شهادة بُطرُس

والتحوّل في إعلانات المسيح

 (متّى 16، 13 27)

 

عبد المسيح و زملاؤه

 

الحياة الفضلى - بيروت - لبنان

 

 

 

الفهرسة

التمهيد: بدء المشكلة 3

الجزء الأول: شهادة بطرس الجريئة                 4

شهادة بطرس عن "المسيح" 4

شهادة بطرس عن "بنوّة المسيح لله" 5

شهادة بطرس هي "إعلان مِن الله الآب" 6

شهادة بطرس رُكن الكنيسة أثناء هجومات إبليس 8

شهادة بطرس هي المفتاح للسماء 8

منع يسوع إعلان جوهره 9

الجزء الثاني: أول إعلان مِن يسوع عن آلامه              11

الضرورة الملحة لآلام المسيح وموته عن البشر 12

قيامة المسيح أظهرت لنا الحياة الأبدية 13

نصيحة بطرس الخاطئة 14

الجزء الثالث: غسل مخاخ التلاميذ جميعاً          16

فليُنكر نفسه 17

ويحمل صليبه 18

وليتبعني 19

مَن يريد أن يحفظ حياته يهلكها 20

مَن يهلك حياته مِن أجلي يجدها 21

ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه؟ 23

الجزء الرابع: مجيء ابن الإنسان في المجد              25

 

التمهيد: بدء المشكلة

 

علَّم يسوع المسيح شعبه الإنجيل، وشفى المرضى، وحرّر الملبوسين مِن الأبالسة في الجليل، المنطقة الجميلة حول بحيرة طبرية. لقد أتى ليُنهي أعمال الشرير وتأثيره على الناس. وبما أنّ يسوع شفى كلّ المرضى، الّذين تقدّموا إليه، فإبتدأت أحوال فردوسية في محيطه، وتراكضت الجماهير إليه. اغتاظ رؤساء الأحبار، لأنّ يسوع قدّم خدماته مِن دونِهم، وشفى المرضى مِن دون إذن منهم، ولم يبدأ خدماته في القدس، حيث كان الربّ يسكن في الهيكل حسب اعتقادهم.

 

غضب العلماء ورؤساء الكتبة، وحسدوه، لأنّ الناس تجمعت حوله دونَهم. وفي هذه العِلّة استطاع الشيطان أنْ يتدخّل. لم يملك يسوع شهادات لاهوتية أو شرعية، ولكنّ الشعب تبعه أفواجاً. لذلك سمّاه المسؤولون بأنّه "مُضِلُّ الشعب". قد غلب يسوع أنظمة شريعتهم التافهة بمحبّته، وطلب منهم "الرحمة عوضاً عن الذبيحة". فاجتمعوا، وقرّروا أن يقتلوه، لأنّ وجوده أخذ يهدّم سلطانهم (متّى 9، 13؛ 12، 7. 14 ؛ مرقس 3، 6؛ ويوحنا 5، 16- 18؛ 11، 46-50).

 

وعندما أصدر رؤساء الكهنة تحذيراً على مَن يتبع يسوع يُخرج مِن الأمّة. عندئذ ارتدّت جماهير عن مخلّصهم الشافي، وخافوا أن يُطردوا مِن أمّتهم، ويُفصلوا عن العهد مع الله، ويُسمّوا بدعة مرفوضة. لهذا كانوا مضّطربين، وتباحثوا كثيراً عن شخصيّة يسوع، واعترفوا بسلطانه في بيوتهم وفي الأزقّة خفية، ولكنْ كثيرون تراجعوا عنه، خاصّة بعدما طلب منهم التسليم الكامل له (يوحنا 5، 66- 69).

الجزء الأول:

شهادة بطرس الجريئة

 

عرف يسوع بهذه التطورات السلبية نحوه. لذلك دعا مِن الجماهير الباقية نخبة مِن أتباعه، ليتبعوه كتلاميذ، ويتعلّموا مبادىء ملكوت الله الروحيّة، وينكسروا انكساراً حقاً.لم يعطهم رواتب أو وظائف، ولا ضمانات مالية.إنّما جعلهم شهوداً لكلماته وأعماله، لمحبّته وصبره، ودرّبَهم ليخدموا بعضهم بعضاً، ووبّخهم اذا أخطأوا، وقدّسهم بكلمات قدرته (متّى 4، 18- 22؛ مرقس 1، 16- 20؛ لوقا 5،1- 11؛ يوحنا 1، 35 - 51).

 

لمّا رأى المسيح، أنّ الوقت قد اقترب للحسم والقرار، سألهم:"ماذا يقول الناس عني؟" أجابوه:"البعض يقول، أنّك روح المعمدان الّذي قطع رأسه فحضرت روحه في هيئة إنسان". وقال آخرون:"أنّك إيليا الّذي يمهّد لطريق المسيح، أو أرميا، أو النّبي الذي أنبأ موسى عنه. أمّا يسوع فأحرجهم وسألهم مباشرة:"وأنتم ماذا تقولون عني؟" وأراد يسوع بِهذا السؤال أنْ يوضح معرفتهم، ويقودهم إلى القرار النهائي، وحان الوقت للحسم والإعتراف.

 

شهادة بطرس عن "المسيح"

 

عندئذ تقدّم بطرس كليم التلاميذ، وقال بكلّ وضوح:"أنت المسيح ابن الله الحي." فنزل اعترافه كالصاعقة، تُنير الظلمة في جماعة التلاميذ. اعترف بطرس بكلماته أنّ ابن مريم هو المسيح الموعود، الّذي وعد الله به في العهد القديم، لداود وأشعيا وحزقيال ودانيال وميخا وزكريا، أنّه يأتي حتماً، بواسطة إعلانات متعدّدة.

ترقّب شعب العهد القديم في تلك الأيام باشتياق، أن المحرّر الموعود يأتي مِن الله، ليفديهم مِن نير الإستعمار الروماني. الجميع انتظروا مجيء المسيح حالاً. أمّا يسوع فلم يأت كرجل حرب، بل نزل مِن الناصرة المحتقرة إلى كفرناحوم متواضعاً، بدون أسلحة، وبدون جيوش. ظهوره لم يطابق مخيّلات الجماهير عن الآتي.

 

الإيمان التقليدي بالمسيح، ارتكز في تلك الأيام إلى زعيم مُرسل مِن الله لينشىء ملكوتاً قوياً لا يزول، ويأتي بسياسة حكيمة ورفاهية، وفردوس على الأرض، وتمنّوا أنّ بحُكمه سيظهر أن الله يكون معهم بالحقيقة.

