبادتنا ليست مبنيّة على الخوف من الله بل على الشكر و الحمد لأجل محبته الأبدية.

 

لخص يسوع وصايا العهد القديم و العهد الجديد معًا في جملة واحدة "وصية جديدة أنا أعطيكم أن تحبُّوا بعضكم بعضًا. كما أحببتكم أنا" (يوحنا 34:13-35). بهذه الوصيَّة جعل يسوع نفسه مقياس المحبّة الحقَّه. المحبّة الأولى هي كما احبَّ يسوع الله و الناس. فقط فيه و معه و بواسطته نستطيع أن نمارس محبته الأولى.

 

اذكر من أين سقطت و تب

 

يجب علينا أن لا نغفل و ننتقل إلى جدول أعمالنا متى أنبتنا كلمة الله, بل نصمت و نراجع ضميرنا. في هدوء أمام الله تبدأ خطايانا بالصراخ. "اعرف من أين سقطت". إنما لا تبق منكسرا بل قف, و اعترف بخطاياك لله و تصالح مع عدوّك. إن كنت تبغض إنسانا في قلبك لا تتطوّر المحبة الأولى فيك. اغفر لخصمك لأنك إن لم تغفر لا يغفر لك الله أيضا. و لكن متى انكسر كبرياؤك و إنغلب حقدك تصبح كالماء في يد الله. عندئذ يسكب فيك روحه القدوس و يهبك به محبّته الأصلية التي تدفعك إلى الشهادة, و الخدمة الخيرية العملية, و الصلاة المستمرة. يتمنى يسوع أن يتمثّل فيك. و تكمل قوّته في ضعفك (رومية 5:5 ب).

 

القليلون يتوبون لأن أكثرية البشر لا يعرفون خطاياهم و لا يريدون أن يعترفوا بها. مع العلم أن التوبة هي عمل مفرح لأنها تحرر النفس, و تخلق في الإنسان الإرادة ليتخلّى عن خطيّته و يبغضها و يصححها في حالات معينة. يدفعنا الروح القدس لنعيد الممتلكات التي لا تخصنا, لنسلمها إلى أصحابها, و نطلب منهم الغفران. ينبغي على كبريائنا, و عنادنا, و حبّ الذّات, و بخلنا أن تموت لينمو فينا تواضع المسيح و فكره.

 

ليت التائب لا يبقى في كآبته و لا يحاول أن يصلح نفسه بنفسه, بل يقوم بقوّة يسوع متطهرًا بدمه الثمين, و يتقوى في محبته و يشترك في الخدمات المختلفة في الكنيسة. إنما لا يمارس هذه الخدمات آلياً (أوتوماتيكيا) و بلا محبّة و بسرعة و اضطراب, بل بلطف و فرح و هدوء الروح في حضرة المسيح.

 

آتيك عن قريب و أزحزح منارتك إن لم تتب

 

تبتدئ دينونة الله بكنيسته. سيدين الرب الرعاة أولا, ثم رعيتهم بكلمته التي تخترق قلوبهم و كبرائهم و توقف انشغالهم الفارغ.

 

اضطر يسوع أن يهدد راعي الكنيسة في افسس بكلمة صارمة, لكي يتعقل وسط انشغاله و قساوة قلبه, و ليخلص في نفس الوقت المؤمنين في كنيسته من تقليدهم لراعي, لكي لا يفقدوا الحياة الروحية الأصلية. فالرب رفع أمام الراعي علامة "قف". لا يمكن أن تستمرّ! و إن لم تتغيّر من كيانك آتي إليك و أقاصصك.

 

فما هي قصاص محبَّة يسوع؟ قال الرب أني آتي بذاتي لأصلح الراعي المجتهد بارد القلب. لا يعني مجيء المسيح فرحا و ابتهاجا فحسب بل أيضا قصاصا و تربية المحبوبين بتأدبهم الأليم إن لم تتغير أذهانهم و أسلوب أعمالهم.

 

لم يقل الربّ سأطفئ منارة الكنيسة أو أسقطها, بل أزحزحها قليلا, أي يأخذها و يحركها جانبا. إذا لم يشعر أعضاء الكنيسة بالمحبّة عند راعيهم, و افتقدوا إلى العناية الروحية و لم يسمعوا في عظاته صوت الراعي الصالح يتركونه و يذهبون إلى كنيسة أخرى يشعرون فيها بالغداء الروحيّ و التعزية و القوّة و محبّة الله. لم هدد الرب بتدمير الكنيسة المذكورة بل بتفريق الرعية و سلبها من الراعي المشغول و فقير المحبة. يشير الفراغ في الكنائس غالبا إلى نقص في التوبة عند رعاة الكنائس و شيوخها. ينبغي عليهم أن يتواضعوا و ينحنوا في حضرة يسوع المسيح, لكي يغفر لهم و يملأهم بمحبته الحارة. عندئذ تنتعش الكنيسة مرّة أخرى و تنال قوَّة إشعاع جديدة و حيوية الروح القدس. و يهدي هذا الروح التائبين السامعين لصوته إلى الذين ينتظرون التشجيع و التعزية و الإرشاد.

 

عندك أن تبغض أعمال النقولاويين

التي ابغضها أنا أيضا

 

ليس معروفا اليوم بالضبط من كان النيقولاويين في افسس, و غير متوقع أن لهم علاقة بنيقولاوس في أعمال الرسل 5:6, لانه كان شماسا موهوبا مجتهدا.

 

يُحتمل أنهم كانوا أعضاء في إحدى الكنائس أو في جماعة متعاطفة مع الذين حاولوا أن يعقدوا سلامًا مزيّفًا مع الوثنيين أو اليهود في افسس. فحاولوا الإقتراب من الذين يفكرون بخلاف الإنجيل. و ربما وافقوا على البر بحفظ الشريعة الموسوية و على الختان. أو ذهبوا إلى عابدي الأصنام و اشتركوا معهم في أعيادهم المبنية على الذبائح في هيكل أرطميس, حيث قادتهم النساء و النبيذ و الغناء إلى خلاعة ماجنة فاحشة.

 

أكد يسوع لراعي الكنيسة بأنه أصاب عندما أدان و أبغض الحركة التي تحاول مزج الأديان ببعض. لم يرفض النقولاويين كأشخاص بل أعمالهم فقط. يكره يسوع الخطيئة و لكن يحبّ الخاطئ. طرد الأرواح النجسة بل حرّر المجانين. يدفعنا الروح القدس لنحبّ كل إنسان ولكن نكشف أخطاءه و نوبخه. يجب على المسيحيّ أن يحب الهندوسيين و البوذيين و المسلمين و اليهود من كل قلبه, و لكن ينبغي أن يرفض تعاليمهم و أعمالهم و يميز أرواحهم المضادة لابن الله المصلوب, و حتى انه يبغض هذه الأرواح النجسة.

 

قال يسوع وهو محبّة الله المتجسد بصراحة, أنه يبغض أيضا أعمال النيقولاويين. ما أشد هذا الحكم الإلهي! الروح القدس لا يسمح بحلّ وسط مع الخطيئة. هو بذاته قدوس و يقدّس من يتبع يسوع, و يفصلنا عن كل المذاهب الأخرى و عن الذين يعارضون روح المسيح, لكي لا نشترك معهم في معاملاتهم النجسة الخبيثة. فلا يسمح يسوع بحل وسط أو الاقتراب من الظلم.

 

إنما يدفعنا روح يسوع بنفس الوقت أن نحترم الهندوسيين و البوذيين و المسلمين و اليهود و الآخرين, لنكرمهم و نصلّي لأجلهم و نضحّي في سبيلهم, و نقدم لهم بشرى الخلاص و نخدمهم دون أن نوافق على سلوكهم المضاد للمسيح و لا نشترك معهم في ذلك. إن بغض الخطيئة و محبّة الخاطئ هو عمل فوق طاقة الإنسان, هو عطية يسوع المسيح. نتج عن هذا التوتّر خطة خلاص الله, حتى بذل ابنه الوحيد, و يدفع أيضا كل مسيحيّ أن يثبت في المحبّة الأولى و في نفس الوقت أن يبغض الأرواح الشريرة.

 

من له إذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس

 

كتب أكلمنس من الإسكندرية: "آذان النفس هما الإيمان". و قال يسوع "خرافي تسمع صوتي". هذه نعمة الله ان يكلّمنا و نسمع كلماته, و نلاحظها و نفهمها. يقصد يسوع ان ينظف من آذاننا كتلة البرّ الذاتي و الاكتفاء بانفسنا و الأشغال الكثيرة, لكي نتعلّم الاصغاء اليه في هدوء.

 

ينبغي علينا أن نطلب من يسوع أن لا نصغي الى أصوات أخرى بل الى ما يكلمنا به الروح القدس. نحتاج إلى موهبة تمييز الارواح لكي لا نصغي الى صوت الشيطان ظانين بأنه صوت الله, كما تخيّل بعض الانبياء, انهم رسل الله, و لكنهم اصبحوا رسل الشيطان.

 

يمجد الروح القدس دائما يسوع ابن الله المصلوب و المقام من بين الأموات. كما ان الابن يمجد الآب و يقدّس اسمه في كل حين. فكل الأصوات التي لا تعترف بالآب و الابن و الروح القدس أو ترفضهم ليست أصواتا من الله (يوحنا 23:2-25; 1:4-5). احترسوا من جميع الرؤى و الالهامات المزيّفة و المضلّلة. كتب بولس: "لكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوبًا" (1كورنثوس 23:1). فقصد بهذه الآية ان يشهر الاصوات و الالسنة و النبوات و الافكار اللاهوتية الجديدة و الشرائع المصنعة في كنائسه و عزم ان يعيد المؤمنين في كورنثوس إلى أساس إيمانهم الاصلي.

 

الروح الذي أوحى إلى يوحنا في بطمس و تكلّم إليه أراد أن يجهّز الكنيسة إلى مجيء يسوع الثاني. فللبركات و الدينونات و نداء التوبة و جامات الغضب و كلمات التعزية و ظهور الشرّير المشخّص, و الكوارث هدفها مجيء يسوع الذي يأتي حتما بدون ان تمنعه قوة حتى يتحقق ملكوت أبيه.

 

من له إذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس. لا تُخَاطَب هنا الكنيسة الرئيسية في افسس فقط بل جميع الكنائس في آسيا الصغرى و كل كنيسة في العالم. فماذا يقول الروح القدس لاتباع يسوع المسيح اليوم؟

 

من يغلب فسأعطيه أن يأكل من شجرة الحياة

 

ولد المسيحي ثانية للنصر (1يوحنا 4:4-6). جميع القوى المعادية لله ينبغي أن يتغلب عليها بإيمان و محبّة و رجاء الذين يتبعون يسوع. دعى الرب كل كنيسة من الكنائس السبع في آسيا الصغرى ان تشترك في الغلبة كما تغلّب يسوع المسيح بنفسه (رؤيا 21:3;5:5و9). تشهد رؤيا يوحنا بوضوح من الذي ينبغي ان تغلبه كنيسة يسوع: الشيطان المشتكي (رؤيا 12:1) ووحشه (رؤيا 2:15). انهم ينغلبان شرعيا (رؤيا 1:12) كما بكفاح الايمان الباسل (14:17). يكمل النصر كثيرًا ما بموت الشهداء كما أن يسوع غلب بواسطة موته النيابي عنا الخطيّئة و الشيطان و الموت و غضب الله. خلاصه الكامل يهبه كإرث للمتغلّبين.

