كيف تنتفع بكفارة المسيح؟

 القسم الثاني من كتاب

 

فلسفة الغفران في المسيحية

عوض سمعان

 

الباب الخامس: قيام الله بالفداء في المسيح

إن الذين ليست لهم دراية بشخصية المسيح، يظنون أن صلبه يرجع فقط إلى كراهية كهنة اليهود له، بسبب توبيخه إياهم على شرورهم وآثامهم. ولذلك يكون المسيح، بناءً على رأيهم، قد مات شهيد الحق والواجب فحسب. لكن وإن كان هذا الرأي صواباً من جهة تصرف هؤلاء الكهنة إزاء المسيح، غير أننا إذا رجعنا إلى الكتاب المقدس وإلى القرائن الخاصة بحادثة صلب المسيح الواردة فيه، نرى أنه لم يمت شهيداً فحسب، بل وكفارة أيضاً، كما يتضح مما يلي:

-1-

أدلة كتابية عن موت المسيح كفارة أو فدية

أولاً - شهادة المسيح عن موته كفارة، والأدلة على صدقها

1 - شهادة المسيح: قال المسيح عن نفسه قبل حادثة الصلب: أنا هو الراعي الصالح، والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف (يوحنا 10: 11) قاصداً بالخراف المؤمنين الحقيقيين وأوجه الشبه بينهما أن الخراف تكره القذارة وتطيع راعيها، والمؤمنين الحقيقيين يكرهون الشر ويطيعون الله. وقال كما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان (على الصليب) لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية (يوحنا 3: 14 - 16).

كان بنو إسرائيل قد تذمروا على الله في البرية، فأثار عليهم الحيات المحرقة، فلدغت عدداً كبيراً منهم. ولما رأى الباقون أنهم سيموتون حتماً مثل غيرهم، هرعوا إلى موسى وقالوا له: قد أخطأنا، فتضرع إلى الله ليرفع عنا الحيات. فصلى موسى لأجلهم. فقال الله له: إصنع لك حية من نحاس وضعها على راية، فكل من لُدغ ونظر إليها يحيا (عدد 21: 4 - 9) - والحية النحاسية هذه كانت رمزاً إلى المسيح من النواحي الآتية: (أولاً) إنّه لم يكن بها سم مثل الحيات، والمسيح لم تكن به خطيئة مثل الناس. (ثانياً) إنها لم تكن في ذاتها حية بل كانت شبه حية، والمسيح وإن كان قد ظهر في الهيئة كإنسان مثلنا، لكنه لم يكن في حقيقة ذاته واحداً منا، فقد كان يحلّ فيه كل ملء اللاهوت جسدياً، كما أنه ولد من عذراء لم تعرف رجلاً على الإطلاق. (ثالثاً) إن الموت أتى إلى بني إسرائيل عن طريق حية، ولذلك شاء الله أن يكون خلاصهم منه عن طريق حية من نوع آخر. وهكذا الحال من جهة الخطيئة التي تؤدي إلى العذاب الأبدي، فإنها دخلت إلى البشر بواسطة آدم الأول، ولذلك شاء الله أن يكون خلاصهم منها ومن عذابها بواسطة آدم الأخير الذي هو المسيح (رومية 5: 12 - 19) (رابعاً) إن النظر الجسدي إلى الحية النحاسية كان هو السبيل الوحيد الذي عينه الله للشفاء من لدغة الحيات المحرقة، والنظر الروحي إلى المسيح أو بالحري الإيمان الحقيقي به، هو السبيل الذي عيَّنه الله للخلاص من الخطيئة وعذابها (يوحنا 3: 16).

وقال المسيح أيضاً: إن ابن الإنسان لم يأت ليُخدم بل ليَخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين أو بالحري عوضاً عنهم (مرقس 10: 45). وأيضاً لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يخلص ما قد هلك (متى 18: 11). وعندما شبه نفسه بحبة الحنطة قال: إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت، فهي تبقى وحدها - ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير (يوحنا 12: 24)، مشيراً بذلك إلى أنه على أساس موته ستكون لكثير من الناس حياة أبدية، أو بالحري سيكون موته موتاً كفارياً نيابة عنهم.

وعندما تحدث عن نفسه كالخبز النازل من السماء ليهب حياة أبدية للذين يتناولون روحياً منه، قال والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي، الذي أبذله من أجل حياة العالم (يوحنا 6: 51). كما قال لتلاميذه مرة بأن جسده سيبذل وبأن دمه سيُسفك عنهم وعن كثيرين (لوقا 22: 19 و 20)، الأمر الذي يدل على أن موت المسيح لم يكن مجرد استشهاد، بل كان أيضاً كفارة عن الخطاة.

2 - الأدلة على صدق شهادة المسيح: فضلاً عن أن شهادة المسيح عن موته كفارة مسجلة بالوحي الإلهي، الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك في صدقها، فإننا إذا نظرنا إليها من الناحية العقلية يتضح لنا أنها لا بد أن تكون صادقة أيضاً. وذلك للسببيين الآتيين:

(ا)إن القادة والزعماء (كما نرى في كل البلاد) يحاولون بشتى الوسائل أن يبثوا الشجاعة والإقدام في نفوس أتباعهم. وحتى إذا كان هؤلاء القادة والزعماء مرضى أو على شفا الموت، فإنهم يخفون حالتهم الصحية عن أتباعهم لئلا يتسرب إليهم اليأس والفشل. وإذا كان الأمر كذلك، وكان المسيح بعيداً كل البعد عن وسائل التمويه والتحايل التي يلجأ إليها الناس، فلا ندحة من التسليم بأنه كان يعلم علم اليقين أنه سيموت كما قال، لأنه لولا ذلك لما خطر بباله أن يتحدث مع تلاميذه عن موته، إذ أن الحديث عنه حّز في نفوسهم وفتَّ في عضدهم، وهم في أول الطريق معه.

(ب) إن المسيح لم يكن مدعياً أو متكبراً بل كان صادقاً كل الصدق ومتواضعاً كل التواضع. ولذلك ليس من المعقول أن يكون قد نادى بأن موته سيكون موتاً كفارياً، والحال أنه كان موتاً استشهادياً أو موتاً عادياً فحسب.

(ج) كما أننا إذا أمعنا النظر في حديث المسيح عن موته كفارة ، يتضح لنا أنه لا يجيء بمعزل عن تعاليمه التي كان يوجهها إلى سامعيه (مثل محبة الله للبشر واهتمامه بهم ورغبته في تقريبهم إليه)، بل يجيء ممتزجاً بها كل الإمتزاج، حتى إنه لا يمكن فصل هذا الحديث عنها بحال. ومن ثم لا يكون كرقعة أُرتقت بثوب بل كالخيوط التي يتكون منها نسيج الثوب، أو بالحري لا يكون دخيلاً على أقوال المسيح بل يكون من ذات أقواله.

ثانياً - شهادة الرسل عن موت المسيح كفارة، والأدلة على صدقها

(ا) قال بطرس الرسول للمؤمنين: إن كنتم تدعون أباً الذي يحكم بغير محاباة حسب عمل كل واحد، فسيروا زمان غربتكم بخوف، عالمين إنكم افتديتم لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء، بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالم (1 بطرس 1: 17 - 20) ولا غرابة في ذلك، فالله كان يعلم منذ الأزل أن ْالإنسان سيسقط في الخطيئة، فجهز له الخلاص منها من قبل أن يخلقه، الأمر الذي يتوافق مع كماله كل التوافق.

(ب) وقال يوحنا الرسول عن المسيح بهذا أُظهرت المحبة، أن ذاك (الذي هو المسيح) وضع نفسه لأجلنا (1 يوحنا 3: 16). وأيضاً في هذا هي المحبة، ليس أننا نحن أحببنا الله، بل أنه هو أحبنا وأرسل ابنه كفارة لخطايانا (1 يوحنا 4: 10).

(ج) وقال بولس الرسول لأهل كورنثوس عن المسيح إنه مات من أجل خطايانا حسب الكتب (النبوية) . وقال أيضاً عنه وهو مات لأجل الجميع، كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم، بل للذي مات لأجلهم وقام . وأيضاً إن الله جعل (المسيح) الذي لم يعرف خطية، (ذبيحة) خطية لأجلنا لنصير نحن بر الله فيه (1 كورنثوس 15: 3 ، 2 كورنثوس 5: 15 ، 21).

وقال لأهل رومية: فإنه بالجهد يموت أحد لأجل بار، ربما لأجل الصالح يجسر أحد أيضاً أن يموت. ولكن الله بيَّن محبته لنا، لأنه ونحن بعد خطاة، مات المسيح لأجلنا (5: 7 ، 8). وقال أيضاً: متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح الذي قدمه الله كفارة (3: 24 و 25). وأيضاً: لأن الموت الذي ماته، قد ماته للخطية مرة واحدة (6: 10).

وقال لأهل كولوسي عن المسيح لأنه فيه سُرَّ أن يحل كل الملء (أي اللاهوت كله) وأن يصالح به الكل لنفسه عاملاً الصلح بدم صليبه بواسطته (1: 19 و 20). كما قال لهم وإذ كنتم أمواتاً... أحياكم معه مسامحاً لكم بجميع الخطايا، إذ محا الصك (أو بالحري دين الخطايا) الذي علينا في الفرائض الذي كان ضداً لنا. وقد رفعه من الوسط مسمراً إياه بالصليب في المسيح (كولوسي 2: 13 ، 14).

وقال لأهل أفسس عن المسيح: الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا حسب غنى نعمته (1: 7)، وأنه صالحنا في جسد واحد مع الله بالصليب، قاتلاً العداوة به (2: 16). وأنه أسلم نفسه لأجلنا قرباناً وذبيحة لله رائحة طيبة (5: 2). وأنه أحب المؤمنين وأسلم نفسه لأجلهم لكي يحضرهم لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غَضَن. كلمة الكنيسة ليست عربية بل عبرية، ويراد بها جماعة من الناس تجمعها وحدة ما. أما في المسيحية فيراد بها المؤمنون الحقيقيون وحدهم (أفسس 5: 25). أما الغَضَن فهو التجعد الذي يعلو الوجه عند الشيخوخة أو الإعياء. والمراد بالعبارة المذكورة أعلاه، أن الله سيحضر المؤمنين الحقيقيين إليه كاملين كل الكمال، بفضل كفارة المسيح الثمينة لأجلهم على الصليب، وعمله الروحي في قلوبهم طوال وجودهم على الأرض

وقال للعبرانيين عن المسيح: لكي يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد (2: 9) لأن المسيح عندما كان على الصليب، كان يمثل كل إنسان في موقفه كمذنب أمام الله في يوم الدينونة، فحمل كل خطاياه من بداية حياته إلى آخرها، الأمر الذي يعطي كل مؤمن حقيقي الإطمئنان الكامل من جهة قبوله أمام الله على أساس كفارة المسيح. كما قال إنه أُظهر مرة عند انقضاء الدهور ليبطل الخطية بذبيحة نفسه (عبرانيين 9: 26)، كما قال عنه فبعدما قدم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله (10: 12). وإنه لكي يقدس الشعب بدم نفسه تألم خارج الباب (عبرانيين 13: 12). أو بالحري خارج باب المدينة حيث كانت تحرق الذبائح الكفارية عوضاً عن الخطاة في العهد القديم.

وقال لتلميذه تيموثاوس عن المسيح: أنه بذل نفسه فدية لأجل الجميع (1 تي 2: 6)، لكي يفتدينا من كل إثم.

2 - الأدلة على صدق شهادة الرسل: فضلاً عن أن شهادة الرسل مسجلة بالوحي الإلهي، الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك في صدقها، فإننا إذا نظرنا إليها من الناحية العقلية يتضح لنا أنها لا بد أن تكون صادقة أيضاً: وذلك للأسباب الآتية:

(ا) إن شهادة الرسل عن موت المسيح كفارة لا تجيء بمعزل عن نصائحهم وإرشاداتهم للمؤمنين، بل تجيء ممتزجة بهذه وتلك كل الإمتزاج. ومن ثم فإنها لا تكون كرقعة أرتقت بثوب، بل كالخيوط التي يتكون منها نسيج الثوب، الأمر الذي يدل على أن موت المسيح كفارة، حقيقة لا سبيل للطعن فيها.

(ب) إن الرسل لم يكونوا من أصحاب الجاه أو السلطان الذين قالوا شيئاً غير الحقيقة صدقهم بعض الناس وآمنوا على أقوالهم، كما نشاهد في بعض الأحيان، بل كان معظمهم من الفقراء المعدمين الذين يملكون بالكاد قوت يومهم. فإذا أضفنا إلى ذلك ء(أولاً) أن الرسل الذين ذكرنا شهادتهم كان يختلف أحدهم عن الآخر من جهة السن والثقافة والطباع والمركز الإجتماعي اختلافاً عظيماً. فبطرس كان جريئاً متحمساً، ويوحنا كان وديعاً هادئاً، فضلاً عن ذلك كان الأول فقيراً ومتقدماً في السن، بينما الآخر كان غنياً وحديثاً في السن (ثانياً) إن بولس كان عالماً كبيراً وشخصاً متعنتاً عنيداً لا يسلم بآراء غيره بسهولة، كما كان من قبل ألد أعداء المسيحية وأكبر المقاومين لها (ثالثاً) إن اتفاق مجموعة متباينة من الناس (مثل هذه) على أمر ما، دليل أنه حقيقة واقعة لا مجال للشك فيها، اتضح لنا أن شهادة الرسل السابقة لا بد أنها صادقة كل الصدق.

(ج) أخيراً نقول: بما أن الرسل بشهادتهم أن المسيح مات كفارة عن البشر، كانوا يعلنون لليهود زوال فائدة الذبائح الحيوانية التي كانوا يقدمونها لله على أيدي كهنتهم، مؤكدين لهم أنها كانت مجرد رموز إلى كفارة المسيح. وبما أن هذه الشهادة كانت تثير هؤلاء الكهنة ضد الرسل وتدفعهم لشن الإضطهاد عليهم، لأن بامتناع اليهود عن تقديم الذبائح المذكورة، يحرم الكهنة من موارد رزقهم. وبما أنه لو لم يكن المسيح قد مات فعلاً كفارة عن البشر، لما كان قد خطر ببال الرسل أن ينطقوا بمثل هذه الشهادة، لأنه ليس من المعقول أن يختلقوا (وهم جماعة متباينة من الناس كما ذكرنا) موضوعاً لا حقيقة له، وفي الوقت نفسه يتعرضون بسببه للإضطهاد والعذاب. كما أنه على الرغم من تهاطل هذا وذاك عليهم يستمرون في إذاعته بكل ما لديهم من قوة ونشاط، لذلك لا بد أن شهادتهم عن موت المسيح كفارة هي شهادة صادقة كما ذكرنا.

ثالثاٌ - شهادة أنبياء العهد القديم عن موت المسيح كفارة والأدلة على صدقها

(ا) قال داود النبي بروح النبوة سنة 1000 ق.م عن لسان المسيح أكثر من شعر رأسي الذين يبغضونني بلا سبب (مشيراً إلى كراهية اليهود به وصلبهم إياه)، حينئذٍ رددت الذي لم أخطفه (مزمور 69: 4) قاصداً بذلك أن المسيح مع أنه لم يخطف شيئاً (أو بالحري لم يسلب الله حقاً من حقوقه) لأن الذي فعل ذلك هم البشر وحدهم، غير أنه ردّ بنفسه لله ما خطفوه وسلبوه، أو بالحري قام بإيفاء مطالب عدالة الله وقداسته في نفسه نيابة عنهم.

(ب) وقال إشعياء النبي بروح النبوة سنة 700 ق.م. عن المسيح وهو مجروح لأجل معاصينا (وليس لأجل معاص ارتكبها). مسحوق لأجل آثامنا (وليس لأجل آثام اقترفها)، تأديب سلامنا عليه (أي أن ما نستحقه من قصاص، حتى تتحقق عدالة الله من جهتنا ويصفو الجو بيننا وبينه، قد احتمله المسيح عوضاً عنا)، وبحُبُره (أي جروحه) شُفينا (من مرض الخطية القتال). كلنا كغنم ضللنا، ملنا كل واحد إلى طريقه، والرب وضع عليه إثم جميعنا (53: 5 ، 6)، عوضاً عن أن يبقيه علينا ويحملّنا مسؤوليته وقصاصه.

(ج) وقال الملاك جبرائيل لدانيال النبي الذي عاش سنة 550 ق.م. في رؤيا خاصة سبعون أسبوعاً (أي 490 سنة). قُضِيَت على شعبك (أي على اليهود) وعلى مدينتك المقدسة (أورشليم) لتكميل المعصية وتتميم الخطايا (اللذين حدثا برفضهم للمسيح) ولكفارة الإثم (أي لإزالة معصيتهم والإنتهاء من أمر خطاياهم)، وليُؤْتَى بالبر الأبدي (الذي يدوم إلى الأبد على أساس الكفارة المذكورة) ولختم الرؤيا والنبوة (أي لإتمامهما وتحقيقهما)، ولمسح قدوس القدوسين (أيضاً)، فاعلم وافهم أنه من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها - الذي حدث في عهد أرتحشستا الملك (نحميا 2: 1 - 8) - إلى المسيح الرئيس (في مجيئه الأول) سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعاً (أي 49 سنة زائد 434 سنة يساوي 483 سنة).

وبعد اثنين وستين أسبوعاً (أي 434 سنة). يُقطع المسيح (أي يرفض ويقتل) وليس له، (أي ليس له الملك الذي يحق له) (دانيال 9: 24 - 26).

والأسبوع هنا هو أسبوع السنين، فقد قال الله لحزقيال النبي عن الأزمنة الخاصة بالنبوات التي أعلنها له، أنه جعل له اليوم عوضاً عن سنة (حزقيال 4: 5). أما عندما يكون المراد بالأسبوع سبعة أيام عادية، فإن الكتاب المقدس ينص على ذلك، فقد ذكر في موضع آخر أن دانيال قال في تلك الأيام أنا دانيال كنت نائحاً ثلاثة أسابيع أيام (دانيال 10: 2).

(د) وقال الملاك ليوسف خطيب العذراء مريم: ستلد ابناً وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم (متى 1: 21)، ولا خلاص من الخطايا إلا بالتكفير عنها، فيكون المسيح هو الشخص الذي يكفر عن الخطايا.

(ه) وقال زكريا الكاهن (أبو يوحنا المعمدان) متنبئاً عن فداء الله في المسيح: مبارك الرب إله إسرائيل لأنه افتقد وصنع فداء لشعبه (لوقا 1: 68)، فيكون المسيح هو الفادي الذي يخلص البشر من خطاياهم.

(و) وقال سمعان الشيخ لله، عندما حمل المسيح في طفولته: الآن تطلق عبدك يا سيد (من العالم) حسب قولك بسلام، لأن عينيَّ قد أبصرتا خلاصك الذي أعددته قدام وجه جميع الشعوب (لوقا 2: 25 - 31)، الأمر الذي يدل على أن هذا الشيخ قد اطمأن من جهة مستقبله الأبدي، لأنه رأى في المسيح الخلاص الذي كان الله قد أعدّه للنجاة من شر الخطيئة وقصاصها.

(ز) وقال يوحنا المعمدان عن المسيح: هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم (يو 1: 29) أو بالحري هو (كبش الفداء) الذي يموت كفارة عن البشر جميعاً.

(ح) وقال قيافا رئيس كهنة اليهود بروح النبوة أن يسوع مزمع أن يموت عن الأمة، وليس عن الأمة فقط، بل ليجمع أبناء الله المتفرقين (في جميع أنحاء العالم) إلى واحد (يوحنا 11: 49 - 52)، أو بالحري ليفديهم ويجعلهم شعباً واحداً لله.

الأدلة على صدق شهادة العهد القديم: فضلاً عن أن هذه الشهادة مسجلة بالوحي الإلهي، الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك في صدقها، فإننا إذا نظرنا إليها من الناحية العقلية يتضح لنا أنها لا بد أن تكون صادقة أيضاً، وذلك للأسباب الآتية:

(ا) إن التوراة التي وردت بها معظم هذه الآيات، كتبت قبل مجيء المسيح إلى العالم بمئات السنين، ولا تزال موجودة إلى الآن في أيدي اليهود جميعاً. وفي أثناء خدمة المسيح على الأرض، كانت هناك نسخ منها في الهيكل والمجامع والمدارس الدينية، وكان الكهنة واللاويون يقدِّسون هذه النسخ ويقرأون فيها كل يوم ويحافظون عليها بكل دقة وعناية، فليس من المعقول إطلاقاً أن يكون بعض المسيحيين قد دّونوا النبوات السابق ذكرها (إن سّولت لهم نفوسهم القيام بهذه الجريمة) في عدد من نسخ التوراة. لأن جريمة مثل هذه لو حدثت، لكانت تكتشف في الحال، وتبعاً لذلك لكان اليهود أحرقوا النسخ التي حدث بها التزوير، وقضوا على الذين قاموا به قضاء تاماً.

(ب) إن هذه الشهادة صادرة من أشخاص لا تربطهم رابطة ما، فبينهم الصديق والعدو، والملاك والإنسان، والشيخ والشاب، ومن عاش في بلاد الفرس قبل الميلاد بمئات السنين، ومن عاش في بلاد أورشليم بعد الميلاد ببضع سنوات. وبالرغم من هذه الإختلافات الجوهرية اتّحدت شهادتهم على أن موت المسيح هو للتكفير عن الخطيئة. إذاً لا شك أنهم كانوا منقادين في شهادتهم هذه بروح واحد هو روح الله. إذ لولاه لما كانوا، وهذا شأنهم من التباين والإختلاف، يجمعون على شيء واحد.

(ج) أخيراً نقول أن التاريخ الذي حددته نبوة دانيال النبي لمجيء المسيح للتكفير عن الخطيئة قد أثبت صدقه أساطين التاريخ مثل ياهين وهنجسبرج وسايس وأنولود وكوبر، فقد أجمعوا على أن صدور أمر أرتحشستا لتجديد أورشليم كان سنة 455 ق.م، وبذلك يكون الباقي بعد خصم هذا التاريخ من 69 أسبوع السنين (أي ال 483 سنة) هو ما يعادل 28 سنة بعد الميلاد بالنسبة إلى تاريخ روما. وبعد إضافة سنة الفرق بين التاريخ القديم والحديث (الذي رأى العلماء وجوب إضافته لضبط التواريخ) يكون الناتج 29 سنة ميلادية، وهذه هي السنة التي صُلب المسيح فيها. لأن المؤرخين القدامى قدّروا تاريخ ميلاد المسيح بما اكتشف فيما بعد أنه يوافق سنة 4 ق.م، وذلك عندما قورن بتاريخ روما الذي كان يسود العالم وقتئذٍ. وبإضافة 29 إلى 4 يكون الناتج 33، وهذا هو السن الذي صلب فيه المسيح.

- 2 -

أدلة عقلانية على موت المسيح كفارة

1 - قبول المسيح للموت بإرادته: كان في وسع المسيح أن يتجنَّب الصلب (لو شاء أن يتجنّبه)، وذلك إما بالعودة إلى السماء التي أتى منها، وهذه كانت ترحب به في أي وقت أراد، إذ أنها ملكه وتحت سلطانه، وكان قد غادرها بإرادته، فكان له أن يعود إليها بإرادته أيضاً (يوحنا 16: 28). أو باستحضار جيش من الملائكة لكي يقضي على اليهود جميعاً في لحظة من الزمان (متى 26: 53). أو بالإبتعاد عنهم بوسيلة من الوسائل كما فعل أكثر من مرة في أوائل خدمته بينهم (لوقا 4: 30 ، يوحنا 8: 59)، حينما علم أن ساعة انتقاله من العالم لم تكن قد جاءت بعد (يوحنا 7: 6). أو بالكف عن توبيخ رؤساء الكهنة لأن هذا هو الذي أثارهم ضده ودفعهم إلى قتله.

لكن إذا رجعنا إلى تاريخ المسيح نرى (أولاً) أن تلاميذه حاولوا أن يمنعوه من الذهاب إلى أورشليم خوفاً عليه من عدوان اليهود وبطشهم (يو 11: 8 - 10) ومع ذلك ثبت وجهه للذهاب إليها (لو 9: 51). (ثانياً) أن الجنود الذين أتوا للقبض عليه سقطوا على وجوههم أمام هيبته، ومع ذلك لم يستثمر هذا الظرف ليسيطر عليهم ويضمهم تحت لوائه، بل سلم نفسه بإرادته إليهم (يو 18: 6). (ثالثاً) أن التلاميذ لم يكونوا عزلاً بل كان معهم سيفان، ومن المحتمل أيضاً أنه كان معهم عدد من السكاكين التي كانوا يستعملونها وقتئذٍ في ذبح خراف الفصح كعادتهم، ومع ذلك لم يسمح المسيح لهم باستعمال أي وسيلة من وسائل الدفاع. إذ عندما رفع بطرس سيفه وهوى به على أحد أتباع كهنة اليهود، قال المسيح له: إجعل سيفك في الغمد (يوحنا 18: 11). (رابعاً) أن هيرودس الملك الذي أسندت إليه محاكمة المسيح في فترة ما، فرح عندما رآه وطلب منه أن يعمل معجزة أمامه،ولو كان المسيح قد أجابه إلى طلبه، لكان هيرودس قد أطلق سراحه وصانه من أعدائه. ولكن المسيح أبى أن يجيبه على الإطلاق (لوقا 23: 8 و ). (خامساً) أخيراً نقول إن بيلاطس الوالي الذي تولى محاكمة المسيح في أول الأمر وآخره، أفسح له المجال للدفاع عن نفسه لكي يبرئ ساحته، ومع ذلك لم يجبه المسيح بكلمة حتى تعجب هذا الوالي جداً (متى 27: 12 - 14) - وكل موقف من هذه المواقف يدل على أن المسيح كان قد عقد النية وقتئذٍ على أن يقدّم نفسه للصلب، وطبعاً لم يكن هناك داع لذلك، لولا أنه قصد أن يكون كفارة كما ذكرنا.

2 - موافقة الله على صلب المسيح: لو لم يكن موت المسيح موتاً كفارياً لكان الله قد أسرع بإنقاذه، لأنه الشخص الوحيد الذي عاش على الأرض دون خطيئة، وشخص مثله لا يجوز أن يقع تحت قضاء الموت، إذ أن الموت هو فقط أجرة الخطيئة وعاقبتها. لكن المسيح وقف لكي يحاكم أمام أشر الناس، ويبصق على وجهه ويلطم عل خده ويُجلد على ظهره، ثم يسمر بعد ذلك على صليب العار، ويعلق بين اثنين من المجرمين - كل ذلك والسماء لم تحرك ساكناً: فلم تهلك الأشرار أو العتاة، أو ترسل ملائكتها لإنقاذ المسيح من بين أيديهم. فهل فشل ناموس الله الأدبي في القيام بمهمته؟ أم تغير تعالى في ذاته وصفاته؟ أم ترك العالم وشأنه نهائياً تحت سلطان الشر والاثم؟ طبعاً كلاّ وكلا، لأن الله لا يتغير بأي حال من الاحوال، ولا يترك العالم وشأنه إلى النهاية. كما أن ناموسه الأدبي لا يفشل في مهمته على الإطلاق. وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد من التسليم بأن الله هو الذي سمح بصلب المسيح، وأنه سمح بذلك لكي يكون المسيح كفارة عن خطايانا.

أما عن الإعتراض: فلماذا سمح الله إذاً بموت القديسين الأفاضل بأيدي الأثمة الأشرار؟ فلا مجال له، لأنه لو كان القديسون المذكورون قد نجوا من الموت، لكانوا سيموتون مثل باقي الناس. ومن ثم كان الأشرف لهم أن يموتوا شهداء الحق، من أن يموتوا موتاً عادياً.

وقد أعلن الوحي بعبارات صريحة أن موت المسيح، وإن كان بحسب الظاهر بإرادة اليهود، غير أنه كان في حقيقة الأمر بإرادة الله. فقد قال بطرس الرسول لليهود عن المسيح بعد صعوده إلى السماء هذا أخذتموه مسلّماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق، وبأيدي أثمة صلبتموه وقتلتموه (أعمال 2: 23). كما خاطب هو وباقي الرسل المولى قائلين معاً له: لأنه بالحقيقة اجتمع على فتاك القدوس يسوع الذي مسحته، هيرودس وبيلاطس البنطي مع أمم وشعوب إسرائيل ليفعلوا كل ما سبقت فعينت يدك ومشورتك أن يكون (أعمال 4: 27 و 28)، الأمر الذي يدل على أن الله قصد بموت المسيح أن يكون كفارة عنا كما ذكرنا.

3 - حزن المسيح قبل الصليب: إذا رجعنا إلى التاريخ نرى أن القديسين الشهداء كانوا يقابلون الصلب والطرح في النيران بالفرح والإبتهاج، ونظراً لأن المسيح فضلاً عن كونه أعظم منهم شجاعة واحتمالاً بدرجة لا حد لها بسبب قداسته المطلقة، هو الذي قدم نفسه للصلب بمحض إرادته كما اتضح لنا مما سلف، لذلك لا بد أن يكون بحسب تقديراتنا البشرية قد قابل آلامه بفرح وابتهاج أعظم منهم جميعاً. لكن إذا تطلعنا إلى المسيح قبل نزول هذه الآلام به نراه في حالة تختلف كل الإختلاف عن تلك التي كنا نتوقع أن نراه عليها، إذ أنه كان يحزن ويكتئب ويقول لتلاميذه: نفسي حزينة جداً حتى الموت ، كما كان يصلي بلجاجة جعلت عرقه يتساقط كقطرات الدم، نتيجة الجهاد النفسي العنيف.

وهنا يتساءل العقل: لماذا حزن المسيح هذا الحزن المفرط؟

الجواب: طبعاً لأن آلام الصلب التي كان ينتظرها، لا بد كانت أقسى بدرجة لا حدّ لها من آلام الصلب العادية التي كان يحتملها القديسون الشهداء. أو بتعبير آخر لا بد أن هذه الآلام كانت آلام الكفارة التي نستحقها إلى الأبد بسبب خطايانا، لأن هذه الآلام لا نهاية لهولها. ومن ثم فإنه له المجد لم يحزن بسبب خطيئة ارتكبها، بل بسبب الخطايا التي ارتكبناها نحن جميعاً.

