في أعماق السجون

   قصة واقعية

اعترافات ويوميات سجين ياباني

ترجمتها السيدة مكدونالد عن اليابانية

   

نقلها إلى العربية

حبيب سعيد

 

تقديم الكتاب

 

منذ سنوات، وفوق ظهر الباخرة الجبارة "إمبراطورة روسي" كنت ترى جمعاً خليطاً من إنكليز  وأمريكيين وشرقيين، جمعتهم هذه الباخرة مدة عشرة أيام ليتفرقوا فيما بعد في بلدان الشرق الأقصى-اليابان والصين والملايو والفيلبين والهند. وقد هبت رياح الشمال باردة، وظهرت من بعيد جزر الوشيان بقممها البركانية المكسوة بالثلوج البيضاء، منظمة كحبات من الخرز  في قلادة تطوق جيد المنطقة المتجمدة الشمالية. ومن ثمَّ انهمك ركاب السفينة في مشاغلهم داخل أبواب مغلقة، كلّ حسب هواه. وقد التفَّ نفر من الركاب حول سيدة يجري في عروقها الدم الأسكتلندي الكندي، ليستمعوا إليها وهي تروي أغرب قصة في العالم. وهي القصة التي يحويها هذا الكتاب.

 

والسيدة تدعى كارولين مكدونالد، وهي تؤدي خدمات فريدة من نوعها في سجون اليابان. وقد روت القصة العجيبة التي نودعها دفتي هذا الكتاب، وفيها بعض السحر الذي تراه في قصص ألف ليلة وليلة، وبعض الشرّ العاري الذي تجده في القصص المخيفة للشاعر الأمريكي "بو". إنما فيها أيضاً نموذج للإلهام الذي يصدر عن يسوع المسيح حين يستميل إليه الضالين المارقين. فإنك ترى، وأنت تقرأ القصة، حناناً منقطع النظير ينبعث من عينيه المشفقتين، وقوة قاهرة تخرج من أكرم يدين امتدتا لانتشال نفس ضالة من وهدة الشقاء إلى رحبة السلام.

 

وقد وضع الكتاب أصلاً باللغة اليابانية، ثم ترجم إلى اللغة الإنكليزية، وجعل عنوانه "A Gentleman in Prison"

 

وذلك لأن بطله "إيشي" الياباني كان أرستقراطياً نبيلاً فيما للّه. فحتى في أيام انحطاطه وشقوته تلمح فيه تلك النفس الكبيرة الكريمة، وتلك الروح الناشطة الوثابة، وتلك الأنفة المعتزة النبيلة التي تأبى قبول الفضل والإحسان. وهو متوتر الأعصاب، سريع التأثر، يستجيب في إحساس مرهف إلى المكرمة وإلى الإساءة على حدّ سواء.

 

على هذه الآلة الدقيقة تلعب الحياة دورها بموسيقى عنيفة، وتشد الأوتار شدّاً قوياً، فيصطخب اللحن ويضطرب الصوت، ونرانا هنا أمام رجلين يحتدم بينهما نزاع دموي مريررجل شرير أوغل في الانتقام والأخذ بالثأر، ورجل طيب نبيل بفطرته، يستطيع أن يتبين العدل والحق في قضيته وقضايا الآخرين، ويجزم بأن العالم لا بد له من قانون يسوسه، وأن كل خارج على القانون لا مكان له تحت الشمس. والرجل النبيل لا يبقى في السجن طويلاً، فهو لا بد واجد مخرجاً إما داخل أبواب السجن أو خارجه، وفي إمكانه أن يجعل من جدران الحجر، ومن قضبان الحديد، منسكاً تخلو فيه النفس إلى ربها، بينما ينظر إليها الآخرون قفصاً تنقبض له الأسارير ويضيق به الصدر. وبطريقة عجيبة جعل "إيشي" من سجنه صومعة الناسك المتعبد، فسمت نفسه إلى آفاق عليا من الخيال الروحي في رحابة الحرية التي لا يتذوقها إلا الأحرار في اللّه.

 

وفي هذا الكتاب يجد القارئ الكريم بعض المصطلحات الغريبة التي تفصح في ومضات خاطفة عن بعض الصور والأشباح التي يحفل بها العقل الياباني. فحين يقرأ إيشي العبارة التي جذبته إلى الخلاص، يُطعن في قلبه "كما بمسمار طوله خمس بوصات". وفي صدد التحدث عن تأففه وتضجره من الطعام، يقول إنه لم يكن قد فهم بعد أن "كل الأطعمة سواء بعد أن تنحدر من الحلق إلى أسفل بمقدار ثلاث بوصات".