 

نعتقد كثيرا ما ان التغلّب نتيجة اجتهادنا, لذلك ننكر أنفسنا و نحمل صليبنا و نتبع يسوع. قال يسوع: "من يحبّني يحفظ وصاياي". طاعة الإيمان تضمّ التغلّب على الشهوات الخاصّة و الأمنيات و الضعفات و الميول السلبي. لا نعيش لنحقق مقاصدنا بل ليتمجّد يسوع فينا.

 

التغلّب الخاص الذي نادى اليه يسوع يوحنا بروحه يهدف إلى أبعد من إنكار الذات. انه يقصد الغلبة على قوى نهاية الزمن و السلاطين التي اختار يسوع كنيسته ان تشترك في غلبتها بالإيمان و الآلام و الموت في قوته الالهية. لا يستطيع إنسان ان يقوم بهذه المهمة من تلقاء نفسه. لذلك كتب بولس قبلاً للكنيسة في افسس إن كل مؤمن يجب عليه ان يلبس سلاح الله الكامل. فيليق لنا ان ندرس ارشاداته كلمة كلمة و نطبقها (افسس 11:6-20).

 

ليسوع السلطان أن يهب الغالبين في نهاية الزمن مواهب النعمة التي لا يقدر أن يستوعبها عقلنا. يسوع بذاته اعظم العطايا. يقف كالمعطي أمامنا و يمنح كلاً منا ما وعده به. في الرسائل السبع نقرأ اثنتي عشرة وعدًا التي تنتظر كجائزة كل واحد احبّ يسوع اكثر من كرامته و سلطته و فضّل أن يموت على أن ينكر مخلّصه.

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قائمة بالوعود للكنائس بمفردها

الكنيسة الاولى: (رؤيا 7:2) ينال وعدا واحدا

الكنيسة الثانية (رؤيا 11:2) وعدا واحدا

الكنيسة الثالثة (رؤيا 17:2) وعدين

الكنيسة الرابعة (رؤيا 26:2-28) وعدين

الكنيسة الخامسة (رؤيا 5:3) ثلاث وعود

الكنيسة السادسة (رؤيت 12:3) وعدين

الكنيسة السابعة (رؤيا 21:3) وعدا واحدا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

ما هي شجرة الحياة التي في وسط فردوس الله؟

 

نقرأ في سفر التكوين 3:3 إن شجرة الحياة كانت في وسط جنة عدن. من يأكل من ثمارها يعيش إلى الأبد و لا يموت. هذا الوعد يدعى في رؤيا 2:22 و 14 و 19 كأسمى و آخر وعد الذي يضمّ كافة الوعود الباقية لأنه يعني ازلية الله. من يطهر نفسه في دم الحمل ينال اليوم الحياة الأبدية (يوحنا 15:3-18).

 

يكون هذا الوعد قويّ بمقدار أن يتغلب على الخوف من الاستشهاد. فمن الضروري ان يُحضّر المسؤولون في الكنيسة اعضائها على الاضطهادات العنيفة المقبلة عليهم في نهاية الزمن. لذلك وعد يسوع بالحياة الابدية للذين يقابلون مضطهديهم و قاتليهم بالمحبة و الرجاء.

شجرة الحياة واقفة حسب رؤيا 7:2 في فردوس الله. اما بحسب بحسب رؤيا 2:22 تقف هذا النوع من اشجار الحياة في وسط أورشليم الجديدة. هذا يعني حيث محضر الله هناك تنبع الحياة الابدية. كلمة فردوس تعني باللغة الفارسية بستان مسيَّج. يسوع المعلق على الصليب أكد للص التائب و الواثق به و الذي يمثل البشرية الخاطئة: "اليوم تكون معي في الفردوس" (لوقا 13:23). يسوع نفسه و الله أبوه سيكونان حاضرين في الفردوس. اتباع المسيح لا ينتظرون متعة أرضية في الفردوس. بل سيرجعون إلى بيت أبيهم و مخلّصهم. اصبحوا عائلة الله و اهل البيت وأولاده الاحباء. وعدهم يسوع: "في بيت أبى منازل كثيرة. و إلا كنت قد قلت لكم. أنا ماضي لأعدَّ لكم مكانًا. و إن مضيت و أعددت لكم مكانًا آتي أيضا و آخذكم إليّ حتى حيث أكون أنا تكونون انتم أيضا" (يوحنا 2:14-3). و هكذا صلّى يسوع في صلاته الكهنوتية: "أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا لينظروا مجدي" (يوحنا 24:17).

 

 

2-            رسالة يسوع المسيح إلى راعي كنيسة سميرنا (ازمير) (رؤيا 8:2-11).

 

8-            و اكتب إلى ملاك كنيسة سميرنا. هذا يقوله الأول و الآخر

الذي كان ميتًا فعاش.

9-            أنا اعرف أعمالك و ضيقتك و فقرك. مع انك غني. و

تجديف القائلين انهم يهود و ليسوا يهودًا بل هم مجمع

شيطان.

10-    لا تخف البتّة مما أنت عتيد أن تتألم به. هوذا إبليس مزمع

أن يلقي بعضًا منكم في السجن لكي تجرّبوا و يكون لكم

ضيق عشرة أيام. كن أمينا إلى الموت فسأعطيك إكليل

الحياة.

11-    من له أذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس. من يغلب

فلا يؤذيه الموت الثاني.

 

 

الأول و الآخر و الذي كان ميتًا فعاش

 

سميرنا كانت مدينة غنية بسبب مرفأها المزدهر و الشهير. عاش فيها خلية من أغنياء اليهود ذوو نفوذ. تعلق تكوين الكنيسة الصغيرة بالمجمع العبراني و كانت هذه الكنيسة ناضجة روحيا في المسيح و لكنها ضعيفة اجتماعيًا و اقتصاديا و ظلت محتقرة و تافهة الشأن عند وجهاء المدينة.

 

أمر الربّ الحيّ يوحنا أن يكتب لهذه الكنيسة الصغيرة المحتقرة و المُهانة في وسط المرفأ المزدهر و أراد في البداية من رسالته أن يعزّي و يقوّي و يشجّع المشرف على هذه الكنيسة, و هو رسوله في هذه المدينة.

 

لهذا استعمل يسوع مرّة أخرى جملة من رؤيته السابقة كجواب على تحليله لهذه الكنيسة. كما كان الربّ نفسه مُضطهدًا و تألّم و مات و لكنه قام في اليوم الثالث, هكذا على هذه الكنيسة الصغيرة أن لا تهاب من الاضطهاد و الآلام. بل تدرك طريقها الخاص في سيرة حياة يسوع. الاتباع لا يعني دائماً نجاحا و مجدا بل أحيانا النزول إلى الآلام. إنما الضيق و الموت ليسا نهاية الحياة المسيحية بل النصر و القيامة و الحياة الأبدية.

 

نقرأ للمرّة الثالثة الشعار الإلهي الذي يمر كخيط أحمر في كتاب رؤيا يوحنا عن إعلان المسيح: "أنا الأول و الآخر". و للعجب أن الله و المسيح ينطقان بنفس قاعدة ألوهيتهما الأمر الذي يذل على انهما رب واحد قبله لم يكن شئ و بعده سوف لن يقوم أحد ينازعه على الحقّ و السلطة و الملكوت. خلق الآب و الابن العالم معًا و خلصاه و سيدينانه. منه و فيه و له كل الأشياء. هو الخالق و الديّان. هو الربّ. لا يوجد شيء و لا يحدث شيء دون علم و إرادة أبينا و مخلّصنا. كيانه الأبدي يتغلّب على كل القوى المعادية لله. هو الحياة الأبدية.

 

أضاف يسوع إلى تقديم نفسه الإلهي و صفًا خاصا عن نفسه أنه مات وعاش, إشارة إلى الجمعة العظيمة و قيامته. في هذه الأيام الثلاثة تمّ خلاص العالم و اصبح منظورا. قداسة الله الديانة و المحبّة المضحيّة في الابن و حياته الأبدية أتموا خلاصنا من خلال72 ساعة نهائية. لا تجد الخطيئة و الموت و الشيطان و الدينونة سلطة بعد في الذي يرتبط بحمل الله. بدون موت يسوع المضحّي نبقى كلنا هالكين. بقيامته اظهر حياته و حياتنا الأبدية. كان ميتًا فعاش. هذا هو جواب يسوع المسيح لكنيسة سميرنا.

 

أنا اعرف أعمالك و ضيقتك و فقرك مع انك غنيّ

 

اختبر يسوع الجوع و العطش في رحلاته و اضطهاده و تألم من الضيق عندما ألقي في السجن و علق على الصليب. كان له الحقّ أن يقول لراعي الكنيسة في سميرنا: "أنا, اعرف, و افهم وضعك, أستطيع أن اشعر معك, و بما أن الله لم يتركني هكذا تبقى أنت أيضا محفوظا في أمن محبّته".

 

لا يضمن لنا ارتباطنا الإيماني بالمسيح حياة غنية و مريحة و موفقة, و لا اعترافًا من الحكام و الوجهاء و أصحاب النفوذ. و لكن الله يقدر أن يتمجد بواسطة الأفراد و الكنائس, خاصة إذا كانوا فقراء و محتقرين و مضطهدين. لأن محبّة المرفوضين لربّهم و اطمئنانهم في الأخطار و اقتناعهم بالإيمان و شكرهم نحو الآب السماوي الذي يعتني بهم, ينشئ التزكية فيهم, فيكتسبون ثروة روحية لا يقدر أن يشعر و يتخيل بها الشبعانين و المشهورين و الأقوياء و الحكماء.

 

بعض الأرامل في المسيح هن أغنى في الروح القدس من بِل جيت (Bill Gates), ملك الكومبيوتر, الذي لا يرى دليلا في وجود الله. فأب عاطل عن العمل يطلب من الله الخبز اليومي, هو أغنى في معرفة وحدة الثالوث الأقدس من بعض الأساقفة المحترمين و القسس و الشيوخ براتبهم المؤمّن. بعض المؤسسات الروحية لا تموّل من أصحاب الملايين أو الأغنياء بل من المصلين الذين كابدوا أنفسهم الضيق و تطهّروا بالروح القدس و صارت لهم بصيرة في التطورات الروحيّة الداخلية و الخارجية في ملكوت الله. يبقى فِلس الأرملة المضحّى به اعظم من تبرعات السادة المكتفين ماديا. قدمت كنيسة سميرنا الفقيرة ليسوع خدمات أمينة مستمرة رغم عوزها.