4 - انتشار الظلام على الأرض: عندما كان المسيح معلقاً على الصليب غطى الظلام وجه الأرض، واستمر هذا الظلام ثلاث ساعات متتالية، من الساعة السادسة من النهار إلى الساعة التاسعة منه. وكان هذا الظلام نتيجة لهبوط سحابة كثيفة سوداء - والسحابة كما يتضح من الكتاب المقدس رمز لحضور الله وتداخله في شؤون البشر (عدد 11: 25)، واللون الأسود كما نعلم رمز إلى الأسى العميق أو الغضب المريع. وليس هناك شيء يدعو إلى الأسى العميق سوى الخطيئة، وليس هناك شيء يدعو الله لإظهار الغضب المريع سواها. ومن ثم فالمسيح ولا شك كان يحمل وقتئذٍ خطايا البشرية، أو بعبارة أخرى كان يكفر عنها.

هذا الظلام لم يكن نتيجة كسوف للشمس (كما يقال)، إذ أن المسيح صلب في اليوم الرابع عشر من الشهر القمري، وفي هذا الوقت لا يحدث كسوف على الإطلاق، فضلا عن ذلك فإن أطول كسوف كلي للشمس لا يستمر إلا بضع دقائق، كما أنه لا يحدث إلا بالتدريج. أما الظلمة التي حدثت عند صلب المسيح، فقد بدأت دفعة واحدة، وظلت ثلاث ساعات متتالية، انقشعت بعدها دفعة واحدة أيضاً.

وقد أشار إلى هذا الظلام كثير من القدامى فقال فليفون الفلكي في القرن الثاني إن الظلام الذي حدث عند صلب المسيح لم يحدث في الكون مثله من قبل ، وقال ديونسيوس الأريوباغي، عندما شاهد هذا الظلام: إما أن إله الطبيعة يتأمل الآن، أو أنه يرثي لشخص يتألم (الخريدة النفيسة ج 1 ص 114). وقد أشار إلى الظلام المذكور أيضاً ثلس المؤرخ الوثني وترتوليانوس الفيلسوف المسيحي في القرن الثاني، كما أشار إليه الامام الحافظ المؤرخ الإسلامي في القرن الرابع عشر في كتابه (البداية والنهاية ج 1 ص 182).

5 - ترك الله للمسيح: في الثلاث الساعات الأولى لصلب المسيح، تحدث له المجد في أمور شتى، فطلب الغفران لصالبيه، ووعد اللص التائب بالفردوس، واستودع أمه لرعاية تلميذه يوحنا لكي يعتني بها. لكن عندما أرخى الظلام سدوله في الساعات الثلاث التالية، لاذ بصمت رهيب، ثم صرخ (بوصفه ابن الإنسان) قائلاً: إلهي إلهي، لماذا تركتني!؟ - وهنا يتساءل العقل:

(ا) هل يترك الله أصفياءه في أوقات الضيق والشدة؟

(الجواب) طبعاً كلا، بل ينقذهم وينجيهم، وذلك بناء على وعده الصادق: إدعني في يوم الضيق أنقذك فتمجدني (مزمور 50: 15) وإذا شاء تعالى أن يموتوا شهداء الحق، فإنه يدنو منهم بصفة خاصة ويساعدهم على احتمال آلام الإستشهاد، فيجوزون فيها بفرح وابتهاج كما حدث ويحدث مع القديسين الشهداء. لكنه تعالى لم يعامل المسيح (بوصفه ابن الإنسان) حتى بهذه المعاملة المألوفة، بل تركه وحده، مع أن المسيح لم يكن في وقت ما (إن جازت المقارنة) أكثر سمواً لدى الله من الوقت الذي كان معلَّقاً فيه على الصليب، لأن هناك أظهر المسيح الطاعة الكاملة لإرادة الله والإخلاص المطلق له. ولذلك ما كان ليتركه لولا أن موته كان موتاً كفارياً.

(ب) وهل يقتضي الأمر أن يترك الله المسيح، إذا كان موته موتاً كفارياً؟

(الجواب) طبعاً نعم. لأنه بما أن الله لقداسته لا يتوافق مع الخطيئة أينما وُجدت، وبما أن المسيح رضي أن يضع على نفسه خطايانا، كما لو كانت خطاياه الشخصية، كان من البديهي أن يقف من الله موقفنا منه، فيشعر بشرّ الخطيئة وشناعتها، ويقاسي الآلام التي تتناسب معها، ومن بين هذه الآلام أن يُحرم بصفته الإنسانية من التمتع به تعالى. ولذلك فمع بقاء المسيح في مركزه الذاتي، وهو الكامل الذي لا ينفصل عن الله على الإطلاق، أصبح كإبن الإنسان في مركزه النيابي على الصليب في الساعات الثلاث المذكورة، كما لو كان هو كل البشر حاملين خطاياهم وشرورهم، ومحتملين في نفوسهم العذاب المريع الذي يستحقونه بسببها. وطبعاً لم يكن لكائن سوى المسيح أن ينوب عنهم في هذه الحالة المريرة، وذلك للأسباب التي ذكرناها في الباب السابق.

(ج) ألا يدل ترك الله للمسيح على أن لاهوت المسيح فارق ناسوته بضع ساعات؟

(الجواب) كلا، لأن اللاهوت واحد ووحيد ولا يتجزأ أو يتفكك على الإطلاق، وذلك لعدم وجود أي تركيب فيه. ومن ثم فإنه جوهر الآب والروح القدس معاً من الأزل إلى الأبد.

وإذا كان الأمر كذلك، أدركنا أن ترك الله للمسيح وقتئذٍ لا يراد به إلا أن الله جعل المسيح (بوصفه ابن الإنسان النائب عن الخطاة) يحتمل في ساعات الظلام الرهيب كل دينونة العدالة الإلهية عن خطايا البشر جميعاً، دون أن يقدم له أية معونة تخفف من وطأتها على نفسه، حتى يكون تكفيره عنهم تكفيراً قانونياً يتفق مع عدالة الله المطلقة كل الإتفاق. ومن ثم فقول المسيح: إلهي إلهي لماذا تركتني ليس اعتراضاً أو استفهاماً (لأن المسيح لم يكن يعترض على معاملة الله أو يجهلها)، بل هو تعبير عن الآلام الكفارية التي كان المسيح يجتاز فيها، والتي كانت قد بلغت أقصاها، حتى تملكه الإحساس وكأنه وحيد فريد أمام شر الخطيئة وعذابها الأليم.

(د) ألا يدل صراخ المسيح هذا، على أنه كان على الصليب مقهوراً ومغلوباً على أمره؟

(الجواب) كلا، لأنه له المجد لا يقهر ولا يغلب على أمره، بل يدل على ثقته (بوصفه ابن الإنسان) في الله كل الثقة، على الرغم من الظروف القاسية التي كان يجتاز فيها، لأنه لولا ذلك لما صرخ إليه على الإطلاق. كما يدل على كماله الذاتي لأن البشر العاديين إذا اجتازوا في الآلام، لا يستطيعون أن يقولوا لله لماذا تركتنا؟ لأنهم بسبب خطاياهم يستحقون أن يتركوا منه.

ومع كل فإن هذا الترك وأن كان حقيقياً، وقد أحس المسيح به فعلاً لأنه وضع نفسه موضع الخطاة، غير أنه لم يكن إلا إلى حين فحسب، لأن القول: لماذا تركتني؟ تعبير عن اختبار حدث على الصليب في فترة ثم مضى وانتهى. كما أن قوله بعد ذلك: يا أبتاه في يديك أستودع روحي (لوقا 23: 46) دليل على أن صلته (حتى بوصفه ابن الإنسان) بالله لم تنقطع، وكل ما في الأمر أنه بعد معاناته لكل آلام الصلب القاسية، عاد وأراح نفسه (كإبن الإنسان) بين يدي الله في المجد بعمل الكفارة إلى التمام.

أخيراً نقول: إن المسيح وإن كان قد قاسى على الصليب آلاماً لا نستطيع الإحاطة بها، غير أنه كان في الباطن مسروراً ومبتهجاً بتحملها نيابة عنا. فلسان حاله بوصفه ابن الإنسان، كان وقتئذٍ، كما في كل وقت آخر أن أفعل مشيئتك يا إلهي سررت (مزمور 40: 8). ولا عجب في ذلك، فالمزمور الذي أشار إلى قول المسيح: إلهي إلهي لماذا تركتني؟ ليس مزمور اليأس والفشل، بل مزمور اليقين والأمل، لأنه ينتهي بالقول: أخبر باسمك إخوتي. في وسط الجماعة أسبحك (مزمور 22: 22) الأمر الذي يدل على أن المسيح عندما كان معلقاً على الصليب كان واثقاً أنه سيقوم من بين الأموات، وأنه سيعلن نعمة الله وخلاصه للمؤمنين الحقيقيين، ثم يقودهم بعد ذلك للحمد والتسبيح لله لأجلهما.

6 - موته السريع: بعد ست ساعات من صلب المسيح، أتى الجند وكسروا سيقان اللصين اللذين كانا مصلوبين معه، لكي يموتا وتدفن جثتهما قبل الغروب كما جرت العادة عند اليهود. إذ كان اليوم التالي للصلب يوم سبت، وهذا اليوم يوم مقدس لديهم يجب أن لا تبقى فيه الأجساد معلقة على الصليب. ولكن لما أتوا إلى المسيح لم يكسروا ساقيه لانهم رأوه قد مات (يوحنا 19: 33). ومن القرائن الخاصة بهذا الموضوع يتضح لنا أنه مات بسرعة لم تكن منتظرة على الإطلاق، حتى أن الوالي الذي حكم عليه بالصلب عندما بلغه هذا الخبر، لم يصدقه إلا بعدما سمعه من فم قائد المائة الذي كان ملازماً للصليب (مرقس 15: 44 ، 45).

إن عدم كسر ساقي المسيح لم يكن أمراً قضت به الظروف وقتئذ فحسب، بل كان أمراً معيناً بواسطة الله منذ الأزل. وقد أشار تعالى إليه قبل صلب المسيح بأكثر من 1500 سنة في رمز قديم. فقال لموسى النبي أن ينهى بني إسرائيل عن كسر عظام خروف الفصح (خروج 12: 46) الذي كان رمزاً إلى كفارة المسيح التي على أساسها تعبر الدينونة الأبدية عن المؤمنين الحقيقيين، كما عبر سيف الهلاك قديماً عن أبكار بني إسرائيل على أساس دم الخروف المذكور. فقد قال الرسول: لأن المسيح فصحنا قد ذبح لأجلنا. إذاً لنعيّد، ليس بخميرة عتيقة ولا بخميرة الشر والخبث، بل بفطير الإخلاص والحق (1 كورنثوس 5: 7 ، 8) أو بالحري نعيّد بحياة طاهرة نقية لا أثر للشر فيها، إذ أن الخميرة، كما يتضح من الكتاب المقدس، رمز إلى الشر الدفين في النفس.

فلماذا مات المسيح بهذه السرعة، وقد كان بسبب نقاوته وطهارته أقوى الناس بنية وأمتنهم أعصاباً وأقدرهم على مقاومة الآلام؟

(الجواب) إذا وضعنا أمامنا أن المصلوب يموت (كما يقول الأطباء) موتاً بطيئاً في مدة تتراوح بين 24 و 28 ساعة بالصدمة الثانوية ، متأثراً إما بالإجهاد العصبي والتهاب الجروح ونزف الدماء، أو بتعطل الدورة الدموية واضطراب القلب، اتضح لنا أن موت المسيح بعد 6 ساعات (أي قبل الوقت الذي يُنتظر أن يموت فيه أضعف شخص يعلق على الصليب بِ 18 ساعة)، لا يعلل طبيعياً إلا بأن الآلام التي كان يجتاز فيها وقتئذٍ، لم تكن الآلام الجسدية الظاهرية فحسب، بل لا بد أنه كانت مع هذه الآلام، آلام أخرى. وهذه الآلام لا يمكن أن تكون سوى آلام الكفارة التي كان يتقبلها في نفسه عوضاً عنا، لأنه لا نهاية لهول هذه الآلام أو شدتها كما ذكرنا، ومن ثم كانت كافية بالطبيعة للقضاء على حياة المسيح الجسدية في وقت وجيز.

ولذلك ذهب الأطباء إلى أنه طرأ على المسيح عندما كان معلَّقاً على الصليب، ما يسمى فسيولوجياً ارتشاح فجائي في القلب ، ويسمى لدى العامة كسر القلب وقد سبق الوحي وأشار إلى هذه الحقيقة، فقال النبي عن لسان المسيح: العار قد كسر قلبي (مزمور 69: 20) وهذا العار لم يكن طبعاً عاراً لحق بالمسيح بسبب شرّ فعله. فقد كان كاملاً كل الكمال، بل كانت الخطيئة التي تردَّينا نحن فيها، والذي رضي المسيح أن يحمله على نفسه نيابة عنا على الصليب.

أما قول بعض المفسرين إن المسيح مات بسرعة بسبب جهاده في الليلة السابقة للصلب، وجلد الجنود له بعد القبض عليه، فليس بصواب. لأنه وإن كان هذان الأمران يسببان الإعياء، لكن صراخ المسيح بصوت عظيم عندما كان معلقاً على الصليب، (متى 27: 46)، يدل على أنه كان وقتئذٍ في كامل القوة والحيوية على الرغم مما أصابه من أذى. ومن ثم فإن موته السريع كان راجعاً إلى تحمله آلام الكفارة القاسية كما ذكرنا - ومن هذا يتضح أن المسيح لم يمت كباقي الشهداء بسبب الصلب، لأن الموت لم يكن له سلطان عليه إطلاقاً، بل مات له المجد باختياره نيابة عنا، بسبب قيامه بالتكفير عن خطايانا.

7 - تزلزل الأرض وتشقق الصخور: ذكرنا فيما سلف، أن الظلام الذي خيم على الأرض عند صلب المسيح لم يكن طبيعياً، ونذكر الآن أن الزلزلة التي حدثت وقتئذٍ لم تكن طبيعية أيضاً. لأن أورشليم بعيدة كل البعد عن مواطن الزلازل التي تشقق الصخور، إذ أن القشرة الأرضية (كما يقول علماء الجغرافيا) قد استقرت فيها، وفي الشرق الأوسط عامة قبل الميلاد بآلاف السنين. وأن ما يحدث الآن من زلازل فيها أحياناً، يكون آتياً إليها من جهات بعيدة، ومن ثم لا يؤثر عليها تأثيراً يذكر. والزلازل عندما تحدث بخلاف النواميس الطبيعية تكون من علامات الدينونة الإلهية الرهيبة (متى 24: 7 ، رؤيا 8: 5) وهذه الدينونة كانت قد حققت وقتئذٍ على اليهود والرومان لأن شرهم كان قد بلغ أقصاه، إذ أساءوا إلى مصدر النعم والإحسان، وأظهروا له العدوان (يوحنا 12: 31). ولكن لماذا لم تنصب الدينونة عليهم وقتئذٍ؟.

(الجواب) طبعاً لأن المسيح لا بد أنه قد حمله في نفسه عوضاً عنهم وعن البشرية التي كانوا يمثلونها في الميل إلى الشر والإنحراف عن الحق، ومن ثم لا يكون موت المسيح استشهاداً فحسب، بل وكفارة أيضاً كما ذكرنا.

ولنا في الطريقة التي نجا بها آدم من الموت، ما يرمز إلى هذه الحقيقة، فإن قضاء الموت كان من الواجب أن يحل عليه وعلى زوجته عندما أخطَأا، وذلك بناء على إنذار الله السابق لهما. لكن هذا القضاء لم يحل عليهما وقتئذٍ، لأن الله سمح بحلوله على الفدية التي سمح بها لأجلهما كما ذكرنا في الباب الثالث.

لقد أنبأ الوحي الإلهي الصادق عن حدوث الظلمة والزلزلة. (ا) أن هاتين الحادثتين تردان في الإنجيل بكل اختصار بعيداً كل البعد عن المبالغة التي يلجأ إليها مؤلفو الروايات (ب) إن الخبر بحدوثهما نُشر بين الناس الذين عاصروا المسيح دون أن يعترض عليه واحد منهم (ج) إن اليهود الذين كانوا بجوار الصليب قرعوا على صدورهم نادمين (لوقا 23: 48) كما أن قائد المئة الروماني شهد أن المصلوب كان بالحقيقة هو ابن الله، الأمر الذي يدل على أن هاتين الحادثتين قد وقعتا فعلاً على مرأى منهم جميعاً، وأنهم تأثروا بهما تأثراً بالغاً.

 

- 3 -

آلام الإستشهاد وآلام الكفارة

ذكرنا فيما سلف أن المسيح احتمل على الصليب نوعين من الآلام، هما آلام الإستشهاد وآلام الكفارة. ونظراً لأن كثيرين يعتبرون الاثنين آلاماً واحدة، رأينا من الواجب أن نتحدث فيما يلي عن كل منهما على حدة:

أولاً - آلام الإستشهاد

إن آلام الإستشهاد التي قاساها المسيح، لم تكن تشمل آلاماً جسدية فحسب، بل وآلاماً نفسية أيضاً، كما يتضح مما يلي:

1 - الآلام الجسدية: (ا) ففي دار حنان طفحت روح البغضة والقسوة في أحد الخدام، فصفع المسيح بكل ما لديه من قوة. وفي بيت قيافا انقضّ عليه الخدام وجنود الهيكل وأفرغوا كل ما في جعبتهم من حقد ضده، فلكمه البعض، ولطمه البعض الآخر، وضربه بالعصي بعض غيرهم.

(ب) وفي دار الولاية انتهز جند الرومان وجود شخص يهودي بين أيديهم قال إنه ملك، فخلعوا عنه ثيابه وقيدوا يديه بالأغلال. ثم أحنوا ظهره وربطوه إلى أحد الأعمدة، وطفقوا يجلدونه بكل قواهم. وكانت آلة الجلد تتكون وقتئذٍ من تسعة سيور، في كل منها سبع قطع من المعادن غير المصقولة. وكان الضرب بها يقع على الظهر، وأحياناً على الرأس أو الوجه، فكان اللحم يتناثر وتغوص قطع المعادن في الجروح، فيتدفق الدم بغزارة منها، كما كانت تتقطع الأعصاب وتصاب العظام بخدوش متعددة. لذلك كان المسيح يتألم ولا شك آلاماً مبرحة. ولو كان إنساناً عادياً لكان قد مات وقتئذ، كما كان يموت كثير من البشر. وبعد ذلك وضعوا إكليلاً من الشوك على رأس المسيح وضربوه بالقصبة عليها، فانغرس الشوك فيها وتفجرت الدماء منها، وأخذت تسيل على وجهه من نواح متعددة.

(ج) وأخيراً طرحوه على الصليب المعدّ له، ثم شدوا يديه بكل عنف على عارضتيه، ودقوا في كل منهما مسماراً غليظاً بمطرقتهم، وكأن المسيح قُدّ من صخر لا يشعر أو يحس. فراح المسماران يخترقان الجلد واللحم والعروق والأعصاب والعظام، حتى نفذا في عارضتي الصليب وتمكنا فيهما. ثم وضعوا إحدى قدميه على الأخرى، وبمسمار أطول من المسمارين السابقين سمروهما معاً حتى نفذ المسمار في قائم الصليب وتمكن فيه أيضاً. ثم رفعوا الصليب وأسقطوه في حفرة ليثبتوه فيها، فاضطربت أعصاب المسيح اضطراباً عظيماً. وهناك تركوه تحت حرارة الشمس اللافحة حتى يبست مثل شقفة قوته ولصق لسانه بحنكه، واستبد به العطش (مزمور 22: 15).

فالصليب كما قال شيشرون هو أخس وأقسى العقوبات، وكان لا ينفذ إلا في أشر المجرمين وألد الأعداء، وذلك لكي تطول مدة عذابهم. لذلك كان كل من يُصلب من البشر يتمنى الموت بأقصى سرعة، لكن هيهات أن تتحقق أمنيته. ومن ثم كان يرزح تحت آلامه المبرحة يوماً أو أكثر من يوم، حتى يقبل إليه الموت وينقذه . وكان اليهود يريدون أن يكون هذا هو الحال مع المسيح، لكن خاب أملهم، فقد مات بعد سويعات قليلة من صلبه للأسباب السابق ذكرها.

2 - الآلام النفسية: (ا) فقد خانه يهوذا الإسخريوطي على الرغم من أن المسيح كان يودع لديه كل ما يرد إليه من مال، فضلاً عن ذلك كان قد سمح له منذ ساعات قليلة بالأكل معه في صحفة واحدة. وأنكره بطرس مقدام التلاميذ على الرغم من أن المسيح كان قد خصه بامتيازات متعددة وأسدى إليه وإلى عائلته معروفاً عظيماً. ولم يقف بطرس عند حد الإنكار، بل أخذ يلعن ويحلف أنه لا يعرف المسيح. أما باقي التلاميذ فتركوه وهربوا على الرغم من أنهم أحب الناس إليه وأقربهم إلى قلبه، وكان قد قضى حياته بأسرها في تعليمهم وإرشادهم والعناية بهم.

(ب) وفي جثسيماني أقبل اليهود عليه بسيوف وعصي كأنه لص يسطو على البيوت أو مجرم يفتك بالناس. ثم أوثقوه كما يُوثَق العبيد والمجرمون، وفي عنف ساقوه إلى حنّان ثم إلى قيافا، وأخذوا يبصقون عليه كأنه أحقر الناس وأدنأهم. وفي سخرية لاذعة كانوا يغطون وجهه الكريم، ثم يضربونه ويقولون له: تنبأ لنا أيها المسيح من ضربك؟! .

وبعد أن استقر رأيهم على صلبه، ساقوه وسط مظاهر الهزء والتهكم إلى بيلاطس ووقفوا يشتكون عليه ويكيلون له التهم وراء التهم، وقد نسوا أو تناسوا أنهم نالوا أو نال ذووهم خيراً جزيلاً، كما أنه كان في ذاته أطهر وأقدس من عاش على الأرض بأسرها.

(ج) وعندما وقف أمام هيرودس استهزأ الجنود به وسخروا منه، كما ألبسوه لباساً براقاً متهكمين ومحتقرين إياه. ولما عادوا به إلى دار الولاية لكي يستأنف بيلاطس الوالي محاكمته، فضَّل رؤساء الكهنة (الذين كانوا يمسكون كتاب الله في أيديهم) باراباس السفاح على المسيح، فطلبوا من بيلاطس إطلاق سراح الأول وصلب الثاني. فأذعن لهم وخضع لمشيئتهم خوفاً على وظيفته من الضياع، مع أنه كان يجمع في يده كل السلطة في البلاد، وكان قد أقيم لصيانة العدالة وحمايتها من عبث العابثين.

(د) وفي دار الولاية أخذه جند الرومان وجمعوا عليه الكتيبة بأسرها، ثم أوثقوه في وسطهم واتخذوا منه ألعوبة (أو أضحوكة) لهم، إذ أقاموا له حفلة تتويج هزلية خلعوا عنه فيها ثيابه العادية وألبسوه رداء قرمزياً (ربما كانت عباءة مهلهلة ألقاها أحد الكبراء عنه منذ زمن طويل، فأخذها جندي منهم)، ثم ضفروا إكليلاً من عوسج وشوك ووضعوه على رأسه بلطف أو عنف، كما جعلوا قصبة في يمينه عوضاً عن الصولجان، لكي يجعلوا منه صورة ممسوخة لأحد الملوك. ثم في استهزاء لاذع طفقوا يجثون قدامه قائلين السلام يا ملك اليهود!! . وأخيراً انتزعوا منه القصبة التي أعطوها له، وضربوه بها على رأسه ضربة قاسية، إمعاناً في إهانته.

(ه) وعندما كان معلقاً على الصليب كان المجتازون يجدفون عليه، وهم يهّزون رؤوسهم ويتطلعون إليه من أعلى إلى أسفل بكل ازدراء واحتقار قائلين له: إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب ، غير عالمين إنه قَبِل الصلب باختياره لكي يكفر عن خطاياهم وخطايا غيرهم من البشر. وأن المعجزة التي أراد أن يقدمها للبشرية ليست النزول عن الصليب، بل القيامة من بين الأموات بعد إتمام عمل الفداء...

ولو فرضنا جدلاً أنه نزل عن الصليب كما طلبوا، لما كانوا قد آمنوا أنه ابن الله، بل لقالوا إن به شيطاناً، كما قالوا عنه عندما كان يعمل بعض معجزاته فيما سلف. لأن السبب الحقيقي في عدم إيمانهم لم يكن راجعاً إلى حاجتهم إلى برهان على نبوة المسيح الفريدة لله. بل إلى عمى بصائرهم، فكانوا يرون الحق باطلاً والباطل حقاً.

ولقد احتمل المسيح الآلام الجسدية والنفسية السابق ذكرها، وكانت على نفسه أقسى مما نفتكر أو نتصور، وذلك لسببين (الأول) أنه كان سليم البنية، فلم يقترب إليه يوماً مرض يوجعه أو أذى يؤلمه، فيتعلم الصبر والإحتمال. كما كان سليم النفس فلم يتبلّد مرة إحساسه أو تحجّرت عواطفه أو عرف للإهانة معنى أو للإذعان مذاقاً.

(الثاني) كما قد أحب الناس فقابلوا محبته بالبغضة والعداوة، وأحسن إليهم فقابلوا إحسانه بالتمرد والعصيان - وهو لكماله المطلق يؤلمه الجحود ونكران الجميل، وتدميه الخسة والدناءة - ومع كل فهذه الآلام لم تكن كما ذكرنا، إلا آلام الإستشهاد التي كان يحتملها الشهداء القديسون (وإن كانت بدرجات متفاوتة) بكل فرح وابتهاج. ولذلك ليس من المعقول أنها كانت السبب في الحزن العميق الذي بدا من المسيح في جثسيماني، ولا في الصرخة الداوية التي انطلقت من فمه وهو معلق على الصليب.

ثانياً - آلام الكفارة

هي الآلام غير المنظورة التي احتملها المسيح في نفسه نيابة عن البشر بسبب خطاياهم ومعاصيهم، فسيف العدالة الإلهية كان عتيداً أن يهوى عليهم جميعاً، لكن المسيح قبله في نفسه نيابة عنهم رحمة بهم وشفقة عليهم. فتمت فيه النبوة التي قيلت عنه قبل ذلك بأكثر من خمس مائة سنة استيقظ يا سيف على راعيّ، وعلى رجل رفقتي. أضرب الراعي (زكريا 13: 7) عوضاً عن الرعية التي تستحق الضرب والعقاب - وآلام الكفارة هذه لا قدرة لنا على الإحاطة بهولها أو قسوتها، لكن لكي نعرف شيئاً نتأمل في النقاط الآتية:

1 - وجود المسيح في مركز الخطاة: إن المسيح بسبب نيابته عنا على الصليب، اعتبر في نظر العدالة الإلهية كالأثيم، فقد قال الوحي عنه وأُحصي مع أثمة (إشعياء 53: 12)، كما اعتبرت خطايانا بكل فحشها ودنسها كأنها خطاياه الشخصية. وقد رأى داود النبي هذه الحقيقة منذ القديم فقال بلسان المسيح: حماقتي وذنوبي (مزمور 69: 5)، مع أنه لم يرتكب خطيئة أو اقترف إثماً. وإذا كان الإنسان النبيل، مع كونه خاطئاً بطبيعته، يتألم ألماً شديداً عندما ينسب إليه إثم ارتكبه غيره، فلا ريب أن المسيح كان يتألم في نفسه على الصليب آلاماً لا حد لها. لأنه وهو القدوس البار قد وضعت عليه كل آثامنا، وأصبح بذلك ليس كمجرد أثيم، بل كما لو كان هو كل الأثمة حاملين آثامهم ومعاصيهم معهم، بل أصبح كما لو كان هو ذات الخطيئة التي أفسدت العالم بأسره وتعدت على حق الله وناموسه. وقد أشار الرسول إلى هذه الحقيقة فقال عن الله إنه جعل الذي لم يعرف خطيئة (وهو المسيح)، خطيئة لأجلنا، لنصير نحن بر الله فيه (2 كورنثوس 5: 21).

2 - قبوله عار الخطيئة: ولوجود المسيح في مركز النائب عن الخطاة أخذ على نفسه عارهم أو بالحري عار خطاياهم، وعار الخطيئة ليس بعده عار. فقد قال الوحي: عار الشعوب الخطية (أمثال 14: 34). وقد أحس المسيح بهذا العار بدرجة لا نستطيع تصّوُرها، لأن إحساس القدوس البار بعار الخطيئة أدق بدرجة لا حد لها من إحساس الإنسان المولود بها والعائش فيها. وقد رأى داود النبي بروح النبوة العار الذي أحس به المسيح عندما كان معلقاً على الصليب، فقال عن لسانه قبل مجيئه إلى الأرض: العار قد كسر قلبي فمرضت (مزمور 69: 20) - لأن هذا العار هو الذي حطم قلب المسيح المنطوي على أسمى العواطف وأقدسها، وأحنى رأسه العالية المشبعة بأرقى المبادئ وأطهرها، فاعتراه، أو بالحري اعترت نفسه، المرض. ومرض النفس أشر مرض في الوجود، لأنه أثقل الأمراض وأسرعها فتكاً بالإنسان.

3 - احتماله عذاب الخطيئة: نظراً لأن الخطيئة لا تجلب على فاعلها العار فحسب بل والعذاب أيضاً، لذلك كان من البديهي وقد قبل المسيح أن يكون نائباً عنا، أن يحتمل عذاب الخطيئة أيضاً، وعذاب الخطيئة ليس بعده عذاب، فهو جهنم بآلامها النفسية ونيران العدالة الإلهية. وقد رأى داود النبي بروح النبوة تأثير هذا العذاب على نفس المسيح، فقال عن لسانه قبل مجيئه إلى العالم كالماء انسكبت. انفصلت كل عظامي. صار قلبي كالشمع. قد ذاب في وسط أمعائي. يبسَتْ مثل شقفة قوتي ولصق لساني بحنكي (مزمور 22: 14 - 15).

4 - حلول لعنة الخطيئة عليه: والخطيئة لا تجلب العار والعذاب فقط، بل واللعنة أيضاً، فقد قال الوحي: ملعون كل من لا يثبت في جميع ما هو مكتوب في كتاب الناموس ليعمل به (غلاطية 3: 10)، ولذلك كان من الواجب أن يحمل الفادي ليس عار الخطيئة وعذابها فقط، بل ولعنتها كذلك. فهل قبل المسيح لعنة الخطيئة مع الآلام التي قبلها عوضاً عنا؟ إننا نجيب والدمع يترقرق في مآقينا، والقلم يبطئ السير في أيدينا: نعم . فقد قال الوحي المسيح افتدانا من لعنة الناموس، إذ صار لعنة لأجلنا (غلاطية 3: 13) فهو تبارك اسمه بسبب قبوله خطايانا على نفسه حباً بنا وعطفاً علينا، لم يحسب ملعوناً فقط، بل ولعنة أيضاً، وذلك لكي يرفع لعنة الخطيئة عنا، ويجلب إلينا البركة عوضاً عنها.

