الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللَّهِ, مُتَبَرِّرِينَ مَجَّاناً بِنِعْمَتِهِ

(رومية 3، 24)

 

أعلن رسول الأمم آيات بارزة متعدّدة وأمّا الكلمة المذكورة أعلاه تفوق جميع كلماته الأخرى وتقودنا إلى لبّ تعليم الرسول. ويلهمنا سرّ الإصلاح. ومَن يريد أن يفهم إنجيل المسيح فليحفظ هذه الكلمات المنحوتة في تاريخ الكنيسة وليتأمل فيها ويدركها ويؤمن بها ويعيش حَسَبها عندئذ يستنير ويسلك سعيداً مع الله.

 

سيطرة الفساد البشري.

يعرّف بولس لنا في هذه الكلمات خلاصة إعلانات التوراة والأنبياء أنّ الخطيئة المنتشرة في كلّ البلاد ويوضّح لنا بهذه النبوّات أنّ الخطيئة سمّمت البشريّة:

 

ليس مَن يفهم، ليس مَن يطلب الله. الجميع زاغوا وفسدوا معاً، ليس مَن يعمل صلاحاً ليس ولا أحد، حنجرتهم قبر مفتوح، بألسنتهم قد مكروا، أرجلهم سريعة إلى سفك الدم. في طرقهم إغتصاب وسحق، وطريق السلام لم يعرفوه. ليس خوف الله قدّام عيونهم

( رومية 3، 11- 18).

 

مَن يقرأ هذه الخلاصة مراراً مِن العهد القديم يدرك معناها ويقبلها فيعيش على واقع الحقيقة ولا يتخيل فيما بعد بوجود إنسان صالح ولا يقصد أن ينشيء برّه الخاص بواسطة صلواته وصومه وحجّه وتبرّعاته وجهاده في سبيل الله. هذا الصراط يقود الجميع إلى الضلال ويبقى بدون فائدة.

 

أولاً: أنّه لا فرق إذ الجميع أخطأوا .....

يستعدّ الإنسان أنْ يوافق على جدول الخطايا المتدرّجة ويوافق على حقيقتها نظراً للإنسان الأخر الذي يحتقره فيعتبرهم فاسدين أمّا هو فيعتقد أنّه صالح وبلا لوم مرتفعاً على كلّ أوساخ العالم. ما أعظم الغرور! وما أنتن الخداع بالذات! ألا وهو السطحيّة البحث. يؤكد لنا رسول الأمم أنّ كل الناس حتّى الأتقياء والقدّيسين هم خطاة فبطرس مقدام تلاميذ يسوع اعترف بشهادته الجريئة أنّ يسوع هو المسيح ابن الله الحيّ وأعلن الرب له بأنّه سيبني كنيسته على تلك الشهادة إنّما بعد وقت وجيز حاول بطرس أن يمنع ربّه مِن أن يتقدّم نحو الصليب فكان على يسوع أن يسمّيه شيطاناً لكي يدرك بأنه سقط إلى أسفل السافلين ( متّى 16، 16- 23). كتب يوحنا رسول المحبّة: دم يسوع المسيح يطهّرنا مِن كلّ خطيئة (يوحنا الأولى 1، 7). لم يكتب الشيخ الرسول أنّ دمّ ابن الله يطهركم مِن كلّ خطيئة بل ضمّن نفسه بهذا الإعتراف وشهد بأنّ دمه يطهّرنا من الخطيئة: فتكلّم بصيغة الجمع وشمل ذاته إلى المذنبين المتطهّرين برحمة ربّهم.

 