 

شهادة بطرس عن "بنوة المسيح لله"

 

بما أنّ بطرس اعترف أنّ ابن مريم هو ابن الله، فنطق حسب عرف زعماء الدين في بلاده بالتجديف، ويستحقّ الموت فوراً بالرجم. نقرأ في أسفار العهد القديم مراراً أنّ المسيح الآتي هو ابن داوود وابن الله بنفس الوقت، إنّما الكتبة واللاهوتيون اعتقدوا أنّ بنوة المسيح لله لا ولن تعني أنّ القُدّوس أَنجب مِن امرأة ولداً، لأنّ روح الله لم يحلّ فيهم بعد. لهذا لم يستطيعوا أنْ يدركوا، أنّ انجاب ابن الله يتمّ روحياً وليس جسدياً.

 

لا يسمح الإيمان عند الساميين أن يكون هناك إلهان، وإلا يحدث بعد مدة ثورة على القيادة بين الإثنين حتماً. فحسب إدراكهم ينبغي أن يكون الله واحد، ولا اتحاد مِن إثنين أو ثلاثة (الخروج 20، 3- 7؛ التثنية 6، 6- 7؛ مرقس 12، 29؛ يوحنا 10، 30).

لا يعترف المؤمنون في العهد القديم، وفي الإسلام، بأن يستطيع الله ان يتبنّى ولداً، ويفوّضه بكلّ الحقوق كإبن، ولا يعرفون أنّ الله محبّة متواضعة. أمّا المحبّة فلا تستطيع أن تبقى منفردة، فتحتاج إلى مقابل على مستواها، لممارسة المحبّة. فلأجل محبّته لنا لم يبق الله واحداً، بل اثنين وثلاثة، في انسجام تام ووحدة روحية. كل مَن لم يحلّ فيه الرّوح القدس، لا يستطيع أن يفكّر روحياً. لذلك يبقى سِرّ بنوّة المسيح لله مجهولاً للكثيرين.

 

سبّب الإعتراف الجهري مِن بطرس الخطر على يسوع، وجماعة تلاميذه الإثني عشر. لو وصلت هذه الكلمات إلى الخارج لأدّت إلى شغب، وثورة في الشعب. وفي هذه الحالة أصبح الاضطهاد على المسيح والجماعة نتيجة حتمية، ولربّما سبّبت ثورة سياسيّة .

 

شهادة بطرس هي "إعلان مِن الله الآب"

 

لم يُوبّخ يسوع كليم تلاميذه الجريء، بل طوّب بطرس أمام التلاميذ الآخرين. فالربّ وافق بتطويبه على حقّ شهادة بطرس حسب الصيغة والفحوى، واعترف ضمناً أنّه المسيح الموعود، وابن الله الحي. هذه تعلن الشهادة الحقيقة الروحيّة الّتي لن تتغيّر.

 

طوّب يسوع بطرس، لأنّه لم يُنتج هذه المعرفة مِن تلقاء نفسه، ولم يُدرك عقله ولا ذهنه ولا منطقه الله وابنه. رفض الدكتور مارتن لوثر "المذهب العقلاني" بتفسيره للقسم الثالث مِن القانون الإيماني رفضاً تاماً. ونعترف بكلماته:

 

"أؤمن بأنّي لا أقدر أن أؤمن مِن تلقاء عقلي بيسوع المسيح، ولا أستطيع أن أتقدم إليه مِن تلقاء إرادتي، بل الرّوح القدس دعاني بالإنجيل، وأنارني بمواهبه، وثبّتني بالإيمان الحق، كما أنّه يدعو كلّ المسيحية على الأرض، ويجمعها، ويُديمها بالإيمان الواحد الصحيح. فهذا حقّ ويقين. آمين."

أكّد يسوع لبطرس أنّ أباه السماوي هو الذي أوحى له مباشرة، فأصبح صيّاد السمك، المختبر بالعمل الشاق، مرتفعاً إلى مستوى نبي الله ورسوله، إذ أدرك حقيقة الله كأب ليسوع المسيح، واعترف بهذا الإعلان بجُرأة، فينبغي أن نعتبر بطرس الضعيف القوى الحامل الوحي للبشرية.

 

وبإثبات يسوع لشهادة بطرس الفاصلة والحاسمة، سمّى الله "أبي". فالله السماوي هو أبوه الأبدي يخصّه له. نقرأ في أسفار العهد الجديد مِئتي مرّة، أنّ يسوع اعترف بأبوّة الله. هذا الإسم يُعلن لنا بطريقة فريدة، أنّ الله هو الآب، الممتليء بمحبة وعناية وقوّة وبركة والنعمة، وليس إلهنا طاغياً، ولم يبق بعيداً ومجهولاً عنا. أعلن لنا المسيح سرّ الله أنّه الآب، ويمنح لنا الإطمئنان في اسمه القدّوس. شهادة بطرس هي أساس كنيسة المسيح.

 

كان إسم بطرس الأصلي سمعان بن يونا، عاش في بيت صيدا، عند مصبّ نهر الأردن في بحيرة طبريا. سمّاه يسوع بعد شهادته الجريئة إسماً جديداً أنّه بطرس "الصخرة". إنّما ليس بطرس كشخص هو الصخرة، حيث يبنى المسيح كنيسته عليها، بل اعترافه الإيماني الذي أوحاه الله الآب له. فالصخرة هي الشهادة، بأن المسيح هو ابن الله. هذه هي أساس الكنيسة.

 

أنبأ يسوع، أنّه سيَبني على صخرة هذا الإيمان كنيسته! فتبقى شهادة بطرس الركيزة الأساسية لكنيسة المسيح. إنّ المسيح الممسوح بسلطان الله وبملء صفاته، هو المقياس والأساس لكنيسته. وكلّ ما يكون خارج هاتين الصفتين لا ينسجم بكنيسته. وبما أنَّ أتباعه التائبين يُمسحون بالرّوح القدس، فيجوز أن يصبحوا أولاد أبيهم السماوي أيضاً. فشهادة بطرس تبقى برنامج كلمة المسيح إلى الأبد.

