رواية عن أحداث تاريخية حقيقية

مجد الرب أشرق على أبواب الشام

كان شاول شابا متحمسا، متطرفا، متعلما حسب شريعة موسى. وأراد تنفيذ بنود هذه الشريعة وتطبيقها بالكامل. فسمع أنّ هناك بدعة تسمّى النصارى، وأنهم يؤمنون بأنَّ المصلوب المرفوض قام من الأموات، وأنّه حيّ. غضب شاول لذلك غضباً شديدا، وطلب من المجمع الأعلى عن شعبه التفويض، ليبحث عن المرتدين، ويجبرهم على العودة إلى الإيمان الأصيل، وشريعة أمتهم. وبعد أن أخذ الموافقة، بدأ يدخل البيوت، وأماكن الاجتماعات، فيقبض على المؤمنين، ويعذبهم عذابا مريرا، ويُجبرهم على الكفر بالمسيح وإلا الموت يكون من نصيبهم. فخاف المؤمنون في عاصمة القدس من هذا الجزّار( أعمال 8: 1و3؛9: 1؛ 22: 4-5).

  

تفويض شاول للقبض على النصارى في الشام

وصل إلى مسمع شاول، أنّ بعض النصارى هربوا من القدس إلى الشام، وفتحوا هناك بيوتهم للعبادة. كانت الشام يومها تحت سيطرة الرومان. فطلب الإذن من المجمع الأعلى بالتفتيش عن هؤلاء الهاربين الضالين، ليأتي بهم مقيدين إلى القدس. ففوضه المجمع الأعلى وأعطاه فرقة خاصة للقيام بهذا العمل(أعمال9: 2).

 

 في طريقه إلى الشام، مع الفرقة المرافقة له، مرّ عبر شواطئ بحيرة طبريا، نحو مرتفعات الجولان فدمشق. كان ذلك اليوم يوما حارا، والماء قليل، ولكن رغم الظروف القاسية، اندفع شاول بسفرته، وشاهد من بعيد قببا عديدة في مكان يدعى الغوطة، والهواء الساخن يُظهر له من البعيد سرابا كأنه الماء. ورغم تعبه ابتسم، لأنّه كان يعرف أن النصارى في دمشق هم في خوف شديد من اسمه، وأنّ النصر سيكون حليفه.

ظهور المسيح في مجده

 

ما كاد يقترب من مدخل الشام، ومنابع الماء، وهو يستعد لذلك، سطع فجأة حوله نور أقوى من نور الشمس، كأنّ صاعقة نارية انقضت من علو. حينها جفلت الخيول من هذا البريق، وسقط شاول عن صهوة حصانه أرضا(أعمال 9: 3؛ 22: 6).

 

سمع صوتا غريبا: "شاول، شاول، لماذا تضطهدني؟" وأدرك شاول لحينه أنّ هذا الصوت هو صوت آتٍ من العالم الآخر. لأن ليس هناك من عظمة كهذه إلا ومنبعها الرب القدير. فتمتم مرتعبا: "مَن أنت يا رب؟" لم يدرك شاول تماما ما قاله، لأنه كان مترددا في داخله، أنّ الشيطان يمكن أن يقوم بذلك. ولكن أحبّ أن يعرف بدقة أكثر مَن هو المتكلم. (أعمال9: 4؛ 22: 7)

 

لم يكن انتظار شاول طويلا، فجاءه جوابا صريحا واضحا:"أنا هو يسوع، الذي تضطهده"، وكان هذا الإعلان مثل صاعقة أخرى، وقعت على قلب شاول، وبسرعة البرق انفتحت أمامه أبواب المعرفة في الدنيا والآخرة ( أعمال9: 5؛ 22: 8).

  

مجد الرب سحقَ شاول المتعجرف

 

أدرك المرتعب أن الصوت هو صوت يسوع، الذي يضطهده في أتباعه، وأن جسد يسوع ليس متحللا في القبر، ولكنه حيّ، مقام من بين الأموات. أدرك شاول بنفس الوقت وهو ملقى على الأرض، أنّ رجال الدين المحترمين كانوا كاذبين من رؤساء وكتبة، لأن ظهور المسيح لا يحتاج إلى بيان وتفسير، بل كان واضحا مكشوفا.