 

وبطل القصة شغوف بتأويل الأشياء تأويلاً أدبياً أخلاقياً. فما تقع عينه على حمام السجن، وما يبصر الجنود يتدربون على ركوب الدراجات، حتى يتلمع ذهنه بتشبيه أو رمز  كتابي أخلق به يوحنا "بنيان" وكارل. وهو يستخرج العبر الأخلاقية من نفسه وحياته، ويجعل سلطان الدولة فوق حقوق الفرد وذاته. وهو يفعل هذا بنغمات هادئة رزينة خالية من الغرض منزهة عن الذات، وفي مذكراته يبدو كأنه يسابق الزمن قبل أن يعلّق في عنقه حبل المشنقة. وأنك لواجد فيها كثيراً من الآراء عن إصلاح السجون، ووصفاً للعيوب التي أحسَّ بها في سجنه. وليس شيء أعظم من أن يضيف إلى كتابه-وهو بمثابة اعترافات روحية على سرير الموت-ملحقاً يلقن فيه رجال الشرطة اليابانيين دروساً في القبض على المجرمين الفارين من وجه العدالة.

 

وفي هذا الكتاب لذة وشوق للباحثين في أدب اللغة وأسلوب الكتابة. فلم يكن يعرف "إيشي" شيئاً من فن التأليف والكتابة، وأعوزه الوقت للإعراب عن نفسه بعبارات منسجمة. على أن جهله في هذا المضمار قد خلع على كتابه مسحة أدبية محببة. فعباراته المفككة، ووقفاته المبتورة غير المحكمة، تزين الكتاب كله ببساطة فريدة من نوعها. فليس هناك تفكير سابق، ولا إجهاد ذهني على نحو ما يفعل المثقفون، وإنما يتميز  الكتاب بإخلاص رجل غير متعلم سكب نفسه وأسالها مداداً على القرطاس. والقصة خلو من الغرور أو الاعتداد بالذات، ولكنه يطلعك صفحة بعد أخرى على سخائم نفسه البشعة، وعلى جمالها الرقيق الوديع، فتحس كأنك تستمع إلى رغاء طفل، كان في جهنم وهو الآن يطلُّ من خلال شقٍّ فتح له على مباهج المدينة السماوية الباهرة.

 

ولعل أبرز  مظهر في الكتاب ما حوى من دراسة في علم النفس. ولو أن الأستاذ وليم جيمس العالم النفساني ظفر به يوماً، لاتخذه مادة للدرس والبحث، ولذاعت شهرته في الآفاق. وعلم النفس في السجن مادة شائقة، وخاصة لأنها تحلل هنا نفسية تتطاحن فيها بواعث متناقضة في قلب مجرم شاذ غريب. وهو نفسه يقف موقف العالم النفساني المملوء بالفضول وحب الاستطلاع حول شخصه، والحائر في تعليل الشهوات الجامحة في نفسه الذاهلة. وفي أسوأ حالاته يحتفظ بكبرياء الرجل النبيل وكرامته، وفي أفضل حالاته يصرُّ على أن يموت لينقذ إنساناً بريئاً. وهو قاسٍ كالنمر، ومع ذلك يستجيب إلى أية بادرة من بوادر الإشفاق والعطف كطفل صغير وديع. وفي وسط حياة غارقة في لجة الرذائل يأتي بين الفينة والفينة أعمالاً يحسده عليها كثيرون من المختارين.

 

وهو لم يأخذ نصيباً وافراً من دراسة الآداب الدينية، وطبيعي أن تصطبغ آراؤه بالمثل اليابانية العليا القديمة، ففي قصة الفرسان الأحرار السبعة والأربعين يفترض جدلاً أنهم كانوا ينتحرون على طريقة الهاريكاري كرجال كرام، لو أن الكاهن قام بواجبه وحصل على العفو عنهم. ومع ذلك فقد شملت آراؤه الدينية بعض المبادئ المسيحية الأصيلة التي تستحث إيمان القديسين. فهو مثل بولس مقتنع بأنه أشر الخطاة، ويصرح أن أحداً لم ينحدر في الخسة والدناءة إلى الدرك الذي تسفَّل هو إليه. ولكنه يؤمن في جزم ويقين بأنه قد افتُدي، والخلود عنده أكثر يقينية من الزمن. وقد كان إيمانه في عقيدة الخلود مطلقاً بحيث يدهشنا أن نراه يُشغل بتهذيب عقله في خلال الأيام القليلة الباقية من حياته، لكي يكون أكثر أهلية من الناحية العقلية في حياته الجديدة في السماء عندما تدنو ساعته. أما نظرته إلى النهاية فمشبعة بفرحة الهيام والتهليل التي نراها بين المسيحيين الأولين في عهد الضطهاد الدموي. وقلبه فياض دائماً بالشكر للّه على النعم التي أضفاها عليه.