شهادة بطرس رُكن الكنيسة أثناء هجومات إبليس

 

أكدّ يسوع لأتباعه بالتعزية الأبدية، وشهد لهم بالوقت نفسه هجوم جهنم مِن الداخل والخارج على الكنيسة. ونرى اليوم أنّ بعض الأحبار يحاولون أن يقودوا الكنيسة إلى وحدة الأديان فيدمرونها تدريجياً، والبعض الآخر يصلح شهادة الكنيسة بحذف العجائب الّروحيّة، ويحاولون فكّ وصيّة الله، ليتحرّر الإنسان مِن قيوده. وحيث لا يبقى يسوع الملك الموعود وابن الله الوحيد، هناك يملك ويسود روح الدجاّل، ولا يعرفون سِرّ الله أنّه الآب. امّا الربّ يسوع فوعد، أنّ أرواح جهنم لن تستطيع أنْ تدّمر شهادة بطرس كأساس الكنيسة. ما دام أعضاؤها يتمسكون بهذا الإلهام مِن الآب السماوي، لن تقوى عليهم قوة. لا ضغط ولا خطر ولا حرب ولا حيلة ولا كذب تستطيع أنْ تخطفهم مِن يد المسيح. هو حمايتنا وملجأنا ضد الغارات الجهنميّة والمنتشرة. ولكنْ في حالة أنْ يموت أحد خدّامه في سبيل خدمته، فيبقى دمه كبذور تنبت في كنيسته.

 

شهادة بطرس هي "المفتاح للسماء"

 

سلّم يسوع لبطرس مفاتيح الخلاص للحياة الأبدية. لا يعني هذا التفويض أنّ الرسول يستطيع حسب عقله أنْ يغفر خطايا لِمَن يريد، ويمسكها إذا لم يوافق، بل بالحري تحمل شهادة بطرس في نفسها سلطاناً للحلّ والربط. ليس بطرس هو الذي يخلّص الخطاة، بل كلمة الله القوية الّتي ينقلها ويدعو بها. هذه الكلمة تحلّ الّذي يؤمن، وتربط الّذي لا يؤمن في نفس الوقت. المفتاح الروحي الّذي سلّمه يسوع لبطرس له وظيفتان: له القوّة أنْ يَفتح وأنْ يُغلق. الكلمة عن تجسّد الله في المسيح تهدف على حلول الرّوح القدس في المستمعين المؤمنين، ولكن إن يسمع أحد كلمة الربّ باستمرار، ولم يتب عن خطاياه، ولم يفتح لمحبّة الله، ولا يريد أن يعرف خطاياه، ولا يعترف بها، فهذا الانسان يخدع نفسه، ويغلق ذاته ضدّ عمل المسيح فيه. وَحيث تنشر أعمال المسيح غير المحددة، هناك يتحقق الخلاص مِن الخطايا، والنجاة مِن دينونة الله، ولكن مَن يرفض مخلّصه، لأنّه عنيد ويبغضه، يقضي بنفسه، ويموت روحياً.

 

عندما سلّم يسوع لبطرس مفتاح ملكوت السماوات، فوّضه بسلطانه الروحي لغفران الخطايا، ومسكها لأجل شهادته.لا يعني رفع بطرس إلى مستوى حكم الله، أنّه يستطيع بوظيفته ولا بشخصيته أنْ يمارس هذا السلطان الروحي، بل فقط في نطق كلمات الله، التي تحتوي هذا السلطان المطلق في ذاتِها.

 

لم يستلم بطرس هذا السلطان الفاصل فحسب، بل أيضاً كلّ رسل المسيح الآخرين (متّى 18، 18؛ يوحنا 20، 21- 23). هذا تفويض يثبت مرّة أخرى، أنّه ليس هم الّذين يستطيعون أنْ يخلّصوا الناس أو يهلكوها، بل الرّوح القدس، العامل في شهادتِهم، بأنّ يسوع هو المسيح ابن الله الحي، هو الذي يحلّ بواسطة كرازة خدّامه قيود الخطاة، ويربط غير التائبين. فالشهادة الشاملة بيسوع، أنّه ابن الله الحي تحتوي سلطاناً لن يُستقصى لاعطاء النعمة.

 

منع يسوع إعلان جوهره

 

لماذا منع يسوع تلاميذه أن يشهدوا بأنّه هو المسيح؟ أراد يسوع أن يُنشىء أولاً النضوج الروحي في تلاميذه، ولا أن يخلق فيهم التحمّس السطحي، المبني على أفكار سياسية دينية، فليس هو الذي قال بأنّه هو المسيح بل بطرس! هذا تيقّن أثناء مرافقة ربّه خلال أشهر ماضية، وبعدما اختبر عجائبه، وسمع كرازته، فاقتحمت المعرفة الروحية هذه. نمت شهادته مِن اعتناق متين بواسطة وحي إلهي. ينبغي علينا، أن لا نسكب الإيمان على مستمعينا دفعة واحدة، ولا نحرضهم على الشهادة المبكّرة عن المسيح، بل نعطيهم أسرار الحق كغذاء روحي على مراحل، كالأم التي تطعم ابنها بالملعقة على مراحل. ويفهم بعض المستمعين شهادتنا بمفهوم مختلف مما نقدّم لهم، فهم يفكرون بقوة دنيوية وسلطة ومال، وأمّا يسوع فيقدّم لهم روح المحبّة في التواضع والضعف.

 

امتنع الرب أنْ يربط إنجيله بالتيارات السياسية، ولا أراد أن يخلق حركة مبنية على العجائب والقدرات، بل قصد أن يرسل سفراءه المتواضعين ككهنة روحيين، ليقدّموا خبز الحياة إلى الجياع والعطشى إلى برّ الله.

 

بعدما قام المسيح مِن بين الأموات أخذت الشهادة المسيحية عن ابن الله المصلوب تجري منتصرة ومتغلغلة إلى كلّ القارات. ولم تستطع الحيّل اليهودية أن توقف الشهادات عن المسيح الحق. قد حدثت اتهامات وكلمات غير واقعية عن المسيحية، وتبلورت إلى الإضطهادات المؤلمة، إنّما قد تمّ الخلاص، والمسيح الحي يعمل برسله، ما داموا يعترفون بشهادة بطرس الكاملة.

 

أحفظ ايات الوحي في قلبك تكسب كنْزاً ابدياً (متّى 16،13 20)

 

وَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى نَوَاحِي قَيْصَرِيَّةِ فِيلُبُّسَ سَأَلَ تَلاَمِيذَهُ, مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا ابْنُ الإِنْسَانِ. 14 فَقَالُوا, قَوْمٌ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ, وَآخَرُونَ إِيلِيَّا, وَآخَرُونَ إِرْمِيَا أَوْ وَاحِدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ. 15 قَالَ لَهُمْ, وَأَنْتُمْ, مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا. 16 فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ, أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ الْحَيِّ. 17 فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ, طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا, إِنَّ لَحْماً وَدَماً لَمْ يُعْلِنْ لَكَ, لَكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. 18 وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضاً, أَنْتَ بُطْرُسُ, وَعَلَى هَذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي, وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا. 19 وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ, فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطاً فِي السَّمَاوَاتِ. وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاوَاتِ. 20 حِينَئِذٍ أَوْصَى تَلاَمِيذَهُ أَنْ لاَ يَقُولُوا لأَحَدٍ إِنَّهُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ.