هذا شيء من آلام الكفارة، ونحن لا نستطيع أن نكتب عنها أكثر مما كتبنا. فليس سوى الله والمسيح يعرفان قدرها وشناعتها، لأن الأول هو الذي يعرف مطالب عدالته التي لا حد لها، والثاني هو الذي قام بإيفاء هذه المطالب في ناسوته إلى التمام. لكن مما لا شك فيه، أنه لو كانت آلام الكفارة قد تحولت ناراً مادية والتهمت جسد المسيح التهاماً، لكان ذلك أهون عليه كثيراً من تحمل الآلام المذكورة، لأنها كانت تستعر في جسده ونفسه وروحه، معذبة إياه وهي مبقية عليه، طوال ساعات الظلمة التي اجتاز فيها على الصليب.

أخيراً نقول: إن الكفارة التي تحدثنا عنها كثيراً لم تكن عملاً آلياً خارجياً كان من الواجب إتمامه قبل أن يتمكن الله من الصفح عنا وتقريبنا إليه (كما يظن بعض الناس)، بل إنه عمل صادر من نفس طبيعته تعالى. لذلك خشية أن يُساء فهم معنى الكفارة نقول: لولا تكفير الله بنفسه عن خطايانا في المسيح، لما حصلنا على الخلاص معناها: لولا أن الله يستطيع في محبة لا حد لها أن يحتمل خطايانا بكل دنسها وشناعتها، ويرضى أن يقربنا إليه على الرغم من قصورنا الذاتي، لما خلصنا على الإطلاق. لذلك فإن ظهوره لنا في المسيح للقيام بهاتين الخدمتين، لم يكن عملاً خارجياً قام به ليتمكن من أداء أمر لا تقدر طبيعته أن تعمله، بل بالعكس إنه عمل نابع من طبيعته نفسها.

فالله بسبب محبته الشديدة للبشر، لم يقض عليهم بسبب خطاياهم، بل تأنى عليهم سنين عديدة. وعندما كان يطفح شر جماعة منهم، كان يصيبها بطوفان أو نار أو وباء، تأديباً لها حتى تتوب عن شرها. ولكن لما أتى الوقت المعين منه تعالى، وكانت نفوس المخلصين من البشر، قد تاقت إلى الخلاص من الخطيئة ونتائجها، ورأت عجزها التام عن الحصول عليه بكل قدراتها، ظهر لنا في المسيح وقبل في نفسه كل شرورنا وآثامنا، عوضاً عن أن يردها على رؤوسنا ويوقع علينا جميعاً الدينونة الأبدية بسببها. أما لو كان المسيح قد تجنب الصلب، أو سمح لتلاميذه باستخدام السيف، أو استدعى الملائكة للدفاع عنه، وكل ذلك كان ميسوراً لديه كما ذكرنا، لظلت خطايانا سائدة علينا رافعة عقيرتها متحدية محبة الله ورحمته. أما الآن فقد انتصرت محبة الله ورحمته على خطايانا انتصاراً تاماً، ومن ثم صار لكل من يؤمن منا إيماناً حقيقياً، امتياز الحصول على الصفح والغفران إلى أبد الآباد، كما يتضح من الباب السابع.

فموت المسيح كفارة هو إذاً أكبر خدمة قام بها لأجلنا، لأنه لو كان قد عاش لغاية الآن، يعلم الناس ويطعم الجياع ويشفي المرضى ويقيم الموتى، دون أن يكفر عن خطايانا، لكانت هذه الخدمات مع سموها وفائدتها، لا تخلصنا من دينونة خطايانا أو تؤهلنا للوجود مع الله والتوافق معه. فكنا نقضي حياتنا في شقاء أبدي.

 

الباب السادس

كفاية كفارة الله في المسيح ونتائجها

-         1

-         كفاية كفارة الله في المسيح

بما أن الله هو الذي فدانا في المسيح، لذلك لا بد أن فداءه كاف لإيفاء مطالب عدالته وقداسته من نحونا، وبالتالي لا بد أنه كاف لخلاصنا من خطايانا ونتائجها الوخيمة. لكن نظراً لأهمية هذه الحقيقة، نذكر فيما يلي بعض الأدلة التي تؤكد صدقها، حتى تطمئن النفوس التي يساورها أي شك من جهته.

أولاً - شهادة المسيح، والأدلة على صدقها

1 - شهادة المسيح (ا) قال المسيح قبل الفداء الذي قام به: لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية (يوحنا 3: 16). وقال أيضاً: الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية. والذي لا يؤمن بالابن فلن يرى حياة (أبدية). بل يمكث عليه غضب الله (يوحنا 3: 36) وأيضاً: الحق الحق أقول لكم: من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني، فله حياة أبدية ولا يأتي إلى دينونة (لأن الدينونة التي كان من الواجب أن تحل عليه، حملها المسيح نيابة عنه) بل قد انتقل من الموت إلى الحياة (يوحنا 5: 24) - والتمتع بهذه الحياة على أساس الإيمان (أو بالحري الإيمان الحقيقي بالمسيح)، دليل على كفاية كفارته.

(ب) وعندما كان المسيح على الصليب، قال للص (الذي ندم على خطاياه، ولجأ إلى نعمته مؤمناً بشخصه إيماناً حقيقياً): اليوم تكون معي في الفردوس (لوقا 23: 43) - ونظراً لأن هذا اللص كان يستحق العذاب الأبدي بسبب جرائمه، وأن مجرد ندمه لارتكابها لم يكن ليؤهله للحصول على الغفران أو التمتع بالله كما ذكرنا في الباب الثاني، لذلك فقول المسيح للص المذكور اليوم تكون معي في الفردوس ، دليل على أن كفارته (أي كفارة المسيح) كافية للخلاص من الخطايا ونتائجها.

(ج) فضلاً عن ذلك فإن آخر عبارة قالها المسيح وهو على الصليب هي: قد أُكمل (يوحنا 19: 30). وهناك فرق كبير بين الإنتهاء من عمل وبين إكماله. فالإنتهاء من عمل معناه الفراغ منه بإتمامه أو عدم إتمامه. أما إكماله فمعناه إنجازه إلى التمام. لذلك فالمسيح بقوله قد أُكمل أعلن أنه لم ينتهِ من عمل الكفارة فحسب، بل وأكمله أيضاً بنجاح، كما يتضح من اللغة الأصلية للكتاب المقدس.

2 - الأدلة على صدق شهادة المسيح: فضلاً عن أن أقوال المسيح مدونة بالوحي الإلهي، الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك في صدقها، وفضلاً عن أن المسيح لم ينطق بها كلها في أوائل خدمته، بل نطق ببعضها وهو على شفا الموت، هذا الوقت الذي يترك المرء فيه كل إدعاء (إذا كان مدعياً) ويظهر على حقيقته تماماً، نقول: بما أن شهادة المسيح عن موته الكفاري قد ثبت صدقها كما اتضح فيما سلف، وبما أنه بالإضافة إلى ذلك كان بعيداً عن التفاخر والتباهي كل البعد، إذاً لا بد أن تكون شهادته عن كفاية كفارته لإيفاء مطالب عدالة الله وقداسته (أو بالحري عن كفايتها لخلاصنا من خطايانا ونتائجها)، هي شهادة صادقة أيضاً.

 

ثانياً - شهادة الرسل والأدلة على صدقها

1 - شهادة الرسل (ا) قال بطرس الرسول عن المسيح إنه حمل هو نفسه خطايانا (أي خطايانا بأسرها) في جسده على الخشبة (1 بطرس 2: 24).

وقال أيضاً فإن المسيح تألم مرة واحدة من أجل الخطايا (جميعها)، البار من أجل الأثمة (أو بالحري كل الأثمة)، لكي يقرّبنا إلى الله مماتاً في الجسد ولكن محييا في الروح (1 بطرس 3: 18)

(ب) وقال يوحنا الرسول عن المسيح وهو كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا كل العالم أيضاً (1 يوحنا 2: 2).

وقال كذلك عنه أحبنا وغسلنا من خطايانا بدمه (رؤيا 1: 5). كما قال دم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية (1 يوحنا 1: 7)

(ج) وقال بولس الرسول عن المسيح وليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه، دخل مرة واحدة إلى الأقداس (أو بالحري إلى السماء) فوجد فداءً أبدياً (عبرانيين 9: 12). وقال أيضاً لأنه بقربان واحد قد أكمل إلى الأبد المقدسين (عبرانيين 10: 14). كما قال عنه إنه صنع بنفسه تطهيراً لخطايانا (عبرانيين 1: 3)، وإنه بذل نفسه فدية لأجل الجميع (1 تيموثاوس 2: 6)، وإنه ذاق الموت لأجل كل واحد (عبرانيين 2: 9)، وإنه يفدينا من كل إثم (تيطس 2: 14)

ومن هذه الآيات يتضح لنا أن فداء المسيح ليس لجماعة من الناس دون جماعة أخرى، أو عن بعض الخطايا دون البعض الآخر منها، أو أنه يمتد إلى فترة خاصة من الزمن يحتاج الناس بعدها إلى فداء آخر، بل إنه لكل الناس، وعن كل الخطايا، كما أن كفايته تمتد إلى أبد الآباد، الأمر الذي يفتح مجال الخلاص أمام كل الناس في كل العصور والبلاد.

2 - الأدلة على صدق شهادة الرسل: فضلاً عن أن شهادة الرسل مدونة بالوحي الإلهي، الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك في صدقها، وفضلاً عن الأدلة التي ذكرناها في الأبواب السابقة على صدق شهادتهم، نقول: إن الرسل بمناداتهم بكفاية كفارة المسيح، أعلنوا لليهود أنه لا داعي إطلاقاً ليس فقط لتقديم الذبائح التي كانوا يقدمونها، بل ولا داعي أيضاً لوجود الهيكل أو الكهنة واللاويين الذين كانوا يخدمون فيه.

وبما أن هذا الإعلان كان يثير اليهود عن بكرة أبيهم، ويدفعهم جميعاً بزعامة كل رجال الدين بينهم لإضطهاد الرسل أشد اضطهاد، لأن مثل هذا الإعلان كان يقضي ليس فقط على موارد رزق هؤلاء كما ذكرنا، بل وأيضاً على الديانة اليهودية التي يعتزون بها كل الإعتزاز. وبما أنه ليس من المعقول أن يختلق الرسل موضوعاً يكون سبباً في توجيه الإضطهاد العنيف إليهم، وعلى الرغم من ذلك يواظبون على المناداة به جميعاً بكل شجاعة وبسالة - هذا فضلاً عن استحالة اتفاقهم معاً على اختلاقه بسبب تباينهم من جهة الثقافة والنشأة والسن والبيئة والجنسية والمركز الإجتماعي، لذلك لا بد أنهم كانوا على يقين تام أمام الله من جهة صدق موضوع كفاية كفارة المسيح الذي كانوا ينادون به.

 

ثالثاً - شهادة أنبياء العهد القديم والأدلة على صدقها

1 - شهادة أنبياء العهد القديم (ا) قال موسى النبي سنة 1500 ق.م إن الله قبلما أخرج آدم من الجنة، أعلن أن نسل المرأة يسحق رأس الحية (تكوين 3: 15) - وبهذا الإعلان أعطى الله لآدم وعداً بالفداء التام بالمسيح، لأن كلمة نسل ترد هنا في اللغة العبرية بصيغة المفرد لا الجمع، والشخص الوحيد الذي يدعى نسل المرأة هو المسيح، لأنه ولد من أم دون أب. أما عند ورودها بالجمع في الأصل العبري، فإنها تترجم إلى العربية الأنسال . ويتضح هذا من قول بولس الرسول وأما المواعيد فقيلت في إبراهيم وفي نسله. لا يقول وفي الأنسال كأنه عن كثيرين، بل كأنه عن واحد، وفي نسلك، الذي هو المسيح (غلاطية 3: 16).

أما الحية فيُراد بها الشيطان، لأنه هو الذي يسمّيه الوحي الحية القديمة (رؤيا 20: 2) وذلك بسبب خداعه للناس وتضليلهم. وسحق المسيح لرأس الشيطان يدل على إنهاء سلطانه والقضاء الكامل عليه، وبالتبعية يدل على كفاية كفارة المسيح له المجد، لخلاص المؤمنين الحقيقيين من الخطية ونتائجها الأبدية.

(ب) وقال داود النبي سنة 1000 قبل الميلاد بروح النبوة عن المؤمنين الحقيقيين إنهم يأتون (من كل مكان) ويخبرون ببره (أي ببر المسيح) لشعب سيولد، معلنين أنه قد فعل (أو بالحري فعل البر) (مزمور 22: 31). كما قال أيضاً عن هؤلاء المؤمنين إنهم سيفرحون وتحيا قلوبهم (مزمور 69: 32) - الأمر الذي يدل على كفاية كفارة المسيح لخلاصهم إلى الأبد، لأنه لا مجال للفرح أو للحياة الأبدية بدون كفاية كفارته.

(ج) وقال إشعياء النبي سنة 700 ق.م. عن المسيح: إن جعل نفسه ذبيحة إثم، يرى نسلاً تطول أيامه، ومسرة الرب (الخاصة بخلاص المؤمنين الحقيقيين) بيده تنجح. من تعب نفسه يرى ويشبع. وعبدي البار، بمعرفته يبرر كثيرين (الذين هم المؤمنون الحقيقيون)، وآثامهم هو يحملها )إشعياء 53: 10 ، 11) - وكل عبارة من هذه العبارات تدل على كفاية كفارة المسيح إلى الأبد. فالنسل الذي تطول أيامه هم المؤمنون الحقيقيون الذين يحيون إلى الأبد، والذين بهم تشبع نفس المسيح لسروره العظيم بخلاص الخطاة نتيجة لكفاية كفارته.

ويطلق إشعياء على المسيح لقب عبد الرب - وهو إصطلاح كتابي يُراد به الكائن الذي يتمم كل مقاصد الله التي لا حد لها، ويُطلق هذا الإصطلاح على المسيح من الناحية الناسوتية، لأنه من هذه الناحية قام بالمهمة المذكورة خير قيام. ولا غرابة في ذلك، فإنه في ذاته هو كلمة الله ، وكلمة الله هو وحده الذي يقوم بها.

2 - الأدلة على صدق شهادة أنبياء العهد القديم: فضلاً عن أن هذه الشهادة مدّونة بالوحي الإلهي، الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك في صدقها، وفضلاً عن الأدلة السابق ذكرها عن صدق شهادة هؤلاء الأنبياء نقول: أنهم عاشوا في أزمنة متباعدة لا تسمح لهم بالتواطؤ على فكرة ما كما يدعي البعض. فضلاً عن ذلك لا يمكن أن أحدهم قد نقل عن الآخر، لأن كلاً منهم تنبأ عن ناحية خاصة من كفاية كفارة المسيح لم يشاركه فيها غيره، الأمر الذي يدل على أنهم كانوا منقادين معاً بروح الله، لأنه هو الذي يعرف كل شيء عن هذه الحقيقة من البداءة، ومن ثم كان في وسعه أن يعلن عنها لكل نبي، ما كان متوافقاً مع الظروف التي عاش فيها.

 

رابعاً - شهادة الوقائع على كفاية كفارة المسيح

1 - انشقاق حجاب الهيكل: عندما قال المسيح قد أكمل انشق حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل (متى 27: 51) - ولكي يتضح لنا ما يدل عليه انشقاق الحجاب في هذه اللحظة من معنى نقول: كان في خيمة الإجتماع التي أقامها موسى النبي، وفي الهيكل الذي أقامه سليمان الحكيم بعد ذلك، غرفة تُدعى قدس الأقداس، كان الله قد جعلها رمزاً لسمائه يعلن فيها ظهوره بمجده وجلاله، أو بالحري كرمز لسمائه. وكان يوجد أمام هذه الغرفة، غرفة أخرى تدعى القدس، يقدم فيها الكهنة العبادة لله كل يوم. وبين هاتين الغرفتين كان يوجد الحجاب المذكور (2 أخبار 3: 14 ، خروج 26: 31) رمزاً إلى أن الناس حتى الكهنة منهم، ليسوا أهلاً بسبب خطاياهم للدخول إلى حضرة الله، وإلى أنه تعالى لقداسته المطلقة لا يمكن أن يقبلهم في حضرته لهذا السبب.

وقد ظل هذا الحجاب قائماً بين الغرفتين المذكورتين من أيام موسى النبي حتى رُفع المسيح على الصليب، ولذلك لم يجسر إنسان طوال هذه المدة أن يدخل قدس الأقداس أو يراه، لئلا يموت في الحال. فقد قال الله لموسى أن ينهى حتى رئيس الكهنة، عن الدخول كل الوقت إلى ما وراء الحجاب لئلا يموت. (لاويين 16: 2). لكن هذا الحجاب الذي ظل قائماً في موضعه مئات السنين يعلن إنغلاق باب الله في وجه البشر بسبب خطاياهم، لم يبق لحظة واحدة بعد أن قال المسيح قد أكمل ، بل انشق في الحال من فوق إلى أسفل - وطبعاً ما كان لينشق (أو بالحري ما كان الله ليشقه) في هذه اللحظة، لولا أن كفارة المسيح قد وفّت كل مطالب عدالته وقداسته، لأن الله بشقه للحجاب، كأنه يقول للناس: لقد كفّر المسيح عن خطاياكم تكفيراً كاملاً. ولذلك فتحت لكم بابي على مصراعيه، فهلموا إليّ لكي تتمتعوا بالوجود في حضرتي دون حاجز أو مانع .

2 - عدم كسر ساقي المسيح: ذكرنا في الباب الخامس، أن السبب في عدم كسر ساقي المسيح يرجع إلى أنه كان قد مات قبل الغروب. غير أننا إذا نظرنا إلى كسر الساقين من حيث كونه إهانة للمصلوب، يتضح لنا أن اللّه لم يسمح بكسر ساقي المسيح إكراماً له. وطبعاً ما كان هناك داع لإكرامه وقتئذٍ، لولا أن كفارته كانت قد وفَّت مطالب عدالة الله وقداسته كما ذكرنا.

3 - خروج الدم والماء من جنب المسيح بعد موته: بعد موت المسيح طعن أحد الجنود جنبه بحربة، فخرج للوقت دم وماء. وخروج الدم والماء وقتئذٍ، وإن كان يعلله بعض الأطباء بعلل طبيعية، بيد أننا إذا تطلعنا إليه في ضوء الكتاب المقدس نرى أنه دليل على كفاية كفارة المسيح. لأن الماء يرمز فيما يرمز إليه من أمور، إلى الوسيلة الإلهية للتطهير والارتواء الروحي (يوحنا 4: 10 - 14 ، رؤيا 22: 17) والدم هو عنوان الفداء والكفارة، إذ بدون سفك دم لا تحصل مغفرة (عبرانيين 9: 22). وقد جذبت هذه الحقيقة نظر يوحنا الرسول وعرف قدرها حق المعرفة، ولذلك قال عن المسيح هذا هو الذي أتى بماء ودم، لا بالماء فقط بل بالماء والدم.. والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة: الروح والماء والدم. والثلاثة هم في (المسيح) الواحد (1 يوحنا 5: 6 - 8) أي أن الروح القدس يعلن في العالم أن الفداء والحياة الأبدية هما بالمسيح، الأمر الذي يدل على كفاية كفارته كما ذكرنا.

4 - دفن المسيح في قبر جديد: قد لا يخطر ببال أحد من الناس أن دفن المسيح في قبر جديد له علاقة بكفاية كفارته، لكن نظراً لأن كل كبيرة وصغيرة في الحياة لا تحدث إلا وفقاً لمشيئة الله وتدبيره، فإن عقولنا لا تمر على دفن المسيح في القبر الجديد دون أن تتساءل: لماذا شاء الله أن يدفن جسد المسيح في مثل هذا القبر، وقد كان المقرر أن يدفن مع اللصين اللذين صلبا معه في المقبرة العامة، بناء على قوانين الدولة الرومانية وقتئذٍ؟! وللرد على هذا التساؤل نقول: لو كانت كفارة المسيح لم تف مطالب عدالة الله وقداسته، لكان مثل المسيح مثل أحد الناس لا أكثر ولا أقل، ولدفن تبعاً لذلك في المقبرة العامة بناءً على القوانين المذكورة. ولذلك فعدم دفن جسد المسيح في هذه المقبرة دليل على كفاية كفارته وإيفائها لمطالب عدالة الله وقداسته، بل ودليل أيضاً على كمال طهارته.

فالله سمح للبشر بصلب المسيح لا لعجزه عن إنقاذه من أيديهم، بل لأنه شاء أن يتمم فيه كفارته عنهم جميعاً. أما وقد أكمل المسيح هذه الكفارة بالتمام، فطبعاً لم يكن هناك داع لأن يهان جسده الطاهر بعد، بل كان من اللازم أن يكرم ويبجل. نعم كان عتيداً أن يُكرم ويبجل بقيامته من بين الأموات دون أن يعتريه فساد، لكن هذا لم يكن يمنع من إكرامه وتبجيله أيضاً في أثناء موته. فبأثمن الأكفان كان يجب أن يكفن، وبأغلى الحنوط كان يجب أن يعطر، وفي قبر جديد منحوت في صخر ومحاط ببستان كان يجب أن يدفن (يوحنا 19: 39 - 41).

5 - قيامة المسيح من بين الأموات: لو أن المسيح ظل مائتاً مدفوناً في قبره، لكان هناك مجال للطعن في كماله المطلق، بدعوى أنه لا يفرق شيئاً عن باقي الناس الذين بسبب خطاياهم يسود عليهم الموت ويظلون في قبورهم إلى يوم القيامة. ولكان هنا أيضاً مجال للطعن في كفارته التي نادى بها بدعوى عدم كفايتها لإيفاء مطالب عدالة الله وقداسته. لكن قيامته من بين الأموات في اليوم الثالث، لم تدع مجالاً لهذا الطعن أو ذاك.

6 - قيامة بعض القديسين: على أثر قيامة المسيح من بين الأموات، قام بعض القديسين من قبورهم، وظهروا لكثيرين من سكان أورشليم (متى 27: 52). وهذه الحادثة فضلاً عن أنها مدونة بالوحي الإلهي، الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك في صدقها نقول: إنها ترد في الكتاب المقدس بأسلوب بسيط بعيد كل البعد عن المغالاة والتعليق الخاص، اللذين نراهما في القصص التي يؤلفها البشر. كما أنها لا يمكن أن تكون من خيال التلاميذ، لأن هؤلاء لو أرادوا إكرام المسيح بسبب قيامته من الأموات، لما خطر ببالهم أن يكرموا معه بعض القديسين الذين ماتوا قبله، حتى يكون وحده محط الأنظار. فضلاً عن ذلك فإن هذه الحادثة كتبت ونشرت في نفس المكان الذي صُلب فيه المسيح وقام، وبين الناس الذين شاهدوا صلبه وسمعوا عن قيامته، دون أن يعترض عليها واحد منهم، الأمر الذي يدل على أنها كانت حادثة حقيقية معروفة كل المعرفة لديهم.

وسماح الله بقيامة هؤلاء القديسين من قبورهم على أثر قيامة المسيح من الأموات، دليل على كفاية كفارته، ودليل أيضاً على أن قوة الحياة التي لا تزول التي قام بها المسيح (عبرانيين 7: 16)، تستطيع أن تقيم جميع القديسين الذين ماتوا والذين يموتون، بالهيئة التي قام بها المسيح إلى المجد الأبدي.

7 - هدم الهيكل اليهودي: كان الهيكل مفخرة اليهود العظمى، ففضلاً عن أن بناءه تكلف حوالي مليار من الجنيهات الذهبية، فقد كان الملجأ الوحيد الذي يهرعون إليه في ضيقاتهم ويقدمون فيه الذبائح حسب الناموس الذي أعطاه الله لموسى النبي، لكي ينالوا من الله عند توبتهم، رحمة وغفراناً. بل وكان هذا الهيكل هو أيضاً الشهادة العلنية على اتصالهم بالله دون غيرهم من الشعوب القديمة، لأن هذه كلها كانت تعبد الأوثان. ولذلك كان الله يملأه بمجده، ويعلن لهم فيه مشيئته، ويتقابل معهم بالروح في رحابه - لكن هذا الهيكل العظيم لم يبق له أثر بعد ارتفاع المسيح إلى السماء بسنوات، إذ أقبل تيطس القائد الروماني وأحرقه، فهبط إلى الأرض من عليائه. ولم يكتف تيطس بذلك، بل اقتلع أساسه من الأرض، فتمت نبوة المسيح عنه أنه لن يترك فيه حجر على حجر لا يُنقض (متى 24: 2).

وقد حاول اليهود إعادة بناء الهيكل المذكور مرات متعددة عبر ألفي سنة تقريباً، فباءت كل محاولاتهم بالفشل - وهذا دليل واضح على أن ذبائحهم كانت مجرد رموز إلى كفارة المسيح، وبالتبعية على أن كفارة المسيح هي الكفارة التي يدوم أثرها إلى الأبد.

 

- 2 -

نتائج كفاية كفارة الله في المسيح

أولاً - البركات الخارجية

البركات الخارجية هي البركات التي يمنحها الله للمؤمنين الحقيقيين، ويراهم حاصلين عليها أمامه بفضل كفاية كفارة المسيح، وذلك بغض النظر عن حالة نفوسهم الداخلية في أي وقت من الأوقات، وتتلخص هذه البركات فيما يلي:

(ا) الغفران

كان داود النبي يرنم قبل مجيء المسيح بألف سنة قائلاً طوبى للذي غُفر إثمه وسُترت خطيته! (مزمور 32: 1). وكان إرميا النبي يتساءل قبل مجيء المسيح بستمائة سنة: كيف يصفح الله عن الخطاة؟ (إرميا 5: 7) - ولكن الطوبى التي كان يترنم داود بها ويريد الحصول عليها، لم تتحقق إلا بكفاية كفارة المسيح. والطريقة التي يمكن أن يصفح بها الله عن الخطاة والتي تساءل إرميا عنها، لم تُستعلن إلا بكفاية هذه الكفارة. فقد قال الوحي على لسان الرسل فليكن معلوماً عندكم أيها الرجال الإخوة أنه بهذا (أي المسيح) يُنادى لكم بغفران الخطايا (أعمال 13: 38). وقال أيضاً حتى ينالوا (أي البشر) بالإيمان بالمسيح غفران الخطايا ونصيباً مع المقدسين (أعمال 26: 18). وأيضاً إن كل من يؤمن به (أي بالمسيح) ينال باسمه غفران الخطايا (أعمال 10: 43). وقال للذين آمنوا إيماناً حقيقياً قد غفرت لكم الخطايا من أجل اسمه (1 يوحنا 2: 12).

والله عندما يصفح عن الخطايا لا يذكرها على الإطلاق، فتصبح كأنها لم تقترف بتاتاً. وقد كان داود النبي يشتاق إلى مثل هذا الصفح الكامل، ولذلك كان يخاطب الله قائلاً: لا تذكر خطايا صباي (مزمور 25: 7). لكن عدم ذكر الخطايا إطلاقاً لم يكن ليتحقق إلا بفضل كفاية كفارة المسيح لأنها وحدها هي التي وفت مطالب عدالة الله وقداسته، وعلى أساسها استطاع الله أن يقول للمؤمنين الحقيقيين أصفح عن آثامهم، ولا أذكر خطيتهم فيما بعد (إرميا 31: 31 - 34).

(ب) التبرير

والتبرير لا يراد به فقط، خلاص المؤمنين الحقيقيين من وصمة الخطايا (التي كانت لاصقة بهم) مثل الغفران، بل يُراد به أيضاً صيرورتهم أبراراً أمام الله، أي كأشخاص لم يرتكبوا خطيئة على الإطلاق. وفي الوقت نفسه عملوا كل البر الذي يريده الله. ولا غرابة في ذلك، فكما أن المسيح بنيابته عنا حُسبت عليه خطايانا بكل شناعتها، كذلك بسبب هذه النيابة عينها يحسب لنا بره الذي يفوق كل بر في الوجود.

كان أيوب الصديق وداود النبي يبحثان قديماً عن هذا التبرير، فلم يجدا إليه سبيلاً. فتساءل الأول: كيف يتبرر الإنسان عند الله؟ (أيوب 35: 4). وخاطب الثاني المولى قائلاً: فإنه لن يتبرر قدامك حي (مزمور 134: 2). لكن التبرير الذي نظر هذان التقيان إليه كأمر لا يمكن الحصول عليه، تحقق بفضل كفاية كفارة المسيح. فقد قال الرسل بالوحي للمؤمنين الحقيقيين: متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح (رومية 3: 24 - 28). وقالوا أيضاً: أما الآن فقد ظهر بر الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون (رومية 3: 21 - 2). وأن المسيح أسلم من أجل خطايانا، وأُقيم لأجل تبريرنا (رومية 4: 25). وأن به يتبرر كل من يؤمن (أعمال 13: 39).

هناك فرق بين البر الشرعي وبين البر العملي. فالأول هو ما يحسبه الله لنا بفضل كفاية كفارة المسيح عند الإيمان الحقيقي به، أما الثاني فهو الأعمال الصالحة الخالية من النقائص، التي نقوم بها نحن المؤمنين بفضل تأثير الله في نفوسنا. والبر الأول كامل كل الكمال وغير قابل للزيادة على الإطلاق بالنسبة إلى كل واحد منا، كما أنه هو الأساس الوحيد لقبولنا أمام الله (لأننا لا نستطيع بكل أعمالناالصالحة أن نكفر عن خطيئة واحدة من خطايانا). أما البر الثاني فيختلف قدره من واحد إلى آخر منا، لأننا نحن الذين نعمله بأنفسنا. أما من جهة فائدته فإنه الأساس الذي عليه يعطينا الله ما يراه من مكافأة، بجانب التمتع بالقبول الأبدي أمامه على أساس كفاية كفارة المسيح.

(ج) التطهير

قبل مجيء المسيح بمئات السنين كان أيوب الصديق يقول عن نفسه، إنه لو اغتسل في الثلج ونظف يديه بالأشنان، فإنه يظل مذنباً (9: 30). وكان إرميا النبي يقول عن البشر إنهم حتى إذا اغتسلوا بالنطرون، فإن آثامهم لا تُمحى من أمام الله (2: 22). الأشنان كلمة معربة عن اليونانية، تُطلق على مادة تستعمل في التنظيف. أما النطرون فهو كربونات الصوديوم، ومنه يصنع الصابون الذي يستطيع تنظيف الملابس - والأشنان والنطرون مستعملان هنا بالمعنى المجازي، للدلالة على أن الخطيئة لا تستأصل بأية وسيلة من الوسائل البشرية.