 

ويقال أحيانا إن الشرق شرق والغرب غرب، وأن ثمة صعوبات تحول دون التفاهم المتبادل بين الشرق والغرب. فالآراء مختلفة، والحياة مختلفة، والعادات والتاريخ يختلفان. وكأنما نقف أمام عقبة كأداء. وقد يقال إن المثقفين أقدر على التفاهم والتقارب في الفكر ووجهة النظر، أما عامة الشعوب فتكاد تكون في حالة ميئوس منها. على أن قصة هذا السجين تقدم لنا مثالاً ينقض هذه المزاعم. فها هنا إنسان، غير مثقف غارق في الجريمة، محكوم عليه بالموت لارتكابه جريمة القتل، يترقب كل يوم مصيره المحتوم الذي ساقته إليه جرائمه، هذا الإنسان تلمسه يد امرأة أجنبية عنه، تباعد بينها وبينه التقاليد والتاريخ والثقافة تباعد النهار عن الليل، لكن رسالة محبة اللّه الجامعة تلمع كالبرق في ظلمات الفوارق البشرية، فتستجيب نفس هذا الإنسان إلى نداء المحبة. وتثبت هذه القصة المأخوذة من وقائع الحياة، أننا على الرغم من الفوارق الظاهرية التي تفصلنا، واحد في أعماق الألم والحزن والخطية، وأننا واحد في ذرى المحبة والعطف واللّه.

 

أما القضية ذاتها فكانت غريبة حقاً في كل ملابساتها، وقيل إنها أغرب القضايا التي عرضت على المحاكم اليابانية:

 

قُتلت فتاة يابانية على مقربة من طوكيو واتهم عشيقها بقتلها فأُلقي القبض عليه، واعترف بارتكابه الجريمة أمام البوليس، ولكنه أنكرها في المحاكمة العامة مدعياً أن البوليس انتزع منه اعترافه بوسائل الإكراه والتعذيب. وكانت هناك أدلة قوية ضده لأنه كان آخر من شوهد مع الفتاة قبل قتلها، وكان المعروف أنهما تشاجرا وتشاحنا. فثبتت إدانته وحكم عليه بالإعدام.

 

على أنه قبل تنفيذ الحكم ألقي القبض على مجرم شقي يدعى "إيشي" لارتكابه جريمة صغرى في طوكيو وأودع السجن. وكان معه في الخلية زملاء من المسجونين يتحدثون عن الجرائم في طوكيو، فاسترق "إيشي" السمع وإذا بهم يقولون أن مجرماً اتهم بقتل فتاة في أوهارو وحكم عليه بالموت. وفوراً هبّ إيشي واعترف بأنه هو القاتل وليس الرجل الذي حكم عليه. وقد أثار هذا الاعتراف ضجة كبرى في دوائر السجن. وبدأ التحقيق من جديد في القضية. على أن المحكمة لم تجد أي دليل يثبت علاقة إيشي بالجريمة، وبرأته على الرغم من اعترافه. ولكن النائب العام استأنف الحكم، وأعيدت القضية إلى محكمة الاستئناف.

وطالت المحاكمة وتشعبت القضية واكتسبت شهرة واسعة، فامتلأت أعمدة الصحف بتفاصيلها وملابساتها الغريبة وظروفها المدهشة. فها هوذا رجل يعترف بارتكاب الجريمة، ثم ينكر، ولكن يحكم عليه بالموت لثبوت إدانته بأدلة واقعية. ثم يظهر على مسرح القضية رجل آخر، يعترف بارتكابه الجريمة عينها، ولكن يصدر فيه حكم البراءة على الرغم من اعترافه. على أنه أثناء نظر القضية في الاستئناف ظهر دليل جديد أثبت اعتراف إيشي بكل تفاصيله وحكم عليه بالموت. وبذلك أمكنه-على حد قوله في كتاباته-أن يكفر بعض التكفير عن ذنوبه، وفي الوقت نفسه ينقذ رجلاً بريئاً من براثن الموت.

 

وكان "إيشي" في السابعة والأربعين من عمره، لم ينل قسطاً من التعليم. ولكنه ذو عقل راجح وذهن صاف. عاش في الجريمة كما يتبين من قصة حياته، ولكن مع الوصمات المشينة التي علقت به، كان في أثناء محاكمته ثابت الجنان رقيق الوجدان.