وأكمل قوله المشهور: إنْ قُلنا إنّه ليس لنا خطيئة نضلّ أنفسنا وليس الحق فينا. إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتّى يغفر لنا خطايانا ويطهّرنا مِن كلّ إثم. إن قلنا إنّنا لم نخطىء نجعله كاذباً وكلمته ليست فينا ( يوحنا الأولى 1، 8- 10؛ رؤيا يوحنا 1، 5). أما بولس بالذّات فهو شاب فقيه متحمّس اضطهد كنيسة المسيح في القدس وأجبر المؤمنين تحت العذاب والإضطهاد أن ينكروا مخلّصهم ويرفضوا خلاصه إنّما بعد أن ظهر له المُقام مِن بين الأموات أمام أبواب الشام انكسر كبرياؤه وانسحق طموحه وانتهى برّة الخاص. لم يبق إلا كخاطىء أنعم الربّ عليه ( أمال الرسل 9، 1- 19). نقرأ في رؤيا يوحنا أنّه قُبيل تربّع يسوع على عرشه في السماء أتى ملاك مجيد وامتحن البشر والأبالسة والملائكة بكلامه الفاصل: مَن هو مستحق أن يفتح السِّفر ويفكّ ختومه، فلم يستطع أحد في السماء ولا على الأرض ولا تحت الأرض أن يفتح السِّفر ولا أن ينظر إليه ( رؤيا 5، 2- 3). لم يتجاسر لا ملاك ولا شيطان ولا فيلسوف ولا قدّيس حتى ولا مريم العذراء أن يتقدّم وينال كتاب الرؤيا مِن يد القدير لأنّ جميع المخلوقات هم خطاة، وعمّ في السماء صمت ضاغط وبكاء الرسول عن فساد الخَلق أوضح عمق الخطيئة فما كان مِن أحد صالح ولا واحد واتّضح أن ليس أحد صالحاً إلا الله ( المزمور 14، 1- 3؛ متّى 17، 19).

 

ما معنى خطيئة؟

 

مَن يظنّ ويتخيّل أنّه الأصلح والأفضل مِن الآخرين ويتيقّن أنّه مهذب وأنّ لديه شهادات عالية فلا يعرف الله ولا نفسه بعد. إنّ اللغّة العربية تحمل عبارات وأسماء متعدّدة للخطايا مثل: الكفر، الظلم، الضلال، السوء، الشرَك، الفسق، الفساد، الإثم، الذنب، العصيان، الفتنة، التعدّي، الجرم، الفاحشة، الخطيئة، الرجس، الكبائر، العثو، الوزر، النشر، الحودِ، النجس، ويا للعجب كلّ هذه الإضطهادات لا تقود الإنسان ليدرك ويعرف أنّه ضال وفاسق وهالك. كان عبد المسيح المصري يركب القطار مِن القاهرة إلى أسوان وجلس إلى جانب شيخ محترم في المقصورة وقدّم له الإنجيل وهذا الرجل التقي وافق على كلّ ما قاله خادم الرب واقترح عبد المسيح أن يصليا معاً على ما سمعاه مِن كلمة الله فأجابه الشيخ لا أعرف كيف أصلّي في القطار؟ فرّد عليه الواعظ أنا أصلّي وأنت تعيد الكلمات وبعد موافقة الشيخ: ابتدأ عبد المسيح مصلياً: أيها الله العظيم المحبّ أشكرك لأننا نستطيع أن نبتهل إليك ونحن في القطار، وأعاد الشيخ هذه الكلمات واستمرّ المبشّر: أشكرك لأنّك تحبّنا رغم أنّنا خطاة وقال الشيخ أيضاً أشكرك لأنّك تحبّنا ووقف فأكمل عبد المسيح بقوله رغم أننا خطاة فأجابه الشيخ أنت خاطيء، أبوك خاطيء ولكنّني مسلم وانتهت المباحثة بينهما. يستطيع الإنسان أن يوافق على أخطائه وزلاته ولكن لا يوافق أنّه ضال هالك، وهذا الإعتراف لا يريد أن يخرج مِن شفتيه. ربّما يساعدنا بأن ندرك شراسة الخطيئة إن قلنا أنّه علينا أن نعترف بخطايانا حقاً. فإن تجد شيئاً في بيتك لا يخصّك فردّ هذا الشيء إلى صاحبه وأطلب السماح منه، وإن نطقت كذباً فارجع واعترف بالحقّ وإن فعلت نجاسة فتقدّم إلى مَن أخطأت وأطلب منه السماح لكي تخلصا معاً. وكلّ مَن يعترف بخطيئته حقاً يُميت الكبرياء فيه وتنكسر أبّهته ويزول برّه الذاتي.