 

الجزء الثاني:

أول إعلان من يسوع عن آلامه

 

عرف المسيح أنّ بطرس والتلاميذ الآخرين تخيّلوا كباقي أعضاء العهد القديم عن مجيء المسيح، كزعيم سياسي ديني، مثل موسى. فلم يُصحّح لهم الأفكار بسرعة، بل أثبت لبطرس أولاً حقّ شهادته بأنّه المسيح المنتظر، ولكن بعد هذا التثبيت غسل عقولهم. ليس يسوع ملك الخبز، ولا محرّر مِن نير الرومان، ولم يأت بتغيير الأوضاع، ولا سلام إجتماعي، ولا الرفاهية المشتاق إليها. قَصَدَ أن يُنشىء الشروط لغفران الخطايا، ويصالح البشر مع الله بموته الكفّاري.

 

هدف يسوع هو نجاة الخطاة، مِن دينونة الله، لأنّه "لا سلام"، قال الرب، "للأشرار" ( أشعيا 48، 22؛أشعيا 57، 21). فأراد يسوع أن يُطهّر القلوب بموته على الصليب عوضاً عنهم، وعزم على تجديد أذهانهم بقيامته مِن الأموات. قد منح لبطرس السلطان للحل والربط للخطايا مسبقاً، إنما تحقيق الخلاص لم يأتِ بعد. فكان ينبغي على يسوع، أن يقدّم نفسه ذبيحة مرضيّة لله، كرئيس الكهنة عن الجميع.

 

الضرورة المُلحّة لآلام المسيح وموته عن البشر

 

شهد يسوع لتلاميذه، أنّه كان مفروضاً عليه أنْ يتقدم إلى أورشليم حتماً (لوقا 24، 26- 27 ؛ لوقا 24، 44- 47). ومِن هذه الضرورة نرى أن لا فداء للعالم إلا بصليب المسيح (يوحنا 14، 6). لم يهرب يسوع، رغم أنّه عالم بما ينتظره، فأراد أن يكمل مشيئة أبيه، وكان مطيعاً حتّى الموت، موت الصليب.هذا الموت الكفّاري كان هدف مجيئه. وُلد ابن الله لكي يبقى إنساناً واحداً بلا خطيئة، ليستحقّ أن يموت عوضاً عن البشر النجسين، كذبيحة بلا عيب (كورنثوس الثانية 5، 20- 21).

 

لم تدخل هذه الأفكار الروحية بسهولة إلى عقول التلاميذ، لأنهم تمنّوا المجد والسلطة بدون آلام المسيح، وأن يدخلوا إلى ملكوته دون تغيير الذهن.

 

أمّا يسوع فأنبأ لهم تفاصيل آلامه وموته مسبقاً، ليُعدّهم ويؤكّد لهم، أنّهم لن يرثوا كراسي الوزراء، بل سيحتملون اضطهاداً وآلاماً. أوضح المسيح لهم أنّ صعوباته الخاصة لم تأتِ مِن الملحدين، بل مِن الأتقياء المتعصبين، مِن زعماء الأحبار، ومِن مدققي الشريعة. وعرف أنّ السطحيين الليبراليين مِن بينهم سيتّحدون مع أعدائهم، لأجل كرههم ليسوع الشافي، لأنّه أهملهم، وهم أصحاب الشرف والسلطة. فبُغضهم ليسوع كان دليلاً على ضُعفهم وعدم قدرتِهم الروحية. لم يريدوا أن يتوبوا، بل توقّعوا اخضاع يسوع لسلطانِهم. لم يوضح يسوع منذ البدء السبب والهدف مِن آلامه وموته، إنّما أعلن لهم حقيقة موته القريب في حينه. لو أخبرهم عن موته الكفاري عنهم مسبقاً، لم يدركوه بعد. إنّما كلّ مَن يكّذب حقيقة موت المسيح التاريخية دخل إلى فخّ أبي الكذابين، وصار مِن أتباعه، وينبغي أن يعود ويقبل الحقّ فوراً.

 

قيامة المسيح أظهرت لنا الحياة الأبدية

 

أنبأ يسوع أثناء إعلانه الأول عن آلامه بقيامته مِن بين الأموات أيضاً. فآمن بانتصاره على الشيطان والخطيئة والموت مسبقاً! وشهد لتلاميذه قبل حدوث موته، أنّه قد غلب العالم، مؤمناً بأنه سيغلب العالم فعلاً بوفاته على الصليب ( يوحنا 10، 30). لم ينته يسوع بلا رجاء، وما مات في الخيبة واليأس، كان متيقّناً مِن حياته الأبدية، واستودع روحه بين يدي أبيه (لوقا 23، 46).

 

صارت قيامة المسيح البرهان الجلي، للخلاص المتمّم وأنّ الله قبل ذبيحة ابنه الكفّاري عوضاً عن الخطاة. كان يسوع قدّوساً ولا يزال قدّوساً، وسيبقى بلا عيب إلى الأبد. يريد أن يجتذبنا بموته إلى قيامته والحياة الأبدية.

 

ظهرت بقيامة يسوع حياة الله وجسده الروحي رجاؤنا. فبقيامته قد قُمْنا بالإيمان أيضاً (أفسس2،5- 7). ويقول المؤمنون بعيد القيامة لأصدقائهم:"المسيح قام". ويكون الجواب "حقاً قام". ليتهم يستمرّون بهذه التحيات بالاعياد:"في المسيح قُمْنا"، ويسمعون الجواب:"حقاً قُمْنا بقيامته".

 

نعرف منذ قيامة المسيح، أنّه حيّ، ولم يبق في القبر كسائر الأنبياء ومؤسسي الأديان، بل قام، حقاً قام. لم يستطع الموت أنْ يُمسك ابن الله البريء، فاجتاز منتصراً مِن وسط الموت، ويجرّ كنيسته المتبرّرة وراءه. فكل الأنبياء والصالحين قبل المسيح وبعده ماتوا، أمّا المسيح فهو حيّ إلى الأبد. وهذا هو الفرق الأساسي بين الأديان.