 

وفي خلال أيام الانتظار التي سبقت تنفيذ الحكم فيه، تناول قلماً ليشرح الظروف التي أدت به إلى الجريمة، وقصة توبته وندامته. وظل يعمل ليل نهار حتى فرغ من مهمته لأنه لم يكن يعلم متى تجيء ساعته.

ثم سلّم مخطوطته-عن طريق سلطات السجن - إلى السيدة مكدونالد التي كانت تفتقده بين آن وآخر. وقد ترجمت المخطوطة إلى الإنكليزية محتفظة ببساطتها وعباراتها الأصلية. وها نحن ننقلها إلى اللغة العربية، آملين أن يكون لها من التأثير في نفوس قراء الشرق الأدنى، قدر ما كان لها في نفوس قراء اليابان وبلدان الغرب.

كلمة تقدير

للسيد سوزوكي المحامي وعضو البرلمان الياباني

السيد سوزوكي هو المحامي وعضو البرلمان الذي يتحدث عنه إيشي في مذكراته بالإعجاب وحسن التقدير، ويخصه بعطفه ومحبته. وقد كتب مقدمة للطبعة اليابانية من هذا الكتاب وإلى القارئ ترجمتها:)

حينما قرأت قصة إيشي، لم يسعني إلا أن أذكر القصة الخالدة التي وضعها فكتور هوجو وأسماها "البؤساء". فبطلها جان فالجان طرح في غياهب السجن مدة خمس سنوات وهو في الخامسة والعشرين من عمره لارتكابه جريمة صغرى. ولكن بسبب محاولة الهرب مرات متوالية، امتدت هذه المدة إلى تسعة عشر عاماً. ولما أطلق سراحه انطلق تواً إلى دار الأسقف ميريل. وعلى الرغم مما أسبغه عليه الأسقف من عطف وحنان سرق طبقه الفضي. ولكن الأسقف غفر له، وقد أذاب هذا العفو قلبه، وصار إنساناً جديداً بفضل كلماته المأثورة:  "لقد اشتريت نفسك منك".

 

هذا فعل الأخلاق الكريمة الفاضلة

وكان إيشي أشر من فالجان، فقد ارتكب جرائم السرقة والسطو والقتل، وزجّ في السجن عشر مرات حيث قضى عشرين عاماً. كان مجرماً فتاكاً، ووغداً لئيماً لا نظير له. ولكن هذا الرجل، بفضل تأثير السيدة مكدونالد، تذوب نفسه كما يذوب الثلج في شمس الصباح، ويتوب عن جرائمه، ويغدو إنساناً جديداً.

وهذا أيضا فعل الأخلاق الكريمة الفاضلة، وإذا حقّ لأحد أن يمتدح فضائل الأسقف، فإنه لزام علينا أيضاً أن نمتدح فضائل السيدة مكدونالد. كان الأسقف ميريل رجلاً شيخاً، وكانت السيدة مكدونالد سيدة هزيلة ضعيفة البنيان.

 

وكان "إيشي" أخطر في إجرامه وشره من فالجان، حتى يصح القول إن تأثير السيدة مكدونالد كان أقوى وأفعل من تأثير الأسقف ميريل.

 

على أن "البؤساء" كانت رواية. وأغلب الظن أن شخصية الأسقف كانت من مبتكرات المؤلف. أما قصة إيشي فهي قصة واقعية، وشخصية السيدة مكدونالد ليست من نسج الخيال.

 

وفي قصة "البؤساء" يتطوع فالجان لتقديم نفسه إلى محكمة أراس لإنقاذ حياة إنسان آخر قائلاً:  "ليس هذا الرجل فالجان، أنا هو فالجان الحقيقي". كذلك قدم إيشي نفسه إلى المحكمة من تلقاء نفسه لينقذ كوموري - الذي كادت حياته تلامس حافة الموت - قائلاً:  "ليس كوموري هو المجرم. أنا هو القاتل الحقيقي".

 

وإذا جاز  لنا القول إن فالجان كان رجلاً صالحاً، فمن الحق أن نقول إن إيشي كان قديساً.

وقد ظنت محكمة أراس فالجان معتوهاً حينما اعترف، كذلك أخطأت المحكمة في قضية إيشي، وبرأته في المحاكمة الأولى على الرغم من اعترافه وضد رغباته. وكما أن محكمة أراس قد نجت وهي على وشك الوقوع في خطإ فاحش، كذلك نجت محاكم اليابان من خطر السقوط، وهي على وشك الانزلاق إلى خطأ مريع.

 

ولئن يكن فالجان قد تألم كثيراً، فإنه قد تعزى بما ناله من عطف الفتاة كوزيت وحنانها وإشفاقها. أما إيشي فقد قضى فوق المشنقة.