وكان حزقيال النبي يقول عنهم إنهم لم يطهروا ولن يطهروا (24: 13). وكان داود النبي يصرخ لله قائلاً إغسلني كثيراً من إثمي ومن خطيتي طهرني (مزمور 51: 2) - لكن هذا التطهير الذي كانوا يتوقون إليه، ويرون الحصول عليه أمراً بعيد المنال، قد تحقق بفضل كفاية كفارة المسيح. فقد قال الرسول بالوحي عن المسيح إنه صنع بنفسه تطهيراً لخطايانا (عبرانيين 1: 3). وأنه أحبنا وغسلنا من خطايانا بدمه (رؤيا 1: 5) الغسل هنا يُراد به المعنى المجازي. والمراد بالآية المذكورة أن كفارة المسيح تزيل كل أثر للخطيئة عن المؤمنين الحقيقيين، وإن دمه يطهر من كل خطية (1 يوحنا 1: 7). وإننا اغتسلنا بل تقدسنا بل تبررنا باسم الرب يسوع وروح إلهنا (1 كورنثوس 6: 11).

(د) الصلح والسلام مع الله

كان أيوب الصديق يبحث عن شخص خال من الخطيئة وفي الوقت نفسه قادر على إيفاء مطالب عدالة الله، حتى يستطيع أن يصالحه معه، لكنه لم يعثر على هذا الشخص إطلاقاً. ولذلك قال يائساً ليس بيننا مصالح يضع يده على كلينا، ليرفع عني عصاه ولا يبغتني رعبه (أيوب 9: 33 - 34). وكان إرميا النبي يقول إنه ليس سلام للبشر (12: 12). وكان إشعياء النبي يطلب من الله أن يجعل له ولغيره سلاماً (26: 12). غير أن الصلح والسلام مع الله اللذين كان يتوق هؤلاء الأفاضل إليهما ويرون الحصول عليهما أمراً متعذراً، قد تحققا بفضل كفاية كفارة المسيح. فقد قال بولس الرسول بالوحي فإذ قد تبررنا بالإيمان، لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح (رومية 5: 1 - 2). وقال أيضاً نفتخر.. بالله بربنا يسوع المسيح الذي نلنا به الآن المصالحة (رومية 5: 11). ولكن الكل من الله الذي صالحنا لنفسه بيسوع المسيح (2 كورنثوس 5: 18 - 21). وأيضاً إن الله صالح الكل لنفسه بالمسيح، عاملاً الصلح بدم صليبه بواسطته (كولوسي 1: 20 - 22).

(ه) الخلاص من الدينونة الأبدية

كان أتقى الناس قديماً يخشون الموت، ويبكون بكاء مرّاً إذا عرفوا باقترابه منهم (2 ملوك 20: 3). لأنهم كانوا يخشون الوقوف أمام عدالة الله (مزمور 143: 2) ويفزعون من الوقائد الأبدية التي قضي بها (إشعياء 33: 14). لكن بفضل كفاية كفارة المسيح، أصبحنا لا نخشى الدينونة، بل ونثق كل الثقة أن لنا امتياز التمتع بالله في سمائه إلى الأبد. فقد قال المسيح إن من يؤمن به لا يدان أمام العدالة الإلهية (يوحنا 3: 18)، والذي يؤمن بالذي أرسله فله حياة أبدية، ولا يأتي إلى دينونة، بل قد انتقل من الموت إلى الحياة. وإن من يؤمن بالابن تكون له الحياة الأبدية، ويقيمه الابن في اليوم الأخير (يوحنا 6: 40). وقال بولس الرسول بالوحي عن الخلاص من هذه الدينونة حين ظهر لطف مخلصنا الله وإحسانه، لا بأعمال في بر عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته خلصنا (تيطس 3: 5). وقال أيضاً لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان، وذلك ليس منكم، هو عطية الله (أفسس 2: 8). وقال عن نفسه إن المسيح يسوع جاء إلى العالم ليخلص الخطاة الذين أولهم أنا (1 تيموثاوس 1: 12 - 15).

ثانياً - البركات الباطنية

عرفنا في الباب الثاني أننا لا نحتاج إلى غفران فحسب، بل ونحتاج أيضاً إلى حياة روحية تؤهلنا للتوافق مع الله في صفاته السامية، لأننا إذا حصلنا على الغفران دون هذه الحياة، ننجو من الدينونة الأبدية لكن نظل عاجزين عن التوافق مع الله، والعجز عن التوافق مع الله هو الشقاء بعينه. لذلك لم تقف نتائج كفارة المسيح عند حد منح البركات الخارجية السابق ذكرها، بل منحت أيضاً بركات باطنية تهيّء النفس للتوافق مع الله في صفاته المذكورة، وهذه البركات هي:

(ا) الولادة الروحية من الله

ولكي نعرف شيئاً عن ضرورة هذه الولادة وماهيتها وأهميتها، نتحدث عن النقاط الآتية.

1 - عجز الوسائل البشرية عن إصلاح النفس: اتضح لنا في الباب الثاني عجز الأعمال الدينية (مثل الصوم والصلاة والتوبة الصادقة) عن قصاص الخطيئة عن الخطاة، وأيضاً عن تأهيلهم للتوافق مع الله في صفاته الأدبية السامية. وسنرى الآن أن محاولات رجال الإصلاح الإجتماعي في القضاء على الخطيئة قد باءت بالفشل كذلك:

قال فريق من هؤلاء الرجال أن الفقر والجهل والفراغ وثورة الشباب هي العوامل التي تقود إلى ارتكاب الخطيئة، لأنهم رأوا أن الفقير ينقاد إليها للحصول على لقمة العيش، والجاهل لعدم تقديره للعواقب، والعاطل لعدم استطاعته البقاء بلا عمل، والشباب لتهوره واندفاعه. ولذلك سعوا لتوفير المال اللازم للفقراء، والعلم للجهلاء، والعمل للعاطلين، والتهذيب للمراهقين. لكن هذه الوسائل (كما أثبت الإختبار) لا تجدي في التحول عن الخطيئة، لأن كثيرين من الأغنياء والمثقفين وأصحاب الأعمال والأشخاص الذين فاتوا دور الشباب، يرتكبون الكثير من الآثام والموبقات مثل غيرهم من الناس.

وقال فريق ثان إن العقاب البدني كفيل بتحويل الأشرار عن شرهم، ولذلك أمروا بمعاقبتهم إما بالسجن أو الجلد أو الأشغال الشاقة - لكن هذه الوسائل (كما أثبت الإختبار) لا تجدي أيضاً، إذ أنها تجعل الأشرار يعمدون إلى ابتكار طرق جديدة يخفون بها معالم جرائمهم، ومن ثم يتمادون في ارتكابها دون أن يكتشف أحد أمرهم. ولو فرضنا جدلاً أنهم أقلعوا عنها لسبب من الأسباب، فإن الميل إليها أو إلى بعضها قد يظل متأججاً في نفوسهم، ومن ثم يظلون أشراراً كما كانوا من قبل.

وقال فريق ثالث إن للدين سلطاناً عظيماً على الناس إذا نشأوا عليه منذ نعومة أظفارهم. ولذلك جعلوا تعليم الدين إجبارياً في المدارس، وأوصوا بتدريب الأطفال على حفظ الكثير من النصوص الدينية، لا سيما الخاصة منها بعظمة الله ووجوب الطاعة له - ولكن ألا يرتكب رجل الدين الذي نشأ منذ طفولته نشأة دينية بحتة نفس الخطايا التي يرتكبها غيره من الناس، وهكذا يفعل التربوي والأخصائي الإجتماعي، حتى إذا بلغ الستين تقريباً من عمره؟

2 - أسباب فشل الوسائل المذكورة في إصلاح النفس: (ا) إن السبب في فشل هذه الوسائل في تحويل البشر عن الخطيئة، يرجع إلى أن الميل إليها ليس أمراً عرضياً فيهم بسبب ظروفهم أو حالة المجتمع الذي يعيشون فيه، حتى لو كان من الممكن إزالته بواسطة هذه الوسائل،بل إنه نابع من ذات طبيعتهم. وهذه الطبيعة لا تتغيّر على الإطلاق، مهما تطبَّع المرء بطباع جديدة، لأن الطبع (كما يقولون) يغلب التطبُّع. فالوحوش المفترسة (مثلاً) وإن كان قد أمكن تدريبها على القيام بالأعمال التي يتطلبها مروضوها، لكنها كثيراً ما تنقضّ عليهم وتفتك بهم. وهكذا الحال من جهة البشرية، فإنه من الممكن تهذيبها، وقد تهذَّبت فعلاً حسب الحال الظاهر وأصبح الإنسان المتحضر أفضل من إنسان الغابة كثيراً، لكن الطبيعة التي في كليهما هي طبيعة واحدة.

نعم إن الإنسان المتحضر يتسامى أحياناً فوق الخطيئة تحت تأثير عوامل دينية أو إجتماعية، ولكن تسامياً مثل هذا لا يكون في الواقع إلا تصرفاً صناعياً، لأنه ضد الطبيعة وميولها. أما التسامي الحقيقي فهو التسامي الطبيعي (ومثله مثل ارتفاع الأبخرة في الهواء، لأنها بطبيعتها أقل وزناً منه)، ولا يكون هذا التسامي طبيعياً. إلا إذا حصل المرء على طبيعة جديدة يكون السمو (وليس التسامي فقط) من شأنها. وهذه الطبيعة لا يتيسر للمرء الحصول عليها بمجهوده الشخصي أو بمجهود غيره من الناس له (وذلك للقصور الذاتي الكامن فيه وفيهم معاً)، بل الله وحده هو الذي يستطيع أن يمنحها لمن يتهيئون لها، إذ أنه تعالى هو الخالق لكل الأشياء سواء أكانت مادية أم روحية.

(ب) وقد أدرك رجال الله مثل أيوب وإرميا عجز البشر عن إصلاح نفوسهم، فقال الأول متسائلاً من يخرج الطاهر من النجس؟ ثم أجاب عن هذا التساؤل فقال: لا أحد أو بالحري لا أحد من البشر (أيوب 14: 4). وقال الثاني هل يغير الكوشي (أي الحبشي أو الزنجي) جلده أو النمر رقطه؟! (الجواب طبعاً كلا). فأنتم أيضاً (هل) تقدرون أن تصنعوا خيراً أيها المتعلمون الشر أو بالحري المطبوعون عليه؟ (إرميا 13: 23). وقال بولس الرسول عن طبيعته البشرية ويحي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت (رومية 7: 24). كما أدرك ذلك كثير من الفلاسفة والعلماء، فقال أفلاطون ليس هناك تدرج من الشر إلى الخير ، أو بتعبير آخر إن الشرير لا يمكن أن يتدرج من تلقاء ذاته حتى يصبح خيّراً. وقال أرسطو أني عاجز كل العجز عن إصلاح النفوس البشرية وتحويلها إلى خيّرة . وقال ولسن إن العلم أخفق في تحقيق الإصلاح الأولي وتوفير الفردوس الأرضي للناس. حقاً لقد أفادهم من الناحية المادية وحررهم من الخرافات وأنقذهم من الأمراض، ولكنه فشل في تغيير الطبيعة البشرية وتخليصها من الأدران الكامنة فيها مثل الحقد والضغينة . وقال أيضاً إن علم الأخلاق عجز عن اقتلاع الميل إلى الشر من النفس وغرس الميل إلى الخير عوضاً عنه فيها . وقال بيتشر ضع ما يروق لك على حمار وحشي. ضع لجاماً من ذهب في فمه، وسرجاً من دمقس على ظهره. هل هذا يغير من طبيعته؟! زيّنه بكل زينة في الوجود، فهل يخرجه هذا من وحشيته؟ هكذا الطبيعة البشرية لا يمكن تغييرها، مهما بذل معها رجال الدين والإصلاح من جهود . وقال سينيكا إن الناس يكتنفهم شعور غامض بضعفهم وعجزهم إزاء التقدم الأدبي. فهم يكرهون رذائلهم ومع ذلك ينجذبون إليها. فما يحتاجون إليه هو أن توضع يد تحتهم لكي ترفعهم إلى أعلى ، وهذه اليد لا تكون طبعاً إلا يد الله.

(ج) وإذا كان الأمر كذلك، فإن رجال الدين والإصلاح الإجتماعي الذين ذكرنا محاولاتهم في البند الأول، لا يشبهون إلا جماعة من الناس رأوا شخصاً مشرفاً على الغرق، فأخذوا يصيحون نحوه قائلين (مثلاً): لقد أخطأت بذهابك إلى البحر، وكان من الواجب عليك أن لا تخاطر بحياتك، طالما أنت لا تحسن السباحة. أما وقد بلغ بك الأمر إلى هذا الحد، فعليك أن تجاهد وتكافح ولا تدع الماء يتسرب إلى جوفك، حتى لا تتعرض للغرق - فهل لذاك اللوم أو هذا النصح من فائدة؟! طبعاً لا. لأن ما يجب عمله في هذه الحالة هو إنقاذ المشرف على الغرق أولاً، ثم توجيه اللوم والنصح إليه بعد ذلك. وهذا ما تفعله المسيحية مع الخاطئ، فهي لا تطلب منه مبدئياً أن يحيا حياة القداسة والطهارة، بل أن يُقبل بكل قلبه إلى المسيح الفادي، وحينئذٍ لا تُغفر له خطاياه فحسب، بل وينال أيضاً من الله طبيعة روحية تؤهله للإرتقاء فوق الطبيعة الخاطئة الكامنة فيه، وبذلك يستطيع تنفيذ كل وصايا الله على أحسن وجه - وهذا العمل هو ما يسمى الولادة من الله .

3 - ماهية الولادة من الله (ا) فهذه الولادة ليست إذاً إصلاح الطبيعة البشرية العتيقة بواسطة الصوم والصلاة أو الوعظ والإرشاد، أو هي بدء صفحة جديدة في الحياة بواسطة التوبة عن الخطيئة ومحاولة الإبتعاد عنها، أو الإنضمام إلى جماعة دينية ومزاولة بعض النشاط الديني أو الأدبي بينها، أو دراسة الكتب المقدسة والسعي للعمل بما جاء فيها (وإن كانت هذه كلها أموراً طيبة في حد ذاتها)، بل إن الولادة من الله هي حصول المرء من الله على طبيعة روحية تؤهله للتوافق معه في صفاته السامية.

(ب) وقد أشار الرسل إلى الولادة المذكورة فقالوا وأما كل الذين قبلوه (أي قبلوا المسيح) فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنون باسمه. الذين وُلدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل، بل من الله (يوحنا 1: 12 و 13) ليس من دم أي ليس من سلالة أو جنس ما. ولا من مشيئة جسد أي ليس بواسطة المجهود الجسدي أو الذاتي. وليس من رجل أي ليس بواسطة التفاعل الطبيعي أو بواسطة رجل من رجال الدين مثلاً، وقالوا أيضاً: كل من يؤمن (إيماناً حقيقياً) أن يسوع هو المسيح، فقد وُلد من الله (1 يوحنا 5: 1). وأيضاً إن الله ولدنا ثانية لرجاء حي بقيامة يسوع المسيح من بين الأموات (1 بطرس 1: 3). وإنه شاء فولدنا بكلمة الحق لكي نكون باكورة من خلائقه (يعقوب 1: 18). وإن المؤمنين (الحقيقيين) وُلدوا ثانية، لا من زرع يفنى بل مما لا يفنى، بكلمة الله الحية الباقية إلى الأبد (1 بطرس 1: 23) وإن الله وهبهم كل ما هو للحياة والتقوى لكي يصيروا شركاء الطبيعة الإلهية (الأدبية) هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة (2 بطرس 1: 3 و 4). وقد نبّه السيد المسيح من قبل إلى ضرورة هذه الولادة، فقال لأحد كبار معلمي اليهود: المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الروح هو روح. لا تتعجب أني قلت لك: ينبغي أن تولدوا من فوق (يوحنا 3: 6 - 7).

(ج) والولادة من الله يعبر عنها أيضاً بالخليقة الجديدة. فقد قال الرسول إذاً إن كان أحد في المسيح، فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت. هوذا الكل قد صار جديداً (2 كورنثوس 5: 17). كما قال عن نفسه وعن المؤمنين لأننا نحن عمله (أي عمل الله) مخلوقين (مرة ثانية) في المسيح يسوع، لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدها، لكي نسلك فيها (أفسس 2: 10).

(د) فالولادة من الله ليست وهماً أو بعض وهم (كما يظن بعض الناس)، بل هي حقيقة واقعة، لها الأدلة الكافية على وجودها. وقد اهتم كثيرون من علماء النفس بدراستها لا سيما في الأشخاص الذين كانوا يرتكبون الجرائم ويدمنون المخدرات من قبل، فهالهم أمرها واعترفوا بأحقية وجودها. فالأستاذ دراموند عندما رأى آثارها في الأشخاص المذكورين، اقتنع بوجودها ووصفها وسجل نتائجها في كتبه. والعلامة ستوربوك عندما درس نتائج هذه الولادة، أسندها إلى حدوث تغيير عظيم في النفس. والأستاذ بروننج وجد أن الولادة المذكورة لا تتم في النفس بالتدريج، بل دفعة واحدة. وقال الأستاذ جويت: إن الولادة الثانية لا تخضع لنواميس العلاج النفسي بل لناموس آخر، هو ناموس الله . وقال الأستاذ سافينارولا إن الولادة من الله تبعث في النفس حياة خلاقة لأنه وجد المولودين من الله يحيون حياة روحية سامية لا يستطيع سواهم أن يحياها.

4 - ضرورة الولادة الجديدة: (ا) إن نفس الإنسان ليست مريضة فقط بالخطيئة حتى كان يكفيها علاج ما، لكنها ميتة بالخطيئة، إذ أن هذه سيطرت عليها تماماً. ومن ثم فإنها تحتاج قبل كل شيء إلى حياة روحية. وهذه الحياة هي التي أتى المسيح إلى العالم ليمنحها لنا. فقد قال عن نفسه: أما أنا فقد أتيت (لا لكي أعظ أو أعلم أو أرشد أو أعمل معجزات، وإن كان قد قام بهذه الأعمال خير قيام)، بل أتيت لتكون لهم حياة. ويكون لهم أفضل (يوحنا 10: 10).

وهذه الحياة ليست قوة أدبية (كما يظن بعض الناس)، بل هي حياة بكل ما في هذه الكلمة من معنى، مثلها في ذلك مثل الحياة التي تدب في الميت فينهض من رقاده ويقوم بما أراد من أعمال. ومن ثم فبواسطتها يصبح الميت بالذنوب والآثام شخصاً روحياً يستطيع بنعمة الله الإرتقاء فوق كل الخطايا، كما يستطيع التوافق مع الله في صفاته الأدبية السامية. والرسول الذي اختبر هذه الحياة في نفسه قال: لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت . (رومية 8: 2).

ومن ثم فكما أنه بالولادة من آبائنا وأمهاتنا نحصل على صفاتهم وخصائصهم، ونبدأ حياتنا على الأرض معهم، ويكون لنا أيضاً حق التمتع بهم وبكل ما لديهم من خير (إن كان لديهم خير)، هكذا الحال من جهة الولادة من الله، فإن بها دون غيرها نحصل على طبيعته الأدبية، فتبدأ علاقتنا الحقيقية معه، ونستطيع التمتع به في كل أمجاده.

(ب) مما تقدم يتضح لنا أنه كما أن الطبيعة أوصدت بابها بين مملكتي الجماد والحيوان، فلا يمكن أن ينتقل جماد من حالة الجمود إلى الحياة، كذلك لا يمكن للميت بالخطايا والذنوب أن يكّون بنفسه الحياة الروحية المذكورة، مهما بذل من مجهود. ولذلك فعلى من يريد الحصول عليها أن يتجه بقلبه إلى الله مباشرة مؤمناً إيماناً حقيقياً بالمسيح، فيمنحه الله إياها كما ذكرنا. أما من يكتفي بما يقوم به من الأعمال التي تُدعى الصالحة لكي يستر خطاياه، فمثله مثل شخص يحاول القضاء على رائحة ميت، مهما أكثر من تعطيره، لا يمكن أن يجعل الميت حياً. أو مثل شخص يصنع زهوراً، لكن مهما أتقن صناعتها فلا يمكن أن يجعلها تبعث من تلقاء ذاتها رائحة زكية.

(ب) الحصول على الروح القدس

1 - العلاقة بين حلول الروح القدس وكفارة المسيح: كان الروح القدس، أو بالحري روح الله، يحل على الأنبياء قديماً في أوقات خاصة لكي يبلغهم أقوال الله. ولكنه لم يسكن في واحد منهم، لأن الخطيئة لم تكن قد أُزيلت عنهم من أمام الله بعد. وقد أشار الرسول إلى هذه الحقيقة فقال عن الروح القدس: إنه لم يكن قد أُعطي بعد. لأن يسوع لم يكن قد مُجِّد بعد (يوحنا 7: 39). ولكن لما تمجد المسيح بالقيامة من الأموات والصعود بعد ذلك إلى السماء، على أساس كفاية كفارته، حلّ الروح القدس على تلاميذه وسكن فيهم (أعمال 2)، بناء على وعد المسيح السابق لهم (أعمال 1: 4). ومن هذا الوقت إلى الآن وهو يحل في المؤمنين الحقيقيين. فقد قال الرسول لهم: إذ آمنتم خُتمتم بروح الموعد القدوس (أفسس 1: 13)، كما قال لهم: إنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم (1 كورنثوس 3: 16).

2 - تهيئة المؤمنين الحقيقيين للصلاة: ذكرنا في الباب الثاني أن البشر بسبب قصورهم الذاتي لا يستطيعون أن يرفعوا من تلقاء أنفسهم الصلاة المقبولة أمام الله. ولكن بفضل سكنى الروح القدس فيهم تكون لهم القدرة على القيام بهذه الصلاة، لأنه يسمو بنفوسهم إلى حالة الشركة مع الله، كما يعلن لهم مشيئته من نحوهم. وقد أشار الرسول إلى هذه الحقيقة فقال لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي (بسبب عجزنا الطبيعي). ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا يُنطق بها. ولكن الذي يفحص القلوب يعرف ما هو اهتمام الروح، لأنه بحسب مشيئته يشفع في القديسين (رومية 8: 26 ، 27).

3 - تعليمه للمؤمنين الحقيقيين وإعطاؤهم الغلبة على الخطيئة. فقد قال المسيح لتلاميذه عن الروح القدس إنه يعلّمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم - (يوحنا 14: 26). وقال الرسول للمؤمنين عنه وأما أنتم فالمسحة التي أخذتموها منه (أي من الله) ثابتة فيكم ولا حاجة بكم أن يعلمكم أحد (شيئاً من أموره تعالى). بل كما تعلمكم هذه المسحة عينها عن كل شيء (1 يوحنا 2: 27).

ونظراً لأن هذا الروح هو روح الله، فإنه يعطيهم الغلبة على الخطيئة. فقد قال الرسول للمؤمنين إنهم بالروح القدس يميتون أعمال الجسد (رومية 8: 13). فضلاً عن ذلك فإنه عندما يسود عليهم يربطهم بالله ويطبعهم بطابعه السماوي المقدس. ومن ثم ينظم تفكيرهم، ويهيئهم للسير في طريق الله في كل حين، فيسيرون في طريقه، كما تسير الكواكب في أفلاكها بانتظام، بسبب الجاذبية الكائنة بينها وبين غيرها من الكواكب والنجوم.

(ج) النبوة لله

هناك فرق لا حد له بين بنوة المؤمنين الحقيقيين لله وبين بنوة المسيح الفريدة له. فهؤلاء المؤمنون يُعتبرون أبناء لله بالنعمة، من وقت إيمانهم بالمسيح إيماناً حقيقياً فحسب. أما المسيح فهو ابن الآب بالحق والمحبة منذ الأزل (2 يوحنا 3). ولذلك فإنه دون سواه هو ابن الله الوحيد (يوحنا 1: 18).

1 - كان إرميا النبي يبحث قديماً عن كيفية الحصول على هذا الإمتياز الثمين، لكنه رأى استحالة بلوغه بالمجهود الذاتي، فتساءل قائلاً: كيف أضعك (أيها الإنسان) بين البنين؟ (إرميا 3: 19). لكن هذا الإمتياز الذي كان إرميا يرى استحالة حصول الإنسان عليه لقصوره الذاتي، قد تحقق فعلاً بفضل كفاية كفارة المسيح وعمله الروحي في قلوب المؤمنين الحقيقيين. ولذلك قال الرسل لهؤلاء المؤمنين: بما أنكم أبناء، أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخاً (أو هاتفاً) يا أبا الآب (غلاطية 4: 6). وكلمة أبا كلمة سريانية معناها آب . ونظراً لشيوع استعمالها في نشأة المسيحية، سجلت كما هي في الكتاب المقدس، وسجل بعدها معناها باللغة المترجم إليها. ولذلك فإن هذه الآية تقرأ فقط صارخاً أيها الآب .

وقالوا أيضاً لهم: أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا أبا الآب. الروح نفسه يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله. فإن كنا أولاداً فإننا ورثة أيضاً، ورثة الله، ووارثون مع المسيح (رومية 8: 15 ، 16 ، 17). والمراد بوراثة الله أن يكون تعالى هو النصيب الأبدي للمؤمنين الحقيقيين، لأن هؤلاء لا يشتهون التمتع بأمجاد السماء (وإن كانت هذه ثمينة وغالية)، بل يشتهون التمتع بالله ذاته، فهو لديهم أعظم من هذه الأمجاد بما لا يقاس.

وأيضاً أنظروا أية محبة أعطانا الآب حتى ندعى أولاد الله (1 يوحنا 3: 1). وأيضاً: فلستم بعد غرباء ونزلاً بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله (أفسس 2: 19).

2 - والحق أن جعل الله إيانا أولاداً له، هو أعظم إحسان أنعم علينا به، على أساس كفاية كفارة المسيح. فهو لم يتبنانا لنفسه كما يتبنى إنسان بعض الأطفال، بل ولدنا بروحه معطياً إيانا طبيعته الأدبية السامية. وهذا هو الإحسان الذي لا يستطيع أحد في العالم أن يجود بمثله. لأننا نرى أنه إذا أراد إنسان كريم الخلق أن يتبنى لنفسه غلاماً مطبوعاً على الشر (مثلاً)، فإنه يعامله بكل عطف ولطف، ويرسله إلى أرقى المدارس والمعاهد، ويقدم له أفخر الملابس والأطعمة، ويوفر له كل أسباب الراحة والهناء. لكن مهما أوتي من حكمة وكرم لا يستطيع أن يلد الغلام المذكور مرة ثانية (أو بالحري لا يستطيع أن يولد فيه ذات الأخلاق الكريمة التي يتمتع هو بها)، لذلك فإن هذا الغلام وإن كان يتثقف ذهنياً وظاهرياً، غير أنه يظل بنفسيته الشريرة التي طُبع عليها - لكن ما لا يستطيع البشر قاطبة أن يعملوه، قد عمله الله في نفوسنا بولادتها منه.

3 - إن رجال الإصلاح الإجتماعي الذين تأثروا بالخراب الذي يحل بالبشر بسبب الحروب، يتجهون في الوقت الحاضر إلى إزالة الفوارق بين البشر حتى يصيروا شعباً واحداً متآلفاً، يحب كل فرد فيه غيره كما يحب نفسه. وما أسمى هذا الفكر وما أنبله!! لكن هل من الممكن تحقيقه بدون ولادة البشر من الله ولادة جديدة؟ طبعاً كلا، لأن هذه الولادة هي التي تجعلهم فعلاً أولاداً لله، وإخوة بالروح بعضهم لبعض.

(د) الحياة الأبدية والصلة الحقيقية بالله

1 - الحياة الأبدية: الحياة الأبدية ليست هي التمتع بالله بعد الإنتقال من العالم الحاضر كما يظن بعض الناس، بل هي الحياة الروحية التي يهبها الله للمؤمنين الحقيقيين بمجرد إيمانهم في هذا العالم. فقد قال المسيح هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له (الآن) الحياة الأبدية (يوحنا 3: 16). وإن من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني، فله (الآن) حياة أبدية (يوحنا 5: 24). وقال الرسول إن الله أعطانا (الآن) حياة أبدية، وهذه الحياة هي في ابنه. من له الابن له (الآن) الحياة، ومن ليس له ابن الله فليست له الحياة (1 يوحنا 5: 11). والحياة الروحية التي يتمتع بها المؤمنون الحقيقيون في العالم الحاضر، ستظل فيهم إلى الأبد مؤهلة إياهم للتمتع بالعلاقة السامية مع الله إلى ما لا نهاية. فكل من لا يحصل على هذه الحياة في الوقت الحاضر، سوف لا تكون له حياة مع الله بعد انتقاله إلى رحابه، لأنه كما يكون الإنسان في هذا العالم، سيكون كذلك في الأبدية.

2 - الصلة بالله: إن الأنبياء قديماً لم يكن في وسعهم الهروب من دينونة الله، فعندما ظهر الله لموسى صرخ في الحال أنا مرتعب ومرتعد (عبرانيين 12: 21). وعندما ظهر لإشعياء صرخ قائلاً ويل لي إني هلكت (إشعياء 6: 5). ولكن بفضل كفاية كفارة المسيح أصبح للمؤمنين الحقيقيين امتياز الدنو من الله منذ الآن للتمتع به وبأمجاده. ولذلك قال الرسول فإذ لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع... لنتقدم بقلب صادق (عبرانيين 10: 19 - 22). وقال أيضاً فلنتقدم بثقة إلى عرش النعمة لكي ننال رحمة ونجد نعمة عوناً في حينه (عبرانيين 4: 16). وأيضاً إن بالمسيح لنا قدوماً إلى الآب (أفسس 2: 18). لأننا بعدما كنا بعيدين عنه صرنا قريبين منه بفضل كفارة المسيح (أفسس 2: 13).

(ه) الإتحاد الروحي بالمسيح وإدراك الحقائق الروحية

1 - الإتحاد الروحي بالمسيح: فقد قال الوحي عن المؤمنين الحقيقيين إنهم بواسطة إيمانهم الحقيقي بالمسيح وسكنى الروح القدس فيهم تبعاً لذلك، أصبحوا بمثابة أعضاء جسد المسيح من لحمه ومن عظامه (أفسس 5: 30)، وأصبح المسيح بمثابة الرأس لهم (كولوسي 1: 18). فضلاً عن ذلك، فإنه يحيا فيهم (غلاطية 2: 20)، ويكون حياتهم (كولوسي 3: 4). وكما يكون فيهم، كذلك يكونون هم أيضاً فيه (يوحنا 15: 4 ، 17: 23) - واتحاد المؤمنين الحقيقيين بالمسيح واتحاد المسيح بهم يكسبهم صفاته السامية، ومن ثم يستطيعون بنعمته أن يعيشوا على الأرض كما عاش، بكل قداسة وطهارة.