 

فيجب على المسلمين أن يؤدّوا صلاة على محمّد، كلّما ذكروه (سورة الأحزاب 33، 56). أمّا يسوع فهو يصلّي لأجلنا، هو كاهننا، وينوب عوضاً عنا أمام الله أبيه، ويقدّم حقّ كفّارته لأجلنا. لقد أصبحنا أبراراً، لأجل موته وقيامته، فنعيش معه ولأجله.

 

لم يتكلم المسيح حسب البشير متّى مرة واحدة فقط عن آلامه وموته وقيامته، بل خمس مرات ليغيّر ذهن أتباعه، ويُعدّهم إلى حدوث المستحيل.

 

نصيحة بطرس الخاطئة

 

لمّا سمع كليم الرُسل، كيف يسوع أنبأ بآلامه القريبة، وموته الحتمي، انصدم، وظنّ أنّ الربّ اجتاز مِن موجة الضغط النفساني، أو عنده فترة ضُعف. فلم يُكلمه فوراً أمام التلاميذ الآخرين، بل استدعاه جانباً، وتكلّم هناك بلطف وثبات:"يا ربّ! مستحيل هذا الكلام، ولا يمكن أنْ يحدث هذا. فمستقبل ملكوت الله لن يتزعزع. فلا تستسلم للخبر، لكنْ عليك أنْ تُجاهد إلى الغلبة والنصر، لأنّ عندك القدرة والقوة على الإنتصار". كانت كلمات بطرس لطيفة وذكية، وربما بدافع المحبة، ومقبول في سبيل الإنسانية، إنّما قصد بدون علم إِنْهاء الصليب، وخراب الخلاص. هذا كان أعظم خطر في حياة يسوع وكنيسته.

 

أدرك يسوع فوراً مصدر هذا الإلهام، ولم يواجه بطرس بإسمه الجديد الشريف، بل سمّى حامل مفاتيح السماء بكلمة "شيطان". لم يسمّه كأحد الشياطين والأبالسة، بل وبّخه كرئيس هذا العالم. فالشيطان وقف وراء كليم التلاميذ، وأوحى له هذه الأفكار الإنسانية. هذا يُوضّح أن بطرس ليس هو صخرة، يبني يسوع كنيسته عليه، بل الشهادة التي أعلنها له الآب.

 

انتهر يسوع بطرس، وسماه شيطاناً ليخلّصه، وأمر الشرّير بكلمة موجزة، أن يترك تلميذه. فلا يمكن للمسيح أن يتأخّر ثانية عن أخذ القرار، فكان على سيف الروح أنْ تخترق أخر عنصر نفسي في عمق بطرس، وتقطع كل حركة خاطئة في شعوره الباطني، فعمل بُنيان نفس بطرس لا تتطلّب مداهنة أو لطفاً، بل اختراقاً وقتلاً للأفكار الشيطانية.

وبالحقيقة لم ترتكز هذه الحادثة على بطرس، بل على يسوع نفسه، وحاول المجرّب أن يمنع الربّ مِن الصليب، ليُبطل هدف مجيئه. لم يوافق يسوع بثانية واحدة على مكر الشيطان اللطيف، ولم يسمح لنفسه الشعور بالشفقة، إنما أدرك التعدّي على الله، ووحدة الثالوث الأقدس، وخطّة الخلاص. فلا بدّ مِن معارضة قوية، ومِن أقوى مُدافع. لم يُمت يسوع الشيطان بكلمته فوراً، بل طرده مِن محضره، لأنّ للمجرّب الحق أنْ يَمْتحن أمانة المسيح لله ومحبّته للخطاة.

 

إنَّ مذهب الإنسانية مع الأفكار اللطيفة، تكافح بعض مرّات صليب المسيح. ولا يريد الإنسان أنْ يدرك فساده العميق والشامل، وهلاكه في دينونة الله. ويظن أنّه صالح ومستقيم، مع العلم أنّه أعمى لخطاياه، ولم يعتبر ضرورة لمصالحته مع الله القدوس. لا يطلب الإنسان في سبيل الإنسانية خلاصاً مِن غضب الله ودينونته، بل يسعى للتربية العالية، والعلوم الحديثة. يتخيّل أنّه يستطيع شفاء عِلاته، ويطوّر مجرى التاريخ إلى الفردوس الدنيوي.

هذا الموقف كان ويكون عثرة ليسوع. فساعد بطرس ليدرك أسفل عمق في فساده، وسمّاه شيطاناً، ليفهم المسكين عدم قدرته، لمعرفة الفداء الحقيقي، ويتغيّر، ويفكر أفكار المسيح.

 

أحفظ ايات الوحي غيباً تكسب كنزا للحياة و الموت (متّى 16، 21-23)

 

21 مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يُظْهِرُ لِتَلاَمِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيراً مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ, وَيُقْتَلَ, وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ. 22 فَأَخَذَهُ بُطْرُسُ إِلَيْهِ وَابْتَدَأَ يَنْتَهِرُهُ قَائِلاً, حَاشَاكَ يَا رَبُّ. لاَ يَكُونُ لَكَ هَذَا. 23 فَالْتَفَتَ وَقَالَ لِبُطْرُسَ, اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ. أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي, لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا لِلَّهِ لَكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ.

 

الجزء الثالث:

غسل مخاخ التلاميذ جميعاً

 

لا يُدرك كثيرون مِن المجتمع صليب المسيح وقيامته، لأنّهم لم يكتشفوا خطاياهم الخاصّة. روح الإنسان العاصي، وعدم إرادته للتوبة. أمّا يسوع فيُعلن فساد قلب الإنسان، ويؤكّد لتلاميذه أنَّه يحارب هذه الرّوح فيهم، ويقلب أخر عمق في أنفسنا، فقال:"إن أراد أحد أن يتبعني". يُحيي المسيح إرادة الإنسان، وينعش مركز كيانه، ويريد أن يقود تلاميذه إلى القرار والعزم، لكي يسلّموا له هداية حياتهم الروحيّة والعمليّة. فلا يريد أن نؤمن به فحسب ونستمرّ كما فعلنا مسبقاً، بل يريد أن يغيّر إرادتنا لنتبع خطواته.

أدرك محمّد أن المسيحيين على درجات مختلفة حسب سورة آل عمران 3، 52- 53:

 

أولاً : منهم حواريون متحمّسون، يريدون أن يتعلموا مِن معلّمهم كثيراً، ولكن لم يعملوا بعد ما يعرفونه.

ثانياً : مِن بينهم أنصار الذين يجاهدون للمسيح، بأموالهم وأنفسهم.

ثالثاً : وهم مؤمنون بالمسيح، إذ قرّروا قراراً أن يلتصقوا به.