 

أين يكمن غنى كنيسة سميرنا؟ نعمة يسوع المسيح و محبّة الله و شركة الروح القدس اختبرتها في وسط الضيق. لم يبق إيمانها فكرة و ثقة و رجاء فحسب بل كان حقيقة عملية. عاشوا في حضرة الله كجسد المسيح و كهيكل لروح القدس. فغناهم في المسيح كان روحيا أزليا. لم يتكلوا على ذهبٍ فانٍ و كرامة زائلة و ممتلكات هذه الدنيا (مزمور 11:34; لوقا 20:6; 21:12; 2كورنثوس 10:6; 1تيموثاوس 18:6; يعقوب 5:2), إذ فقر مع اقتناع يساعد على صفاء داخلي عند المؤمنين في المسيح. و أما الضيق و الفقر يدفع الإنسان الذي يعيش بدون المسيح إلى البغض و الحسد و الثورة و الشتم. بينما الثابت في المسيح يستطيع بفقره أن يحصل على درجة

أعلى في الغنى الروحيّ.

 

أنا اعرف تجديف القائلين انهم يهود و ليسوا يهودًا

 

كان في سميرنا طائفة يهودية قوية مع مجمع معروف و محترم. ربما في البداية اجتمع المسيحيون من اصل يهوديّ و المسيحيون من اصل وثني في هذا المجمع مع اليهود الأرثوذكس و آمنوا باله إبراهيم و شريعة موسى و مزامير داود ووعود الأنبياء و اعتبروا كل هذه الأسفار كإشارة إلى المسيح المنتظر.

 

و لكن الشهادة عن المسيح المصلوب قادت إلى الانشقاق و البغض و تشويه السمعة و إلى وضع العراقيل في الأعمال و التجارة. تبع تدمير الارتباطات التجارية شكاوى و دعاوى في المحكمة بسبب اتهامات المسيحيين بعمل الفتنة. أخيرا تمحور الجدل حول السؤال: من هو اليهودي؟ اتباع المجمع في سميرنا اعتزّوا بشجرة العائلة العتيقة و بسلالتهم من أم يهودية و باختتان الرجال و باحتفال يوم السبت و قد قدّموا البراهين لإيمانهم اليهوديّ.

 

أما المسيحيون من اصل يهوديّ و المسيحيون من اصل وثنيّ شهدوا بحياتهم الروحية, و اعترفوا بان الاختتان البيولوجي في الجسد لا يسبب طهارة القلب. و يبقى تقديس السبت من تقاليد ديانتهم اليهودية الخاضعة للشريعة و التي لا تسبب في النهاية إلا غضب الله و دينونته. و شهد المسيحيون بأن الولادة الثانية من الروح القدس هي وحدها تختن القلب, و أن كنيسة المولودين ثانية هي هيكل الروح القدس. تشير اجتماعات المسيحيين يوم الأحد إلى قيامة المسيح كبداية الخليقة الجديدة المبنيّة على التبرير بالنعمة.

 

و هكذا تطور النزاع حول الهوية اليهوديّة نحو شخص يسوع, إن كان هو المسيح الموعود به و عبد الرب بحسب إشعياء 53 أم لا. تقسوا روحيا اليهود في سميرنا اكثر فأكثر ضدّ ابن مريم و تكلموا بتجاديف علانية ضدّه و ضدّ أمه (رؤيا 17:12).

 

بشخص يسوع المسيح تعلق قرار المسيحيين من اصل يهوديّ من كان يهوديّا اصليّا و إسرائيليا حقيقيّا. و لكن بما أن بغض اتباع المجمع كان يزداد ضدّ المسيحيين المجتهدين, كان على الرب المقام من الأموات أن يقطع قرارا جازما أن اليهود التقليديّين في سميرنا ما كانوا يهودًا حقيقيين, بالرغم من سلالتهم الجسديّة. و لا يمثل مجمعهم هيكل الروح القدس, بل اصبح مركزا لروح ابليس. كان يسوع مضطرا في زمن حياته على الأرض أن يواجه بعض الأفراد من أعدائه اليهود المتعصبين أن إبراهيم ليس أباهم بل الشيطان بالذات.جهاد المسيح اتجاه الأتقياء المضادين للرب يسوع لم يتغيّر حتى بعد جيلين و يستمر حتى يومنا هذا (يوحنا 37:8;2:16).

 

نريد أن نوضح بان ليس كل اليهود ابغضوا يسوع و شتموه. فكل الرسل و البُشراء بالإنجيل و الكنيسة الأولى في أورشليم كانوا مسيحيين مثاليين. و جعلهم حلول الروح القدس أن يصيروا مجمع الله الذي يسكن فيه ملء اللاهوت. "الخلاص هو من اليهود"(يوحنا 22:4). نحن جميعًا نعيش من كلمة يسوع المسيح و من شهادة رسله إلى اليوم. و أصبحت شهادتهم حياتنا.

 

هوذا أبليس مزمع أن يلقي بعضًا منكم في السجن

 

أمر يسوع راعي الكنيسة: "لا تخف"! حضوره و أبديته كانتا سبب لمنع الخوف. الخوف يؤخر الأيمان و الرجاء و يكون أيضا علامة لمحبّة ناقصة بيسوع.

 

يظهر الخطر المقبل على كنيسة سميرنا في تنبّؤ يسوع أوضح مما نقرأه في رسالة بولس الرسول إلى أهل افسس. أنبأ الرب راعي الكنيسة أن سوف تهاجمه الآم و ضيقات و هي متأصلة في اللزوم الالهي فلا بد منها. سيستجوب هو و بعض أعضاء الكنيسة و يلقى القبض عليهم, ليس فقط بسبب غضب اليهود بل لأن الربّ نفسه أراد ذلك. و كانت آلامهم امتحانا و تصفية لجوهرهم الروحيّ ليظهر إن كانوا يحبّون يسوع فوق كل شيء و يثقون به عندئذ يظهر علانية مدى محدودية أمانتهم.

 

وقف الشيطان وراء هذا الاعتداء. (هذا الاسم هو عبارة سامية التي تعني في اليونانية "ديابولوس" أي إبليس). فهو يتمرّد دائما على الله و يحارب أولاده المقدسين. كان وجود الكنيسة شوكة ملتهبة في عين الشرير. أراد بكافة الوسائل أن يجرب أعضائها ليرتدوا عن الإيمان و إن لزم الأمر يستخدم العنف و العذاب ليضلهم لإنكار المسيح. هو الذي دفع اليهود أن يجلبوا الهوان و الاحتقار على المسؤولين في الكنيسة بتشويه سمعتهم و اعتقالهم. مع العلم أن ليس كل يهودي أداة الشيطان. بل المجمع في سميرنا قد انفتح لوحيه.

 

يكون لكم ضيق عشرة أيام

 

ليس للطائفة اليهودية الحقّ أن تلقي القبض أو تحاكم وطنيين أو غرباء. لهذا السبب اثروا و رشوا ربما الموظفين الرومانيين الوثنيين و أجبروهم باتهامات باطلة ضد المؤمنين على التدخل في أمور الكنيسة و شيوخها. عامل قضاة التحقيق المتهمين بشدّة و عنف و حاولوا بكل الوسائل أن يستخرجوا منهم ما وراء الشكاوى. يستعمل في الشرق مرارًا و تكرارًا التعذيب وقصاصات الإذلال ليستخرجوا من المسجونين الحقيقة بالضغط.

 

و أعلن الرب مسبقا أن بعد عشرة أيام استجواب و عناء سيفهم قضاة التحقيق بان المتهمين ليسوا مشاغبين سياسيين. و سيدركون أيضا بأنه لا يوجد خداع تجاري أو خداع في الضرائب بل المشكلة كانت اختلافات دينية "فقط".

 

و هذا الاستنتاج جلب من خلاله خطرًا كبيرًا إذ كل من لم يعترف بالقيصر كإله يعتبر عاصي و مسبب للفتنة. ربما اشتكى اليهود على المسيحيين بأنهم يعبدون ملك الملوك, ذاك الذي حكم عليه الرومان و صلبوه. هذه الشكوى كانت ستسبب خطر الموت لراعي الكنيسة و شيوخها. لذلك أعلن يسوع:

 

كن أمينا إلى الموت فسأُعطيك إكليل الحياة

 

الإمتحان لراعي الكنيسة و رعيته كان من أجل الأمانة في محبتهم ليسوع. لم يكن موضوع هذا الامتحان في احتمال الآلام وحده بل أيضا بالأمانة في الشهادة الواضحة بالإنجيل. في رؤيا 5:1 كان البحث عن الشاهد الأمين الفريد ألا وهو المسيح بالذات. ما كان المطلوب من الراعي الشهادة الواضحة عن إنجيل المسيح فقط بل أيضا ربح و إنقاذ المشتكين و القضاة لمخلصهم. كان يسوع وهو في أوجاعه على الصليب يطلب المغفرة لجميع الذين صلبوه بسبب خطاياهم.

 

و هكذا لا يمتحن الإيمان فقط بل الأمانة في الشهادة أيضا, الذي يعني شدّة محبّتهم لله و الناس. الإيمان و الأمانة في اللغة اليونانيّة كلمة واحدة و في العربية كلمتين مشتقتين من نفس الفعل.

 

حدد الرب مدة الامتحان لأعضاء كنيسة سميرنا في عشرة أيام. العدو الشرير لم يكن له الحق أن يهلك الكنيسة أو يعذبها بدون نهاية. و لكن لراعي الكنيسة ظلت إمكانية الحكم بالموت ممكنة. من لا يعبد القيصر كان يعتبر ثائرًا.من اقرّ بملك آخر اتهم بأنه جاسوس.

 

هذا المبدأ يتكرّر في نظام الدوّل الديكتاتورية مرارا: هتلر و ستالين و ماوو و الخميني و صدام حسين و غيرهم من زعماء الشعوب لا يطلبوا خدمة مدنية بأمانة و طاعة فحسب بل أيضا ثقة و استسلامًا بلا قيد أو شرط. كذلك دمج بعض "الأنبياء" الإيمان و المبادئ السياسية في حكمهم الديني "ثيوقراطيّتهم". فلم يسعوا لطاعة أوامرهم وحده بل إيمانا بشخصهم أيضا في مسائل حكمهم و الأمور الروحيّة.

 

سيتربع المسيح الكذاب في آخر الأزمان في الهيكل المبني جديدًا و يعلن بأنه اله حقيقي طالبا العبادة من سكان الأرض. فمن لا يخضع له لا يستطيع أن يشتري أو يبيع. اضطهادات المسيحيين الدوليّة في هذا الوقت المرعب سوف لن تطول قبل مجيء المسيح. لهذا السبب ظلت كلمة يسوع سارية المفعول: "كن أمينا إلى الموت فسأعطيك إكليل الحياة" حتى في ايامنا.

 

كلمة إكليل في اليونانية تعني تاج الملوك و أيضا إكليل الفوز في الرياضة. فمن يصل أولا إلى الهدف في السباق له الامتياز أن ينال إكليل النصر. و ملوك الكهنوت هم مدعوون أن يثبتوا أمناء في خدمتهم الكهنوتية إلى المنتهى مهما يكلف الامر.