2 - إدراك الحقائق الروحية: إن الإنسان الطبيعي، مهما سمت حكمته الذاتية لا يستطيع فهم أمور الله، لأن هذه تفوق العقل والإدراك. لكن عندما يؤمن إيماناً حقيقياً، يتولد لديه إدراك واضح لهذه الأمور بواسطة عمل الروح القدس في نفسه. فقد قال بولس الرسول لأن الله الذي قال أن يشرق نور من ظلمة، هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح (2 كورنثوس 4: 6). وقال أيضاً لكننا نتكلم بحكمة بين الكاملين، ولكن بحكمة ليست من هذا الدهر، ولا من عظماء هذا الدهر الذين يبطلون، بل نتكلم بحكمة الله في سر. الحكمة المكتومة التي سبق الله فعيّنها قبل الدهور لمجدنا... (لأن) أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله، ونحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذي من الله لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله... ولكن الإنسان الطبيعي (بسبب الخطيئة المسيطرة عليه) لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة... وأما الروحي فيحكم في كل شيء وهو لا يُحكم فيه من أحد، لأنه من عرف فكر الرب فيُعلّمه، وأما نحن فلنا فكر المسيح (1 كورنثوس 2: 6 - 16).

من الأبواب السابقة يتضح لنا (أولاً) أن المسيح احتمل دينونة خطايانا وعارها نيابة عنا، وأنه على هذا الأساس تهاطلت علينا إحسانات الله بكرم لا حد له. وبذلك سار عدل الله في مجراه إلى النهاية، كما سارت رحمته في مجراها إلى النهاية أيضاً، وفي هذا التصرف يتجلى لنا كمال الله المطلق وتوافق جميع صفاته معاً. وقد رأى داود النبي بالوحي هذا التصرف السامي العجيب فصاح متهللاً الرحمة والحق (أي والعدل) التقيا. البر (أي الإستقامة أو العدل) والسلام تلاثما (مزمور 85: 10). نعم وكان لا بد أن يلتقيا وكان لا بد أن يتلاثما كذلك، لأن صفات الله جميعها كما نعلم كاملة ومتوافقة. لكن هل كان من الممكن أن يلتقي عدل الله ورحمته معاً وأن يتلاثما أيضاً، بدون كفارة المسيح؟ طبعاً كلا. ولما كان الأمر كذلك، صاح الرسول قائلاً تملك النعمة (أي الرحمة والمحبة) بالبر (أي بالعدل والحق) للحياة الأبدية بيسوع المسيح ربنا (رومية 5: 21)، أو بتعبير آخر إن رحمة الله لها الآن أن تشمل جميع المؤمنين الحقيقيين، فتمتعهم بكل البركات السابق ذكرها، دون أن يكون في ذلك إجحاف بحقوق عدالته. بل إن عدالته نفسها تشترك مع رحمته في منحهم هذه البركات، لأنه تم إيفاء كل مطالبها من جهتهم.

(ثانياً) إن الله تمجد بالكفارة أكثر مما لو كان قد طرح جميع البشر في جهنم إلى الأبد بسبب عجزهم عن إيفاء مطالب عدالته وقداسته. وللإيضاح نقول: لنفرض أن رجلاً ثرياً نهبت ثروته، وبالقبض على اللصوص وجد أنهم بدّدوا هذه الثروة عن آخرها، فإن كل ما يمكن عمله في هذه الحالة هو معاقبتهم، لكن الثروة لا يمكن استردادها. أما الله فقد استطاع بالكفارة أن يستردنا نحن الذين ضللنا، وإن يمنحنا ليس فقط حياة الإستقامة التي كانت لآدم قبل السقوط في الخطيئة، بل حياة أفضل منها بما لا يقاس، لأنها الحياة الأدبية الخاصة به تعالى. ومن ثم (إن جاز التعبير) نقول: إن الله أحرز بالكفارة فوزاً عظيماً ونصراً مبيناً.

الباب السابع

كيفية الإفادة من كفارة المسيح

-         1

-         الإيمان وأهميته أولاً - ماهية الإيمان

من البديهي أن يتساءل القراء بعد دراسة الباب السابق، عن ماهية الإِيمان الذي بواسطته يمكن أن نخلص من قصاص الخطيئة ونتائجها، وأن نتمتع أيضاً بالحياة الروحية مع الله إلى الأبد. ولهم الحق في ذلك، لأن كلمة الإيمان لكثرة تداولها بين الناس فقدت معناها عند معظمهم، وأصبحت تطلق على مجرد الإعتراف بعقيدة ما. فكل من اعترف بوجود الله (مثلاً)، أصبح في نظرهم مؤمناً. لكن هذا ليس من الصواب في شيء، لأن من يؤمن بوجود الله، يبغض الخطيئة ويأبى السلوك فيها. وبما أن كثيرين من الذين يعترفون بوجود الله، يرتكبون الكثير من الآثام غير حاسبين له تعالى حساباً، إذاً فهم ليسوا بمؤمنين. وإن قالوا إنهم مؤمنون، فإيمانهم هذا لا يكون حقيقياً بل أسمياً فحسب. وإيمان مثل هذا (إن جاز أن يسمى إيماناً) لا قيمة له في نظر الله، حتى إن كان ذووه يصومون ويصلون ويتصدقون كثيراً. وإذا كان الأمر كذلك، يجب علينا جميعاً أن نعرف ما هو الإيمان الحقيقي الذي يهيئنا للتمتع بالبركات السابق ذكرها، ومن ثم نقول:

1 - معنى الإيمان من الناحية اللغوية: الإيمان لغة هو الثقة واليقين، أو بالحري هو الثقة بحقائق غير منظورة بناء على شهادة الله عنها، بغض النظر عن حكمنا نحن عليها، لأن آراءنا معرّضة للتغيير من وقت إلى آخر، أما شهادة الله فثابتة إلى الأبد. وقد استعمل الكتاب المقدس كلمة الإيمان بهذا المعنى فقال الإيمان هو الثقة بما يُرجى والإيقان بأمور لا تُرى (عبرانيين 11: 1).

هذا هو المعنى العام للإيمان، وإذا أردنا تطبيقه على سبيل الإفادة من خلاص المسيح، يكون هو العمل الروحي الذي به تتفتح نفوسنا لله وتثق في خلاصه الذي عمله في المسيح، ثقة تجعلها توقن كل اليقين أنها امتلكت هذا الخلاص مع البركات المترتبة عليه. غير أن للإيمان في بعض اللغات الأجنبية معان أخرى،كما يتضح مما يلي:

(ا) ففي اللغة السنسكريتية (التي هي أصل الكثير من اللغات الأوروبية) يراد به أيضاً (الرابطة . فيكون الإيمان بالمسيح هو الرابطة الروحية التي تربطنا به.

(ب) وفي اللغة اليونانية يراد به الأساس الذي يستقر عليه الشيء ، أو الجوهر الذي يجعل لهذا الشيء كيانه ووجوده ، كما يراد به العقد الذي يثبت الملكية . ومن ثم يكون الإيمان بالمسيح هو الأساس الروحي الذي يستقر عليه خلاص المسيح في النفس. وهو الجوهر الذي يجعل لهذا الخلاص كياناً خاصاً فيها، وهو الوثيقة التي تؤكد لها ملكيتها للخلاص وأحقيتها في التمتع به، كما يتمتع المالك بملكه الخاص الذي وضع يده عليه شرعاً وفعلاً.

(ج) وبالإضافة إلى دلالة الإيمان على الثقة، في كل من اللغة العربية والإنجليزية، فإنه يراد به في الأولى (الأمن)، وفي الثانية (الأمانة). ومن ثم يكون المؤمن شخصاً يعيش في سلام واطمئنان مع الله، كما يكون شخصاً أميناً مخلصاً له، وهذان المعنيان يردان في الكتاب المقدس ليس تعريفاً للإيمان بل نتيجة له. فقد قال الوحي إن لم تؤمنوا، فلا تأمنوا (إشعياء 7: 9)، كما قال غير المؤمنين إنهم أشخاص لا أمانة فيهم (تثنية 32: 20).

2 - معنى الإيمان من بعض النواحي العلمية والفلسفية: (ا) وإذا استعرنا لغة علم النفس، يكون إيمان الخلاص هو استجابة العقل الباطن للإعلان الإلهي أن الخلاص قد تم بواسطة المسيح، ثم اطمئنانه لهذا الإعلان وامتلاكه للخلاص المذكور مع البركات المترتبة عليه - وهذه الأعمال الباطنية الثلاثة (أي الإستجابة والإطمئنان والإمتلاك) تكون طبعاً بموافقة العقل الواعي ، لأن الإيمان بالمسيح ليس هو الثقة بأمور وهمية أو مجهولة، بل بأمور حقيقية معروفة.

(ب) وإذا استعرنا لغة العلوم الطبيعية، يكون إيمان الخلاص هو استقبال النفس لخلاص الله الذي عمله في المسيح، ثم حصولها عليه مع البركات السابق ذكرها، كما يستقبل السالب قوة الموجب ويحصل عليها. أو يكون هذا الإيمان هو تفاعل النفس مع الخلاص المذكور وتشبعها به، تشبعاً يجعلها (مع البركات المترتبة عليه) جزءاً لا يتجزأ من كيانها.

(ج) وإذا استعرنا لغتي الصوفية والوجودية الروحية، يكون إيمان الخلاص هو اختراق النفس للحجاب واتصالها بالله، ثم حصولها منه على الخلاص المذكور مع البركات المترتبة عليه، بدرجة تجعلها تختبر هذه البركات وتتمتع عملياً بها. وما نقصده بالحجاب هنا، هو ما يحجب النفس عن الله. وما يحجب النفس عن الله، هو الطبيعة البشرية العتيقة التي لا تتوافق معه في شيء من صفاته الأدبية السامية. فاختراق الحجاب إذاً هو الإنصراف عن الجسد بما فيه من شر أو خير (إن كان فيه ثمة خير)، لكي تكون النفس تحت تأثير الله دون سواه. وقد أشار إلى هذه الحقيقة كثير من الفلاسفة والمتصوفين، فقال القديس يوحنا المتصوف الأسباني: إن الإيمان هو اتصال النفس بالله واتحادها به . وقال كيركجارد فيلسوف الوجودية الروحية الإيمان هو أماتة النفس العتيقة أو (أنا) المادية المتمردة، ثم بعث هذه النفس في (أنا) روحية جديدة، تكون مقترنة بالله اقتراناً تاماً . وقال برجسون الفيلسوف المشهور الإيمان هو عمل النفس الفاعلة بذاته، والمنفعلة مع الله في حالة الإنسجام الكلي معه. وهو وثبة ترقى بالنفس إلى مجال فسيح الأرجاء، كما أنه انجذاب نحو عالم أفضل يجعل النفس لا ترى إلا عظائم الأمور . وقال غيره إن أول الإيمان لقاء مع الله، وآخره لقاء مع الله .

3 - معنى الإيمان من الناحية المسيحية: والإيمان بلغة المسيحية هو (أولاً) عودة الإنسان إلى حالة الطفولة التي تتجلى فيها النفس ببراءتها وصفاتها، ثم تصديق الأطفال الذي لا يشوبه شك أو ريب. ولذلك قال المسيح الحق الحق أقول لكم: إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد، فلن تدخلوا ملكوت السموات (متى 18: 3). (ثانياً) قبول المسيح في النفس فقد قال الوحي وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه (يوحنا 1: 12). وقبول المسيح لا يراد به فقط قبول عقيدة الخلاص الذي عمله المسيح على الصليب، بل وأيضاً قبول شخصه بحالة روحية في أعماق النفس كما ذكرنا. (ثالثاً) الإعتماد على المسيح أو بالحري إراحة القلب والعقل عليه. فقد قال النبي لله يا مخلص (جميع) المتكلين عليك (مزمور 17: 7). وقال أيضاً يفرح جميع المتكلين عليك إلى الأبد (مزمور 5: 11). وأيضاً الرب فادي نفوس عبيده، وكل من اتكل عليه لا يعاقب (مزمور 34: 22).

4 - مميزات الإيمان الحقيقي: مما تقدم يتضح لنا أن الإيمان الحقيقي ليس مجرد الإعتراف بالمسيح أو مجرد تصديق رسالته كحقيقة أعلنها الوحي وأيدها الإختبار، لأنه إن وقف إيمان إنسان عند هذا الحد يكون إيمانه عقلياً فحسب. والإيمان العقلي، وإن كان ينشئ في النفس اقتناعاً بحقيقة الخلاص، لكنه لا يهيء لها سبيل الإفادة منه. فمثل الإيمان العقلي والحالة هذه مثل اقتناع الأعمى بجمال الطبيعة، فإنه وإن كان يعطيه صورة ذهنية عن هذا الجمال، لكنه لا يهيء له السبيل للتمتع العملي به. وقد أعلن الوحي عن عدم فائدة هذا النوع من الإيمان، فقال عن الشياطين إنهم يؤمنون ويقشعرون (يعقوب 2: 19)، ومع ذلك لا خلاص لهم على الإطلاق. كما أن القيام بالصلاة والصوم والصدقة ليس دليلاً على وجود الإيمان الحقيقي، إذ من الجائز أن يقوم إنسان بالعملين الأولين بدافع من الغريزة الدينية وحدها، وبالعمل الثالث بدافع من الشفقة الطبيعية دون غيرها، ويكون في نفس الوقت بعيداً بقلبه عن الله كل البعد.

فالإيمان الحقيقي هو عمل باطني يشغل قوى النفس كلها، لأن العقل الواعي يصدق المسيح، والإرادة تقبله، والعواطف تتأثر به، والعقل الباطن يستريح إليه، ويفيد منه، وبذلك تولد النفس ولادة روحية تحصل بها على حياة جديدة تهيئها لمعرفة الله والتوافق معه والسلوك حسب مشيئته. وقد أشار الأستاذ ك. سامبسون إلى هذه الحقيقة فقال إن الإيمان لا يتم بواسطة العقل فقط، بل بواسطة النفس بأسرها. ومن ثم فإنه يشبع كل احتياجاتنا . كما قال إن الوجدان السليم يشترك مع العقل في الإيمان كل الإشتراك . وقال شلر إن البرهنة على صدق أمر، تختلف كل الإختلاف عن الإيمان (الحقيقي) به. ولنحيا حياة مستقيمة يجب أن لا نسلم فقط بأن العقيدة الفلانية قد قامت عليها أدلة صادقة، بل أن نصدق أولاً هذه الحقيقة وبعد ذلك أن نحياها بالإيمان - ولا غرابة في ذلك، فهناك أشخاص يبذلون كل جهدهم في البرهنة على وجود الله، بينما تكون قلوبهم بعيدة عنه كل البعد.

ثانياً - أهمية الإيمان

1 - أهمية الإيمان: إذا رجعنا إلى حياة المسيح على الأرض، نرى أن الإيمان كان يشغل جانباً كبيراً من تعليمه. فكان يقول لسامعيه كل ما تطلبونه حينما تصلون، فآمنوا أن تنالوه فيكون لكم (مرقس 11: 24). و كل شيء مستطاع للمؤمن (مرقس 9: 23). و ليكن لكم إيمان بالله (مرقس 11: 22). و لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل، لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هنا فينتقل، ولا يكون شيء غير ممكن لديكم (متى 17: 20) يراد بالجبل الصعوبات التي تعترضنا في الحياة. ومن ثم كان، بسبب محبته الشديدة في الإحسان إلى الناس، يحرضهم على الإيمان به، حتى ينالوا ما يحتاجون من عطاياه. فمرة استدعوه لشفاء فتاة، ولما وجد أنها فارقت الحياة، قال لوالدها لا تخف. آمن فقط فهي تشفى ، ولما آمن شفيت (لوقا 8: 50). وعندما أتاه رجل يشكو من مرض في ابنه قائلاً له إن كنت تستطيع شيئاً فتحنن علينا ، أجابه المسيح على الفور إن كنت تستطيع أن تؤمن. كل شيء مستطاع للمؤمن . فلما وجد الرجل أن العيب فيه، صرخ في الحال بدموع قائلاً أؤمن يا سيد، فأعن ضعف إيماني . وفي الحال شفي ابنه من مرضه (مرقس 9: 23 ، 24).

وكان للإيمان كل الأهمية لدى المسيح ليس في عمل المعجزات فحسب، بل وأيضاً في منح الغفران للخطاة النادمين على خطاياهم. فالمرأة الخاطئة التي ندمت على خطاياها قال المسيح لها: مغفورة لك خطاياك. إيمانك قد خلصك. إذهبي بسلام (لوقا 7: 50). والمفلوج الذي أتى به حاملوه إلى المسيح، غفر له خطاياه وشفاه من أجل إيمانهم (مرقس 2: 5).

2 - السبب في أهمية الإيمان: إن السبب في أهمية الإيمان يرجع إلى عاملين رئيسيين (الأول) إن الإيمان كما مرّ بنا هو فتح أبواب النفس لله وتهيئتها لقبول عطاياه، أو بتعبير آخر هو الجو الروحي الذي يتناسب مع طبيعة الله، وكيفية تداخله في مساعدة الناس. لذلك ففي هذا الجو وفيه وحده، تجري عطاياه إليهم. (الثاني) إن الإيمان كما مرّ بنا هو التصديق، ومن ثم فمن يؤمن بأقوال الله، فإنه يصدق الله، ومن لا يؤمن بها فإنه (بكل أسف) يكذّب الله. فقد قال الوحي ومن لا يصدق الله فقد جعله كاذباً (1 يوحنا 5: 10)، ومن يكذب الله لا يمكن أن يجد خيراً من الله. ومن ثم لا عجب إذا كان الله لا يهب الخلاص إلا للذين يؤمنون إيماناً حقيقياً.

3 - الإيمان وعلاقته بالعقل: يظن بعض الناس أن المسيحيين يؤمنون بعقائدهم دون بحث أو تفكير. لكن هذا الظن لا نصيب له من الصواب، فقد اتضح لنا مما سلف أنه لو كان هناك خلاص من قصاص الخطيئة، فهو لا يمكن أن يتأتى إلا بواسطة الفداء الذي عمله الله لأجلنا في المسيح، وأنه لو كان هناك مجال للتوافق مع الله في صفاته الأدبية السامية، فهو لا يمكن أن يتأتى إلا بواسطة الحياة الروحية التي يهبها اللّه لنا في نفوسنا - حقاً إن هذين الأمرين يسموان فوق العقل، لكنهما لا يتعارضان معه على الإطلاق، إذ أنه يستطيع البرهنة على صدقهما منطقياً، كما يرى نتائجهما عملياً.

وقد اختبر هذه الحقيقة كثير من العلماء والمفكرين فقال شلر إننا حينما نلجأ إلى الإيمان، لا نلجأ إلى أمر يسلب العقل عمله، بل إلى ما يجعل العقل أكثر تفكيراً وأعظم تأثيراً . كما قال الإيمان ليس عملاً عقلياً عادياً، لأنه يتطلب مقداراً كبيراً من الإرادة والإختبار. وما الغرض من الفلسفة النظرية إلا أن تجعل الثورة الفكرية التي تحدث في عقل الإنسان، إيماناً راسخاً. إذ أن المعرفة وحدها لا تجدي إذا كانت مجردة من الإيمان . وقال همرشولد كنت في أول الأمر لا أفهم المسيحية، ولذلك كنت أقاومها في نفسي من وقت لآخر. لكن عندما أدركتها، أصبحت أعتز بها أكثر من أي شيء في الوجود، كما أصبح في وسعي البرهنة على صدقها دون أن أتجاوز مطالب الأمانة الفكرية .

ومع كل، وإن سما خلاص المسيح فوق العقل الواعي، فالعقل الباطن يستطيع أن يدركه كل الإدراك، ويطمئن له كل الإطمئنان، بل ويستطيع أن يجابه اعتراض العقل الواعي من جهته إن كان له اعتراض، ويقهر حجته إن كانت له حجة، إذ أن الحقائق الروحية التي يختبرها العقل الباطن بناء على أقوال الله، هي أثبت وأرسخ من حجج العقل الواعي جميعاً. لأن هذا العقل مع ما وصل إليه من نضوج ورقي، لا يزال يجهل الكثير حتى من أمور الدنيا التي تقع تحت إدراكه وأحساسه.

-2-

السبيل إلى الإيمان ودلائله

أولاً - السبيل إلى الإيمان

قد يتم الإيمان الحقيقي في لحظة وقد يستغرق وقتاً طويلاً، لكن على أي حال يجب أن تتوافر الشروط الآتية في كل من يريد أن يكون مؤمناً حقيقياً:

1 - الرغبة الخالصة في الحصول على الخلاص: وهذه الرغبة تتطلب من المرء أن يكون كارهاً للخطيئة وشاعراً بشناعتها وخطورتها، وموقناً باستحقاقه للحرمان من الله إلى الأبد بسببها، ولذلك ليس كل من يقول بفمه إرحمني اللهم أنا الخاطئ ، يحصل على الخلاص، لأن العبرة ليست بالكلام بل بالحالة التي تكون عليها النفس. فالمرأة الخاطئة لم تخلص إلا بعد أن أحست بثقل خطاياها والتجأت إلى المسيح بكل قلبها (لوقا 7: 36 - 50). وزكا لم يخلص إلا بعد أن أحس بحاجته إلى المسيح أكثر من المال (لوقا 19: 1 - 10). واللص لم يدخل الفردوس إلا بعد أن أدرك في نفسه أنه لا يستحق سوى الهلاك، وأنه لا خلاص له إلا بواسطة المسيح (لوقا 23: 43). والذين آمنوا من اليهود في العصر الرسولي لم يتيسر لهم ذلك إلا بعد أن نخسوا في قلوبهم، وشعروا شعوراً عميقاً بشناعة جريمتهم التي اقترفوها ضد المسيح، وآمنوا بعد ذلك من كل قلوبهم بشخصه الكريم (أعمال 2: 37 - 41).

2 - التوبة عن الخطيئة: والشعور بشناعة الخطيئة يجب أن يكون مقروناً بالتوبة عنها، أو على الأقل بالرغبة الصادقة في هذه التوبة، وإلا فلا فائدة من هذا الشعور على الإطلاق. ولا يراد بالتوبة الندم على ارتكاب الخطيئة فحسب، بل والتحول عنها والرجوع إلى اللّه أيضاً. فقد قال الوحي: إن اللّه يأمر جميع الناس في كل مكان أن يتوبوا وأن يرجعوا إليه عاملين أعمالاً تليق بالتوبة (أعمال 17: 30 ، 26: 20). وإذا تعذر على إنسان أمر التوبة، فليعلم أن اللّه على استعداد لمساعدته على بلوغها، إذا كان راغباً في التحول عن الخطيئة من كل قلبه. فمكتوب أنه يعطي التوبة (أعمال 5: 31 ، 11: 18)، ولذلك صرخ أحدهم للّه قائلاً تّوبني فأتوب (إرميا 31: 18) فأعطاه التوبة.

3 - الإتجاه إلى المسيح: إن الندم على ارتكاب الخطيئة والتوبة عنها أمران هامان، لكنهما لا يخلصان من دينونة الخطيئة أو سلطانها الخفي على النفس، لأن الذي يخلّص من هذين معاً هو المسيح دون سواه. لذلك على المرء أن لا يقف عند حد الندم على الخطيئة والتوبة عنها، بل أن يتجه بكل قلبه إلى المسيح، الذي أحبه ومات على الصليب كفارة عنه، فيفيد منه مثلما أفاد بطرس وبولس (إن كان مثلهما متديناً)، أو مثلما أفادت المرأة الخاطئة والعشار (إن كان مثلهما مستبيحاً)، لأن خلاص المسيح ليس لفئة خاصة من الناس، بل لكل الناس دون استثناء. فقد قال الوحي عن المسيح إنه ذاق بنعمة اللّه الموت لأجل كل واحد (عبرانيين 2: 9). وإنه كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضاً (1 يوحنا 2: 2).

4 - قبول المسيح في النفس: أما وقد توافر لدى طالب الخلاص أن اللّه يحبه بصفة شخصية، وأن المسيح مات نيابة عنه بالذات مكفراً عن كل خطاياه مثل غيره من الناس، فعليه أن يتجاوب مع المسيح ويقبله بالروح مخلصاً لنفسه وحياة لها، فيصبح الخلاص للتو ملكاً له. ومن ثم له أن يفرح ما شاء له الفرح، وأن يطمئن ما شاء له الإطمئنان. فقد أصبح من هذه اللحظة مبرراً أمام اللّه، بل ومن أولاده المحبوبين الذين لهم السلام والفرح الكاملين معه، والذين لا يمكن أن يأتوا إلى دينونة بل قد انتقلوا من الموت إلى الحياة.

ثانياً - دلائل إيمان الخلاص

طبعاً ليس كل من يقول إنه مؤمن حقيقي هو كذلك، لأنه كما يخدع الإِنسان غيره قد يخدع أيضاً نفسه. لذلك لم يتركنا الوحي في ريب من جهة هذا الموضوع، بل سجل لنا دلائل الإِيمان الحقيقي بكل وضوح وجلاء، وأهم هذه الدلائل ما يأتي:

1 - المحبة للّه والتعبد له: هذه هي أولى العلامات التي تدل على الإِيمان الحقيقي. فقد قال بولس الرسول عنه إنه الإِيمان العامل بالمحبة (غلاطية 5: 6)، وقال يوحنا الرسول: نحن نحبه لأنه أحبنا أولاً ( 1 يو 4: 19). وقال بولس الرسول: لأن محبة اللّه انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا (رومية 5: 5). وقال أيضاً لأن محبة المسيح تحصرنا (2 كورنثوس 5: 14).

وهذه المحبة تقود المؤمن الحقيقي إلى اللّه من وقت لآخر لكي يسكب قلبه أمامه تعبداً وسجوداً، ويصوغ له بتأثير الروح القدس في نفسه حمداً وشكراً كثيراً. وإن كان أميّاً لا يستطيع التعبير عن آرائه في كثير من المسائل العامة، لكن عندما يضع قلبه تحت تأثير الروح القدس، تنبعث منه معان سامية يعجز عن صياغة مثلها كاتب ماهر.

2 - الصلاة: وبجانب العبادة والسجود، فالمؤمن رجل صلاة. والعبادة هي تقديم الإكرام والسجود للّه لما يتصف به من سجايا مثل المحبة والقداسة والقدرة والعلم بدرجة لا حد لها. أما الصلاة فهي طلب ما نحتاج إليه منه في هذه الحياة. لذلك فالعابد يقدم شيئا للّه، أما المصلي فيطلب شيئاً منه، سواء أكان هذا الشيء روحياً أم مادياً، فالعابد (إن جازت المقارنة) أسمى حالاً من المصلي. ولا يصلي المؤمن لإِله مجهول في عالم الخيال أو الفكر، أو لإِله في مكان قصي لا يمكن الإتصال الحقيقي به (كما هي الحال عند كثير من الناس)، بل يصلي لإِله حقيقي يعرفه حق المعرفة، ويمكنه الإتصال بالروح إتصالاً فعلياً. كما أن الصلاة لديه ليس عادة يقوم بها بطريقة آلية، أو مجرد فرض يقوم به كما يقوم العبد بواجب نحو سيده، بل إنها مهمة حيوية لا يستطيع الإستغناء عنها بحال. فهي كما ذكرنا فيما سلف مثل الهواء بالنسبة لرئتيه، والطعام بالنسبة إلى جوفه. فضلاً عن ذلك فإنه يجد في الصلاة متعة روحية فائقة، إذ فيها يناجي اللّه ذاته، ومن ثم يقضي الأوقات الطويلة فيها. وإذ استلزم الأمر فإنه يضحي عن طيب خاطر ببعض أعماله وأوقات راحته الخاصة، في سبيل إطالة فرص الصلاة، وذلك لأجل نفسه ونفوس الآخرين، وقبل كل شيء لأجل مجد اللّه وإكرامه (1 تيموثاوس 2: 1 ، أفسس 6: 18).

3 - دراسة كلمة اللّه: والمؤمن الحقيقي يدرس كلمة اللّه ليس كمجرد واجب من الواجبات، أو لكي يعرفها ويلم بها كموضوع من الموضوعات، بل قبل كل شيء لأنه يستمع فيها لصوت اللّه، كما يجد فيها طعاماً شهياً لنفسه. ولذلك يدرسها بشغف وفهم ويسعى للهج فيها كثيراً. ومن ثم فهو صديق مخلص لكتاب اللّه، تربطه به علاقة حية وصلة قوية، لأنه يفهمه ويعرفه ويدأب على الرجوع إليه من وقت إلى آخر، حتى يتشبع به ويسير على هداه.

4 - السلوك السماوي: ولتأثره بكلمة اللّه لا يحصر نظره في الأمور الزائلة التي تُرى، بل في الأمور الباقية التي لا ترى. ومن ثم يحفظ نفسه في دائرة السماويات، في حالة القداسة اللائقة باللّه، كما يسعى دائماً أبداً لتنفيذ إرادته مهما كان شأنها. ولذلك لا ينطق بعبارة نابية أو يلجأ إلى الهزل والمزاح، أو يتصرف في شيء بنزق وطياشة، بل تكون كل أقواله بنعمة وحكمة، وكل أعماله بتعقل واتزان (أفسس 5: 4 و 15 ، تيطس 2: 7). وإن سقط في خطيئة مرة لسبب من الأسباب، لا يمكن أن يظل فيها طويلاً (لأنها تتعارض مع الطبيعة الروحية الجديدة التي نالها من اللّه)، بل ينهض للتو منها، مسلماً حياته للّه بأكثر تدقيق حتى يحفظه من كل عثرة وزلل.

5 - المحبة لجميع الناس: ولتأثره باللّه وتشبعه بكلماته يتصف أيضاً بالكثير من صفات اللّه، وفي مقدمتها المحبة. ومن ثم فإنه يحب جميع الناس حتى الذين يسيئون إليه منهم، مثلما يفعل اللّه (متى 5: 44) كما يحب من قلب طاهر بشدة كل المؤمنين الحقيقيين (1 بطرس 1: 22) مهما اختلفت طوائفهم أو مراكزهم الإجتماعية، لأنه يعرف أن له ولهم أباً واحداً هو اللّه (1 يوحنا 5: 2)، ومخلصاً واحداً هو المسيح (أعمال 4: 12)، كما سكن فيه وفيهم روح واحد هو الروح القدس (1 كورنثوس 3: 16).