رابعاً : إنّما مُصلّون إلى الله، حسب إرشاد المسيح، ولا يتّكلون على قوتهم الخاصة.

خامساً: أنهم مسلمون! الذين سلّموا أنفسهم إلى المسيح حقاً.

سادساً: أنّهم أتباع المسيح، ويتبعونه في السرّاء والضرّاء، ويتغيّرون إلى صورته.

سابعا ً: أنّهم شاهدون، ومستعدون أن يموتوا لأجل المسيح كشهداء.

 

أدرك محمّد أن سِرّ المسيحية في إتباع ابن مريم. فمن يدخل إلى شركة ابن الله يمرّ في درجات التربية الروحيّة، كما قال مبشر ألماني:"أنا أنمو روحياً مثل ذنب البقرة". فقصد بِهذا المثل، لا أصير أقوى وأجمل وأشهر، بل العكس، أنا أصير أصغر وأكثر احتقاراً، ويرمون عليّ الأوساخ. فالقرار أنْ نتبع يسوع باستمرار، هو قرار في ذهن المؤمن، ولكنْ بالحقيقة يكون هذا القرار نعمة مِن نعم الله (فيليبي 2، 12- 13).

 

فليُنكر نفسه

 

مَن يُنكر نفسه، لا يعرف نفسه فيما بعد، ولا يتجاوب مع مطالب جسده، ولا يتخيّل بأمنياته، ولا يخدم شهواته، ولا يطلب احترامه وشرفه، فلا ينظر إلى ذاته دائماً، وينسى احساساته دائماً. ولا يتجاوب مع خلاياه الموروثة السلبية، ويسلّم ليسوع عقده الأليمة، وأمراضه وضغوطاته. إنّ الموضوع في اتباع يسوع، ليس تحقيق الذات، بل انكارها. وهذا العكس مِن الأفكار الإنسانية.

 

انكار الذات في الشرق الأوسط، تعني بعض المرّات انكار العشيرة الخاصّة، والإبتعاد عن حمايتها وعَوْنِها، وحتّى الإبتعاد عن الدين الموروث، حسب طقوس المعمودية السابقة، حيث قال الكاهن للذي طلب العماد:"أسجد لما كنت تُبغضه، وأبغض ما كنت تسجد له". فالمطلوب مِن المؤمن الجديد، أن ينفصل عمداً عن نفسه، وعشيرته المضادّة للمسيح، والتسليم المطلق إلى يسوع، وأن يعيش هذا المبدأ في بحر الحياة. وكان يسوع نفسه يتألم مِن هذا القرار، نظراً إلى عائلته الخاصة.

 

ويحمل صليبه

 

لم يقل المسيح لتلاميذه:"احملوا صليبي" بل:"إقبلوا صليبكم الخاص واحملوه". كان الصليب عند الرومان هو القصاص المختصّ للمجرمين مِن الأجانب وللعبيد الفارّين.

 

أمّا الرومان أنفسهم إن أخطأوا استوجب موتهم بقطع الرأس. فَمَن يحمل صليبه حسب قول المسيح، يقبل حُكم موته، ويقرّ أنّه مستحقّ الموت، رغم أنّ هذا الإدراك مرعباً ومؤلماً.

 

مَن يقبل صليبه الخاصّ، ويحمله دائماً، هذا يكون قد فهم قصد أمر المسيح، ويدين نفسه بنور الإنجيل. ولا يتأسف على ضعفاته، بل يعترف بزلاته، وأخطائه أمام الله، وبعض المرّات أمام الناس أيضاً.

طوبى لِمَن يُدرك خطاياه في إنارة روح الله، لأنّ هذا الإدراك نعمة مِن الله، الذي يخصّ جميع القديسين. فبواسطة اعترافهم يموت كبرياؤهم، كما كتب بولس:"مع المسيح صُلبت،فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ" (غلاطية 2، 19- 20).

 

وحالة بولس الرسول كمصلوب مع المسيح، لا تعني أنّه حمل صليبه مرة واحدة فقط، بل دائماً، ويبقى مصلوباً مع المسيح. وبالحقيقة لقد رفع يسوع صليبنا بنفسه على كتفه، وحملها إلى المنتهى، فكفّر عن خطايانا وجعل صليبنا صليبه، وقدّم نفسه ليفدينا مِن دينونة الله، ومِن سوء الخطيئة. موته فديتنا وقيامته حياتنا، مع العلم أنّه سقط مراراً تحت حمل الصليب، إنّما لم يَرمها. فأين شكرنا؟

 

وليتبعني

 

كان يسوع في بداية خدماته محبوباً ومشهوراً مِن قبل الشعب، وزاد احتقاره واضطهاده سريعاً، لأنّ زعماء الشعب، والأتقياء المتعصبين أبغضوه. أمّا المساكين والصغار فتمنّوا وترقّبوا عونه، وآمنوا بسلطانه. فَهِم يسوع هذا التطوّر المؤلم، وصلّى:"أحمدك أيّها الآب، ربّ السماء والأرض، لأنّك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء، وأعلنتها للأطفال. نعم أيها الآب! هكذا صارت المسرّة أمامك" (متّى 11، 25- 26).

 

أكّد يسوع لتلاميذه، أنّهم لا يقدرون أنْ يتبعوه على الدوام، إلا بإنكسار"الأنا الفخور" وقبول المسكنة أمام الله العظيم. قال:"طوبى للمساكين بالرُّوح لأنّ لهم ملكوت السماوات" (متّى 5، 3). يعني هذا التطويب أنّ الرّوح القدس يجعلنا صِغاراً منكسرين طالبين النجدة، والخلاص مِن نعمة ربنا وحده.

مَن يتبع يسوع، يختبر في شركته القوة السماوية، التي تحرّر الإنسان مِن خطاياه وارتباطه. تحلّ في أتباعه سلام الله، الذي يفوق كلّ عقل. ويمنح يسوع لهم فرحه الخاصّ، الّذي لن يزول، ويملأهم روحه بمحبته، الّتي تغفر وتسامح للجميع كلّ أخطائهم، كما أنّ الله يغفر لنا كلّ أخطائنا يومياً، ويغيّرنا في الإتباع إلى صورته.

 

تسرع سيارة إسعاف الخلاص بالضوء الأحمر في المدن والقرى، وتدعو كل فرد أن يدخل إلى المسيح ليخلص. وليس أحد مضّطر أن يأتي، والعون مجاني، والإتيان حرّ. يشجع المسيح الّذين قبلوا خلاصه أنْ يشتركوا في خدمة تحرير الملبوسين. فكلّ مَن يُنكر نفسه، ويحكم على ذاته، ويتبع المسيح في خدمته الخلاصية، يُصبح إنساناً سعيداً، ويكون سبب البركة للكثيرين. وهذا التابع لا يعيش مِن قدرته الخاصة، بل المسيح يحيا فيه، ويعمل بواسطته. الربّ يشاء أن يحلّ فيك، وقوّته تكمل في ضعفك.