 كلّ مَن يعرف خطيئته ويدرك نجاستها حصل على نعمة خاصّة مِن ربّه وتساعدنا اللغّة العربية لفهم معنى الخطيئة فنقول: أنّ أحداً أخطأ هدف حياته فنعترف بهذا بأنّه ما أصاب هدفه بل ضلّ هدفه بل مرّ عن هدفه ويستمّر بدون هدف كسفينة الفضاء التي كان القصد منها النزول على سطح القمر ولكنها شردت عنه وذهبت إلى اللاهدف. وهكذا الإنسان الذي لم يرتكز على الله بل أخطأه، أصبح ضالاً فالسؤال المهم يكون هل وجدْت الله حقاً؟ أو بالأحرى هل وجدك الله وهل سلّمت مستقبلك له؟ فكثيرون أخطأوا هدف حياتهم، مساكين يعيشون بلا هدف هذه هي خطيئتهم. كتب الرّسول بولس: أنّ الخطيئة هي التعدّي فمَن لا يتمّم وصيّة واحدة يعصي بهذا التصرّف المشرّع ويتعدّى عليه. فأجرة الخطيئة هي الموت (رومية 6، 23).

فكلّ إنسان هو ثائر ضدّ الله ولا يعترف بوصاياه 613 في العهد القديم ولا يتمّمها وأمّا يسوع فأعلن في العهد الجديد أكثر مِن ألف وصية وإقتراح وأمر لحفظنا فلا نعرف شريعته ولا نحفظها، فكلّنا عصاة ومحتقرو شرائع القدّوس. اعترف النبي داوود أنّ جميعنا وُلدنا في الخطايا ها أنذا بالإثم صُوّرت وبالخطيئة حبلت بي أمّي ( مزمور 51، 5). فكلّنا ورثنا كبرياءنا وأنانيتنا وبغضنا مِن جدودنا ونوافق عليها ونعيش بها، فتواضع المسيح تدين كبرياءنا النتنة، مَن لا يعرف يسوع لا يعرف نفسه إذ يظنّ الإنسان الطبيعي أنّه صالح إنّما بالحقيقة هو سطحي ولم يدرك المرض المميت الذي أصاب كلّ إنسان. بالحقيقة نحن فاشلون بلا رجاء لا تربية ولا مدارس تقدر أن تُصلحنا فلا حلّ إلا بخلق جديد كما قال النبي داوود مرّة أخرى: قلباً نقياً أخلق فيّ يا الله وروحاً مستقيماً جدّد في داخلي. لا تطرحني مِن قُدّام وجهك وروحك القدُّوس لا تنزعه منّي ( مزمور 51، 10- 11).

وبمعنى آخر تكون الخطيئة الموافقة على تجربة الشيطان فروحه النجسة تتعامل في كل خطيئة مِن خطايانا ويملأ الخاطىء تدريجياً فليست الخطايا أعمالاً شريرة فحسب بل الشر المتمركز في قلوبنا. يخلق المجتمع اليوم عبارات تفسّر الخطيئة كحرّية وتحقيق الذات والمحبّة والمساواة وحقوق البشر وعدم احترام الوالدين. فوقاحة هذا الروح النجس تظهر في الدعايات الصارخة على الطرق أو ترقص على شاشات التلفزة. نعيش في عالم الخطيئة كما اعترف الرسول يوحنا: العالم كلّه قد وُضع في الشرّير ( يوحنا الأولى 5، 19).

 

ثانياً: الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله.

 

يقود بولس قرّاء رسالته إلى أخر عمق في معرفة الخطيئة ويبرز أنّ هذه هي خطيئتنا أن نُنقص الخطيئة مجد الله. القدّوس خلقنا حسب صورته حسب الإعلان الأول في إصحاحه الأول مِن الكتاب المقدّس. خلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكراً و أنثى خلقهم ( سفر التكوين 1، 27). منح الله للإنسان بأن يكون صورة طبق الأصل عن مجده ولم يكن إلهاً في ذاته بل أن يعكس صورة الله كما تعكس المرآة صورة الشمس وليس الله رجلاً أو أنثى بل يقف بعيداً عن محور الجنس. إنّما كلاهما أي الرجل والمرأة يكونان مدعوين أن يعكسا مجد الله في سلوكهما وأقوالِهما وتصرّفاتِهما. إنّما مجد الله هو خلاصة صفاته وقواه وتشمل محبّته وقداسته وقدرته وأمانته وصبره وحكمته وعلمه وجلاله وتواضعه وعدالته وبرّه وصفات أخرى تحديداً.