كما يبذل كل ما لديه من جهد في إعلان نعمة اللّه للخطاة، وذلك بالصلاة لأجلهم أو التحدث معهم، حتى يفيد منها من يريد الفائدة. كما يمد يده إلى كل معوز ومحتاج، وهو لا يرجو من وراء ذلك جزاء أو ثواباً، إذ يكفيه شرفاً وسروراً أن يعمل عملاً لأجل مجد اللّه الذي أحبه إلى المنتهى الذي لا نهاية له.

6 - الثقة الكاملة من جهة امتلاك الخلاص: أخيراً نقول: إن المؤمن الحقيقي لا يتسرب إليه شك من جهة كفاية كفارة المسيح، بل يوقن أنها رفعت عن كاهله قصاص خطاياه وجعلته مقبولاً أمام اللّه، ولذلك يستطيع أن يقول مع الرسول إنه متيقن أنه لا موت ولا حياة، ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات، ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة، ولا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى، تقدر أن تفصلنا عن محبة اللّه (لنا) التي في المسيح يسوع ربنا (رومية 8: 38 - 39). وأن يقول أيضاً معه إني عالم بمن آمنت، وموقن أنه قادر أن يحفظ وديعتي (أي نفسي المستودعة بين يديه) إلى ذلك اليوم (2 تيموثاوس 1: 12). لأننا نعلم أنه إن نُقض بيت خيمتنا الأرضي (أي أجسادنا المادية)، فلنا في السموات بناء من اللّه بيت غير مصنوع بيد أبدي (2 كورنثوس 5: 1). و الآن نحن أولاد اللّه ولم يظهر بعد ماذا سنكون. ولكن نعلم أنه إذا أُظهر (المسيح)، نكون مثله لأننا سنراه كما هو (1 يوحنا 3: 2).

والحق أننا مهما جلنا بأبصارنا في عقائد البشر وفلسفاتهم، لا يمكن أن نجد فيها ما يبعث إلينا يقيناً من جهة محبة اللّه لنا وقبوله إيانا إلى الأبد، مثل اليقين الذي يبعثه المسيح. لأنه يبعث هذا اليقين إلينا ليس بناء على وعود عاطفية مجردة أو أقوال أخاذة منمقة، بل بناء على كفارته الكاملةالتي وفّت كل مطالب عدالة اللّه وقداسته. ومن ثم فكل مؤمن حقيقي يستطيع عن يقين صادق أن يستحضر أمامه المستقبل المجيد الذي أصبح ملكاً له على أساس كفارة المسيح، وأن يدخل أيضاً في هذا المستقبل بقلبه ويستريح في أرجائه، شاكراً اللّه من أجل محبته التي تفوق كل محبة، وجوده الذي يفوق كل جود، وحكمته التي تفوق كل حكمة. فقد قال الرسول شاكرين الآب الذي أهّلنا لشركة ميراث القديسين في النور. الذي أنقذنا من سلطان الظلمة ونقلنا إلى ملكوت إبن محبته. الذي لنا فيه الفداء بدمه غفران الخطايا (كولوسي 1: 12 - 14). كما قال وأقامنا (الآب) معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع ليُظهر في الدهور الآتية غنى نعمته الفائق باللطف علينا في المسيح يسوع (أفسس 2: 6 و 7).

الباب الثامن

كفارة المسيح في نظر الفلاسفة والعلماء

-1-

آراء الفلاسفة والعلماء المسيحيين بالحق

لم يدرس كفارة المسيح رجال الدين المسيحي فحسب، بل درسها أيضاً كثير من الفلاسفة والعلماء المسيحيين بالحق، فعرفوا أهميتها الواردة في الكتاب المقدس، كما اختبروا نتائجها المباركة في نفوسهم اختباراً صادقاً، وفيما يلي بعض آراء هؤلاء الفلاسفة والعلماء:

1 - قال أكليمندس لنتأمل دم المسيح ولنعرف قيمته التي تفوق كل قيمة، فإنه ليس مثل دم الشهداء الذين يموتون من أجل الدفاع عن الحق (وإن كان دم هؤلاء غالياً وثميناً في أعيننا)، بل إنه دم المحبة الإِلهية المعروف قبل إنشاء العالم، للتكفير عن خطايانا جميعاً .

2 - وقال إيريانوس غاية الكفارة هي إيفاء مطالب العدل الإِلهي نيابة عنا. والمسيح بموته على الصليب، وفّى هذه المطالب، ومن ثم كفّر عن خطايانا إلى الأبد .

3 - وقال أقليمس إن المسيح تحمل آلام الخطيئة عوضاً عنا، وبذلك خلصنا منها إلى الأبد .

4 - وقال أغناطيوس نحن نؤمن أن المسيح مات عوضاً عنا من جهة الناسوت، لكنه لم يمت من جهة اللاهوت، لأن اللاهوت غير قابل للموت .

5 - وقال بابياس إن اللوغوس (الكلمة) الذي خلقنا لم يتركنا وشأننا عندما أخطأنا، بل أتى إلى عالمنا وخلصنا من خطايانا ءاللوغوس كلمة يونانية يُراد بها العقل المدبر للكون ، وهي مرادفة في المسيحية لأقنوم الابن أو الكلمة، الذي يعبر عن اللّه ويعلنه، والذي خلق العالم ويدبره (يوحنا 1: 3 ، كولوسي 1: 16).

6 - وقال أوريجانوس اللّه عادل، والعادل لا يبرر الخطاة إلا إذا وفيت مطالب عدالته. وبما أنه لا يمكن أن يقوم بهذه المهمة سواه، لأنه هو وحده الذي يعرف مطالب عدالته. لذلك رضي أن يحل في المسيح ليقوم بالمهمة المذكورة، حتى يبرر كل خاطئ يؤمن به إيماناً حقيقياً .

7 - وقال أثناسيوس الكلمة (أو بالحري المسيح) أتى إلى العالم ليس لكي يهلك الناس، بل لكي يخلصهم من خطاياهم، وذلك بتحمله في نفسه الدينونة التي يستحقونها بسبب هذه الخطايا . 8 - وقال أنسلموس مخاطباً المسيح ماذا فعلت يا يسوع، يا أبرع جمالاً من كل بني البشر، حتى تموت موت الأثمة المجرمين!! أنت لم تفعل خطيئة على الإِطلاق حتى تستحق الموت بسببها، لكنك قبلت الموت بسبب خطاياي وخطايا غيري من الناس .

9 - وقال القديس أوغسطينوس الخطيئة هي خطيئتنا، وقصاصها كان يجب أن يحل بنا، لكن المسيح حمل هذا القصاص عوضاً عنا، وبذلك أعتقنا منه إلى الأبد .

10 - وقال القديس برنار: المسيح وفّى مطالب العدل الإِلهي نيابة عنا، حتى ننال الصفح والغفران ونكون أهلاً للقبول أمام اللّه. لذلك فغاية فلسفتي هي أن أعرف يسوع المسيح وإياه مصلوباً، لأن الصليب هو نقطة التقابل بيننا وبين اللّه في حب متبادل يدوم إلى الأبد.

11 - وقال بطرس اللمباردي: المسيح قدم نفسه للّه كفارة عن خطايانا، حتى لا يُدان كل من يؤمن به إيماناً حقيقياً .

12 - وقال توما الأكويني: لا يستطيع إيفاء مطالب عدالة اللّه إلا اللّه، ومن ثم حل في المسيح للقيام بهذه المهمة العظيمة . كما قال إن كفارة المسيح أزالت الخطيئة التي كانت تفصل بيننا وبين اللّه، لذلك صار لنا إمتياز الدنو منه والتمتع به .

13 - وقال دكتور كلي كران: السبب الذي جعلني أعتنق المسيحية هو موت المسيح كفارة عن خطايانا. فقد أدركت منذ سنوات أني إنسان خاطئ، وأنه ليس في وسعي أن أتبرر أمام اللّه بأي عمل من الأعمال الصالحة التي أقوم بها، ولذلك كان يتملكني الأسى والحزن كثيراً. لكن لما تحققت أن المسيح مات نيابة عني، حاملاً القصاص الذي أستحقه بسبب خطاياي، استراحت نفسي وامتلأت فرحاً وسلاماً .

14 - وقال القديس فرنسيس: ربي يسوع المسيح! إني ألتمس منك أن تهبني نعمتين قبل أن أموت (الأولى) أن أشعر في نفسي بالآلام التي قاسيتها على الصليب عوضاً عني، حتى أكره الخطيئة مهما كان شأنها. و (الثانية) أن أشعر في نفسي بالمحبة العجيبة التي اضطرمت في قلبك من نحو شخص نظيري، حتى أحبك كما أحببتني .

15 - وقال الرئيس جون كرتز: المسيح المصلوب يشفي القلب الجريح ويريح الضمير المعذب، لأنه يرفع عن المؤمن دينونة الخطيئة ويهيئه للدنو من اللّه والتمتع به .

16 - وقال فورسيت: الآلام التي قاساها المسيح على الصليب هي أقسى أنواع الآلام، لأنها ذات الآلام التي كنا نستحقها في جهنم إلى الأبد بسبب خطايانا. فلنضع هذه الحقيقة أمام نفوسنا، وليكن لها التأثير العملي في حياتنا .

17 - وقال تيللور: اللّه هو الذي خلقنا، والذي خلقنا لا يمكن أن يهملنا لذلك كان من البديهي أن يتنازل ويخلصنا من الخطيئة التي سقطنا فيها - وهذا هو ما فعله في المسيح على الصليب .

18 - وقال جون سكوت: الكلمة (المسيح) هو الوسيط بين اللّه وبيننا، لذلك فهو وحده الذي يستطيع أن يصالحنا مع اللّه، وقد قام بهذا العمل عندما وفّى في نفسه على الصليب مطالب عدالة اللّه، عوضاً عنا .

19 - وقال روبرت برونيز إن حقيقة ظهور اللّه في المسيح لخلاص البشرية وإنقاذها من بؤسها، تحل كل المشاكل التي تعترضنا من جهة موقف اللّه إزاء خطايانا، وقصورنا عن التوافق معه، كما تفسر لنا كل رموز التوراة وتحقق كل نبواتها. إذ لولا الحقيقة المذكورة، لكنا نشكّ في كمال اللّه ومحبته، ولكانت رموز ونبوات العهد القديم بلا معنى على الإِطلاق .

وإننا لا نأتي بهذه الآراء كحجة نعتمد عليها في أن المسيح مات كفارة عن خطايانا، لأن حجتنا الوحيدة في هذا الموضوع، وفي غيره من الموضوعات، هي كلمة الوحي التي بين أيدينا. وهذه الكلمة قد ثبت لنا صدقها بالكثير من الأدلة التاريخية والعقلية، والإختبارية أيضاً. إنما نأتي بالآراء المذكورة لكي نعلن أن الإِنسان عندما يفحص أعماق نفسه، يدرك أنه خاطئ وأنه لا يتسنى له من تلقاء ذاته أن يكفر عن خطاياه أو يتوافق مع اللّه في صفاته الأدبية السامية، ومن ثم لا بد أن ينتهي إلى أن اللّه وحده هو الذي يستطيع القيام بالكفارة، وهو وحده الذي يستطيع أن يهب الحياة الروحية اللازمة لهذا التوافق.

-2-

آراء الفلاسفة والعلماء المسيحيين بالإسم، والرد عليها

هؤلاء الفلاسفة والعلماء يختلفون عن السابق ذكرهم، فهم لم يفهموا المسيحية كما هي معلنة في الكتاب المقدس، بل فهموها تبعاً لما أملته عليهم تصوراتهم الشخصية، ولذلك تعددت آراؤهم وتضاربت كثيراً. وفيما يلي هذه الآراء مصحوبة بالرد عليها:

1 - إن خلاص المسيح لنا لا يتوقف على موته على الصليب كما يُقال، بل على تعاليمه السامية التي كشفت بحق عن ماهية الخطيئة، ومن ثم أصبح لنا أن نتجنبّها في كل صورة من صورها.

الرد: وإن كان المسيح قد كشف لنا في تعاليمه السامية عن ماهية الخطيئة بدرجة لم نكن نتصورها، غير أن مجرد معرفتنا بذلك لا تعطينا القدرة على الخلاص من الخطيئة أو ترفع عنا النتائج المترتبة على السقوط فيها، بل بالعكس تزيدنا شعوراً بالحاجة إلى حياة إلهية تسمو بنا فوق قصورنا الذاتي، حتى نستطيع التوافق مع اللّه في صفاته الأدبية السامية. كما تزيدنا شعوراً بالحاجة إلى كفارة عظيمة تفي مطالب عدالة اللّه نيابة عنا، حتى تهدأ ضمائرنا وتطمئن من جهة علاقته بنا - ولا غرابة في ذلك فإن معرفة المذنب بأنه يستحق القصاص، لا تنجيه منه، أو تؤهله للسلوك من تلقاء ذاته دون ارتكاب ذنب ما.

2 - المسيح أظهر على الصليب محبته الشديدة لنا لكي يحب بعضنا بعضاً كما أحبنا، وبذلك نخلص من الأنانية التي هي السبب في كل الخطايا.

الرد: وإن كان موت المسيح في سبيل محبته لنا مثالاً عظيماً يدعونا لأن يحب بعضنا بعضاً، لكن ليس من المعقول أن يكون قد مات لأجل هذا الغرض، إذ أن في حياته العادية التي كان يحياها بيننا ما يكفي لتعليمنا هذا الدرس الثمين. فضلاً عن ذلك فإن الخلاص من الأنانية وأضرارها المتعددة لا يكون بمحاولة الإقتداء بالمسيح (لأن القصور الذاتي الكامن في طبيعتنا يحول بيننا وبين هذا الإقتداء)، بل أن هذا الخلاص يكون بالحصول على حياة روحية من شأنها أن ترفعنا لدرجة التوافق مع اللّه في صفاته الأدبية السامية - وهذه الحياة لا يعطينا اللّه إياها إلا بعد إزالة العداوة التي جعلناها بيننا وبينه، ولا سبيل لإزالة هذه العداوة إلا بالتكفير عن خطايانا كما ذكرنا فيما سلف.

3 - المسيح رضى بالصلب لكي يرينا محبته لنا، حتى نحبه بدورنا. وفي سبيل محبتنا له نكره الخطيئة ونمقتها.

الرد: ليس من المعقول أن يكون هذا هو كل غرض المسيح من احتماله آلام الصلب الشنيعة، لأنه لم يكن ليتحملها لولا أنه رآنا معرضين لها وأراد هو أن ينقذنا منها. فالأب البار لا يضحي (مثلاً) بحياته من أجل أبنائه إلا إذا رآهم معرضين للموت، وأراد هو أن ينقذهم منه. أما إذا كانوا غير معرضين له، فإنه لا يضحي بحياته لكي يظهر فقط محبته لهم. كما أن المحبة للّه والقدرة على الإرتقاء فوق الخطيئة، لا تتولدان من مجرد المعرفة بأن المسيح يحبنا، بل بواسطة الولادة الثانية من اللّه، والدليل على ذلك أن المؤمنين بالإسم يعرفون أن المسيح يحبهم، ومع ذلك لا يستطيعون أن يحبوه أو يرتقوا فوق الخطية الكامنة في طبيعتهم.

4 - المسيح رضي بالصلب لكي يعلمنا أن السبيل إلى السماء هو التضحية بكل غال ونفيس.

الرد: إن المسيح لا يتحمل آلام الصلب لكي يكون مجرد مثال يبين لنا وجود التضحية، لأنه علمناهذا الدرسالثمين في أقواله، كما علمنا إياه في حياته المثالية التي عاشها بيننا على الأرض. فضلاً عن ذلك فإن التضحية بكل غال ونفيس في الدنيا، لا تكون بمجرد التقليد، بل بالحصول على حياة روحية يكون من طبيعتها الإرتقاء فوق الذات بكل مطالبها. وهذه الحياة لا يمكن الحصول عليها إلا من اللّه، ولا يمكن أن يمنحها اللّه لنا إلا بعد التكفير التام عن خطايانا كما ذكرنا.

5 - المسيح رضي بالصلب لكي يرينا كراهية اللّه للخطيئة وما يستحقه الخطاة من عذاب، حتى نتوب عنها.

الرد: إن التوبة عن الخطيئة (كما ذكرنا في الباب الثاني) لا تكفي للحصول على الغفران أو التأهيل لحياة التوافق مع الله، لأن السبيل الوحيد لذلك هو التكفير عن الخطيئة والحصول على حياة روحية تسمو بنا فوق قصورنا الذاتي. كما أنه ليس من المعقول إطلاقاً أن يقبل المسيح آلام الصلب لكي يكون مجرد مثال لما يستحقه الخطاة من عذاب، إذ أن في أقواله وأقوال الأنبياء والرسل ما يكفي لإِثبات هذه الحقيقة.

6 - إن كفارة المسيح التي سترت خطايا البشر تكمن في حياة البر المطلق التي عاشها على الأرض، والتي انتهت بتقديم نفسه شهيداً من أجل الحق. لأن هذه الحياة هي التي أرضت اللّه، فصفح عن البشر جميعاً.

الرد: حقاً إن المسيح عاش حياة البر المطلق، وحقاً إن هذه الحياة أرضت اللّه أكثر مما نفتكر أو نتصور. لكن يجب أن لا يغيب عنا أنه لو كان المسيح مات فقط شهيداً من أجل الحق، لكان اللّه يسر به وحده ويمجده وحده، ولكننا جميعاً نظل كما نحن في خطايانا، عاجزين عن التوافق مع اللّه وواقعين تحت طائلة قصاصه. لكن إذا كان موت المسيح موتاً كفارياً (كما أعلن الكتاب المقدس)، فإن اللّه يصفح عن خطايانا ويهيئنا للتوافق معه.

7 - إن المسيح بموته على الصليب لم يقم بإيفاء مطالب عدالة اللّه نيابة عنا، لأن هذه المطالب لا حد لها، بل إنه فقط استمال عطف اللّه حتى يغفر لنا خطايانا. ومن ثم فإن آلامه ليست عقوبة تعويضية، إنما هي تعويض عن العقوبة القانونية.

الرد: لو كان المسيح قام بالكفارة بمعزل عن اللّه لكان هناك مجال لهذا الإعتراض لكن الأمر لم يكن كذلك، لأن اللّه نفسه كان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه (2 كورنثوس 5: 19)، واللّه لكماله وتوافق كل صفاته لا يكون متساهلاً في شيء من مطالب عدالته.

8 - المسيح رضي بالصلب كما رضي سقراط بالسم، لكي يكتب لنفسه الخلود وترسخ مبادئه في نفوس البشر.

الرد: (ا) إن جاز أن يقال عن سقراط إنه رضي بالسم لكي يكتب لنفسه الخلود، لا يجوز أن يقال ذلك عن المسيح من جهة قبوله للصلب، لأن المسيح كان بعيداً كل البعد عن مظاهر العظمة الدنيوية التي يسعى إليها كثير من الناس. والدليل على ذلك أننا إذا رجعنا إلى تاريخ حياته، نرى أنه لم يكن يعمل معجزة ليرضي الناس أو لتكون له الحظوى لديهم (لوقا 23: 8 و 9) بل كان يقوم بها بدافع الشفقة على المرضى والمتألمين والمحتاجين، دون أن ينتظر من أحد مديحاً أو جزاء.

فضلاً عما تقدم فإن المسيح لم يكن يسعى إلى الخلود، لأنه كان يحمل (حتى من الناحية الإِنسانية) دلائل الخلود في نفسه بسبب كماله المطلق وتنزهه عن الخطيئة تنزهاً تاماً. أضف إلى ذلك أنه لم يُرغم على الصلب مثلما أرغم سقراط على شرب السم، بل تقدم للصلب بمحض إختياره كما يتضح من (يوحنا 10: 17 و 18).

(ب) أما من جهة رسوخ مبادئ المسيح في نفوسنا، فلا يتحقق على الإِطلاق بمجهودنا الذاتي تحت التأثر بصلبه، فكثيرون يتأثرون بالصليب لكنهم لا يعملون بشيء من وصايا المسيح، إذ أن العمل بها لا يتأتى إلا بواسطة الحياة الروحية التي يمنحنا اللّه إياها عندما نسلم نفوسنا له تسليماً كاملاً. فضلاً عن ذلك فإن رسوخ هذه المبادئ في نفوسنا لا يخلصنا من قصاص خطايانا، لأنه لا خلاص لنا منه إلا بإيفاء مطالب عدالة اللّه وقداسته من نحونا، ولا سبيل إلى إيفائها إلا بالفداء الذي عمله المسيح، كما ذكرنا.

مما تقدم يتضح لنا أن أصحاب الآراء السابقة لم يفهموا شيئاً عن الكفارة وضرورتها، وكل ما عرفوه من آلام المسيح على الصليب، أنها آلام الإستشهاد في سبيل الحق. ولا شك أن هذه الآلام تؤثر في نفوس بعض الناس، فتصرفهم عن الإِثم والشر، كما تفعل التضحية التي يقوم بها المخلصون من القادة والزعماء. فمثلاً عندما كان غاندي يرى أتباعه قد انحرفوا عن تعاليمه، كان يحزن في نفسه كثيراً، ويمتنع عن الطعام أمداً طويلاً، فكانوا يندمون على إنحرافهم ويعودون للسير في الطريق الذي رسمه لهم. وقد أشار أفلاطون قديماً إلى تأثير التضحية في نفوس الناس فقال في كتابه (السياسة ج 4 ص 74) ما ملخصه إن الإِنسان الكامل الذي دون أن يفعل شراً، يقبل على نفسه أقسى أنواع الظلم، فيحتمل الجلد والضرب حتى الموت، هو الذي يستطيع أن يعيد حياة البر إلى البشر وليس البر الذي ارتآه أفلاطون هو التوافق مع اللّه في صفاته الأدبية السامية، بل هو فقط الكف عن الجرائم الشنيعة - وهذا ما يفعله حتى الأشرار عند تأثرهم بوفاة أحد أقربائهم، أو بنزول بعض الكوارث بهم. أما التوافق مع اللّه في صفاته المذكورة، فلا يكون إلا بعمله في نفوس المؤمنين الحقيقيين. وقد احتمل المسيح الصلب لغرض أسمى من هذا بكثير، وهذا الغرض كما ذكرنا مراراً وتكراراً، هو التكفير عن خطايانا وإمدادنا بحياة روحية تؤهلنا للتوافق مع اللّه في صفاته الأدبية السامية إلى أبد الآباد.

-3-

الإعتراضات الدينية والرد عليها

1 - لماذا تفرد الابن أو الكلمة بعمل الفداء؟ وألا يدل تفرده بالقيام به على أنه يحب البشر أكثر من الآب والروح القدس؟.

الرد: (ا) إن إبن اللّه أو كلمة اللّه هو الذي يعلن اللّه ويتمم مقاصده لذلك فهو الذي خلق العالم وكل ما فيه، فقد قال الوحي عنه كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان (يوحنا 1: 3)، وأن فيه خُلق الكل. ما في السموات وما على الأرض ، وأن الكل به وله قد خُلق (كولوسي 1: 16). ومن خلق العالم، هو الذي يهتم شخصياً به وبكل ما فيه. ومن ثم فالابن أو الكلمة هو الذي كان يظهر للأنبياء في العهد القديم، ليعلن لهم مشيئة اللّه أو اللاهوت من جهة محبته للبشر ورغبته في تقريبهم إليه، ومنحهم كل ما يحتاجون إليه من بركات، كما ذكرنا فيما سلف. وإذا كان الأمر كذلك، كان من البديهي أنه هو بعينه الذي يتجسد أيضاً، ويعلن في نفسه محبة اللّه وخلاصه لنا من الخطيئة ونتائجها.

(ب) أما من جهة الآب و الروح القدس ، فإن محبتهما لنا لا تقل عن محبة الابن ، لأنهما واحد معه في الجوهر، وفي كل الصفات والخصائص والأعمال، وكل ما في الأمر أن كل أقنوم يُظهر من أعمال اللاهوت ما يتوافق مع أقنوميته. لذلك وإن كان الابن هو الذي قام أمامنا بالفداء، غير أن هذا العمل يسند إلى اللّه بأقانيمه الثلاثة. فقد قال الوحي إن اللّه (أو بالحري اللاهوت) كان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه غير حاسب لهم خطاياهم (2 كورنثوس 5: 19 - 21). كما أن الابن وإن كان قد بذل نفسه، لكنه لم يقم بهذا العمل بالإستقلال عن الأقنومين الآخرين، لأنه واحد معها في الجوهر. ولذلك يعلن الوحي أن الابن بُذل بواسطة اللّه (يوحنا 3: 16)، وأنه بالروح القدس قدم نفسه أو بذلها (عبرانيين 9: 14) - ومما يثبت أن كلاً من الآب والروح القدس يحبنا كالابن تماماً، أن الوحي أعلن لنا أن الآب نفسه يحبنا (يوحنا 17: 23)، وأن الروح القدس هو روح المحبة (2 تيموثاوس 1: 7) وأن اللّه من جهة أقانيمه الثلاثة هو محبة (1 يوحنا 4: 8).

2 - إذا كان اللّه لا يصلب ولا يموت، فكيف يكون هو الذي افتدانا؟.

الرد: (ا) نظراً لأن اللّه (أو اللاهوت) كان حالاً في المسيح حلولاً مطلقاً فمكتوب فإن فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً (كولوسي 2: 9) ولذلك نرى في أعمال المسيح ما هو خاص بالناسوت وما هو خاص باللاهوت. فمثلاً عندما كان يبحر مرة مع تلاميذه، نام في السفينة - فهذا النوم كان طبعاً بالناسوت لأن اللاهوت لا ينام. ولما انتهر الريح والبحر بعد ذلك فصار هدوء عظيم (متى 8: 24 و 26) كان العامل حينئذ هو اللاهوت، لأن اللّه هو الذي يأمر الطبيعة فتخضع له - إذاً فكل عمل أتاه المسيح، يكون اللّه هو الذي أتاه، وكل شيء قوبل المسيح به في العالم، يكون اللّه هو الذي قوبل به. ولذلك فاللّه وإن لم يكن قد صُلب أو مات، لكن بقبوله تنفيذ الصلب في الناسوت الذي كان حالاً فيه (مع قدرته التامة على تجنيب الناسوت هذا الصلب لو كان قد أراد)، يكون هو الذي قبل آلام الصلب، وبالتبعية يكون هو الفادي الذي فدانا.

(ب) ولإِيضاح هذه الحقيقة إلى حد ما نقول: إذا ارتدى ملك ثياب عامة الناس وخرج إليهم كواحد منهم، ليقرّبهم إليه ويعرف مشاكلهم ويقدم لهم كل معونة يحتاجون إليها، كما كان يفعل هرون الرشيد مثلاً، وفي أثناء القيام بهذه المهمة الجليلة، اعتدى عليه بعض الأشرار وأهانوه. فإن هذه الإِهانة لا تكون قد وقعت على شخص عادي، بل على ذات الملك. وعلى هذا القياس، مع الفارق الذي لا بد منه نقول: إن آلام الصليب وإن كانت قد أصابت الناسوت الظاهر لنا، لكنها تعتبر في الواقع أنها أصابت اللّه غير الظاهر لنا، وذلك بطريقة لا يدركها سواه. ومن ثم قال الوحي عن دم المسيح الذي سُفك على الصليب إنه دم اللّه (أعمال 20: 28)، كما قال عن اللّه نفسه، إنه مخلصنا (تيطس 1: 3).

3 - هل من الجائز أن يُنسَب الألم إلى اللّه؟ .

الرد: (ا) لو كان اللّه مجرد فكرة أو طاقة أو كائناً لا يتصف بصفة، كما يقول بعض الفلاسفة، لما جاز أن ننسب إليه الألم (أو السرور) بأي معنى من المعاني. لكنه كائن حقيقي يتَّصف بكل صفات الكمال، وفي الوقت نفسه يتصل بنا كل الإتصال، ولذلك فإنه، كما يُسَرُّ على نحو يتفق مع روحانيته المطلقة، بالأعمال الصالحة التي يقوم بها المؤمنون الحقيقيون، كذلك يحزن على نحو يتفق مع روحانيته المطلقة، بسبب الشرور التي تصدر من غيرهم وما يترتب عليها من حلول التعاسة بهم. (تكوين 6: 6 ، مزمور 78: 40 ، إشعياء 63: 10). وإذا كان من الممكن أن يحزن اللّه على نحو ما، يمكن أيضاً أن يتألم على نحو ما، لأنه لولا ذلك لكان مجرداً من الشعور والإِدراك، وهذا محال.

وكان من البديهي أن لا تظل آلام اللّه بسبب خطايانا سراً فيه، بل أن يعلنها لنا بوضوح وجلاء. والواسطة الوحيدة لإِعلانها هو كلمته أو أبنه ، لأنه هو الذي يعلنه كما ذكرنا. فاللّه في أبنه أظهر محبته لنا، وكشف عن الآلام التي كان يحس بها منذ القديم بسبب خطايانا. أو بتعبير آخر جسَّم لنا الفداء الكامن في نفسه، والذي لم نكن نراه أو نعرف عنه شيئاً سوى أسمه. فيمكننا أن نقول عن يقين إنه لولا المحبة التي لا حدّ لها الكامنة في اللّه، لما كان يتألم لآلامنا، ولما كان أيضاً يكفّر عن خطايانا - هذا مع العلم بأن تألُم اللّه بسبب هذه الخطايا لا يقلل من مجده، بل بالعكس يزيده مجداً في أعيننا. ولا يقلل من كماله، بل بالعكس يعلن هذا الكمال لنا في أسمى معانيه. لأن هذا التألُّم يؤكد لنا أن اللّه ليس غريباً عنا أو غير مبالٍ بنا، بل أنه قريب منا يعطف علينا ويرثي لنا ويهمّه أمرنا.

أخيراً نقول إن تأثر اللّه لم يكن متوقفاً على ظهورنا في العالم، بل إن مبدأ التأثر كان موجوداً في ذاته أزلاً، لأنه قائم بأقانيم، والأقانيم من شأنهم أن يتأثر أحدهم بالآخر. ولذلك عندما تألم اللّه على نحو ما بسبب ما بدا منا من شر، لم ينفعل كما ننفعل نحن، بل أظهر فقط عدم رضاه على هذا الشر، لأن عدم الرضا به هو وجه من وجوه الكمال الذي يتصف به من الأزل إلى الأبد.