 

تاب الرجلان في ظروف مماثلة، ولكن اختلفت طريقة موتهما. أترى أن في هذا كله معاني خفية؟ لست أدري.

 

قد مات إيشي. ولكن روحه ستبقى خالدة في كتيبه هذا.

 

- 1 -

الباعث إلى الكتابة

أريد أن أتحدث إلى قرائي عن مدى التغيير الذي أحدثته في قلبي قوة يسوع المسيح. ولكن أراني مضطراً قبل كل شيء أن أبدي كلمة تمهيد وتعليل:  "في طفولتي كان أبواي فقيرين رقيقي الحال، ولم أذهب إلى المدرسة إلا سنتين فقط. ومنذ ذلك الحين، أي أكثر من ثلاثين عاماً، لم أمسك بيدي قلماً، وها أنا الآن أتناوله لأكتب قصة حياتي. ومن العسير على إنسان جاهل مثلي أن يكتب بغير الأسلوب البسيط الذي لا صنعة فيه. لذلك سأسطر بعبارات بسيطة صادقة الأشياء التي حدثت لي منذ طفولتي حتى اليوم، وأشرح كيف آمنت، وأنا في السجن، بقوة المسيح العظمى التي لا حدّ لها وبرحمته العميقة التي لا تُستقصى، ولكي أفعل هذا لا مندوحة من أن أستعرض ما لصق بي من عار وخزي، وأعترف في غير تحفظ بما اقترفت من شر وإثم. وحسبي جزاً أن يفيد من هذه القصة في المستقبل إنسان ساقط مثلي ويتعظ بمعجزة خلاصي بقوة إرشاد الله، وبفضل جهود السيدتين الكريمتين-مس وست ومس مكدونالد-اللتين افتقدتاني في السجن.

 

- 2 -

أسرتي وتربيتي

كان أبي يوما ما متعهداً لتوريد المؤونة لسيد إقطاعية "هيكون"، ولكنه كان يدمن المسكرات ويتناول منها كميات كبيرة كل يوم. لذلك فشل في عمله وغادر هيكون وانتقل بأسرته إلى بلدة "نجوي" أما أمي فكانت ابنة كاهن معبد شنتوي في "نجوي". وكنت أنا أصغر إخوة ثلاثة، ولكن مات الاثنان وأنا بعد طفل صغير.

عشنا في رغد من العيش حتى بلغت الرابعة أو الخامسة، ولكن أبي كان قد أنفق كل شيء على المسكرات، وبدأت أمي تشعر بالضيق والحاجة، على أنها كانت متفانية في محبتي، وكانت تستغني عن ضروريات الحياة اللازمة لها لكي تهيئ لولدها الوحيد أسباب العيش.

 

ولما بلغت العاشرة من العمر غادرت المدرسة، وأخذت أمي تحدثني عن متاعبها وآلامها، فكانت تقول:  "لست أدري ماذا أفعل بأبيك. أريدك أن تعينه. وعليك حين يخرج في الصباح أن تتبعه أينما ذهب وتبعده عن حانات المسكر". ففعلت ما أمرتني به. وكنت وأنا صبي صغير في العاشرة أقتفي خطى أبي، وأشدُّه من أكمام ثوبه إذا رأيته يقف أمام حانة قائلاً:  "أتوسل إليك أن تعود معي إلى البيت. إن أمي مضطربة قلقة عليك". على أن جهودي كانت تذهب سدى في أغلب الأحيان. وكان يعثر عليه الجيران ملقى في أقنية الماء، ويجيئون به إلى البيت بعد منتصف الليل. وكانت أمي كريمة النفس، فأحست إحساساً عميقاً بهذه اللوثة تشين الأسرة كلها. وأخذت الأمور تزداد سوءاً، وتفاقم الخطب، حتى لقد قضينا سنة كاملة في ضيق خانق وحاجة ذليلة.

 

وتحيق بالأسرة نكبة أخرى. فإن أمي أصيبت بحمى خبيثة وكنت أنا في الحادية عشرة من عمري. فلم يكن من أبي إلا أن أخذنا إلى بيت خالة لي، ثم اختفى وتركنا نتخبط في الحياة. وكانت خالتي فقيرة جداً، وقد ساور أمي قلق لا يوصف أن تُهجر بهذا الشكل الزري، ولم يكن في طاقتنا أن نستحضر لها طبيباً لعلاجها

وفي ذلك الحين فشا وباء الكوليرا، وراح رجال البوليس يطرقون كل وسيلة للبحث عن المصابين بالحمى. وقد عمد الأغنياء والفقراء على السواء إلى إخفاء مرضاهم عن أعين البوليس،وذلك زعماً منهم أن المرضى كانوا يؤخذون إلى معزل وتعطى لهم جرعات من مخدّر قوي تقضي عليهم في الحال. وخشيت، وأنا الصبي الساذج، أن تؤخذ أمي إلى هذا المعزل الفتّاك، وأحسست أن من واجبي أن أعمل وأكافح في سبيل شفائها. وما كان أعظم فرحي أن يصف لي أحد الجيران دواء "مركب" من ديدان الأرض المغلية، ويؤكد لي أن أمي تبرأ من علّتها إذا تجرعته.