الله روح والّذين يسجدون له ينبغى أن يسجدوا له بالروح والحق ( يوحنا 4، 24). فكلّ مَن يقيس نفسه بصفات الله لا يقدر إلا أن يعترف بنقصه المطلق فكلنا ناقصون وأردياء راسبون. قد أخطأنا هدف الخلق. مَن يدرك هذا الناقص الشامل يتواضع ويصبح صغيراً جداً. معرفة الله هي المصدر لمعرفة ذواتنا ابتعدنا جداً عن هدف حياتنا وهذا الإدراك لا يأتي من قدرتنا العقلية وذكائنا المحدود بل مِن إنارة الرّوح القدس. كلما اقتربنا من الله نصغر وتذوب ( الأنا). ندرك في الأزلي حقيقتنا ويعترف القدّيسون أنّهم أكبر خطاة لأنّهم يعيشون في نور مجد الله الّذي يحرق آخر عمق في شعورهم الباطني.

مَن يبقى على حالته السيئة ومَن يتألم مِن عبوديته في خطيئته ومَن يخجل مِن الله والناس ومَن ينكسر مثل أشعياء الذي سمع ورأى قليلاً مِن قداسة الله فصرخ: ويل لي إنّي هلكن لأنّي إنسان نجس الشفتين، لأنّ عينّي قد رأتا الملك ربّ الجنود ... ( أشعيا 6، 5- 7). لم يسمح يسوع أن نغرق في يأسنا ولا نبكي على أنفسنا بل يرفعنا على مستواه ويأمرنا كونوا كاملين كما أباكم في السماوات هو كامل ( متّى 5، 48). وفكونوا رحماء كما أباكم هو رحيم ( لوقا 6، 36)

وعمّق يسوع بهذه الوصايا أمر الله الموجّه إلى موسى وشعبه عندما قال: تكونون قدّيسين لأنّي قدّوس الرب إلهكم. يقودنا المسيح في توبتنا وإنكسارنا إلى المعرفة بأننا لا نستطيع أن نخلّص أنفسنا بأنفسنا ولا أن نصلح ونقدّس ذواتنا بل بالحري أنّ الله بنفسه يريد أن يُحقّق معجزته فينا ويخلّصنا مِن كياننا الفاسد الخاطىء ويصلحنا ويقدّسنا إلى التمام. فيدعونا أن لا نتفرّس على نقصاتنا وفشلنا بل نرفع أعيننا إلى رئيس الإيمان ومكمّله يسوع ( عبرانيين 12، 1- 2). فبدون المسيح نحن بلا رجاء في دينونة الله ساقطون هالكون ولكن معه لنا مستقبل بَهي.

 

ثالثاً: الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله متبرّرين مجاناً بنعمته بالفداء الّذي بيسوع المسيح.

 

أضاء بولس فجأة ظلمتنا البشرية بنور سماوي جلي حتّى بَهَرَنا إشراقه ولمعانه لدرجة أن نغمض أعيننا مِن أشعّة قوّته. شهد رسول الأمم أنّ الله قد غفر ذنوب البشرية جمعاء ومحا الخطايا الشخصية أيضاً. لأنّ القدّوس قد برّر الجميع. كتب بولس هذا المبدأ لخلاصنا رغم أنّ كثيرين مِن الأتّقياء والمؤمنين لا يقدرون أن يستوعبوا ويؤمنوا بهذه الحقيقة الأبدية: الجميع متبرّرون مجّاناً بنعمته.

 

ما معنى التبرير الإلهي؟

 