4 - هل من العدالة أن يحل اللّه في الإِنسان يسوع المسيح ويدفعه لتحمُّل آلام الصلب المريرة، ليكفّر فيه عن البشر؟.

الرد: إن اللّه لم يدفع المسيح إلى الصلب رغماً عنه كما كانت تساق الحيوانات للذبح كفارة في العهد القديم، حتى كان يجوز القول إن هذا التصرف لا يتفق مع عدالة اللّه. لكن ما حدث هو أن اللّه دبر منذ الأزل أن يقوم بعمل الفداء. وفي الوقت المناسب لنا، اتخذ من المسيح ناسوتاً له وذهب فيه إلى الصليب ليحمل خطايا البشر ويكفر عنها بنفسه. وقد أدرك المسيح من الناحية الناسوتية هذه الحقيقة إدراكاً تاماً، وتوافق مع اللّه الحال فيه كل التوافق من جهتها، وأطاعه كل الطاعة في إتمامها، ومن ثم لا يكون اللّه قد ظلم المسيح من الناحية الناسوتية على الإِطلاق.

فضلاً عن ذلك فقد قدّر اللّه طاعة المسيح من الناحية الناسوتية كل التقدير، فكافأه من ناحيتها بأجل مكافأة. فقد قال الوحي لذلك رفعه اللّه أيضاً وأعطاه اسماً فوق كل أسم، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد اللّه الآب (فيلبي 2: 9 - 11)، فلا مجال لهذا الإعتراض على الإِطلاق.

5 - إذا كان المسيح قد توافق مع اللّه كل التوافق من جهة الفداء، فلماذا طلب منه في بستان جثسيماني أن يجنبه الصلب في أول الأمر؟ أليس قوله للآب وقتئذ لكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت دليلاً على أنه قبل آلام الصلب مرغماً؟ فضلاً عن ذلك ألا يتعارض حزنه وقتئذ مع القول إنه قام بالفداء برضى وسرور؟.

الرد: (ا) إن المسيح بسبب كماله المطلق طلب من اللّه أن يجيز عنه كأس الصلب إن أمكن - لأنه من الناحية الناسوتية كان يحسّ بالألم كما نحس به نحن، ومن ثم كان يأبى عليه طهره الفائق أن تحسب عليه خطايانا، ومركزه الرفيع أن ينحني ليحمل في نفسه قضاءها وعقوبتها، ومجده العظيم أن تحل به لعنتها وفضيحتها، وإحساسه الرقيق أن يذوق مرارتها التي تفوق العلقم بما لا يقاس. ولكن لأنه لا يمكن أن يتمجد اللّه ويخلص الناس دون تجرع المسيح لكأس الصلب، لذلك فإنه بسبب كماله المطلق أيضاً رضي بها عن طيب خاطر إتماماً لمشيئة اللّه الصالحة.

هذا، وقد قدّر اللّه موقف المسيح حق التقدير. لذلك وإن كان لم يجز عنه هذه الكأس، غير أنه أرسل له ملاكاً ليعضد جسده الذي كان قد دب فيه الضعف بسبب الإِحساس بمرارتها (لوقا 22: 43)، ومن ثم نهض بكل قوة واستقبل آلام الصلب المريعة ببطولة تنحني أمامها كل بطولة.

(ب) ومن جهة تسليم المسيح الأمر لإِرادة الآب، فليس دليلاً على قبولها مرغماً، بل دليلاً على أنه جعل إرادته الإِنسانية بما لها من مطالب خاصة، طبق الأصل من إرادة الآب، على الرغم مما يتطلبه تنفيذها من تحمل قصاص الخطيئة الأبدي نيابة عن البشر جميعاً، وعمل مثل هذا عمل عظيم لم يكن لغير المسيح أن يقوم به، ونصر مبين لم يكن لغيره أن يحققه.

(ج) أما من جهة حزن المسيح فنقول: إنه ليس هناك أي تعارض بين السرور الروحي وبين الحزن والألم، لأن هذا السرور ليس هو الطرب والمرح، بل هو الرضا بالقيام بالواجب من نحو اللّه والناس بكل محبة وإخلاص. لذلك فإنه لا يكون خالياً من الحزن والألم بل خالياً من التضجر والتذمر. والإختبار يعلمنا هذه الحقيقة، فنحن نرى الآباء البررة مع تحملهم المتاعب والآلام في سبيل خدمة أبنائهم، والجنود المخلصين مع تحملهم المشقات المتعددة في سبيل إعلاء شأن بلادهم، يشعرون جميعاً في قرارة نفوسهم بكل غبطة وسرور على الرغم من كل ما يتحملون من آلام. فليس هناك مجال للاعتراض على أن المسيح كان مسروراً بآلام تقديم نفسه كفارة.

وقد أشار اللّه إلى هذه الحقيقة في بعض الذبائح، التي كانت ترمز إلى المسيح في العهد القديم. فذبيحة المحرقة التي كان يتطوع صاحبها بتقديمها للّه لمجرد إكرامه وتمجيده دون الإرتباط بخطيئة ما، كانت مراسيمها تدل على الفرح (لاويين 1). أما ذبيحة الخطيئة أو الإِثم، التي كان الخاطئ يقدمها كفارة عن نفسه فكانت مراسيمها تدل على الحزن (لاويين 4)، الأمر الذي كان ينبئ منذ القديم عن إقتران فرح المسيح لتحقيق مقاصد اللّه وتمجيده، مع حزنه لتحمل قصاص الخطيئة وشناعتها.

6 - إذا كان المسيح قد قام من الناحية الناسوتية بالفداء طاعة لأمر اللّه، يكون اللّه وحده هو الذي يستحق المحبة والإكرام.

الرد: إذا كان المسيح قد قام بالفداء لمجرد الطاعة لأمر اللّه، لا يكون قد قام به برضا، ولا يكون اللّه قد ضحى بشيء، فلا يكون أحدهما يستحق المحبة أو الإكرام. وإذا كان اللّه قد أرغم المسيح على احتمال الآلام لكي يُحبه الناس، لا يكون مستحقاً للمحبة بل للبغضة، ويكون المسيح مستحقاً للعطف والشفقة. وإذا كان المسيح قد قام بالفداء بمعزل عن اللّه، لكان هو وحده الأولى بالمحبة (لأننا لا نحب شخصاً لما عمله شخص آخر)، غير أنه يكون في هذه الحالة قد سلب من اللّه مجده، إذ يكون قد نال من دونه إكرام الناس ومحبتهم - ولكن الحقيقة هي أن اللّه نفسه كان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه (2 كورنثوس 5: 19)، وأن المسيح حتى بوصفه إبن الإِنسان كان مسروراً كل السرور بهذا العمل، ولذلك ليس هناك مجال لهذا الإعتراض.

7 - إذا كان المسيح مات كفارة، فليس من المعقول أن يكون قد كفّر فقط عن خطايا المؤمنين الحقيقيين، بل لا بد أن يكون قد كفر أيضاً عن خطايا البشر جميعاً. وبناء عليه لا يكون هناك داع للإِيمان الشخصي به.

الرد: (ا) إن لكفارة المسيح طرفين (الأول) متعلق باللّه من جهة إيفاء مطالب عدالته وقداسته، وعلى أساسه يقدم الخلاص لكل الناس دون استثناء، فقد قال الوحي: هكذا أحب اللّه العالم (أجمع) حتى بذل أبنه الوحيد . (الثاني) متعلق بالناس من جهة استعدادهم لقبول المسيح، أو بالحري الإِيمان الحقيقي به. فقد قال الوحي: لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية (يوحنا 3: 16).

(ب) أما من جهة الشطر الثاني من الإعتراض فنقول: كلنا يعلم أن الهدايا (مثلاً) وإن كانت تُقدم مجاناً لمن تُهدى إليهم، غير أن تمتعهم بها يتوقف على قبولهم إياها. وهكذا الحال من جهة الخلاص من الخطيئة، فالمسيح وإن كان قد دفع ثمنه بنفسه ويقدمه للناس هبة مجانية، لكن لا يمكن أن يتمتع به واحد منهم إلا إذا قبله، وقبوله هو عين الإِيمان الحقيقي بالمسيح.

-4-

الإعتراضات العقلانية والفلسفية والرد عليها

1 - المسيح لا يجوز أن يكون نائباً عنا، لأنه ولد من إمرأة دون رجل. ولو جاز أن يكون نائباً، فإنه لا يكون إلا نائباً عن الرجال وحدهم، لأنه كان رجلاً.

الرد: فضلاً عن أن ولادة المسيح العذراوية ضرورة اقتضتها أزليته وقيامه بحياة ذاتية خاصة به، وفضلاً عن أن التفرقة بين الرجل والمرأة هي تفرقة نسبية في الوقت الحاضر فحسب، لأنهما معاً في نظر اللّه بشر، إذ أن كلا منهما إنسان (1 كورنثوس 11: 11)، الأمر الذي لا يدع مجالاً لهذا الإعتراض نقول:

(أولاً) إن المسيح لا يُدعى إبن رجل أو إمرأة، بل يدعى إبن الإِنسان أي الذي تمثلت فيه الإِنسانية كنائبها (ثانياً) إن حواء ليست كائناً منفصلاً عن آدم بل كانت في الأصل جزءاً منه، حتى أن الوحي ينسب الخطيئة إلى آدم وحده، فيقول: في آدم يموت الجميع (1 كورنثوس 15: 22). (ثالثاً) إن المسيح لم يفرق بين رجل وإمرأة من جهة العلاقة به، فقد قال لأن من يصنع مشيئة أبي الذي في السموات، هو أخي وأختي وأمي (متى 12: 50)، ولذلك لا مجال لهذا الإعتراض كما ذكرنا.

2 - لو كان اللّه يريد أن يكفر عن خطايانا في المسيح، فلماذا لم يقم بهذا العمل بينه وبين المسيح، دون أن يكون لأحد من البشر يد في صلبه؟.

الرد: إن الهدف الذي كان اللّه يرمي إليه، ليس أن يكفر عن خطايانا فحسب، بل أن يكشف لنا أيضاً عن مقدار الشر الكامن في نفوسنا من نحوه، وعدم إستحقاقنا لأي محبة أو عطف منه، حتى نقدّر كفارته حق التقدير. لذلك سمح لنا أولاً أن نعامله بكل شر يمكن أن يخطر ببالنا، قبل أن يعلن لنا كرد على هذه المعاملة، مقدار محبته لنا وعطفه علينا، حتى بضدها تتميز الأمور، كما يقولون. أما لو كان اللّه قد كفر عن خطايانا في المسيح بعيداً عن الصليب، لما اكتشفنا مقدار شر نفوسنا وعدم استحقاقنا لأي إحسان منه، ولما عرفنا أيضاً محبته الفائقة التي لا نستحق منها شيئاً، أو أدركنا قدراً زهيداً من الآلام التي تحملها بسبب خطايانا. لذلك إذا رجعنا إلى التاريخ، نرى المخلصين من اليهود وغير اليهود تأثروا بصلب المسيح تأثراً عظيماً، فأقبلوا إليه وآمنوا به إيماناً حقيقياً، كما أحبوه وأكرموه بدرجة لم يكن لهم أن يبلغوها، لو كان قد قدّم نفسه كفارة بعيداً عنهم. فتحقق بذلك قول المسيح وأنا إن ارتفعت (على الصليب) أجذب إليّ الجميع (يوحنا 12: 32).

3 - إذا كان اللّه يحب جميع الناس، لماذا سمح أن يأتي المسيح من اليهود دون غيرهم، لأن في تصرفه هذا تحيزاً لأمة دون أخرى.

الرد: فضلاً عن أنه لو لم يأت المسيح من أمة اليهود لكان قد أتى من أمة غيرها، وفي هذه الحالة يمكن أن يقال أيضاً عنه إنه تحيز لأمة دون أخرى، الأمر الذي لا يدع مجالاً لهذا الإعتراض نقول: إن اللّه ظهر في أول الأمر لواحد من الوثنيين (لأنه لم يكن هناك سواهم على وجه الأرض وقتئذ) يُدعى إبراهيم، فآمن هذا به إيماناً صادقاً، ثم دعاه اللّه إليه، فأطاعه طاعة كاملة. وتقديراً لإِيمانه وطاعته وعده أن في نسله ستتبارك كل أمم الأرض دون استثناء (تكوين 12: 3). وبذلك لم يكن اللّه متحيزاً لجنس من الأجناس أو شخص من الأشخاص. ولما وُلد لإبراهيم إسماعيل وإسحق، خصّ اللّه أبناء الأول ببركات أرضية، وخصَّ أبناء الثاني ببركات روحية، ولذلك كان يرسل لهم الأنبياء من وقت لآخر ليعلنوا لهم مشيئته من جهة الفداء، حتى يتهيئوا لقبول المسيح عند مجيئه إليهم. ولذلك إذا رجعنا إلى تاريخ اليهود نرى أن الأتقياء منهم كانوا يتوقعون مجيء المسيح إلى العالم (لوقا 2: 25 ، 26) وبمجرد أن رأوه رحبوا به (يوحنا 1: 47 - 49)، بينما لو كان المسيح قد أتى من أمة أخرى لم تكن لديها نبوات عن المسيح، لما وجد فيها من ينتظره أو من يفهم رسالته.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن المسيح وإن كان قد أتى من اليهود، لكنه لم يكن متحيزاً لهم، فقد كان يحب جميع الناس ويرحب بهم. فضلاً عن ذلك كان يعلن أن الوثنيين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون في حضن إبراهيم، أما اليهود غير المؤمنين فسيُطرحون خارجاً (لوقا 13: 28)، كما أوصى تلاميذه الذين حملوا رسالته أن ينادوا بها ليس في اليهودية فحسب، بل وفي كل أنحاء العالم أيضاً (مرقس 16: 15)، ففعلوا كما أوصاهم تماماً.

4 - لو فرضنا أن اليهود لم يصلبوا المسيح، فكيف كان يُكفر عن خطايانا؟.

الرد: فضلاً عن أنه لم يكن من الممكن أن يحدث لشخص قدوس طاهر يعيش وسط جماعة من الأشرار، موبخاً إياهم على شرورهم وآثامهم، غير ما حدث للمسيح. فالأشرار في كل عصر يبغضون الحق ويقاومونه، لذلك لو كان المسيح قد عاش في أي عصر من العصور، أو في أي بلد من البلاد، لظهر شر معاصريه فيها أيضاً، بالصورة التي ظهر بها شر اليهود من قبل، فإن الآلام التي تحملها المسيح من اليهود عندما صلبوه، كانت الآلام الكفارية بينه وبين عدالة اللّه مباشرة، فكان من الممكن أن يتحملها في أي وقت من الأوقات، وبأي وسيلة من الوسائل الخاصة به، الأمر الذي لا يدع مجالاً لهذا الإعتراض. نقول: إن اللّه قصد منذ الأزل أن يكون مجيء المسيح إلى العالم نوراً يكشف للناس عن فداحة خطاياهم في ابتعادهم عنه، ورفضهم لحقه، وفي الوقت نفسه يكشف لهم بتكفيره عنهم مقدار محبته لهم، وعطفه عليهم.

5 - إذا كان اللّه قد قصد بصلب المسيح أن يعلن لنا تكفيره عن خطايانا، يكون اليهود الذين صلبوا المسيح قد تمموا مشيئة اللّه وأسهموا في خلاص العالم. وبناء على ذلك لا يكونون قد فعلوا جريمة ما!!.

الرد: إن الآلام التي تحملها المسيح من اليهود على الصليب كانت محصورة في الساعات التي سبقت الظلمة، وهذه الآلام لم تكن الآلام الكفارية بل آلام الإستشهاد فحسب. لأن الآلام الأولى كانت من يد العدالة الإِلهية وحدها كما ذكرنا - فضلاً عن ذلك فإن اليهود لم يصلبوا المسيح لكي يتمموا مشيئة اللّه، بل لأنهم كانوا يبغضون المسيح بسبب كماله الأدبي الذي كان يكشف شرورهم وآثامهم، لذلك فإنهم بصلبهم إياه أرادوا أن يصلبوا الحق والقداسة والكمال، وهذه جريمة دونها كل جريمة في الوجود.

لكن اللّه في حكمته اللانهائية استخدم جريمتهم ضده لإِعلان محبته لهم وللعالم أجمع، إذ بعدما صّوبوا نحوه كل ما في جعبتهم من عدوان، واستحقوا وقتئذ أن تحل عليهم دينونة اللّه بكل هولها، تقدم المسيح وقبل هذه الدينونة في نفسه عوضاً عنهم وعن غيرهم من البشر (لأن الكل عصوا اللّه وتمردوا عليه دون استثناء)، ومن ثم احتمل في نفسه آلام الكفارة (بعد) آلام الإستشهاد، فتحقق بذلك قول الوحي حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جداً (رومية 5: 20).

6 - لو كان المسيح قد مات كفارة عن خطايانا، لما كان قد قام من بين الأموات، لأن أجرة الخطيئة هي موت أبدي. وأيضاً لما كان الخلاص من الخطيئة هو بالنعمة كما يعلن الكتاب المقدس، بل كان بالعدل، لأن عدالة اللّه تكون قد وفيت مطالبها.

الرد: إن قيامة المسيح من الأموات ليست دليلاً على أن موته لم يكن موتاً كفارياً، بل دليلاً على أن لاهوته غير المحدود أكسب آلامه الكفارية كإنسان قيمة غير محدودة، ولذلك استطاعت أن تفي مطالب عدالة اللّه غير المحدودة، ومن ثم لم يكن هناك مجال لبقائه في القبر. أما لو كان المسيح قد ظل فيه، لكان مثله مثل الذبائح الحيوانية التي لم تحز رضا اللّه، لعدم تكفيرها عن الخطيئة تكفيراً حقيقياً.

كما أن تكفير المسيح عن خطايانا إلى الأبد، وإن كان يجعل حصوله على الخلاص لأجلنا عدلاً، لأنه صار حقاً مكتسباً له، لكن عندما نحصل نحن عليه، يكون ذلك على أساس النعمة، لأننا لم نعمل شيئاً من جانبنا نستحق بسببه هذا الخلاص. ولذلك حق للوحي أن يقول لنا لأنكم بالنعمة مخلَّصون بالإِيمان، وذلك ليس منكم هو عطية اللّه (أفسس 2: 8).

7 - كيف استطاع المسيح أن يفي في ثلاث ساعات الظلمة وحدها، مطالب عدالة اللّه التي لا حد لها مع أن ناسوته محدود لا يتحمل إلا آلاماً محدودة، والآلام المحدودة لا تفي مطالب لا حد لها.

الرد: (ا) من المعلوم لدينا أن الشخص الكفوء يستطيع القيام بالأعمال التي تسند إليه في مدة وجيزة، بينما إذا أسندت هذه الأعمال إلى غيره، قد يعجز عن القيام بأي شيء منها. وعلى هذا القياس نقول: بما أن المسيح بسبب كماله المطلق له كفاية غير محدودة، لذلك لا غرابة إذا استطاع أن يفي مطالب عدالة اللّه التي لا حد لها، في الساعات المذكورة التي قضاها. فإذا أضفنا إلى ذلك أن المسيح لم يكن قائماً بالكفارة بمعزل عن اللاهوت، بل أن اللاهوت الحال فيه كان هو القائم بها، أدركنا أن مطالب عدالته قد وفيت تماماً على الصليب، لأن اللّه أو اللاهوت لا يمكن أن يكون متساهلاً أو متهاوناً في شيء من مطالب عدله، كما ذكرنا فيما سلف.

(ب) كما أننا إذا وضعنا أمامنا أن اللّه كان مسروراً بتقديم المسيح كفارة عنا، وأن المسيح كان مسروراً أيضاً للقيام بهذه المهمة فقد قال الوحي عن اللّه إنه سُرَّ أن يسحق المسيح بالحزن (إشعياء 53: 10)، وقال عن المسيح إنه كان مسروراً بإتمام مشيئة اللّه (مزمور 40: 8)، وإنه من أجل السرور الموضوع أمامه، احتمل الصليب مستهيناً بالخزي (عبرانيين 12: 2)ى، اتضح لنا بدليل ليس بعده دليل أن المسيح لا بد أنه وفى مطالب عدالة اللّه (أو بالحري وفاها اللّه فيه) إلى التمام، لأن الذي يقوم بعمله بسرور، لا يترك شيئاً منه على الإِطلاق.

وقيام اللّه بفدائنا بسرور في المسيح، أمر يتفق مع كماله المطلق، لأنه من دواعي هذا الكمال أنه لا يعمل عملاً على الرغم منه، أو كمجرد واجب من الواجبات. كما يتفق أيضاً مع علاقته الكريمة بنا، لأنه يحبنا محبة لا حدّ لها، وهذا ما يجعل لكفارته في أعيننا قيمة تفوق كل قيمة في الوجود.

8 - لو كان اللاهوت متحداً بالناسوت في المسيح، لما اقتضى الأمر أن يظل المسيح في تكفيره عن الخطيئة على الصليب ثلاث ساعات، إذ كان يكفي أن يبقى لحظة واحدة، لأن اللاهوت له كفاية لا حدّ لها.

الرد: إن أساس الزمن في نظرنا ليس هو أساس الزمن في نظر اللّه، لأن يوماً واحداً عند اللّه كألف سنة (في نظرنا). وألف سنة (في نظرنا( كيوم واحد (لديه) (2 بطرس 3: 8). وإذا كان الأمر كذلك، فإن المدة التي نعتبرها بضع ساعات، قد تكون في نظر اللّه لحظة، وقد تكون أيضاً دهراً، وقد تكون كذلك أبدية لا حد لها. وهذا ما يواجهنا أيضاً عند صلب المسيح، وإن كان في صورة أخرى، فهو له المجد تحمّل آلام الكفارة كإنسان محدود، ومع ذلك كان في ذاته هو اللّه غير المحدود فكانت لكفارته فعالية لا نهاية لها. أما السر في أن مدة آلام الإستشهاد كانت ثلاث ساعات، ومدة آلام الكفارة كانت ثلاث ساعات أيضاً، فيرجع إلى أن الرقم (3) في الكتاب المقدس يدل على الكمال. ويكفينا أن نعرف أن المسيح لم ينزل عن الصليب إلا بعد أن قال هذه الكلمة الخالدة قد أُكمل ، إذ أنها أوضح دليل على أنه أكمل الفداء لنا.

9 - إذا كان المسيح بقوله: قد أُكمل أعلن إتمامه لعمل الفداء، فلماذا لم ينزل عن الصليب حياً بعد ما قال هذه العبارة مباشرة.

الرد: نظراً لإبتعاد الناس عن اللّه وارتكابهم ما شاءوا من شر، وُضع لهم أن يموتوا مرة، ثم بعد ذلك الدينونة (عبرانيين 9: 27) فكان ينبغي للمسيح في سبيل تكفيره الكامل عن الناس أن يتحمل الحكمين. فاحتمل آلام دينونة العدل الإِلهي في ساعات الظلمة الثلاث. واحتمل بعد ذلك تنفيذ حكم الموت في جسده الكريم. مما تقدم نرى أن قوله: قد أُكمل ، ليس منفصلاً عن موته بل مقترناً به كل الإقتران، إذ أنه مات بمجرد أن قال هذه العبارة، فيكون المراد بها، أنه أكمل الكفارة بموته على الصليب.

10 - إذا كان الخلاص هو بالمسيح، فلماذا لم يأت مباشرة عندما سقط آدم في الخطيئة، أو بعد سقوطه فيها بمدة يسيرة، ليقدم نفسه كفارة عنه وعن أبنائه، عوضاً عن أن يلزمهم آلاف السنين بتقديم الذبائح الحيوانية، التي لم تكن كافية في ذاتها للتكفير الحقيقي عن خطاياهم؟.

الرد: (ا) إن البشر كانوا لا يدركون قديماً شر الخطيئة وخطورتها إدراكاً كاملاً، ولذلك لو كان المسيح قدم نفسه كفارة عندما أخطأ آدم مباشرة، أو بعد ذلك بمدة يسيرة (مثلاً)، لما كان هناك شخص يقدرها حق قدرها. أو يتأثر بها ويفيد منها. ومن ثم شاء اللّه، وهو العليم بطبائع البشر وطرق تهذيبهم وتعليمهم، أن يتركهم أولاً لأنفسهم حتى يعرفوا أن الكل زاغوا وفسدوا معاً، وأنه ليس من يعمل صلاحاً ليس ولا واحد (رومية 3: 10 - 12)، وأن الذبائح الحيوانية، مهما كثرت، لا تكفي للتكفير عن خطيئة واحدة من خطاياهم. وأن يرقى بعد ذلك بأذهانهم شيئاً فشيئاً لتدرك خطورة الخطيئة ليس بالنسبة إلى أنفسهم فقط،بل وأيضاً بالنسبة إليه، حتى يتضح لهم أنهم لا يستطيعون بأي وسيلة من الوسائل أن يؤهلوا ذواتهم في حضرته.

(ب) ولما اتضحت لهم هذه الحقيقة، أخذ يهيئهم لقبول خلاصه في المسيح. وذلك بالنبوات التي كان يرسلها لهم على أفواه أنبيائه من وقت لآخر عن ألقاب المسيح وأسم أسرته، وعن المكان والزمان اللذين سيولد فيهما، وعن صفاته وأعماله المتنوعة، وعن قيامه بنفسه بالتكفير عن الخطيئة (إقرأ مثلاً: إشعياء 7 و 9 و 53 ، دانيال 9 ، ميخا 5 ، ملاخي 3). فإذا رجعنا للكتاب المقدس نرى أن قبيل ظهور المسيح، كان كثيرون من الأتقياء في انتظاره (لوقا 2: 25 و 26 ، يوحنا 1: 41 و 45 و 49 ، 4: 25 و 29، 7: 26 و 27) كما ذكرنا، وإذا كان الأمر كذلك فإن مجيء المسيح لإِعلان خلاص اللّه بعد انتشار الناس في العالم، وقيامهم بإنشاء السجلات التي يدونون فيها ما يقع أمامهم من أحداث، وبعد إدراك المخلصين منهم شر الخطيئة وقصورهم الذاتي عن التوافق مع اللّه بأعمالهم، وظهور الرغبة الصادقة فيهم للخلاص من الخطيئة ونتائجها (لوقا 2: 25 ، 36)، تصرف يتفق مع الحق.

11 - إذا كان اللّه قد تألم بسبب الخطيئة عندما سقط فيها آدم وأولاده منذ القديم (إشعياء 43: 24)، يكون قد كفر عنها بينه وبين نفسه منذ القديم أيضاً، ويكون كل إنسان يُقبل إليه تائباً عن خطاياه، له أن يحظى بالصفح والغفران. فلا يكون الصلب سوى صورة للآلام التي كان اللّه يشعر بها منذ القديم بسبب الخطيئة، وبالتبعية لا يكون أمراً ضرورياً للتكفير عنها.

الرد: حقاً إن اللّه كان يتألم بسبب الخطايا منذ القديم (آلام العطف على البشر، بسبب البؤس الذي تردّوا فيه، وبسبب كسرهم لشريعته التي أعطاها لهم لأجل خيرهم، وبسبب قصورهم في إدراك فضله العظيم عليهم)، وذلك بحالة تتفق مع روحانيته المطلقة. لكن ألمه هذا لم يكن ألماً كفارياً، لأنه كان يدعوه لصبّ القصاص على الفجار من وقت لآخر (تكوين 17 و 19). أما في الصلب فقد احتمل اللّه في المسيح كل آلام دينونة خطايانا، دون أن يصبّ شيئاً منها علينا. ولذلك تكون آلامه على الصليب هي وحدها الآلام الكفارية. ولا غرابة في ذلك، ففي الصليب وفي الصليب وحده، أعلن اللّه أن محبته تفوق كل خطايانا، وأن السيول مهما طمت لا تستطيع أن تطفئ هذه المحبة أو تقلل من شدتها (نشيد 8: 7). ولذلك فعند الصليب نجد نحن الخطاة غفراناً كاملاً، نستريح له كل الراحة ونطمئن له كل الإطمئنان.

12 - إن الكفارة لا تُقدَّم عن الخطايا التي لم تُرتكب بعد، بل عن الخطايا التي ارتُكبت فيما سلف. لذلك فإن كفارة المسيح هي عن الخطايا التي كانت قد ارتُكبت لغاية صلبه فقط.

الرد: لو كان مخلوق ما هو الذي قام بتقديم كفارة عن خطايانا، لكان قد قدمها عن خطايانا الماضية فحسب، لأنه لا علم له بالخطايا التي تُرتكب في المستقبل. أما واللّه نفسه هو الذي قدّم الكفارة، فإنه كان يعلم منذ الأزل كل البشر الذين سيأتون إلى العالم، كما كان يعلم أيضاً كل الخطايا التي سيأتونها. وبما أنه لا يعسر عليه التكفير عنها جميعاً دفعة واحدة، لذلك لم يكن هناك داع أن يكفر في نهاية كل قرن (مثلاً)، عن الخطايا التي ارتكبت فيه. وإذا كان الأمر كذلك، تكون كفارته هي عن البشر في كل البلاد والعصور كما أعلن الوحي. فقد قال عن المسيح لكي يذوق بنعمة اللّه الموت لأجل كل واحد عبرانيين 2: 9).

13 - إن الإعتقاد بالخلاص وتكفير اللّه عن الخطايا، مقتبس من أساطير الوثنيين. فقد كانوا يعتقدون أنه بسفك الدم يخلصون من خطاياهم. كما كانوا يعتقدون أن آلهتهم مثل مثرا وكريشنا وبوذا وتامور وأوزيريس وبروميتيه تألموا، لكي يخلّصوا أتباعهم من خطاياهم.

الرد: فضلاً عن أن الإعتقاد بضرورة سفك دم الذبائح للحصول على المغفرة هو من صميم العقائد التي ينادي بها الكتاب المقدس منذ وجود آدم على الأرض، وأن الوثنيين هم الذين نقلوه عن أجدادهم الذين كانوا فيما سلف يؤمنون باللّه دون سواه، كما ذكرنا في الباب الثالث. وفضلاً عن أن تلاميذ المسيح كانوا يختلفون من جهة النشأة والطباع والثقافة والسن والمركز الإجتماعي، كما أنهم لم يكونوا من رجال الفلسفة أو السياسة أو التاريخ الذين لهم إلمام بأساطير الوثنيين، أو كانوا من التجار الذين يجوبون البلاد ويعرفون شيئاً عن عادات أهلها ودياناتهم، الأمر الذي لا يدع مجالاً لهذا الإعتراض، فإن ما جاء بالأساطير المذكورة بعيد كل البعد عن العقيدة المسيحية في الخلاص من الخطيئة، كما يتضح مما يلي:

(ا) إن مثرا (كما تقول أسطورته) خرج من صخرة وهو يحمل مدية ومشعلاً، فحارب الشمس وقهرها وجعلها حليفة له. ثم حارب أول مخلوق في الكون، وهو الثور الرهيب الذي كان يزعج الناس، فأرداه قتيلاً، وبذلك صار دم هذا الثور عنواناً لخلاص الناس، إذ بقتل مثرا إياه أنقذهم من بطشه. لكن أعوان أهريمان إله الشر (وهي العقارب والحيات والنمل) طغت على هذا الدم وأضاعت معالمه، ولذلك ترك مثرا الأرض وطار إلى الشمس حليفته - فأية صلة بين هذه الرواية وبين موت المسيح كفارة عن البشر تحقيقاً لمطالب قداسة اللّه وعدالته!!