 

طلب يسوع من راعي الكنيسة أن يبقى أمينا حتى الموت وعده بإكليل الحياة تشجيعا لثباته رغم العذاب و الخطر المحدق به . يحيا المرتبط بالمسيح اليوم روحيا إلى الأبد. و لكن ينبغي أن تمتحن هذه الحياة الإلهية في المؤمن. و كما قتل يسوع و قام من بين الأموات هكذا سيقوم من يتبعه بعد موته فيستقبله المقام من بين الأموات. أما راعي الكنيسة فلن يبقى وحده في ساعته الأخيرة. كان يسوع ابن الله الوحيد الذي تركه الله لأجل كفارته عنا, لكي لا نضطر أن نختبر هذا الانفصال. اعترف داود: "أيضا إذا سرت في واد ظل الموت لا أخاف شرًا لأنك أنت معي" (مزمور 4:23). هكذا طمأن يسوع الراعي المهدّد: "لا تخف, أنا هو الأول و الآخر و الحي. و كنت ميتًا و ها أنا حي الى ابد الآبدين. آمين. و لي مفاتيح الهاوية و الموت" (رؤيا 17:1-18). تعتبر رؤيا يسوع هذه كمسح بالزيت للحياة لمن يموت من أجله.

 

 

من له إذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس

 

الرسالة إلى ملاك الكنيسة في سميرنا وجهت بنفس الوقت إلى الكنائس السبع في آسيا الصغرى. التحدّي في الآلام من أجل يسوع كان متوقعا أيضا من طرف الكنائس المجاورة. لهذا السبب كان عليهم أن يسمعوا بآذانهم بدقة, و يدركوا ماذا يريد الربّ في محبّته و عنايته أن يمنح لهم تعزية و تنبيه ليعدهم للآلام. شجّعهم الرب لكي لا يكونوا متشائمين بل يبقوا نشيطين كأحياء بالإيمان قد انتقلوا من الموت إلى الحياة.

 

من يغلب فلا يؤذيه الموت الثاني

 

يتم التغلب على الخوف برفع النظر إلى يسوع المسيح كما شهد كاتب الرسالة إلى العبرانيين: "و لنحاضر بالصبر في الجهاد الموضوع أمامنا, ناظرين إلى رئيس الإيمان و مكمّله يسوع" (عبرانيين 1:12-3). فمن يرفع نظره إلى يسوع يستطيع أن يهبه قوّته للغلبة.

 

كانت سميرنا مدينة حيث استشهدوا مؤمنين بيسوع المسيح بعد زمن يوحنا. أعدم الأسقف المشهور بوليكاربوس 50 سنة بعد ذلك بالسبب ذاته لأنه لم يكن مستعدًا أن يعبد القيصر كالله. فثبت أمينا لمخلصه حتى الموت.

 

يتكلم كتاب العهد الجديد عن الموت الأول و الثاني.الموت الأول هو موت الجسد, عندها يكف القلب عن الخفقان و يخلّ الجسد. و لكن هذا الموت يحكم فقط وقتًا محدودًا, لأنه انغلب مسبقًا عند المسيحيين الأحياء بالإيمان و المعمودية, كما قال يسوع المسيح: "أنا هو القيامة و الحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيى, و كل من كان حيًا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد. أتؤمنين بهذا؟ (يوحنا 25:11-26).

 

الموت الثاني هو مكابدة البعد عن الله النفسيّة في مجتمع الهالكين و الشياطين و الأشرار مع ندامة متأخرة وهي تحرق كالنار في ضمير الثائرين الغير مؤمنين. و الضجة اللانهائية و الصراخ من كل جهة يرافقان الذعر و الخوف المتزايد. فيتمنى الهالك في جهنم ان يزول إنما لا يقدر ان يموت. وصف يسوع هذه الحالة في شهادته عن لعازر المسكين و الرجل الغني بوضوح لكي يقود الأحياء إلى التوبة (لوقا 19:16-31).

 

أكد يسوع لراعي كنيسة سميرنا انه لن يختبر الموت الثاني المعين للهالكين. فلا حاجة له أن يخاف من موته الجسديّ. هذا يقدم له الخلاص و ينجيه من الفقر و الاحتقار و الاضطهاد. ستتحقق حياة الله فيه مع سلام ابديّ و مأمن دائم.

 

 

 

3-           الرسالة إلى ملاك الكنيسة التي في برغامُس

 

12-          و اكتب إلى ملاك الكنيسة التي في برغامس: هذا يقوله

الذي له السيف الماضي ذو حدَّين.

13-          أنا عارف أعمالك و أين تسكن حيث كرسي الشيطان و أنت

متمسّك باسمي و لم تنكر أيماني حتى في الأيام التي فيها

كان انتيباس شهيدي الأمين الذي قتل عندكم حيث

الشيطان يسكن.

14-          و لكن عندي عليك قليل: أن عندك هناك قومًا متمسّكين

بتعليم بلعام الذي كان يعلّم بالاق أن يلقي معثرة أمام بني

إسرائيل: أن يأكلوا مذابح للأوثان و يزنوا.

15-          هكذا عندك أنت أيضا قوم متمسّكين بتعاليم النقولاويين

الذي أُبغضه.

16- فتب و إلا فإني آتيك سريعًا و أحاربهم بسيف فمي.

16-          من له أذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس. من يغلب

فسأُعطيه أن يأكل من المن المخفي و أعطيه حصاة

بيضاء و على الحصاة اسم جديد مكتوب لا يعرفه أحد غير

الذي يأخذ.

 

اكتب إلى ملاك الكنيسة التي في برغامس

 

وصل أمر يسوع بالكتابة الى يوحنا المنعزل في جزيرة بطمس: أن يرسل رسالة مستعجلة إلى الراعي المكلف من الرب في برغامس . تعني برغامس "مدينة الجبل" اي المدينة المبنية على الجبل و من حوله. هذه المدينة اليونانية-الرومانية المستقلّة إداريا كانت مركز الحضارات القديمة. هنا تحققت الهلينية ككور للديانات المختلفة و النظريّات العالميّة و الأفكار الفلسفية. مذابحهم و معابد عديدة كانت واقفة بسلام بجانب بعضها البعض و ازدادت شهرة المدينة بسبب هذا التنوع الحضاري فيها.و اخترع أهلها "البرغامنت" الورق الخاص لكتابة الأسفار المقدسة.

 

كانت في مدينة الملوك ميسين بتقاليدها العتيقة كنيسة مسيحية حية, التي عُرّضت في هذا المركز المتنوع الحضارات لتجارب أخرى من الكنيسة في سميرنا. إن كان المسيحيون في سميرنا مهدّدين من اليهود الأغنياء و الذين يملكون نفوذ, فالمسيحيون في برغامس تحدّاهم روح المزج و التسامح بين الأديان و الإعتراف بعضهم ببعض.

 

السيف الماضي ذو الحدَّين

 

لم يأت يسوع كرئيس كهنة متجوّل بين المناير الذهبية, و ليس كالأول و الآخر, إلى راعي الكنيسة في برغامس, بل جاء كديان بالسيف الماضي. لم تحتمل مشاكل هذه الكنيسة التأجيل. هو و كنائسه كان عليهم أن يتطهّروا فورًا و كليًا و يدينوا أنفسهم بأنفسهم بقيادة الروح. يطلب الربّ إزالة لتأثير الأرواح الشريرة بين أعضاء الكنيسة كليا. حضر يسوع للجهاد ضدّ تسرب تأثير الفكر الهيلاني إلى كنيستهم. خرج سيف الديّان من فمه (رؤيا 16:1). استعد ليدين و يضرب و يفصل, و عزم أن ينزع كل خلط و مزج دون تأجيل. و لم يحكم بهذا على الوثنيين المؤمنين بالمبادئ الهيلانية, بل يحكم على أعضاء الكنيسة الذين يتوقون إلى التقارب و التسامح مع الأديان الأخرى. تبتدئ الدينونة في الكنيسة.

 

أنت تسكن حيث كرسيّ الشيطان

 

في الرسالتين السابقتين تطرق يسوع إلى عمل رعاة الكنيسة. أما هنا فتكلم على مسكنه. قطن راعي الكنيسة في رحاب مراكز العبادة المتعددة التي انبعثت منها القوّات المضادة لروح المسيح. تقع كل أماكن أرضنا تحت نفوذ الشيطان لأن "العالم كله قد وضع في الشرير" (1يوحنا 19:5). و لكن في برغامس خاصة سيطرت القِوى الشيطانيّة و أثّرت على سكان المنطقة و ساغت حضارتهم بطابعها. فتمركزت الثلاث مذاهب في هذه المدينة.

 

       بُني في برغامس 25 سنة قبل الميلاد المسيح أول هيكل لعبادة القيصر في حوض البحر المتوسط بأكمله, لتعظيم القيصر أغسطس. هكذا تأصلت عبادة القياصرة اكثر من مئة سنة في هذه المدينة عندما كتب يسوع رسالته بواسطة يوحنا إلى ملاك الكنيسة.

       قام على قمّة جبل المدينة هيكلا لزفس كان يطل على المحيط و الأماكن البعيدة, و اعتبروا زفس أعظم إله على جميع الآلهة في سماء اليونانيين. قصد ملوك المدينة بتكريم الإله الأعظم أن يربحوا كل الأرواح الباقية إلى مقر حكومتهم. و لمع هيكل زفس كتاج على الجبل كمنارة إلى أماكن بعيدة في البلد. بني اليوم هذا الهيكل في متحف برلين في ألمانيا و حيث نقلوا مقرّ الشيطان.

       كان أيضا في برغامس المعبد الرئيسي لعبادة الحيّة. أنضم اكثر من 200 مركز شفاء و أطباء مشهورين في الغرب إلى هذى المذهب و سمّوا أنفسهم "المخلصين".

 

كانت المدينة بأكملها كرسيّ الشيطان, حيث استقرت المذاهب المختلفة في انسجام و وئام.

 

أنت متمسّك باسمي و لم تنكر أيماني

 

هذا الهدوء بين الأديان تغيّر فجأة عندما نزح المسيحيون إلى هذه المدينة بمراكزها لعبادة الأرواح. فشهدوا أن يسوع هو الربّ الحقيقي, و المخلّص الوحيد. هو واحد مع الأب السماوي و روحه القدوس. اشهروا أن زفس ليس اله, و لا القيصر في روما, و أن عابدي الحيّة ليسوا مخلصين. يسوع وحده يشفي و يقدّس و يحكم.

 

عندئذ انفلت إبليس, لأن المسيحيين هزوا عرشه. حاول كهنة العبادة المختلفة أن يقنعوا المسيحيين بان يسوع أيضا اله و مخلص أمين إلى جانب زفس و إلى جانب القيصر و مع الحيّة أيضا. و طلب وجهاء المدينة من المسيحيين أن يتركوا أيمانهم الضيق و يستغنوا على الاعتقاد بأن المسيح هو وحده المخلص و يعترفوا بكل الأديان السماوية لكي يرجع السلام إلى مدينتهم.

 

أما راعي الكنيسة فتمسّك بالاسم الذي هو فوق كل اسم و اعترف "لأن ليس اسم آخر تحت السماء, قد أعطي للناس, به ينبغي أن نخلص" (اعمال الرسل 12:4).