 

علم شاول للحال، أن المتكلم في المجد هو المسيح الرب الموعود منذ أجيال، وأما هو، شاول، فعدوّ له، لأنه اضطهد المؤمنين به وعذبهم، وقتلهم، وأرشد بعضا منهم للكفر، كما علم أنه إن لم يتب فورا، سيكون الموت نصيبه، لأنه تعدّى على الرب بذاته، وليس له مستقبل، وباب الجحيم مفتوح، كما أن غضب الرب حالٌّ عليه.

 

أبرأ المسيح شاول بالنعمة

 

أدرك شاول بدهشة، أنّ رب المجد لم يرفضه، أو يقتله، بل كلمه وخاطبه. وشعر أنه كان مقبولا عند الرب الذي يخاطبه. كانت هذه المفاجأة صدمة قوية لشاول، لأنه أدرك مع أنه العدو الأكبر ليسوع، فإنّ الرب لم يقاصصه على أعماله المتعصبة، بل خاطبه برحمة، وأنّ الرب أنعم عليه، وباركه، واختاره ليكون من خاصته، ليس لصلاحه الخاص، بل رغم إجرامه. عندها سريعا فهم شاول سرّ العهد الجديد، ألا وهو النعمة، وليس الاستحقاق. وعلم أنّ لكل مجرم رجاء في التوبة، وإمكانية التبرير، والعيش مع الرب بسلام.

 

لم يظهر الربّ إلى المؤمنين به والقديسين في الشام والقدس فحسب، بل أيضا إلى المجرم الإرهابي الذي حاول أن يشّرد ويقتل أتباعه. حقا ما حصل لشاول هو انقلاب ذهني، مدركا محبة يسوع وعظمته.

وحدة المسيح مع أعضاء كنيسته

 

فهم شاول أيضا عُمق معنى دعوة الرب: "شاول، شاول، لماذا تضطهدني؟" لم يكن شاول يضطهد يسوع مباشرة، لأنه حسب العرف كان فانيا في قبره. عندئذ أدرك شاول سرّ الاتحاد الروحي بين المسيح وكنيسته. الألم الذي يحسّ الجسد به، يحسّه أولا الرأس، لأن الرأس يشعر بالآلام، ويشير بها إلى الأطراف، ويحاول شفاءها أو إصلاحها. هذه الحقيقة أعطت اليقين لشاول، حتى أعلن في رسائله مستقبلا سرّ الوحدة بين المسيح وكنيسته، وأن الرب يحب الذين يتبعونه بملء محبته.

 

فهم شاول، الملقى على الأرض، بلمح البرق، أن المسيح الحيّ وهو رب المجد. وأنه أتى ليخلص، لا ليهلك، وأنه ممتلئ بالمحبة والرحمة. وبعدما اختبر شاول ظهور المسيح ببهائه الساحق، تيقن في أعماقه وآمن بعزم و ثبات:

o       أنّ يسوع حي، وهو الرب المسيح الموعود.

o       أما هو شاول، فمجرم مستحق الهلاك فورا .

o       إنما كلام الرب له ليس لهلاكه، بل لخلاصه، فأدرك سرّ النعمة المبررة مجانا.

o       أن المسيح وكنيسته هما وحدة روحية، لا تفترق مهما حدث وصار.

  

الإخضاع الطوعي لرب المجد

 

بعد هذا كله تمتم شاول: "ماذا تريد أن أفعل؟"، إذ أدرك أنّ الرب يسوع المجيد هو المنتصر على الموت، وليس من أحد يستطيع قهره، فلا بد أن يضع نفسه تحت تصرفه. وأصبح من ذلك الوقت عبدا للمسيح طائعا وشاكرا، إذ فهم جوهر ربه الرحيم (أعمال 22: 10).