في المحكمة الدنيوية يقرّر القاضي والّذين معه على ذنب وقِصاص المحكوم وفي زمن بولس ألبسوا المجرمين والمخطئين المحكوم عليهم بلباس أسود لكي يعرف الجميع هؤلاء هم المجرمون المحكوم عليهم وأمّا المتبرّرون الذين أُطلق سراحهم فيلبسونهم الثياب البيضاء لأنّ المحكمة قد برّأتهم واعتبرتهم بدون ذنب فألبسوهم ألبسة بيضاء لكي يعرف الجميع. شهد بولس أنّ الله برّر جميع الناس مجاناً بدون اجتهاداته الخاصّة فهذه الحقيقة تقلب كلّ مبادىء الحقوق لأنّ الرسول يشهد بهذه الكلمات أنّ كلّ ابتهالاتهم وتبرّعاتهم وأعمالهم الصالحة والقتال في سبيل الله هو ناقص وغير كاف وباطل في الدينونة الأخيرة، فالله استخدم حقّه الخاصّ لتبرير الفاشلين والعصاة عندما استخدم حقّ النعمة بالعفو عنهم. فالله حرّر كلّ الهالكين. في دنيانا يستخدم الملوك والرؤساء حقّ العفو ليربحوا محبّة شعوبهم وذلك بإطلاق المساجين. أمّا الله فينعم على كلّ المجرمين والخُطاة والعصاة في سبيل محبته الواسعة وله الحقّ والسلطان أن يمارس عمليّة العفو الكاملة. يظنّ البعض أنّ الله يخطىء عندما يبرّر الخطاة ولكن العكس هو الصحيح فعنده الإمكانيّة لكي يبرّر الفاسدين المذنبين ويطلقهم ويقبلهم بقربه فيسأل البعض أنّ الشيطان لم يأخذ الحقّ بأن يشكو الله أنّه برّر المذنبين قائلاً: أنّه لا غفران بدون سفك الدماء ( عبرانيين 9، 22). أمّا الله فهو بارّ لأنّه بذل إبنه الوحيد لكي يُسفك دمه الثمين الطاهر لأجل الخطاة فمنذ موت المسيح النيابي الكفّاري يثبت برّ الله وليس لأحدنا الحق أنّ يشكو عليه وليس لإبليس الحقّ منذ هذا العفو العام أن يتذّمر وأن يشكو على الله بالذات. لأن دم يسوع المسفوك لأجل الخطاة يطّهرهم ويبرّر حق الله الذي سامح الجميع.

ماذا يعني الفداء بيسوع المسيح؟

بيع العبيد في السوق زمن الرسول بولس فكانت الإمكانية مفتوحة دائماً للأصدقاء أو أقرباء لعبد معيّن أن يدفعوا الفدية لحرّيته ويعطيه بعد إذ حقّ الحريّة الشرعيّة واشتقّ مِن عبارة الفِدية كلمة الفادي والفداء لقد دفع يسوع ثمن فداء كل إنسان وبذل حياته كذبيحة كفّارية ليتحرّر كل الخطاة ويتبرروا حقاً. رفع يسوع الخطايا على كتفيه ومات عوضاً عنهم فتحرروا بموته النيابي عنهم. ربّما يسأل أحد: إن كانت نيابة يسوع عند الله حقّ فيمكن للفكر أنّ إنساناً واحداً ينوب عن إنسان واحد ويحمل قصاصه ولكن كيف يقدر المسيح أن يمارس النيابة عن كل الناس في كل الأزمنة ويبرّرهم ويحررهم دُفعة واحدة. يخبرنا الإنجيل مراراً أنّ يسوع ما كان إنساناً عادياً. إنّه لم يولد مِن أب دنيوي بل مِن روح الله في مريم العذراء فهو كان ويكون الإنسان الوحيد الذي عاش بدون خطيئة فلذلك قبل الله نيابته وعظمت محبّته وقداسته حتى اجتذب كل خطيئة وكل وسخ إلى قلبه كما نقرأ في رسالة بولس الرسول إلى أهل كورنثوس الثانية: أي إنّ الله كان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه، غير حاسب لهم خطاياهم، وواضعاً فينا كلمة المصالحة. إذاً نسعى كسفراء عن المسيح، كأنّ الله يعظ بنا. نطلب عن المسيح: تصالحوا مع الله لأنّه جعل الذي لم يعرف خطيئة، خطيئة لأجلنا لنصير نحن برّ الله فيه ( كورنثوس الثانية 5، 19- 21). أعطى روح الله للمسيح السلطان والقدرة أن يحمل خطايا كلّ الناس كما صرخ يوحنا المعمدان عند نهر الأردن هوذا حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم ( يوحنا 1، 29).