 

صار الحديث منفعلا و اكثر حدّة. و تغير الدعاة بالتسامح الى غير متسامحين. أما المسيحيين أصبحوا أيضا غير متسامحين لأنهم لا يقدرون أن يعبدوا آلهة أخرى. و لكنهم لم يضطهدوا و لم يقتلوا معارضيهم بل احتملوهم بصبر في الابتهالات. إنما ممثلو الآلهة العديدة ابغضوا اتباع المسيح الذين سمّوا آلهتهم لا شئ. و شهد اتباع يسوع بزيادة بان زفس و القيصر و الحيّة سيعبدون في النهاية يسوع لمجد الله الآب (فلبي 4:2-12).

 

لم تنكر أيماني

حتى في الأيام التي فيها كان انتيباس شهيدي الأمين

 

ربما كان انتيباس شيخ نشيط في الكنيسة أو شابًا متحمسا ممتلئ بمحبّة يسوع و تجاسر أن يدخل الهياكل و يشهد هناك بإنجيل المسيح.

 

اغتاظ كهنة الهياكل من شاهد يسوع و اجمعوا على قتله. و توقعوا بعد هذه التصفية, أن المسيحيين سوف يصمتون و لن يرفعوا صوتهم في ما بعد. و لكن لم يكن كذلك, بل استمر راعي الكنيسة في برغامس أن يشهد بأن يسوع هو الطريق الوحيد و الحقّ الأبدي و الحياة الروحية. مدحه ربّه بحمد عظيم عندما اثبت أن المسؤول عن الكنيسة لم يختبئ في بيته بعد قتل انتيباس بل تقدم معلنا أن المنتصر على الجلجثة هو الربّ الوحيد في برغامس.

 

تلقى انتيباس الشهيد إكراما خاصًا, لان يسوع دعاه شاهدي الأمين, و وضع عليه بهذه العبارة لقبه الخاص, كما ورد في إصحاح 5:1. ربط يسوع كيانه الأبدي باسم شهيده, الذي ثبت أمينا حتى الموت. يعيش انتباس اليوم مطوّبا في حفظ المقام من بين الأموات و يخدمه.

 

أثبت الربّ الحيّ في نفس الوقت للراعي الكنيسة في رغامس أن الهياكل المختلفة و المذابح و أماكن العبادة و الأصنام لم تكن مراكز روحية حقيقية, و ليس لها قوّة مقدسة, بل ظلت مساكن لأرواح الشيطان الخطيرة, التي تطمع في عبادة الجماهير الضالة. تعرف هذه الأرواح بالضبط أنهم هالكون و يرتجفون من الساعة التي فيها يأتي يسوع و يكرهونه. يتيقن الشيطان بأن وقته قليل, لذلك يعمل المستحيل ليمنع انتشار إنجيل ملكوت يسوع المسيح.

 

 

 

 

لكن عندي عليك "قليل"

انك تتحمّل أعضاء عبادة الأوثان في الكنيسة

 

فرح راعي الكنيسة جدا عندما مدحه يسوع المسيح لأمانته إنما أصيب بصدمة حين قال ربّه كلمة "و لكن". أبصر يسوع ما وراء حماس راعي الكنيسة الشجاع و اجتهاد أعضاء كنيسته رغم الكَرب و التو تر فدله على الخطيئة مميتة و الخطر المتسرب في رعيته. فلا بد لباب الشيطان أن يغلق فورا و يدمَّر كليًا.

 

ما هو المرض الخطير الذي يشبه السَّرطان و يشرف على الموت الروحي لكنيسة برغامس؟ شبَّهه الربّ بمشورة بلعام في العهد القديم (سفر العدد 16:31; 1:25-3).

 

كان بلعام كاهن مديانيّ يحضّر الأرواح. استدعاه الملك بالاق, سيد المديانيين, ليلعن أبناء يعقوب الزاحفين و يهلكهم. و لكن ملاك الربّ قاوم الكاهن و أوحى إليه أن يبارك أبناء يعقوب ثلاث مرّات وفي النهاية يتنبّأ بمجيء المسيح الذي سماه "كواكب يعقوب".

 

طرد الأمير الغضوب الكاهن خارجا, إنما قبل خروجه أعطاه نصيحة أن لا يحاول التغلّب على هذه الأمة بالسّلاح الأبيض بل ليستقبلهم و يدعوهم للحفلات المقرونة بالذبائح الكثيرة مع البنات المستعدات لإبداء الحبّ. و هكذا يندمج أعدائهم مع الحضارة المديانية, و يخسرون هويتهم. وقع فعلا الكثيرون من بني يعقوب تحت سلطة "بيور" الذي أخضعهم بواسطة النساء و النبيذ و الطعام و الأغاني تحت نفوذه.

 

عندئذ اتّقد غضب الربّ على بني إسرائيل, كما على المديانيين, حتى بدأ في إبادة الذين يفكرون بتعدد الآلهة و توحيد الأديان و اشتركوا بأساليبهم من بني يعقوب أولا و أخيرا من أكثرية المديانيين أيضا.

 

اتقد غضب الربّ كذلك على راعي الكنيسة الغيور لأنه بالرغم من شهادته الشجاعة لأجل اسم يسوع في وسط الكرب احتمل بعض أعضاء الكنيسة الذين آمنوا بلا شك بيسوع أيضا و لكن بنفس الوقت لم يريدوا أن يقطعوا جسور العلاقة على أقاربهم و أصدقائهم في أماكن العبادة المختلفة. هم قبلوا دعوات لحفلات الذبائح و أكلوا مع الجميع من اللحم الذي ذبح للأوثان و شربوا مع السكارى و زنوا مع عاهرات الهيكل. و هذا لم يكن محتملاً من يسوع رغم أن أهل برغامس لم يجدوا معثرة في هذه الحفلات الماجنة في هياكلهم. فتلبية دعوة أصحاب الأديان الأخرى و الشركة معهم عنى زنى روحيا ليسوع الذي ارتبط بهم في معموديتهم. و هذا الزنى الروحي قاد سريعا إلى الزنى الفعليّ المحتّم لان الحماس المتزايد و الدعارة النجسة يتحدان بسهولة (1كورنثوس 10:8; 14:10). طلب يسوع من راعي الكنيسة بشدة وقف الزنى الروحي و الجسدي فورًا و أبدا.

 

ربما كان النقولاويون اليونانيون يشبّهون بأولئك العبرانيين الذين وقعوا في فخ بلعام, إذ انجروا وراء خلط العبادات في برغامس. و بذلك فقدوا امتيازهم. فكرة بلعام هذه لم تنتشر كتعاليم مضللة في كنيسة برغامس فحسب بل نجدها في أيامنا أيضا في الإجتماعات اللاهوتية اللطيفة ظاهريا و لكن بالحقيقة تغطي موضوع مزج الأديان و قبول عقائد أخرى داخل الكنيسة ألا وهو الزنى الروحي في نظرة يسوع

 

تب و إلا فإني آتيك سريعًا

و أجابههم بسيف فمي

 

لم يحكم يسوع على الضالين و المذنبين فورًا, بل أعطاهم زمنًا و مكانًا للتوبة. كشف الرب عن خطيئتهم لكي يعوا ذنوبهم و ظلمهم, و انتظر منهم ندامة قلبهم و قرار إرادتهم أن يقطعوا علاقتهم فورًا و أبدا مع الخطايا الفكرية و الجسديّة. نداء يسوع للتوبة, كان أمرا جديا و ليس مشورة لطيفة. رَفضُ الربّ للخليط المتعدّد الحضارات يجب أن يخترق عمق وعي جميع المسيحيين ويوقظ فيهم العزم على الرجوع و الاعتراض عن خطيئتهم.

 

من لا ينقطع عن الزنى الفكريّ و العمليّ بسبب الرأي العام, سيكابد إتيان يسوع الشخصي كالديّان الإلهي الذي يقاصص بالكلام و الحوادث و الأمراض. لم يقصد الربّ في برغامس مبدئيا أن يحارب ضدّ راعي الكنيسة, بل ضدّ كل من يمهّد الطريق لتوحيد الأديان الذين يشتركون في كل الحفلات و يبني جسور التعاون مع معارضي الصليب. مَن لا يكتفي بيسوع وحده, و يمتنع عن عقائد الأديان الأخرى يفقد الشركة مع الربّ و يراه فجأة كالعدوّ أمامه. لا يريد الربّ موت الخاطئ كما نقرأ في العهد القديم (سفر العدد 1:32-7). بل يقصد انسحاق عناد الخاطئ ليتوب و يرجع إليه. يحارب الربّ ضدّ الروح الثائر في دعاة السلام السطحي و عزم أن يخرجه قبل أن يتسرب هذا الروح الرديء إلى الكنائس و يهمد فيهم الإيمان الأصيل و المحبة المخلصة.

 

كان ينبغي على راعي الكنيسة أن يتوب أولا لأنه كان متسامحا و متساهلا مع بعض أعضاء كنيسته الذين تعاونوا مع الأديان الأخرى بلا مبالاة. فكان مضطرا أن يتعلّم إخضاع كل العلاقات البشريّة و الثقافية و الدينية تحت صليب المسيح و روحه القدوس.

 

يُعتبر المهتدي في بعض كنائس المغرب مؤمنا ناضجا فقط إذا كسر الصوم عمدا و أكل في موسم رمضان. رغم أن كسر الصوم في العموم يجلب القصاص بالسجن لمدة نصف سنة. تعني ممارسة الصوم مع الآخرين عند بعض المؤمنين رياء و ضعفا. فيشرف الخائفون على الخطر أن يجعلوا الحرية المسيحية سترة للشرّ (بطرس16:2).

 

ليست ثقافات أمريكا و لا أوروبا, ليست ثقافات أفريقيا أو التي في آسيا مقبولة عند المسيح, بل ثقافته الطاهرة وحدها. هي مليئة بالصدق و المحبّة و التواضعً و العدل.

أصبح المسيحيون غرباء في هذا العالم. فهم ليسوا من هذا العالم و لكنهم مازالوا في العالم. فلا يجوز أن ينسجموا مع أساليب الأموات في الخطايا.

 

من له أذن فليسمع

ما يقوله الروح للكنائس

 

رسالة يسوع التي بدأت بالحمد إلى شيخ الكنيسة في برغامس تقدم أيضا تحذيرا حادا إلى كل رعاة الكنائس في كافة القارات. لا يحتمل يسوع روحًا نجسًا و لا إرتباطا إيمانيا مع الألهة, و الأرواح, و الملوك, و الطغاة الظالمين و لا إتصالا مع الحيّة القديمة. أما يسوع فيعزم أن يفصل كل الكنائس عن الأفكار الاشتراكيّة المبتعدة عن الله و عن المبادئ الرأسماليّة الباذخة, و كذلك عن الذين يؤمنون بالطبيعة المجردة عن الله و أصدقاء السلام الذين ينكرون رئيس السلام, و منظمي العالم بدون الله الذين لا يستسلمون كليا لخالقهم فكلهم عثرة له. كل عقيدة غير مبنية على الصليب و قيامة المسيح و خالية من الروح القدس هي ضلال و إغراء و أمر غير واقعيّ بل و تخطئ مجد ابن الله.