 

من يريد أن يحفظ حياته يهلكها

 

يهتمّ الإنسان بصحّته بمهنته بعائلته وبأهوائه، ويعمل ويجتهد ليحصل على تحقيق أهدافه، وليحقّق أحلامه بدون الله. فلذلك سيسقط إلى جهنم حتماً. قال يسوع بوضوح:"انكرْ نفسك، واعترفْ بذنبك، واطلبْ إرادة أبيك السماوي. اعملْ ما يريدك أن تفعل، فتعشْ معه إلى الأبد. فكلّ مَن يحيا كأنْ لا الله، يُهلك نفسه سريعاً أو متأخراً، ولكن من يعيش في سبيل المسيح ولأجله، ويتألم معه يقف على جانب المنتصر.

 

عرف يسوع أنّه ينبغي عليه، أنْ يضحّي بحياته، ليخلّص الخطاة. تمنّى أن يعيش أكثر مِن ثلاثة وثلاثين عاماً على الأرض، إنّما فضّل أن يموت كفّارة عنا، ليصالح العصاة مع الله. ولمْ يَعِشْ لنفسه، بل لله أبيه، ولأجلنا نحن الفاسدين. عَلم أنّه لا خلاص للعالم إلا بموته الكفّاري عوضاً عن جميع الخطاة.

 

تعني إتّباع المسيح، أنْ نضع حياتنا الخاصّة تحت مقاصد الربّ، لنجاة غير المستحقّين، حتّى إذا لم يقدّموا كلمة الشكر لنا. فإتّباع المسيح معناه التضحية المستمرّة. تصدر حياة بِهذا النوع مِن خلال محبّة الله، وتحقّقها وتضاعفها وترجع إليها أخيراً.

 

وكان ينبغي لبطرس والتلاميذ الآخرين، أنّ اتّباعهم للمسيح لا تأتي بشرف وسلطة وشهرة وغنى وحياة مريحة، بل بالعكس، فالشيطان في بُغضه يحرّض أتباعه ضدّ الّذين يُضحّون بأنفسهم ليبيدهم. فسأل يسوع بطرس بطريقة غير مباشرة:"هل أنت مستعدّ أن

تضحّي بحياتك، لأجل مخلّصك، أو هل تريد أن تعيش كما قبل كأناني لذاتك؟ وهل أنت مستعدّ لأن تتألمّ، أو تريد أنْ تحلم مِن ملكوت المسيح الغير الواقع؟ وتتمنّى بالحقيقة استكبارك وانتفاخك؟ ينبغي أن تغيّر فكرك مِن أعماق نفسك، إن أردت أن تشترك في ملكوتي الروحي".

 

مَن يهلك حياته مِن أجلي يجدها

 

مَن يشهد لأصدقائه ولأعدائه بالإنجيل، ويعش حسب كلمات ربّه ينل فرحاً عظيماً، ويشترك في سرور المسيح ( يوحنا 15، 11 ؛ يوحنا 17، 13). أتى المسيح ليطلب الخطاة ويخلّصهم (متّى 9، 13؛ لوقا 19 ، 10).

 

يزرع المزارع الغرسة، ويسمّدها ويشذّبْها، لكي تأتي بثمر أكثر. هكذا يقول يسوع:"أنا الكرمة، وأنتم الأغصان. الّذي يثبت فيّ، وأنا فيه، هذا يأتي بثمر كثير، لأنّكم بدونِي لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً" (يوحنا 15، 5- 8). إِمْتحن نفسك، إنْ كان يسوع يأتي بثمر أبدي في حياتك. ونرى هناك أربعة أبواب لخدمات المسيح:

 

الحمد لله ولحمله، لأن في التسبيح نتنشق جو السماء. طوبى لِمَن يعظّم الآب والإبن والرُوح القدس مِن صميم قلبه، ويعيش لإرضائه.

 

الخدمة العملية في البيوت أو للمرضى والعجزة والمحتاجين هي الخدمة التي يعتبرها يسوع أنّها فُعِلت لأجله شخصياً (متّى 25، 35- 40)!

 

تفرح السماء مع الملائكة عن خاطىء واحد يتوب. فبشّر الملحدين والزناة والضالّين عن الباب المؤدي إلى السماء، ليقبلوا الخلاص المعدّ لأجلهم. بُنيت هذه الخدمة على صلوات والإبتهالات لأجل الآخرين، كرائحة طيبة لله (رؤيا 8، 3- 5).

 

يَسمح الربّ أنّ البعض مِن الشاهدين يموتون في سبيل خدمتهم شهداء للمخلّص الأمين. يَثبت في أيامنا ألوف مِن المضطهدين في السجون والمعتقلات لأجل إيْمانِهم بالمسيح.

 

هذه الخدمات الأربع مقبولة عند الله، فهل تهتمّ بما لله، أو بما لنفسك؟ هل عندك وقت للناس حولك، حتّى تجلس معهم، وتخبرهم بما فعل المسيح لأجلهم، وتصلي بأمانة لأجل تحريرهم، وأمانتهم للمخلص الوحيد؟ أمّا أنت يقصد المسيح مِن تحريرك مِن الأنانية الموروثة، ويرسلك لخدمة الآخرين. فكل مَن يبذل حياته لأجل يسوع يحيا منذ الآن إلى الأبد.

 

ماذا ينتفع الإنسان..لو ربح العالم كله ..وخسر نفسه؟

 

مَن يطمح إلى مال أو شهرة، أو تأثير على الآخرين أو ربح، يتأثر ويتقيّد سريعاً مِن فواتيره وبرنامجه، وتقديره للأرباح، ويتقسّى قلبه تلقائياً. عنده وقت قليل. يفقد بصيرته للمسكين والفقير في محيطه. مَن يقصد أن يؤثّر على الآخرين ويتسلّط عليهم، ويستخدمهم ويستغلّهم، هو قريب على الخطر أن يُصبح متسلّطاً على عبيده، ولكنْ مَنْ يتغيّر إلى خادم الربّ أو معين لللآخرين، يتقدّم إلى قلب أخيه الإنسان، ويُدرك ضيقاته وهمومه، وأخطاءه، ويصبح كاهناً لله عنهم، ويطلب مِن العلي البركة والشفاء، والقوة والخلاص لأجلهم.