 

ونظراً لفقر خالتي المدقع اضطررت أن أجاهد وأشتغل وأنا بعد في الحادية عشرة من عمري لأقوم بأود الأسرة، فحملت على كتفيّ قضيباً علّق في طرفيه دلوان، وكنت أسير مسافة ميلين أو ثلاثة إلى القرى، وأبتاع (نشارة) الخشب-التي كنا نحرقها لإبادة البعوض-وأجيء بها لبيعها لأصحاب المنازل. ومن هذا المال القليل الذي كنت أكسبه، كنت أعول الأسرة وأبتاع الدواء لأمي، وذاع صيتي بين الجيران كابن بار بأمه. وأخيراً برئت أمي من علّتها دون أن يعودها طبيب.

 

- 3 -

القمار

وبعد قليل عاد أبي وبدأنا نحن الثلاثة حياتنا من جديد. ومن سوء الحظ أن القمار كان لوثة المدينة التي عشنا فيها، وحتى الأحداث الذين لم تزد أعمارهم عن الثانية عشرة أو الثالثة عشرة كانوا يقامرون. وإلى ذلك الحين لم أكن قد عرفت شيئاً من الشر والفساد، ولكن كان من الهيِّن أن يصاب الإنسان بعدوى الجيران، فرحت أقامر مع المقامرين، وبدأت أحتاج إلى المال. ولم يكن يكفيني القليل الذي أخذته من والديّ، فشرعت أسرق...

 

وكان هذا فاتحة حياة الإجرام التي أغرقت فيها. والآن بعد سنوات، أدركت جيداً كيف يتأثر الإنسان بالمعاشرات الرديئة والأوساط الشريرة.

 

وسرعان ما وقف أبواي على خبيئة نفسي وشر أفعالي، وزعما أن بقائي في البيت لن يجدي نفعاً، فأرسلاني أجيراً عند رجل من أصحاب مصانع الخزف في بلدة تدعى "سيتو" تبعد خمسة عشر ميلاً عن "نجوي". فما استطعت أن أحتمل التضييق في بيت غريب، وأنا الغلام الحر الطليق في بيت أبي، فهربت لأبحث عن عمل آخر. ولكن أحسست بالضيق مرة أخرى، وعدت أخيراً إلى البيت، وأخذت أتنقل من عمل إلى عمل، ولم أستطع الثبات والاستقرار في مكان ما، وحار أبواي في أمري وتركاني حراً أفعل ما أشاء.

 

وأخيراً رحت أتاجر متجولاً في أواني الخزف، وأنفقت المال الذي كسبته في القمار، وقد رافقني حسن الحظ إلى حين، ولكن خسرت تدريجياً كل مالي، وألقيت نفسي في ورطة شنيعة مؤلمة.

 

ولم تنفعني نصائح أبويّ وأصدقائي، وكانت أشبه بصفير الرياح في أذن الجواد الجموح، وأمعنت في الشر ولم أكن أُعنى إلا بلذات الساعة العاجلة. أدمنت المسكرات، وتشاجرت مع زملائي، وغشيت منازل الفسق والدعارة، وأمسيت عالة لا أصلح لشيء ما، وعدلت عن كل جهد لكسب عيشي بطريق شريف.

 

- 4 -

تفاقم شري

في تلك الأثناء حدثت زلزلة هائلة اكتسحت مقاطعتي "جيفو" و "إيشي"، فنشطت تجارة الخشب لإصلاح ما دمرته الزلزلة، وأخذت أبحث عن عمل حتى اهتديت إلى مصنع مشهور كبير. وكان يفد العملاء كل يوم لقضاء حاجاتهم وشراء الأخشاب بكميات وافرة. وفي يوم ما اتفقت مع زميل لي على إخفاء كمية كبيرة من الخشب وأفلحنا في تهريبها دون أن يلحظنا أحد. على أننا أنفقنا المال الذي جنيناه على المومسات والسكر والقمار. وزدنا في الجرأة وأمعنا في سرقة كميات أكبر زعماً منا أن أحداً لن يمسكنا. ولكن عرف أمرنا أخيراً وقبض علينا متلبسين بالجريمة، وكان صاحب العمل رجلاً رحيماً طيب القلب، فلم يبلّغ أمرنا لرجال الشرطة واكتفى بطردنا من عمله. ولعله كان خيراً لنا لو أننا تلقينا الدرس القاسي عندئذ ونلنا جزاء ما صنعنا، ولكن شاءت الأقدار أن يكون الرفق بي وبزميلي باعثاً على إمعاننا في الشر والإثم.