 

الروح القدس نفسه يفصل و يقدّس و يعزّي و يبني و يحفظ و يقود اتباع المسيح بأمانة في طريقهم وسط صحراء هذه الحياة.

 

المنّ المخفي و الحصاة البيضاء

 

يطلب يسوع من راعي الكنيسة عند اقتحام و تغلغل الروح الشيطانية في كنيسته أن يحاربها بالإيمان حتى ينتصر. فلا يعني موضوع التغلب إنكار الذات و الفوز على الأنانية فحسب بل يعني في الدرجة الأولى تنفيذ حكم يسوع المسيح في وسط مملكة رئيس هذا العالم و ربطه و طرده و التغلّب عليه. لا نقدر من تلقاء أنفسنا أن نقوم بهذا الواجب, و لكن بالشركة الكليّة مع يسوع و في التبعيّة له يستطيع الربّ بإيماننا و محبّتنا أن ينتصر انتصارا روحيا. "و هذه هي الغلبة التي تغلب العالم: أيماننا"(1يوحنا 4:5). و هذا الكفاح كان أيضا فريضة على الكنيسة في برغامس, مقر الشيطان, كما كتب بولس إلى أهل رومية: "اله السلام سيسحق الشيطان تحت أرجلكم سريعًا" (رومية 20:16).

 

و عد يسوع في ختام رسالته للمتغلّبين على الشيطان عند حفل تكريم المنتصرين هَداية بقيمة أبدية. فإن امتنعوا عن أكل لحم ذبح للأوثان في حضور الشيطان سوف يأكلون "المن" خبز السماء في حضرة الله. يسوع نفسه خبز الحياة. من يأتي إليه و يبقى عنده لن يجوع و من يؤمن به و لا يتملق إلى آلهة أخرى لن يعطش أبدا. (يوحنا 35:6-40).

 

أما الحصاة البيضاء الموعودة للمنتصرين تشير إلى تكريم الأبطال في الألعاب الأولمبية عند العالم اليونانيّ, حيث يعطى المنتصرون لوحة صغيرة من الرخام الأبيض, التي كتب عليها اسمهم كوثيقة انتصارهم. هذه اللوحة الصغيرة كانت الإثبات الرسمي لنصرهم المعترف به من الدوائر و الصلاحيّات.

 

لا ينتظر المتغلّب الروحيّ بقوة يسوع المسيح حجرًا اسود بل حصاة بيضاء نقيّة يسري مفعولها أبديا. و تحتوي هذه الحصاة البيضاء سرا لا يعرفه إلا الربّ و مختاريه وهو اسمهم الجديد. و تشير هذه الحصاة البيضاء إلى الخليقة الجديدة و المواهب الجديدة و إلى هدف جديد يستلمه المولود ثانية و المقدّس من ربّه و ديانه. و لا بد أن هذا الاسم الجديد يمجّد اسم الآب و الابن و الروح القدس الإله الواحد و ليس المنتصر نفسه.

 

الرسالة إلى راعي الكنيسة في ثياتيرا

(رؤيا 18:2-29)

 

17-          و اكتب إلى ملاك الكنيسة التي في ثياتيرا: هذا يقوله ابن

الله الذي له عينان كلهيب نار و رجلاه مثل النحاس النقيّ.

18-          أنا عارف أعمالك و محبّتك و خدمتك و إيمانك و صبرك

و أن أعمالك الأخيرة اكثر من الأولى.

19-          لكن عندي عليك قليل: انك تسيّب للمرأة إيزابيل التي

تقول إنها نبيّة حتى تعلّم و تغوي عبيدي أن يزنوا و يأكلوا

ما ذبح للأوثان.

21- و أعطيتها زمنًا لكي تتوب عن زناها و لم تتب.

22- ها أنا القيها في فراش و الذين يزنون معها في ضيقة

عظيمة إن كانوا لا يتوبون عن أعمالهم.

23- و أولادها أقتلهم بالموت فستعرف جميع الكنائس إني أنا

هو الفاحص الكلى و القلوب و سأعطي كل واحد منكم

بحسب أعماله.

24- و لكنني أقول لكم و للباقين في ثياتيرا كل الذين ليس لهم

هذا التعليم و الذين لم يعرفوا أعماق الشيطان كما يقولون

إني لا ألقي عليكم ثقلاً آخر.

25- و إنما الذي عندكم تمسّكوا به إلى أن أجيء.

26- و من يغلب و يحفظ أعمالي إلى النهاية فسأعطيه سلطانًا

على الأمم.

27- فيرعاهم بقضيب من حديد كما تكسر آنية من خزف كما

أخذت أنا أيضا من عند أبى.

28- و أعطيه كوكب الصبح.

29- من له أذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس.

 

و اكتب إلى ملاك الكنيسة في ثياتيرا

 

تكرر الأمر ليوحنا بالكتابة إلى رعاة الكنائس لكل واحد بمفرده. الكلمات الموحى بها في الرسائل ليست كلمات بشرية بل إعلانات الربّ المقام من الأموات و المنقذ.

 

ثياتيرا كانت مدينة واقعة بين برغامس و ساردس شمال شرقي افسس و ازمير. هذا مسقط ليدية تاجرة الأقمشة الأرجوانية الفخمة التي انتقلت إلى فيلبي التي تدعى اليوم أخيسار (أعمال الرسل 14:16-40).

 

يظن بعض المفسرين أن الكنيسة في ثياتيرا أصبحت صغيرة و لم تستحقّ بعد اسم كنيسة تقريبًا. (العرف اليهودي لا يعترف آنذاك بكنيس إلا إذا اجتمعت أكثر من عشر أشخاص مؤمنين للعبادة. أما في القيصرية الجديدة فعُين أسقف لكنيسة تضم 17 مؤمن مسيحي فقط) تعلق أكثرية أعضاء الكنيسة في ثياتيرا بنبيّة جذابة, و ارتدّوا عن تعاليم راعي الكنيسة البسيط. ربما كان راعي الكنيسة في ثياتيرا هو القديس كوربوس الذي جمع حوله بقية الأعضاء المؤمنين.

 

لابن الله عينان كلهيب نار

و رجلاه مثل النحاس النقي

 

يزيل تعريف يسوع المسيح بهذه الطريقة كل ضباب و يخترق أسماءه المذكورة سابقا. نسمع من فمه الخاصّ أنه ابن الله. لا يتكلّم في ثياتيرا كابن الإنسان و لا كمخلص أو منقذ العالم بل يأتي بمجده الإلهي الباهر, لكي يدين و يهلك الروح المفسد في الكنيسة لئلا يتضرر ملكوت أبيه السماوي.

 

شهادة يسوع هذه عن نفسه نادرة ما تذكر, و إشارة وامضة في سفر الرؤيا عن السرّ الجوهري أن المسيح هو ابن الله و أن الله هو أبوه. يشير يسوع بهذه الشهادة عن نفسه و بالكلمات الأخرى إلى وعد الرب الإله في مزمور7:2 حيث أعلن بطريقة دراماتيكية 1000 سنة قبل هذه الرسالة: "أنت ابني. أنا اليوم ولدتك".

 

في سفر صموئيل الثاني 14:7 وضع الرب مرّة أخرى بنوة الله ليسوع نصب عينيّ النبي داود, و أكد للملك بأنه ليس هو الذي سيبني بيتًا له, بل الربّ سيبني بيتًا لنفسه. و لهذه الغاية اختار ابنًا صلبًا لداود و هو بنفس الوقت ابن الله الخاص. هو سيبني البيت الروحي للرب وهو كنيسته.

 

نقرأ عن ابن الإنسان هذا الذي هو من اصل الهي في مزمور 8:2-12 بأنه لا يحكم أبناء يعقوب فحسب بل أيضا جميع الشعوب, و سيحطّم كل القوى الشيطانية فيها (2كورنثوس 4:10-5) يطرد رئيس هذا العالم (1يوحنا 8:3) و يبدأ ملكوت السلام الإلهي. ينبغي على كل الملوك و القضاة أن يغيّروا رأيهم و يتوبوا و يقبّلوا أرجل ابن الله الفريد (فيلبي 12:2; عبرانيين 28:12; رؤيا 27:2; 5:12; 15:19).

 

ظهر ابن الله ليوحنا بعينين كلهيب نار لا يخفى عليهما فكر و عمل. يرى كل شيء في الأعماق و يقدر أن يحكم بالحقّ العادل و أن يفصل النور عن الظلمة. لا يبقى كذب أو حيل أمام عينيه مستتر. رجلاه مثل النحاس النقيّ كعلامة لتنفيذ الحقّ فورًا دون تأخير. سيدوس الأرواح الثائرة و يجعلها كالرماد. الله نفسه يضع أعداءه موطئًا لقدميه (مزمور 1:11).

 

تكلم ابن الله بمجده الساطع منتصرا و ديانا إلى راعي الكنيسة في ثياتيرا. فقط لهذا القسيس أعلن المسيح نفسه كابن الله, و بهذا الظهور أثبت ليوحنا في بطمس أيضا شهادته السابقة أن يسوع هو كلمة الله المتجسد و ابنه الوحيد. قد جاء إلى ثياتيرا ليحكم و يبيد و ينجّي و يطهّر كنيسته المهدّدة.

 

أنا عارف أعمالك و محبّتك و خدمتك و أمانة أيمانك و صبرك

و أن أعمالك الأخيرة اكثر من الأولى

ليس من راعي كنيسة مدحه يسوع حتى الآن لأجل تعدّد خدماته الأمينة كالمسؤول في ثياتيرا. يسوع راقبه طويلاً بعينيه التي كلهيب نار و نظر إلى أعماقه و فهمه. رأى أن ملاك هذه الكنيسة ما كان فيلسوفًا و لا خطيبا شهيرا, بل خدم عمليًا لتمجيد ابن الله. احبَّ أعضاء كنيسته و عائلته و أعدائه. خدمهم ليس من الأنانية أو لتحقيق الذات بل بالأحرى كانت محبّة الله قد انسكبت في قلبه بواسطة الروح القدس الذي عمل فيه (رومية 5:5). كانت خدمته مبنيّة على الأمانة في الإيمان و قيادة الروح. لم يقصد أن يحيي كنيسته بقوته الشخصية بل انتظر بصبر ما سيفعله الربّ. لم ينتقد أعضاء كنيسته الصعاب بلا شفقة و ما وبخهم أمام الآخرين. بل احتملهم بآناة الروح.

 

كان هذا الرجل عطوفًا و لطيفا و محتملا في كنيسته. و رغم أن أرواحا ضدّ المسيح حلت في كنيسته لم يسقط من محبّته الأولى كالراعي في افسس. لم تصبح خدماته أعمالا روتينيّة. فكل ما عمل أكثر أنتج أكثر. تحقق نضوج محبّته في الخدمات المتزايدة في الجودة و طول الأنات. كان رجلاً أمينا و مختبرا في الآلام.