 

مَن يحاول أن يربح امتيازات بواسطة ذكائه، ورشوته وكلماته الرنّانة، عند الأفراد والعشائر، والدوائر الحكومّية، فهؤلاء يُدركونه، ويفهمونه فوراً، ويستغلّونه ويسخرون منه. فمَن يتعب ليلاً ونهاراً ليُؤمّن نفسه، ويوسّع تأثيره، ويرمي شبكته على بلدان وقارات، يفقد راحة نفسه سريعاً، ولا يطمئنّ في المسيح، ولا يستخرج مِن ملء الله نعمة فوق نعمة.

 

حدّد يسوع خدمته التبشيرية على محيط 150 كلم قطره. لم يتقدّم إلى العالم كلّه، بل أطاع خطى أبيه، وترك له ولروحه العالم الباقي، حتّى أكمل يسوع ذبيحة نفسه الكفّارية عن البشر. وبقي ابن مريم فقيراً، ولم يستخدم أو يستضلّ سلطانه، ليغني أو يُؤمِنْ ذاته. لم يملك مخدّة يضع عليها رأسه، ولا بيتاً ولا حماراً. إنّما اكتفى بالخبز اليومي، الذي طلبه لنفسه ولتلاميذه مِن أبيه السماوي. كان ملكوته ملكوتاً روحياً، مِن دون تأمين مادي. وكان على بطرس وتلاميذه الأخرين، أن يتعلّموا أن يموتوا بأمنياتِهم البشريّة، ليشتركوا في نعمة الله الروحي.

 

نفترض أنّ إنساناً واحداً يملك على العالم كلّه، وبحوزته كلّ الذهب الموجود، ولكنْ في صيده على الغنى فقد نفسه وراحة ذاته، فما هو ربحه؟ لا شيء إلا شركة الشيطان! فماذا عندما يظنّ أن يبرّر نفسه أمام الله، فأعماله الصالحة غير صالحة في عيني الله، ولا مقدّسة، ولا طاهرة ولا كافية، ليُكفِر عن خطاياه العديدة.

 

الأغنياء الذين يعيشون بدون الله وحمله، هم بالحقيقة فقراء، مساكين ضالّون هالكون. فلا توجد فدية أخرى في يوم الدين، إلا دم يسوع المسيح، الّذي وحده يستطيع أنّ يطهّرنا مِن كلّ إثم، وتغيّرنا إلى خدام الرب. كلّ مَن اغتنى في محبّة الله، تسكن فيه غنى مسرّة الله. سأل أحد الصحافين الملياردير روكفلّر:"كم مرة كنت سعيداً في حياتك؟" فأجابه:"هل أنا سعيد ولا أنام إلا والمسدس تحت مخدتي؟" ولكن إمرأة مسكينة لا مدخول مؤمّن لها، فرتّلت في خدماتِها البيتية ترانيم الحمد والتسبيح لله الآب والإبن في فرح وسرور. فمن كان أغنى مِن كليهما: روكفلّر أم المرأة الفقيرة الفرحة؟

 

احفظ ايات الوحي تكسب كنْزاً لنفسك و لأصدقائك (متّى 16،24-27)

 

24 حِينَئِذٍ قَالَ يَسُوعُ لِتَلاَمِيذِهِ, إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي, 25 فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا, وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا. 26 لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ. أَوْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ. 27 فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ, وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ.

 

الجزء الرابع:

مجيء ابن الإنسان في المجد

 

ختم يسوع تعليمه لبنيان تلاميذه، ليس بإعلان آلامه مرّة أخرى، ولم يطلب لانكار الذات، بل رفع أعينهم إلى هدف تاريخ البشر. بِما أنّ ابن مريم أخلى مجده الأصلي كابن الله، ليفدينا كإبن الإنسان، ألبسه أبوه السماوي عند رجوعه بجلال مجده، وسموّ قدرته. يعني مجد الله خُلاصة صفاته وأسمائه. دفع الآب لابنه سلطانه، لأنّه لم يتوقع مِن الفادي المتواضع الوديع، ثورة في السماء. قد برهن بمحبته غير المحدودة على الصليب لجميع الضالّين.

 

إنّ تاريخ العالم، وخطّة الخلاص، تندفع نحو نهايتها، وتتطلب عدالة الله في الدينونة النهائية على كلمات الناس وأفعالهم ومقاصدهم. فمَن لا يلتجىء إلى المصلوب، ولم يؤمن ببرّه التامّ لأجل الخطاة، فيضّطرّ أن يحتمل الحُكم على أفعاله واهماله حتماً.

 

يرجع يسوع كابن الإنسان وكديّان أزلي، الّذي اختبر ضعفاتنا في جسده الخاص، ويحكم لذلك باستقامة وحقّ. إنّما يسوع لم يأتِ منعزلاً أو منفرداً، بل سترافقه جماهير مِن الملائكة، ليشهدوا كشهود عيان، لانتصاره على سلطة الشرّير. يرسل الربّ ملائكته ليجمع أتباعه مِن الشعوب، الّذين كُتبت اسماؤهم في سفر الحياة. قد عيّنهم أهلاً لملكوت أبيه، لأنّ روحه القدّوس يسكن في قلوبِهم. لن يموتوا، لأنّ الرُوح القدس فيهم روح أبدي.

 

عندئذ سيجاهد بطرس وجميعنا لمجد الآب في الإبن، الذي يقودنا إلى انكسار الآنا المنفوخ، فنلتجيء إلى صليب المسيح. إنّنا بدون مصالحة مع الله لا يتحقّق لنا الخلاص، وبدون ذبيحة كفّارة ابنه لن نرى مجداً.

 

يفكّر الكثير مِن الأتقياء الثابتين في العهد القديم، أن يدخلوا إلى مملكة المسيح بحفظ القوانين 613 مِن التوراة. لم يُدركوا عمق خطاياهم ولم يعترفوا بالجسر الوحيد المؤدّي إلى الله، وهو المسيح المصلوب.

 

أمّا بطرس، فاختبر حقيقة فساده قبيل صلب المسيح، إنّما رجاؤه بواسطة المقام مِن بين الأموات. وكسب شهادته الأصلية عند صعود يسوع معنى أعمق. وفتح الرّوح القدس أعين قلبه لمجد ربّه الحيّ ومخلّصه. لذلك سيتمتم بطرس، وجميع أتباع يسوع، عند رجوعه على الأرض، الإعتراف الأصلي بمعانٍ روحيّة عميقة:

 

"أنت المسيح، ابن الله الحي".