 

على أنه بعد ذلك، أُلقي القبض عليَّ وألفيت نفسي في دار الشرطة لأول مرة في حياتي. فتولاني ذعر شديد وقضيت الليلة الأولى في خابية بمفردي، فزاد هذا في اضطرابي وفزعي، ولم أذق طعم النوم تلك الليلة، وكنت أصلي قائلاً:  "اللهم ردَّني إلى البيت". (لم يكن الله هذا هو المسيح، فما كنت قد عرفته بعد).

وقلت لنفسيإذا ردَّني الله إلى البيت، فلا أعود إلى فعل الشر.

 

- 5 -

السجن

لم تُستجب صلاتي، لأني أُرسلت إلى السجن تمهيداً للمحاكمة. وفي انتظار المحاكمة يوضع المجرمون العائدون مع غيرهم، وتسنح لهم الفرصة للتحدث وتبادل المعلومات. وقال لي زميل كان قد سجن قبل الآن:  "طب نفساً يا صاح، ولا تعبأ بمثل هذه الجريمة التافهة". فنسيت بفضل هذا التشجيع كل أهوال السجن، وكنت عندئذ في التاسعة عشرة من عمري.

 

وهنا أريد أن أذكر بعض أفكاري التي دارت في مخيلتي وأنا أختبر السجن لأول مرةكنت إلى ذلك الحين أظن أن السجن مكان رهيب مخيف، أما الآن وقد جزته، فإني أجده أهون وأخف مما كنت أظن، وليس فيه ما يرعب ولا يرهب. كان موظفو السجن رقيقي الحاشية نحو المجرمين الحديثين، ولم أشعر بشيء من المضايقة.

 

وانتزعت من نفسي رهبة السجن، وكان هذا علة سقطاتي اللاحقة والجرائم التي اقترفتها. ولو كنت ممن نالوا قسطاً من التعليم والثقافة، لكنت استقبلت لين رجال السجن استقبالاً حسناً، ولأثمر فيَّ العطف ثمراً نافعاً. أما وأنا غرُّ جاهل، فقد استسغت هذه المعاملة، وحسبت السجن مكاناً لا بأس أن يقضي المرء فيه فترة من حياته.

 

ثم يجب أن أذكر شيئاً آخرأينما أدرت بصرك في السجن، إلى اليمين أو إلى الشمال، لا ترى شيئاً غير المسجونين في ملابسهم العادية المألوفة، فلا تشعر بشيء من الخجل لأنك وإياهم سواء بسواء. والناس في السجن جماعة من السفلة الأوغاد، لا كلفة بينهم، ولا يعيب أحدهم الآخر، بل أننا نتحدث فيما بيننا عما سنفعل عند خروجنا، ونحبك داخل السجن الجرائم التي ننوي اقترافها عند إطلاقنا. وحقيقة الأمر أن السجن مجرد مدرسة لتعليم الجريمة. والمفروض أن لا نكلم بعضنا بعضاً، ولكن هذه القوانين لا تطبق بصرامة على المجرمين الحديثين. ونتيجة هذا التساهل أن نحبك جرائم المستقبل ونحن في انتظار المحاكمة عن الجريمة الأولى. ولهذا ننظر إلى الجريمة كأنها شغلنا الشاغل، وننسى الآلام التي تنشأ عنها للآخرين. هذه حالة نفسية رهيبة، يتنقل فيها الإنسان من جريمة إلى أخرى، حتى يرتكب-كما فعلت أنا-أشنع الجرائم وأنكر الموبقات.

 

وإني أعتقد أن المجرمين لأول مرة في حاجة إلى عناية خاصة ومعاملة من نوع آخر. فإنهم إن لم يتوبوا، ساءت حالهم، وصاروا - كما صرت أنا-من أشر مخلوقات الله، وأشدهم جرأة في ارتكاب الجرائم التي لا تمحى آثارها.