 

الجرد القضائي من الديان الأزلي أدى إلى حمد كثير و كرامة ثابتة للمسؤول في ثياتيرا. و لكن اكتشف الرب عنده نقطة ضعف. في صبره الطويل و محبّته الكثيرة استحى أن يقاصص المرأة الرديئة في كنيسته. ربما لم يمتلك موهبة تمييز الأرواح و احتمل بآناة المرأة المضلة التي جربت أعضاء كنيسته بكشف الغيب. كانت تنقصه المقدرة للحكم و القصاص. لهذا السبب أسرع ربّه لمساعدته إنما لام عبده الأمين لأنه سمح للمرأة الخطرة أن تنسلّ إلى الكنيسة و تعشش فيها.

 

عندي عليك "قليل"

انك تسيّب المرأة إيزابيل التي تقول أنها نبيّة

 

تعني كلمات يسوع هذه إنذارا مخيفا, إذ اتخذت نبيّة كاذبة المكان الروحي في كنيسة ثياتيرا بقوى شيطانيّة. طلب الله في العهد القديم الإبادة الفورية لكل نبيّ كذاب. لعن بولس كل روح يكرز بإنجيل آخر غير الذي أعلنه هو بلعنة أبدية (سفر التثنية 5:13-6; 20:18; الملوك الأول 19:18 و 40; ارميا 14:14-15;15:28-16; غلاطية 8:1-9). اعتبر الرب الإعلانات الوهمية و الاغرائات الشيطانية التي تغلغلت في وسط كنيسة ثياتيرا مهمة حتى أنه قام و أسرع كديان ليدين النبية الكاذبة شخصيا.

 

كانت الملكة إيزابيل في العهد القديم زوجة الملك آخاب. لم تدّعي بأنها نبيّة, و لكنها جلبت مئة نبيّ من عبدة "استرتي" من صور إلى الأرض المقدّسة, و أبادت أنبياء الربّ الحقيقيين بلا شفقة. أصبحت هي رمزًا للقوى المعادية لله, التي تسرّبت إلى منطقة حكم روح الله, و أرادت أن تنازع نفوذه.

 

يشكل الأنبياء الكذبة خطرًا كبيرا على كنيسة يسوع المسيح. يمكن أن يكون لهم أسماء و مظاهر مختلفة و شعارات جذابة و تعاليم فاتنة مثل روسّو الذي علّم أن الإنسان صالح أو كارل ماركس بكتابه "داس كابيتال" أو هتلر بكتابه "كفاحي" الذي قصد به أن ينفّذ حكم الجنس الآري أو محمّد في قرآنه الذي أنكر ألوهية المسيح. و ينضم المسيحيين الذين يؤلّهون مريم العذراء لصفوف الأنبياء الكذبة. فيخطفون قلوب الناس و يربطونهم بآلهتهم أو بمُثلهم العليا الفارغة و يملئونها بروح غريب. إنهم يضللون الناس إلى الزنى الروحيّ حتى لا يحبّون يسوع "وحده" بل إبليس الذي ينوب عنه رسله المتلألئون.

 

علّم بولس قائلاً: "لتصمت نساؤكم في الكنائس" (1كورنثوس 34:14). أنب يسوع راعي الكنيسة لأنه سمح لإيزابيل الحديثة أن تعلّم بانتظام في الاجتماعات. ربما كان الواعظ غير موهوب بالخطابة و ألقى عظاته بطريقة مملّة بدون كلمات جذّابة, و كان متشكرا أن هذه المرأة جلبت أخيرا نشاطًا و رياح التغيير إلى كنيسته. و لكنه لم يدرك أنها كانت وسيط روح غريبة, تكافح من أجل حقوق المرأة و أكثر من ذلك. فلم يتكلّم الروح القدس بواسطتها. كانت هذه المرأة ذكية و جذابة و غشّت حتى الرجال الأتقياء بالأحاديث المعسولة. لم يمتحن راعي الكنيسة بجودة قلبه تعاليم هذه الأرواح بل سمح لها. لم يدرك فورا أن الأب و الابن و الروح القدس ليسوا في ما بعد المحور في كرازة هذه المرأة, بل أرشدت أعضاء الكنيسة إلى التعمق في الشيطان, مع التساهلات في الزنى و الدعارة, التي فسرت كتنفيذ عملي ووفاء "للحب".

 

جذبت المرأة الرجال إليها و ربطتهم بها وقادتهم أخيرا إلى حفلات للأوثان الماجنة. سار الأسلوب في ثياتيرا من زنى النبيّة الكاذبة إلى طعام الوليمة في شركة الآلهة المضيفة بينما سار طريق الكنيسة في برغامس بالعكس (رؤيا 14:2). مرارًا و تكرارًا تبيّن ان الزنى الروحي ينتهي إلى زنى جسدي. حيث تزول مخافة الله, يغطي على قداسة الله الواحدة في الثالوث الأقدس, تظهر أعمال نجسة.

 

أعطيتها زمانًا لكي تتوب عن زناها و لم تتب

 

أعطى يسوع النبيّة الكذّابة المصابة بمسّ من الشيطان زمنًا و فرصة للتوبة. و كان لا يزال فيها بقيّة من حريّة تقرير المصير. يستطيع المرتبطون بالأرواح الشريرة أن يقرروا إن كانوا يريدون أن يتحرّروا من عبوديّة خطاياهم أم لا. يقدرون أن يصرخوا في طلب المساعدة و يرتمون عند أقدام مخلصهم لكي يحررهم من سلطة الشيطان. "إن كل من يعمل الخطية هو عبدٌ للخطية. فان حرّركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارا"(يوحنا 34:8-36).

 

أمَا النبيّة الزائفة في ثياتيرا فلم ترد أن تترك خطاياها. أحبت الروح النجس الذي كان يحكم فيها. لقد دعا يسوع سكان أورشليم و رؤساءهم كثيرًا ما إليه و لكنهم لم يريدوا (متى37:23-39). اعترضوا عن خلاصه هكذا حتى انه لم يقدر أن ينجيهم (يوحنا 37:5-40). لذلك كان على دينونة الله أن تأتي لا محالة. حكموا على أنفسهم عندما حكموا على مخلصهم و رفضوه.

 

ها أنا القيها في فراش

و الذين يزنون معها في ضيقة عظيمة

إن كانوا لا يتوبون عن أعمالهم

 

لم يقتل الربّ المضلّلة فورًا بالرغم من قساوة قلبها. أعطاها مرّة ثانية ساعات و أياماً للتوبة إذ ضرها بالبلاء, وربما بالطاعون الأسود, الذي لم يشف منه أحد آنذاك. ويمكن أن يشبَّه ضيقها بمرض الإيدز الذي يضرب الكثيرين من عبيد غرائزها بلا إمكانية الشفاء.

 

الذين زنوا معها أصابهم فزع عظيم و لم يعرفوا إن كانوا قد أصيبوا بذات العدوى. و بالإضافة إلى ذلك حكت كل المدينة عن "الأتقياء النجسين". ابتعدوا عنهم لان خطر انتقال الوباء كان موجودًا. الفضيحة و الابتعاد و خطر الموت كانت نتيجة تعليم النبيّة المزيفة الكذابة. قال يسوع: "من ثمارهم تعرفونهم".

 

و أولادها اقتلهم بالموت.

و سأعطي كل واحد منكم بحسب أعماله

 

الأولاد من شركة الزنى المتعددة الثقافات يجب أن يموتوا كلهم كما مات الابن الأول الذي أنجبه داود من بثشبع بالزنى. كان على النبية الزائفة أن تطعن في قلبها الطعنة الأخيرة قبل أن يداهمها الموت. كان القصد من ألمها بسبب وفاة أولادها أن يحثها على التوبة.

و لكن ليس جميع أولاد الزواني يجب أن يموتوا وإلاّ هلك ملايين الأطفال. علمنا يسوع أن لا نلعن الزناة حين قال: "من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولا بحجر" (يوحنا 7:8).

 

أعضاء الكنيسة الضالين الذين دعاهم الرب مرارا و تكرارا (في عدد 20) "عبيدي" و لكنهم فتنوا بالنبيّة الزائفة وزنوا معها كان عليهم أن يدركوا بواسطة دينونة ابن الله ما نقرأه كثيرًا ما في الكتاب المقدس: "لا تضلّوا. الله لا يُشمخ عليه. فان الذي يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضا" (غلاطية 7:6). كان عليهم أن يدركوا انهم لم يخطئوا فقط ضدّ أنفسهم, و ضدّ الكنيسة, بل قبل كل شيء ضدّ الله. ولكن حالما يدرك المضللون خطاياهم ويعترفون بها ويندمون عليها ويبغضونها ويتركونها يمكن أن ينالوا النعمة ومغفرة خطاياهم. كان الهدف من حركة التجديد بواسطة دينونة ابن الله أن لا تنعش فقط الكنيسة في ثياتيرا بل جميع الكنائس في آسيا الصغرى أيضا. عليهم أن يفهموا, الرب حيّ! هو قدوس و لا يتهاون مع الخطيّة. تبدأ دينونته في الكنيسة. نحن لسنا افضل من الاخوة الضالين كلهم. قال يسوع: "إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه" (متى 28:5). هل كلنا أمام الله زناة؟

 

كان ينبغي أن تحدث صدمة بنّاءة بقداسة إبن الله في كل الكنائس, ليدركوا أن النعمة ليست رخيصة. من يستخدمها كغطاء لشروره يسقط من النعمة و يدان بحسب أعماله الشريرة الخاصة. من يعبد آلهة أخرى, أرواحا, قديسين و أنبياء بجانب الله ويكرّمها فوق كل شيء, سيرى ان هؤلاء كلهم خطاة مائتون و لا يقدرون أن يساعدوه في الدينونة الأخيرة. تكون نعمة المغفرة التامّة من نصيب أولئك الذين يتمسّكون بيسوع وحده, ويبقون في حماه, و في تواضعه, و بقيادة روحه. من يترك مخلصه فلينظر كيف ينجو في يوم الدين بدون نعمته. كل كلمة و كل فعل و كل فكر ستوزن بنور الله, و سيمتحن روح الله قلبه وكلاه على نياته وشهواته. لا تبقى كرامة خاصة و لا برّ ذاتي بل ذنب وندامة متأخرة. هذه الدينونة تصيب كل واحد يبتعد عن النعمة و يبني مستقبله على أفعاله الخاصة أو عمل أناس آخرين.

 

للباقين في ثياتيرا الذين لم يعرفوا أعماق الشيطان

إني لا القي عليهم ثقلاً آخر

 

يصبح عمق شر المضللّة واضحاً في كلمة النعمة التي وجهها يسوع إلى بقيّة الكنيسة في ثياتيرا. قلّة من أعضاء الكنيسة فقط أغلقوا قلوبهم عن إعلانات الشيطان الجذابة, و اكتفوا بالإنجيل البسيط. ثبتوا في نعمة يسوع المسيح, في محبّة الله و في شركة الروح القدس. لم يتلوّث هؤلاء الأمناء في الروح لا فكريًا و لا جسديًا.