ألوهية المسيح إستطاعت أن تكمل الفداء كلّه للبشر. لذلك أعلن بولس، الفداء الكامل بيسوع المسيح لكل الناس، ولا يضطر إبن الله أن يموت مرّة أخرى عن اليهود والمسلمين والملحدين لأنّ موته قد أكمل لهم تبريراً كاملاً وحسب الحق كل الناس تبرّروا إنّما لا يعرفون امتيازهم أو لا يريدون أن يعرفوا ويرفض البعض حقّ العفو عنهم ويبغضون فاديهم ولكنّ موقفهم لا يغيّر حقيقة الحق بأنّ المسيح قد أكمل بقربان واحد كلّ المقدّسين ( عبرانيين 10، 14). لا ينشىء الإنسان هذا الفداء الأزلي بواسطة توبته أو إيمانه بل تمَّ ذلك بواسطة حمل الله في كل الأزمنة لكل الناس ويحقّ لكل مسيحي مولود ثانية أن ينزل إلى الطريق العام ويقول لكل مَن يلتقي به، هل تعلم أنّ يسوع فداك مِن خطاياك ومِن غضب الله ومِن دينونته إن آمنت بحقّك هذا يتحقق الفداء الكامل فيك.

 

رابعاً: الإيمان هو الذي يستلم الفداء الكامل

كتب بولس في رسالته إلى أهل رومية:" أما الآن فقد ظهر برّ الله بدون شريعة مشهوداً له مِن الشرير والأنبياء، برّ الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كلّ وعلى كلّ الذين يؤمنون" ( رومية 3، 22). يؤكد لنا بولس رسول الأمم أنّ ذبيحة المسيح الكفّاري لا تتحقّق إلا في الّذي يفتح قلبه ليسوع المسيح وفدائه. هل تعرف معنى الإيمان؟ إنّ الإيمان بالمسيح هو ثقة القلب بأن كلماته وذبيحته الكفّارية حق وفعّالة وتعرف هذا الإمتياز وتقبله وتؤمن به ولم تبتعد عنه. لا حاجة بأن تشعر بإيمانك إنّما الإيمان مغامرة أن ترتبط بفاديك إلى الأبد ويتحقّق فيك غِنى فدائه، حتّى يصحّ القول مَن يؤمن يتبرّر. ليس تقواك السابق يقرّر فداءك بل إيمانك بكفّارة المسيح النيابي عنك، فمن يرتبط بفاديه بواسطة الإيمان يعتبره الله باراً إلى الأبد. ربّما يقول بعض النقّاد أنّ هذا البرّ رخيص فإن تبرّر كلّ إنسان مجاناً فيمكن أن يخطىء بعدئذ بالفكر أنّ الله سامح الكل وغفر لهم والمسيح كفّر عن الجميع. هذا الإعتقاد هو غرور شيطاني لأنّ كلّ مَن تحرّر مِن خطاياه بدم المسيح لا يريد أن يخطىء فيما بعد ومَن حرّره الإبن مِن عبوديّة الخطيئة يحب فاديه إلى الأبد وليس الإيمان بالمسيح تخيّل فكري بل ارتباط قلبي بمخلّصه. نحب الذي أحبّنا أولاً ومات لأجلنا ونشكره لأجل فدائه الأزلي ونبغض الخطيئة وكتب يوحنا جواباً لهذا السؤال:"يا أولادي، أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا، وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار، وهو كفّارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كلّ العالم أيضاً" ( يوحنا الأولى 2، 1- 2). نختم هذه التأملات بتفسير من مارتن لوثر الجزء الثاني مِن قانون الإيمان عند الرسل: إنّي أؤمن أنّ يسوع المسيح هو إله حق مولود مِن الآب قبل كل الدهور وأنّه إنسان حقّ مولود مِن مريم العذراء وأنّه ربّي الذي فداني أنا الإنسان الضالّ الهالك واشتراني وأعتقني مِن كلّ الخطايا ومن الموت وسلطان الشيطان وليس ذلك بذهب أو فضّة بل بدمه القدّوس الثمين وآلامه وموته البريء لكي أكون خاصّة له وأعيش في مملكته تحت تصرّفه وأخدمه في برّ أزلي وبراءة وسعادة كما أنّه قام مِن بين الأموات وهو حي ومالك إلى الأبد وهذا حقّ ويقين. آمين.

احفظ الايات الذهبية في صميم قلبك، تكسب كنْزاً ابدياً!

 

وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ظَهَرَ ....

22 بِرُّ اللَّهِ بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ, إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ. لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ.

23 إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللَّهِ, 24 مُتَبَرِّرِينَ مَجَّاناً بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ,

25 الَّذِي قَدَّمَهُ اللَّهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ, لإِظْهَارِ بِرِّهِ.

(رومية 3، 21-25)