 

- 6 -

الهرب من السجن

بعد أن دخلت السجن أربع مرات صرت مجرماً عائداً خبيراً في الإجرام. وقد جرت العادة بين جماعة المسجونين أن يكون الامتياز  تبعاً لكثرة الجرائم. وكلما كبرت الجريمة، زاد الشرف الذي نضفيه على المجرم، والناس يتشدقون علانية وفي زهو عن السيئات التي اقترفوها. فإذا كان بين القوم مجرم حديث لم يرتكب إلا جريمة صغرى، فليس له كرامة بين جماعة المسجونين. وتحت ضغط هذه المؤثرات اعتزمت وأنا بعد في مستهل حياة الإجرام أن أرتكب جريمة فظيعة أنال بها شرف الامتياز  بين جماعة المسجونين.

 

وليس يُنتظر من إنسان مثلي شغلته هذه الأفكار أن يستقر في مكان، فرحت أحكم التدابير للهرب، وصنعت لنفسي غطاء من قماش مشمع حصلت عليه من زميل لي في قسم الخياطين، وفي يوم مطير لففت نفسي به وهربت دون أن يلحظني أحد.

 

وبعد هربي مباشرة ارتكبت جريمة سرقة، وسافرت تواً إلى طوكيو بالمال الذي سرقته، وهناك هرعت إلى دار صديق لي وأخذت أتسكع مدة أسبوع. وبعد ذلك استأجرت منزلاً. وفتحت حانوتاً صغيراً لبيع الحديد (الخردة). وفي يوم ألقي القبض عليَّ للاشتباه في أمري، ولم أستطع أن أعلل وفرة المال الذي كنت أنفقه مع ضآلة شأن تجارتي. ثم حبست عشرة أيام في دار الشرطة بتهمة انتحال اسم غير اسمي. وأخيراً اعترفت بأني استحوذت على المال بلعب القمار، فلم أسأل بعد ذلك عن شيء. وقد علمني هذا الاختبار أن أرتاب في أمر كل الذين كانوا يجيئون إلى حانوتي ظناً مني أنهم قد يكونون من المخبرين أو رجال الشرطة. وتولاني من جراء ذلك الرعب والفزع حتى ساورني أرق ممض.

 

- 7 -

بين أيدي رجال البوليس مرة أخرى

لم يكن في الإمكان أن تدوم الحال على هذا المنوال. وبعد ثلاثة أشهر سيق بي مرة أخرى إلى مركز  البوليس. وقضيت الليلة الأولى والنوم ملء أجفاني على نقيض الليالي التي قضيتها عقب هربي من السجن، وزالت عني رهبة السجن، وألفت المقام فيه فلم أعبأ بشيء.

 

حكم عليَّ في تلك المرة بالسجن خمسة أشهر. وكان فرضاً عليَّ أن أحسن التصرف بعد ذلك. ولكن قبل خروجي بأربعين يوماً، تشاجرت مع أحد زملائي، وزيدت مدة حبسي ستة أشهر أخرى. وفي تلك الأثناء مات والدي، وتُركت أمي العجوز  وحيدة مستوحشة. وقد أيقنت أنها كانت تنتظر عودة ولدها الشارد الضال بفارغ الصبر وتحصي الأيام على أصابع يدها مترقبة عودتي نادماً تائباً. على أنني لم أعر اهتماماً لآلامها وحنانها، وتماديت في الإثم والشرّ. حقاً إني ولد عاقّ ناكر للجميل!

 

لما خرجت من السجن كنت قد بلغت التاسعة والعشرين من العمر. عدت إلى البيت، ودون استشارة أمي، افتديت داعراً من المومسات واتخذتها زوجة لي على أنني جنحت إلى استقامة الحياة وبدأت أعمل في إصلاح الساعات، وهي الصنعة التي تعلمتها وأنا في السجن، وقضيت مع زوجتي حياة سعيدة مدة ثلاث سنوات على الرغم من قلة موارد العيش وضآلة الكسب. وفي الأيام التي قضيتها في الإثم والجريمة، ما عرفت يوماً لذة الحياة، حتى مع وفرة الطعام والشراب، لأن قلبي كان خلواً من السلام الحقيقي.

 

لازمني التوفيق زمناً. ولكن حدث في يوم ما أن جاء إلى زيارتي زميل قديم من زملاء السجن، وإحياءً لتلك الذكرى تناولت معه الخمر مرة، فثانية، فثالثة، حتى عادت ريمة إلى عادتها القديمة، وعاود الحديد الصدأ. واستغوتني لذات الحياة القديمة. وبدأت مرة أخرى حياة الجريمة. وسرعان ما عرفت زوجتي خبيئة أمري. ونصحتني أن ننتقل من "نجوي" إلى طوكيو. وكانت أمي قد بلغت الثانية والسبعين من العمر. فائتمرت بنصيحة