حتى حواء وقعت في شرك الشيطان حين خدعها وقال لها أن الله لا يريد أن تدرك الشر وتتعرف عليه فأضلّها الشرير أن تأكل من شجرة الخير والشر فنمت في داخلها الشهوة للشر.أما الله الصالح فقد عرفته منذ زمن طويل. ولكن الآن أرادت أن تتعرّف على الشرير أيضاً. و لما قضمت الفاكهة الممنوعة انفتحت عيناها على ذنبها. وسقطت من شركتها مع الله و طردت إلى صحراء الحياة و أصبحت مائتة.

 

هكذا أرادت النبيّة الزائفة الكاذبة كابنة حواء أن تقود الكنيسة إلى أعماق الشيطان. أصبحت بذلك مع اتباعها كلهم شرّيرة جدًا. من يلعب اليوم مع قوى الغيب و يشترك في جلسات و في تحريك المائدة لتحضير الأرواح و قراءة حثالة القهوة, و التجارب الشيطانية الأخرى, ليكتشف المجهول و يختبره, فيقع بواسطة هذه الإتصالات في حرمة الشرّ, و يصبح تدريجيا شريرًا, و يمتلئ اكثر فاكثر من الروح الشرير. لهذا السبب ابتعد عن أساليب معرفة الغيب نهائياً! يجب علينا أن نبتعد من كل الدراسات العلمية عن قوى الغيب وأفعالها.كل الإعلانات والأصوات والرؤى الخارجة عن الكتاب المقدس كاذبة. يسوع وحده اخترق ببصيرته أعماق الشيطان و أعلنها و تغلّب عليها. تكفينا إعلاناته.

 

سمى يسوع الشيطان "الشرير" و أرشد أبناء الله أن يصلّوا إلى أبيهم السماوي: "نجنا من الشرير" إذ لا أحد منا يقدر أن يقاوم مكر الشيطان و سلطانه. و لكن إن كنا "في المسيح" لنا الوعد أن نبقى محميين من الشرّير.

 

دعا يسوع إبليس "كذاب" و "أبا الكذب". وكشف عنه القناع وأظهره كقاتل منذ البدء الذي لم يثبت في الحق (يوحنا 44:8). خير الماكرين (سفر التكوين 1:3). من لا يثبت في يسوع ولا يعيش تحت حماية رش دمه يقع في حيل المجرّب, و يفسد روحيًا و جسديًا, و يصبح سببًا لفساد الآخرين.

 

دعا يسوع الشيطان "رئيس هذا العالم" الذي يطرد الآن (يوحنا 31:12;30:14).

أما بولس فسمّاه "إله هذا العالم" الذي أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله.(كورنثوس الثانية 4 :4)

رأى يوحنا الشرّير في هيئة "تنّين احمر كبير" له سبعة رؤوس و عشرة قرون و على رؤوسه سبعة تيجان. هذا التنّين الكبير هو "الحية القديمة" التي تدعى إبليس و الشيطان الذي يضلّ العالم كله (رؤيا 3:12 و 7 و9).

 

لا حاجة للكنيسة أن تشترك في جلسات أو في دروس مناجاة الأرواح لان الكتاب المقدس كشف القناع عن الشرير منذ أمد طويل. من يشترك رغمًا عن ذلك في الأساليب الشيطانية يسقط تحت نفوذ الشرير و يسقط درجة درجة إلى الأعماق.

 

ونجد اليوم اجتماعات لعبادة الشيطان وفيها تجرى كل النجاسات والشرور وتنتهي حتى بقتل الأبرياء الغرباء.

 

أما الكنيسة فتعرف التحرير من سلطة الشرير، والرب أعطاها هدفاً آخر من أن تدرس أعماق الشيطان. فلها الامتياز أن تمرّن نفسها لتتغير إلى صورة الآب والإبن والروح القدس.

 

الروح القدس هو الذي يفحص أعماق الله (1كورنثوس 10:2). هذا الروح يصرخ: "يا أبا الآب". يرينا ان خالق السموات و الأرض القدير و القدوس و المجيد هو أبونا الذي منه ننال الآمن التام و حياته الأبدية. الروح القدس يساعدنا أن نعرف أن يسوع هو ابن الله و نختبر تطهيرنا من الخطايا بواسطة دمه, و نؤمن بحكم يسوع. ظهرت محبّة الله في المسيح. يكفينا نوره و حياته و حقّه و طريقه و حُكمه الملوكي و قيامته. لسنا بحاجة إلى اختبارات الأرواح بجانبه.

 

يسكب يسوع فينا روحه القدّوس, روح التعزية, السلام الذي لا يعرفه العالم. هو قوّة الله, و النور و الحياة, الفرح و الصبر, الحقّ و الطهارة. يمنحنا القوّة للمحبة. يسمح أن ينقاد بواسطة يسوع وروحه إلى أعماق الله. يختبر حقّ الكلمة التي كتبها يوحنا في رسالته: "إن سلكنا في النور كما هو في النور فلنا شركة بعضنا مع بعض و دم يسوع المسيح ابنه يطهّرنا من كل خطيّة" (1يوحنا 7:1).

 

تمسّكوا بما عندكم حتّى أجيء

 

قال يسوع للبقية المقدَّسة من الكنيسة في ثياتيرا التي تنحّت عن النبيّة الزائفة: "انتم عانيتم الكفاية تحت ابنة التنين هذه. لم تثقوا بتجاربها الخداعة. لا أريد أن أضع عليكم امتحانًا آخر أو حملاً أو اضطهادًا. و لكن لا تتكبّروا و لا تظنوا أنكم افضل من المضلّين لأني أنا الذي حفظتكم. ليس لكم كرامة إلا نعمتي و حدها. انتم تقفون إلى جانب المنتصر. اثبتوا في نعمتي إلى أن أجيء". يؤكّد الربّ للمساكين بالروح بأنه سيجيء ثانية بكل تأكيد سريعًا و بنفسه. إليهم و إلى كل الذين ينتظرونه. مجيء يسوع المسيح كانتظار قريب كان جزءًا ثابتًا من أيمانهم.

 

اغلبوا واحفظوا أعمالي إلى النهاية

 

لا إنسان يقدر من ذاته أن يتغلب على قوات خارجة من الشر. و لكن من يتمسك باسم يسوع و يحيا بقوته على أساس خلاصه يهبه الربّ مرارًا و تكرارًا النصر. قاد الروح القدس يسوع لمواجهة الشيطان وتجاربه حتى يجرّد الشرّير و يتغلب على تجاربه بواسطة كلمة الله ويتركه يذهب مهزومًا. هكذا يقودنا روح يسوع أيضا لنكشف التجارب و اختراق الروح في الكنيسة, و بين الأفراد, و نتغلب عليها بواسطة كلمة الله. لا يذوب بعض الباغضين إلا بواسطة محبة المحبين.

 

انه مكتوب واضحًا بأننا لا نقدر بأعمالنا و اجتهاداتنا وتبرعاتنا وصلواتنا أن ننتصر بل بثباتنا في أعمال المسيح و سلطانه و حقّه. كما كان مارتن لوثر يرنّم:

قوتنا تخذلنا سرعان ما تضلّلنا

ولكن عندما يجاهد البطل مختار الله الأزلي

و اسمه الصحيح يسوع المسيح

خوفنا يزيح بحزمه الصريح

و النصر للربّ الجليل

 

ما هي أعمال يسوع المسيح؟

 

تعني ولادته دخول الحياة الإلهية في عالمنا المرسوم بالخطيّة و الموت. أتم شريعة موسى و اكمل متطلباته في حياته وموته. لخّص الشريعة كلها بجملة واحدة: أن نحب كما أحبّنا. (يوحنا 13: 34 )

 

كانت أعمال يسوع إشارة إلى محبّته و سلطته الخالقة. شفى جميع المرضى الذين أتوا إليه, اخرج الأرواح النجسة, و زاد الخبز للجياع إلى البرّ. أقام الموتى, و أكل مع العشارين و الخطاة.

 

حمل خطية العالم على الصليب و احتمل قصاصنا, أطفأ غضب الله بموته الكفاري وصالحنا مع الله. وهكذا تمّم الخلاص في هذا العالم لكل من تبعه.

 

قيامته أعلنت انتصاره على الموت و الشيطان. و جوده بالجسد و الروح منحت لنا البصيرة عن مستقبلنا. صعوده إلى السماء قسم من موكب انتصاره. هو يحيا و يحكم مع الله أبيه إلى الأبد.

 

تقودنا روحه إلى نشر محبته. يعمل يسوع اليوم بواسطة اتباعه. هو ينجي الذين يقبلون أن ينجيهم.

 

إنّ "أعمال يسوع المسيح" ليست كلمات فارغة بل أعمال مليئة قوّة و رحمة. حرّرنا من لعنة الناموس و نقلنا إلى عالم نعمة الله القدوس. من يثبت في نعمته و يحفظ وصاياه يعمل فيه وعدان كبيران. هذان الوعدان وعد بهما بقية الكنيسة الفقيرة في ثياتيرا التي يخصّها أيضا راعي الكنيسة العطوف.

 

من يحفظ "أعمالي" إلى المنتهى

فسأعطيه سلطانًا على الأمم.

 

لا يستحق أي مسيحي أن يحكم على الآخرين. كلنا باطلون مذنبون. أما يسوع فمنح سلطانه للمسيحيين القلائل الحزانى في ثياتيرا لأنهم بقوا عند يسوع و أعماله إلى انهيار النبيّة الزائفة لأنهم لم يقدروا أن يقاوموا حججها كثيرًا. و هكذا لم يتمسّكوا فقط بكلمات يسوع بل بالأحرى بأعماله.

 

أي سلطان يعطي المسيح أمناءه؟ في أعمال الرسل 8:1 قال يسوع لاتباعه: " ستنالون قوّة متى حلّ الروح القدس عليكم و تكونون لي شهودًا في أورشليم و في كل اليهودية و السامرة و إلى أقصى الأرض". لأجل صلب يسوع ينال اتباعه سلطانا لشهادة تسبب حياة أبدية.

 

الوثنيون هم أموات في الخطايا. اليهود دعوهم نجسين، دعوة يسوع تقيم أمواتا نجسين. كلنا كنا مثلهم مذنبين و أمواتاً روحياً. و أما دم يسوع المسيح فطهّرنا من خطايانا كلها. روحه أعطانا حياة وقوّة و حقاً.

 

يعيش الوثنيون في نطاق سلطة الشيطان. فيحتاجون إلى تحرر من ارتباطاتهم. يرشد الروح القدس أتباع المسيح أن يستدعوا الغير مؤمنين من عالم الشيطان إلى كنيسة يسوع. و هذا يعني كفاح و مقاومة. لهذا السبب قال يسوع:

 

يرعاهم بقضيب من حديد

 

قضيب الحديد يمكن أن يعني كلمة الله بشريعته و إنجيله الذي كان ينبغي ان يُستعمل في خدمة المؤمنين في ثياتيرا لكي يرشدوا عبدة الأوثان إلى رحاب المسيح و يرعاهم بأمانة. للذئاب يعني قضيب الحديد الموت. للخراف الحياة. و لكن إذا وقع خروف بعناده في خطر الموت يجب على الراعي أن يستخدم قضيب الحديد و يرد الخروف العنيد إلى رعيته. فيقاصصه لكي يحيا.