 

كان شاول يظنّ من خلال عقيدته السابقة، أن يسوع المضلّ المصلوب هو ميت، ولا يستحق سوى هذا، لكنه الآن فهم السرّ العظيم لقيامة المسيح. وتيقن أن يستسلم له كاملا، وأن يذهب أينما يرشده. وفهم الفقيه أن الشريعة الموسوية، لا تنفع للتبرير والبرّ. فلا يبقى إلا السير في طريق النور، فكما كان ضد المسيح بتعصب وعنف، أصبح الآن معه بمحبة وإخلاص .لم يحتج إلى قول ربه "صعب أن ترفس مناخس" . ليس له من عمل إلا أن ينفذ مشيئة منقذيه، ويطيعه حتى الموت بملء المحبة.

 

بعدها لم يعتل شاول خيلا، بل أصبح متواضعا، ومنكسر القلب، سائرا على قدميه، منقذا من قبل الآخرين . فشاول المفتخر بذاته بدأ ينحني، ويسير على الرمال. و دعا نفسه فيما بعد " الصغير " و باليونانية

"بولس." وقد عرف نفسه للتو في ضياء مجد الرب. وأصبح المسيح المقياس لحياته، ولم يعتبر نفسه مُهما، أو عظيما، أو ضروريا، بل اعترف بأنّ الرب الحيّ هو المخلص الوحيد.

  

معجزة الشفاء

 

بعد كل ما حدث بسرعة قصوى، حاول شاول أن ينهض عن الأرض، فأدرك أنه إنسان أعمى، لا يدرك طريقه، وكان بحاجة لمن يمسك بيده ويقوده. كما علم للحال بأنه الجبار المنتصر المتعجرف، الذي حاول الدخول إلى دمشق ليقضي على أتباع المسيح، هو إنسان صغير، لا حول له ولا قوة. فامتنع عن الطعام والشراب، وانعزل للصلاة، واستمرّ على هذه ا لحالة، لأنه التقى بالرب الحي. لقد أصبح هذا اللقاء السريع، نقطة الانقلاب في حياته. ولم يقم بحركة ما، بل صلى لمن كلمه من خلال نوره الساطع (اعمال22: 11).

 

استجاب الرب صلاته، وظهر في رؤيا لأحد المؤمنين في دمشق وقال له: "يا حنانيا، قم واذهب إلى الزقاق المستقيم واسأل عن بيت يهوذا. وستجد هناك رجلاً طرسوسيا اسمه شاول وهو يصلي". فأجاب حنانيا الرب: "يا رب، لقد سمعت من كثيرين عن هذا الرجل وما فعله من شرور وقتل ضد المؤمنين في أورشليم، بل وانه يملك التفويض من المجمع الأعلى بالقضاء على كل من يقول أن المسيح حي" (اعمال9: 10-14؛22: 12).

 

ولكن الرب لم يجب على خوف حنانيا وتردده، بل أمره مرة أخرى: " اذهب إليه، لأنه المختار مني، ليقدّم اسمي إلى الملوك والشعوب، وسأريه كم سيتعذب من أجل اسمي". فقام حنانيا مطيعا، وغلب الخوف في نفسه، وآمن بحماية الرب الحي. ودخل إلى البيت حيث شاول، و وجده كما قال له الرب، وتقدّم منه، ووضع يديه عليه قائلا: "أيها الأخ شاول الحبيب: قد أرسلني الرب يسوع، الذي ظهر لك في الطريق، لكي تبصر مرّة أخرى، وتمتلئ من الروح القدس". فسقطت لتوها من عيني بولس الغشاوة وأبصر. فقام بولس وتعمّد، وأكل ليتغذى جسدا، كما غذاه الرب روحا ( أعمال9: 15-18؛ 22: 13-16).

 

وهنا أدرك شاول: أن يسوع هو المفتاح للمجد وللحياة الأبدية. ولا يتحقق معنى اسمه "يسوع" وهو"الرب يخلص"، إلا بالإيمان به، والتسليم له. واختبر شاول في أعماقه: أن قداسة الرب تدين الخاطئ، وتهلكه، ولكن محبته تخلصه، وتقيمه، وتنعشه، وتمنحه الحياة الأبدية، مع الدعوة للخدمة في القوة والنور. فالشخص الذي كرهته سابقا، يحبني، وأستمد منه البركة والنعمة لي و للذين يؤمنون به.

 

آمين