(ب) وكريشنا كان يرتكب آثاماً لم يرتكب غيره مثلها، حتى أطلق عليه الوثنيون أسم إله الشر . كما أطلقوا عليه أسم المخلص لأن الخلاص في نظرهم لم يكن التحرر من عقوبة الخطيئة وسلطانها على النفس (حتى تستطيع أن تنعم بالتوافق مع اللّه في قداسته كما هي الحال في المسيحية)، بل كان هو الإنغماس الكلي في الدنس، لأن هذا الإنغماس (كما زعموا) يطفئ نار الشهوة المتقدة. فاستخدم المعترضون هذا المعنى النجس للخلاص من الخطيئة، ودون أن يشيروا إلى التناقض الذي لا حدّ له بين المعنى المذكور وبين معنى الخلاص من الخطيئة في المسيحية، قالوا إن أتباع كريشنا كانوا يعتقدون أنه يخلص من الخطيئة كما يقول المسيحيون عن المسيح، لكي يدخلوا في روع البسطاء منهم أن معتقداتهم منقولة من الوثنية.

أما الطريقة التي مات بها كريشنا فهي أنه بينما كان يسير مرة في غابة، أخطأ أحد الصيادين فيها مرماه، فنفذت حصاته (كما تقول الرواية) أو سهمه (كما تقول رواية أخرى) إلى مقتل كريشنا، فسقط لساعته ومات. لكن المعترضين أضافوا إلى ذلك من عندياتهم أنه عندما طعن جنب كريشنا بالحربة، قال وهو مصلوب للصياد الذي رماه بالنبلة: إذهب أيها الصياد محفوفاً برحمتي إلى السماء مسكن الآلهة - وهذه الإِضافة فضلاً عن أنها لا تنسجم مطلقاً مع حادثة موت كريشنا، فإنها تدل على أن المعترضين اقتبسوا من الإنجيل قوله إن أحد الجنود طعن المسيح بحربة عندما كان على الصليب، وقال المسيح للص الذي تاب اليوم تكون معي في الفردوس ، ثم حشروا هذين القولين في روايتهم حشراً لا يقره عقل، وذلك ليخرجوها بالصورة التي أرادوها. لكن خانهم التوفيق كما يخون جميع المزّورين، لأن الصلب لم يكن معروفاً عند الهنود بل عند الفينيقيين والمصريين والرومان واليهود فحسب، كما يقول المؤرخون.

(ج) وبوذا كان يرفض مبدأ الكفارة لأنه كان يعتقد أنه لا يستطيع كائن ما أن يخلص أحداً من خطاياه، فكان ينادي بأنه يجب على كل إنسان أن يرتقي بنفسه فوق أهوائه وشهواته حتى يبلغ طور النرفانا الذي يتحرر فيه (كما يقال) من الشهوات تحرراً تاماً. ولذلك كانت كلماته الأخيرة لأتباعه هي كونوا لأنفسكم نوراً وملجأ حصيناً، ولا تلوذوا بغير أنفسكم!! . ولذلك كان البوذيون (كما يقول المؤرخون) يقّومون أنفسهم بأنفسهم دون أن ينتظروا معونة من أحد، ظانين أنهم يستطيعون الإرتقاء فوق قصورهم بقوتهم الذاتية - وقد أشارت جريدة الأهرام الصادرة في 7 مايو سنة 1971 إلى هذه الحقيقة فقالت: إن بوذا كان معلماً لا مخلصاً، وإنه لم يعد إنساناً بمعونة خلا المعونة التي يتلقاها هو من نفسه. وإن من أقواله المأثورة لأتباعه واصلوا جهادكم حتى تبلغوا سبيل الخلاص .

أما الطريقة التي مات بها بوذا فهي أنه عندما كان في بلدة بافا، أراد حداد يُدعى تشوندا أن يكرمه، فقدم له لحماً مشوياً. فلما أكل منه بوذا أحس بألم شديد في أمعائه لم يمهله في الحياة إلا بضع ساعات - ولكن المعترضين ادّعوا أنه قال دعوا الآثام التي ارتكبت في هذا العالم تقع عليّ، لكي يخلص العالم من قصاصها ، حتى يوهموا البسطاء من المسيحيين أن اعتقادهم بخلاص المسيح منقول من الأساطير الهندية!!

(د) وتاموز كان يعتبر عند الوثنيين إله الزراعة والربيع، ولذلك كانوا يعتقدون أنه يحيا بظهور النباتات ويموت بذبولها. وعند موته (أو بالحري عند ذبول النباتات) كانت معظم النساء يبكين عليه كثيراً. وعند ظهوره (أو بالحري ظهور النباتات) كن يفرحن فرحاً عظيماً ويستسلمن للأهواء الجنسية دون قيد أو شرط. وكان هذا العمل يعتبر لديهن خلاصاً، ليس خلاصاً من نجاسة الخطيئة كما هي الحال في المسيحية، بل خلاصاً من قانون الطهارة والعفاف كما ذكرنا فيما سلف. لذلك فالقول إن بعض الوثنيين كانوا يعتقدون أن تاموز تألم من أجل الناس، وأنه كان يدعى المخلص والفادي والمصلوب فضلاً عن أنه مجرد إدعاء، فهو جريمة أدبية شنيعة، لأنه يهدف إلى تشويه الحقائق الثابتة وتشكيك البسطاء في عقائدهم.

(ه) وأوزيريس، كما تقول أسطورة، كان يحب الناس ويخلصهم من متاعبهم، ولكن أخاه ست قتله وقطع جسده إلى أجزاء كثيرة، فجمعت زوجته هذه الأجزاء، وأعادته إلى الحياة. وتقول أسطورة أخرى إنه لما مات أوزيريس بكت عليه زوجته فنزلت دموعها على جسده، ومن ثم قام من الموت. وتقول أسطورة غيرها إن أوزيريس كان يغرق في وقت الفيضان وكانت أيزيس تنزل إلى النيل لكي تنتشله، فكان يموت ويحيا كل عام. ولذلك فقول المعترضين إن بعض قدماء المصريين كانوا يعتقدون أن أوزيريس يخلص من الخطيئة، هو قول هراء.

(و) وبروميتية، كما تقول أسطورته، كان يقاوم الأرستقراطية في بلاد اليونان، وكان يحب الناس ويساعدهم في شؤونه. فحقد عليه جوبتر رب الآلهة هناك، وصلبه على جبال القوقاز، كما أمر فلكان بتعذيبه. فأخذ هذا يغرس حديداً محمى بالنار في جسمه، كما أثار عليه النسور لكي تمزقه وتأكل منه ما تستطيع أكله، فظل بروميتية على هذه الحالة حتى أنقذه هرقل.

فرواية بروميتية (كما نرى) تختلف عن حادثة صلب المسيح كل الإختلاف، الأمر الذي يقضي على كل ظن بأن هذه الحادثة مقتبسة أيضاً من الرواية المذكورة. فالمسيح قدم نفسه باختياره للموت، أما بروميتية فسيق للموت رغماً عنه. والمسيح قبل الموت كفارة عن خطايا البشر، أما بروميتية فلم يمت عن خطيئة إنسان ما. أما قول المعترضين إن بروميتية جرح بسبب ذنوب الناس، وإنه سحق بسبب عصيانهم ، فليس له وجود في رواية بروميتية، بل هو مسروق من نبوة إشعياء النبي (ص 53)، التي قيلت عن المسيح قبل ظهور رواية بروميتية بمئات السنين. وكان من الواجب على المعترضين إذا أرادوا أن يستعيروا أسلوب الكتاب المقدس في هذا الصدد، أن يقولوا: إن بروميتية جرح بسبب دفاعه عن الديمقراطية، وإنه سحق بسبب إخلاصه لها. ولكنهم شاءوا أن يغيروا الحقائق الثابتة، فأخذوا الآيات التي قيلت عن المسيح وأسندوها إلى بروميتية، لكي يوهموا البسطاء من المسيحيين أن أجدادهم سرقوا العقائد المسيحية من أساطير اليونان، والحال أنهم هم السارقون!!

وقد عرف المرحوم الأستاذ عباس محمود العقاد معنا أن المعترضين تحاملوا على العقائد المسيحية دون مبرر، فقال: إن أصحاب هذه الملاحظات اتخذوا تشابه المراسيم والأخبار دليلاً على تلفيق تاريخ السيد المسيح: ويبدو لي أن نشوء علم المقابلة بين الأديان هو الذي دفع أصحابه في القرن الثامن عشر إلى تحميل المشابهات والمقارنات فوق طاقتها . ثم قال ليس من الصواب أن يقال إن الأناجيل جميعاً عمدة لا يعّول عليها في تاريخ السيد المسيح، وإنما الصواب أنها العمدة الوحيدة في كتابة ذلك التاريخ. وسواء رجعت هذه الأناجيل إلى مصدر واحد أو أكثر من مصدر واحد، فمن الواجب أن يدخل في الحسبان أنها هي العمدة التي اعتمد عليها قوم هم أقرب الناس إلى عصر المسيح، وليس لدينا نحن بعد قرابة ألفي عام أحق منها بالإعتماد . (عبقرية المسيح ص 126 واللّه ص 149 - 154).

وقد سبق الأستاذ العقاد إلى هذه الحقيقة سير جيمز فريزر ودكتور إدوارد ماير المؤرخ السويسري. فقد قال الأول في كتاب إن الشكوك التي تثار ضد حقيقة تاريخ المسيح لا يقام لها وزن، وإنها سخافة لا تقل في بطلانها عن محاولة جعل نابليون (مثلاً) أسطورة لا شخصاً حقيقياً . وقال الثاني في كتاب: ليس هناك شيء ما يحملنا على رفض تاريخ المسيح المدّون في الإنجيل - والعالمان المذكوران، كما يتضح من حياة كل منهما، لم يكونا من الأشخاص المتدينين الذين يهمهم تأييد الموضوعات المسيحية الواردة في الإنجيل، بل كانا من علماء التاريخ الذين لا ينظرون إلى هذه الموضوعات إلا من الناحية التاريخية وحدها. ولذلك فشهادتهما، مثل شهادة الأستاذ العقاد، لا يجوز الطعن فيها بحال.

الباب التاسع

برارة موقف اللّه إزاء البشر وخطاياهم

إن عدم قضاء اللّه على الشيطان من أول الأمر، والسماح له بتجربة آدم وحواء، وعدم تداخله في منعهما من العصيان، ووجود أشخاص لهم حياة أبدية، وآخرين لهم العذاب الأبدي - كل هذه مشكلات بحثها كثير من الفلاسفة والمفكرين دون أن يهتدوا إلى حل لها. لكن في ضوء الأبواب السابقة لا يكون هناك مجال لهذه المشكلات، كما يتضح من الفصول التالية.

-         1

-         برارة موقف اللّه إزاء سقوط آدم

1 - لماذا خلق اللّه آدم، مع علمه أنه سيعصاه، ويجلب على نفسه الشقاء الأبدي؟

الرد: إن اللّه خلقه لأنه محبة (1 يوحنا 4: 8)، ومن شأن المحبة الخالصة ألا تحصر صاحبها في إسعاد ذاته، بل تدعه إلى إسعاد الآخرين. ولذلك خلق اللّه آدم لكي يسعده بكل خير لديه. أما قول الفلاسفة ورجال الدين إن اللّه خلق آدم لكي يعلن بواسطته عن وجوده، أو لكي يتقبل من آدم العبادة والإِكرام اللائقين به، فليس له نصيب من الصواب، لأن اللّه كامل كل الكمال ومستغن بذاته كل الإستغناء.

أما من جهة معرفة اللّه السابقة بأن آدم سيعصاه ويجلب على نفسه الشقاء، فكانت تمنعه من خلقه، لو كانت هناك عقبة ما يمكن أن تمنعه من تحقيق أغراضه السامية من نحوه، ومن ثم فإنه خلق آدم مع علمه أنه سيعصاه، لأنه يستطيع أن ينقذه من نتائج العصيان، ويحقق كل أغراضه الأزلية السامية من نحوه. وقد تحققت فعلاً هذه الأغراض كما اتضح لنا فيما سلف.

2 - إذا كان اللّه قد خلق آدم بدافع المحبة، فلماذا لم يخلقه معصوماً من الخطأ؟

الرد: إن العصمة لا تتوافر إلا في يد من لا بداءة له أو نهاية، أو بالحري في اللّه دون سواه، ولذلك فإن الإِنسان أو غيره من المخلوقات لا يكون معصوماً من الخطأ - ومع كل فاللّه وإن لم يخلق آدم معصوماً، لكن خلقه على صورته، بمعنى أنه خلقه بروح عاقلة لها كل الإمكانيات، للتوافق مع اللّه في صفاته الأدبية السامية، ومن ثم كان من الميسور لآدم ألا يخطئ لو كان قد عقد النية على ذلك.

3 - إذا كان اللّه يحب آدم، فلماذا لم يمنعه من العصيان رغماً عنه، حتى يجنبه هو ونسله الشر والبلاء؟.

الرد: لو كان اللّه قد منع آدم من العصيان رغماً عنه، لكان قد سلبه حرية الإِرادة التي خلقه بها، واللّه لا يلغي أو ينسخ عملاً من أعماله، لأنه عملها كلها بكل حكمة وفطنة (مزمور 104: 24). فضلاً عن ذلك لو كان اللّه قد منع آدم من العصيان رغماً عنه، لأصبحت طاعة آدم في هذه الحالة طاعة آلية لا إرادية. والطاعة الآلية فضلاً عن أنه لا قدر لها ولا وزن، فإنها لم تكن تُشعر آدم بمتعة في العلاقة مع اللّه، ومن ثم كان يحل به الضيق والإكتئاب، وتتأجج فيه الرغبة للمخالفة والعصيان، شأنه في ذلك شأن السكير، فإننا إذا منعناه من الخمر رغماً عنه، تزداد رغبته فيها كثيراً.

4 - إن عدم منع اللّه لآدم من العصيان، يدل على أنه هو الذي هيّأ له سبيل السقوط في الخطيئة، فلا يكون آدم مسؤولاً عنها.

الرد: إن اللّه أسمى من أن يهيئ لآدم (أو لغير آدم) سبيل السقوط في الخطيئة، لكن آدم هو الذي بإرادته الذاتية عصى اللّه، ومن ثم فإنه يستحق كل القصاص الذي يترتب على عصاينه. هذا وقد أغلق الوحي الباب أمام هذا الإعتراض فقال: إن اللّه لا يجرّب أحداً بالشرور، لكن كل واحد يجرَّب إذا انجذب وانخدع من شهوته. ثم أن الشهوة إذا حبلت تلد خطيئة، والخطيئة إذا كملت تنتج موتاً (يعقوب 1: 13 - 15).

5 - لو كان اللّه قد أراد لآدم حياة السعادة في الجنة، لكان قد هيأ له الوسائل التي كانت تساعده على عدم العصيان.

الرد: لو كان اللّه قد خلق آدم بطبيعة خاطئة أو وضعه في صحراء قاحلة ونهاه عن الأكل من شجرة كانت فيها، أو بعد ما وضعه في الجنة حرّم عليه الأكل من أشجارها كلها إلا شجرة واحدة، أو سمح له بالأكل من كل الأشجار إلا أحسنها وأفضلها، أو أن الشجرة التي نهى آدم عنها كانت في مكان يلتبس عليه معرفته، لكان هناك مجال لهذا الإعتراض. لكن اللّه خلق آدم مستقيماً، ولم يضعه في صحراء بل في جنة، ولم يأمره بالإمتناع عن الأكل من الأشجار إلا شجرة واحدة، كما أن هذه الشجرة كانت معروفة لدى آدم حق المعرفة. فضلاً عن ذلك فإنها لم تكن أحسن أو أفضل من غيرها من الأشجار، بل كانت مثلها تماماً، وكل ما في الأمر أن رغبة آدم في الأكل منها خلعت عليها جمالاً خاصاً في عينيه، ومن ثم فاللّه، على النقيض مما يظن المعترضون، كان قد أحاط آدم بكل الأسباب الكفيلة بحفظه من العصيان، ولذلك لا عذر له على الإطلاق.

6 - أليس عدم قضاء اللّه على الشيطان من جهة، وإمتحانه لآدم من جهة أخرى، دليلين على أنه لم يشأ لآدم حياة الهناء؟.

الرد: (ا) إن الشيطان مخلوق ضعيف حقير لا شأن له بالنسبة إلى اللّه، ولذلك فبقاؤه لا يمكن أن يقف في سبيل تنفيذ اللّه لمقاصده، لأن اللّه جلت قدرته يستطيع أن يقضي على كل أعمال الشيطان وحيله، بل ويستغلها أيضاً لإِظهار محبته ورحمته للبشر الذين خلقهم على صورته كشبهه، وبذلك يخرج لهم من الآكل أكلاً ومن الجافي حلاوة (قضاة 14: 14).

فضلاً عن ذلك فإن الشيطان لم يرغم آدم على العصيان، فهو لم يأت به إلى الشجرة المنهي عنها، أو قطف من ثمرها ووضع في فمه، بل حواء هي التي ذهبت إلى الشجرة بإرادتها، وهي التي قطفت من ثمرتها وأكلت بنفسها، وهي التي أعطت زوجها بعد ذلك ليأكل فاستجاب لها. ومن ثم فبقاء الشيطان لا يخلي آدم أو إمرأته من مسئوولية العصيان، لأنه كان من الميسور لهما أن يتحولا عن صوت الشيطان لو كانا قد أرادا أن يعيشا حياة الطاعة للّه. فإذا أضفنا إلى ذلك أنه كان من الجائز جداً أن يعصيا اللّه لو لم يكن الشيطان موجوداً، وذلك بسبب حرية الإِرادة التي كانا يتمتعان بها، لأن هذه الحرية، كما تقود إلى الطاعة تقود أيضاً إلى العصيان، إذاً ليس هناك مجال لهذا الإعتراض.

(ب) أما من جهة الإمتحان، فقد كان من الواجب أن يظهر آدم وإمرأته أهليتهما للمركز السامي الذي وضعهما اللّه فيه. فإذا تبين أنهما يطيعان اللّه، يمكن أن يتمتعا بهذا المركز إلى الأبد. وإذا سقطا فللسقوط علاج، كفيل بإعادتهما لا إلى حالتهما الأولى فحسب، بل وإلى حالة أفضل منها كثيراً بفضل نعمة اللّه التي لا حد لها، لذلك ليس هناك مجال للإعتراض على هذا الإمتحان.

7 - إذا كان اللّه يعلم منذ الأزل أن آدم سيعصاه، فلماذا لم يتركه وشأنه دون إمتحان، لأنه إذ ذاك لم يكن يحرم من الجنة؟.

الرد: حقاً إن اللّه كان يعرف منذ الأزل أن كلاً من آدم وحواء سيعصيان وصيته، لكن لم يكن لهما أن يعرفا هذه الحقيقة دون إمتحان، ومن ثم كان يجب أن يُمتحنا ليعرفا حقيقة أمرهما، ويعرفا أيضاً كيف يتصرفان إزاء اللّه. وللإيضاح نقول: إذا ألغيت الإمتحانات المدرسية (مثلاً)، لما عرف معظم الطلبة حقيقة أمرهم، بل ربما ظن الضعفاء منهم أنهم أفضل من غيرهم، ومن ثم يتملكهم الغرور بأنفسهم. وإذا التحقوا بعمل بعد ذلك، أساءوا التصرف فيه كثيراً. فالإمتحان ضرورة أدبية لا بد منها، ولا يتنصل منه إلا الذين لا يريدون أن يعرفوا حقيقة ذواتهم. نعم سيرسب الضعيف في الإمتحان، لكن من الأفضل والأشرف أن يرسب ويعالج، من أن يتوهم أنه قوي فيخدع نفسه ويخدع الآخرين أيضاً معه. لذلك كان الأتقياء يطلبون من اللّه أن يمنحهم ويوجههم التوجيه السليم، فداود النبي (مثلاً) كان يقول للّه: إختبرني واعرف قلبي. إمتحني واعرف أفكاري، وانظر إن كان فيّ طريق باطل واهدني طريقاًأبدياً (مزمور 139: 23 و 24).

8 - لو كان اللّه قد أراد لآدم حياة البقاء في الجنة، فهل يكون آدم بعصيانه ونشره للشر قد خالف إرادة اللّه، وإرادة اللّه كما نعلم تسيطر على الكون وتتحكم فيه؟.

الرد: حقاً إن إرادة اللّه تسيطر على الكون وتتحكم فيه، فهي التي تسيّر الكواكب بانتظام في أفلاكها، وهي التي تحفظ للطبيعة خصائصها وكيانها. لكن يجب أن لا يفوتنا أن هناك فرقاً بين الإِرادة والسماح. فالإِرادة عمل إيجابي به نتحكم في الأمور لتسير في الطريق الذي نعينه لها. أما السماح فهو عمل سلبي به نترك الحرية للأمور لتسير في طريقها، لسبب أو غرض خاص. فاللّه سمح لآدم بالعصيان، ليس لعجزه عن إرغامه على حياة الطاعة، بل لأنه خلقه حر الإِرادة، وحرية الإِرادة من شأنها أن تتجه إلى الخير كما تتجه إلى الشر. ومع كل فإن وجود الشر في العالم لا يعطل مقاصد اللّه، لأن اللّه يستطيع استخدامه لتهذيب الإِنسان، وأيضاً لإِظهار محبته له وعطفه عليه. لأنه لولا الشر لما عرفنا أهمية الخير، ولولا سقوطنا في الخطيئة، لما عرفنا عطف اللّه علينا واهتمامه بأمرنا.

9 - لماذا خلق اللّه آدم حر الإِرادة، وهو يعلم أنه سيسيء استخدام هذه الحرية؟.

الرد: (ا) لما كان اللّه محبة (1 يوحنا 4: 8)، والمحبة هي العامل الأساسي في الخلق، لذلك كان من البديهي أن يخلق اللّه البشر بإرادة حرة، حتى تكون لهم القدرة الذاتية على أن يبادلوه حباً بحب، لأن المحبة المتبادلة لا تقوم إلا على حرية الإِرادة. فضلاً عن ذلك فإن هذه الحرية هي التي تكّون في الواقع أخلاق البشر وشخصياتهم، وتهيِّئ لهم أيضاً سبيل التقدم والرقي في الحياة، إذ لولاها لظل الإِنسان إلى الآن بدائياً كما كان منذ آلاف السنين. فإذا أضفنا إلى ما تقدم إن اللّه لا يريد بشراً كالدمى التي تتحرك آلياً بالجذب أو الدفع حسب رغبة صاحبها، لأنه لا يجد سروره إلا في خلائق تتجاوب معه بمحض إختيارها، الأمر الذي لا يتحقق إلا إذا توافرت لديها القدرة على العصيان في أي وقت أرادت، اتضح لنا أن هذا الإعتراض لا مجال له على الإِطلاق.

(ب) كما أننا إذا نظرنا إلى الحرية من الناحية الإِنسانية العامة، نرى أنها أسمى ما يعتز به الكائن العاقل، ومن ثم فإن البشر المحرومين منها يجاهدون بكل قواهم للحصول عليها. وإذا كان الأمر كذلك فمن التناقض أن نعتز بالحرية، وفي الوقت نفسه نعترض على اللّه لأنه خلقنا أحراراً. فإذا كان آدم قد استخدم حرية الإِرادة التي طبعه اللّه عليها في الإنحراف عنه، فالعيب فيه وليس في الحرية - ومع كل فإن اللّه بسبب محبته التي لا حد لها، لم يعامل الإِنسان حسب عصيانه، بل أظهر له كل عطف ورحمة، كما هيأ له كل الوسائل التي تمكنه من استخدام حرية إرادته في الإمتناع عن كل شر، والقيام بكل خير، عندما يؤمن إيماناً حقيقياً كما ذكرنا في الباب السابع، ولذلك ليس هنا مجال لهذا الإعتراض كما ذكرنا.

10 - إذا كان الأمر كذلك، فهل سمح اللّه لآدم بالسقوط في الخطيئة لكي يظهر محبته الأزلية له ويكفر بنفسه عنه؟

الرد: حاشا للّه أن يكون قد سمح لآدم بالسقوط في الخطيئة لهذين الغرضين، لأنه لا يسمح بالشر لكي يأتي الخير، إذ أنه لا يصطاد في الماء العكر كما يفعل بعض الناس. بل ما حدث هو أنه هيأ لآدم الأسباب الكفيلة ببقائه في الجنة إلى الأبد، لكن لما سقط بإرادته لم يشأ اللّه أن يتركه في خطيئته، بل احتملها وكفر عنها بنفسه. فضلاً عن ذلك إن هذين العملين، أي الإحتمال والتكفير، لم يكونا حدثين جديدين بالنسبة إلى اللّه، بل كانا لديه أزلاً، لأنه يعرف كل الأشياء قبل ظهورها - الأمر الذي يتوافق مع كماله، وعدم طروء أي جديد عليه.

-         2

-         برارة موقف اللّه إزاء البشر عامة

1 - لكن هل يرضى اللّه أن يشقى ملايين البشر، بسبب خطيئة آدم أبيهم ونائبهم؟

الرد: (ا) طبعاً لا يرضى، ولذلك عيّن لهم منذ الأزل (أو بالحري قبل خلق آدم بأزمنة لا حصر لها) نائباً آخر هو المسيح، ومن ثم دُعي المسيح بالوحي من الناحية الناسوتية آدم الأخير (1 كورنثوس 15: 45) يُطلق على المسيح آدم الأخير من جهة زمن ظهوره في العالم بالنسبة إلى آدم الأول أو النائب الأول. ولكن المسيح من ناحية وجوده الذاتي، كان قبل آدم بأزمنة لا حصر لها، لأنه له المجد هو إبن اللّه و كلمته . وتبعاً لذلك إذا كانت البشرية قد حلّ بها الشقاء بواسطة آدم الأول، يحل بها الخير وكل الخير بواسطة آدم الأخير. فقد قال الوحي: لأنه إن كان بخطيئة واحد (أي آدم الأول) مات الكثيرون، فبالأولى كثيراً نعمة اللّه والعطية بالنعمة التي بالإِنسان الواحد يسوع المسيح، قد ازدادت للكثيرين.. لأنه إن كان بخطية الواحد قد ملك الموت بالواحد، فبالأولى كثيراً الذين ينالون فيض النعمة وعطية البر، سيملكون في الحياة بالواحد يسوع المسيح. فإذاً كما بخطية واحدة صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة، هكذا ببر واحد (أي عمل البر الواحد الذي به وفىّ المسيح مطالب عدالة اللّه وقداسته) صارت الهبة إلى جميع الناس لتبرير الحياة. لأنه كما بمعصية الإِنسان الواحد جُعل الكثيرون خطاة، هكذا أيضاً بإطاعة الواحد (أي المسيح يسوع) سيُجعل الكثيرون أبراراً (رومية 5: 15 - 19).

(ب) لذلك فكل من يشعر بشناعة الخطيئة التي تسربت إليه من آدم الأول، عليه أن يتنصل من علاقته به كرأسه العتيق ويلتصق بالروح بالإِيمان الحقيقي بالمسيح الذي هو آدم الأخير، كرأسه الجديد. فيصبح منفصلاً عن الجنس البشري وخطيئته ومصيره من ناحية، ومتحداً مع المسيح البار ومشتركاً معه في استحقاقات كفارته من ناحية أخرى. فقد قال الوحي: إذاً إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة، الأشياء العتيقة قد مضت. هوذا الكل قد صار جديداً (2 كورنثوس 5: 17)، أما إذا رفض إنسان الإلتصاق بالمسيح، فإنه يكون قد فضل البقاء في الحالة الجسدية التي آلت إليه بسبب نيابة آدم الأول، وبالتالي يكون قد أحب البقاء في الخطيئة بمحض اختياره. وحينئذ لا تكون نيابة آدم الأول عنه نيابة شرعية بل نيابة إختيارية، وتكون الدينونة التي يستحقها ليست بسبب نيابة آدم عنه في الإمتحان والسقوط واستحقاق الموت، بل بسبب رفضه لنيابة المسيح عنه في إيفاء مطالب العدالة الإِلهية.

مما تقدم يتضح لنا أنه كما تسربت الطبيعة الخاطئة إلينا من آدم واشتركنا في نتائجها دون أن نرتكب ذنباً، هكذا اقتضت حكمة اللّه أن ننال حياة المسيح في نفوسنا، ونشترك في نتائج كفارته دون أن نقوم بدفع ثمنها للّه، إذ كل ما علينا أن نعمله هو أن نقبل المسيح في قلوبنا نائباً عنا ورأساً لنا، أو بالحري أن نؤمن به إيماناً حقيقياً.

2 - لماذا لم يجعل اللّه المسيح رأساً للخليقة من أول الأمر بدلاً من آدم، لأنه في هذه الحالة لم يكن هناك مجال لوجود الخطيئة التي أساءت إلى اللّه وكلفته القيام بالفداء؟!

الرد: إن اللّه أقام الأول رأساً للخليقة لأنه كائن أرضي ويستطيع أن يأتي بالبشر بواسطة التناسل الطبيعي. أما المسيح فلأنه كائن سماوي وليست له علاقة مع أحد إلا بالروح، كان من البديهي أن لا يظهر كرأس للخليقة الروحية الجديدة، إلا بعد أن يأتي آدم الأول. وليس هذا فحسب، بل وأيضاً بعد أن تظهر في المخلصين من أولاده، الرغبة الحقيقية في الإتصال باللّه والتوافق معه.

هذا مع العلم بأن نيابة آدم الأول وما أنتجته من شر ليست هي التي دعت اللّه إلى إقامة المسيح نائباً ثانياً، بل بالعكس فإن نيابة المسيح هي الأساس في مقاصد اللّه الأزلية، والدليل على ذلك أنه أعلن أن آدم الأول كان مجرد مثال للمسيح من جهة النيابة عن البشر كما يتضح من (رومية 5: 12)، والمثال لا تقوم له قائمة إلا إذا كانت هناك حقيقة سابقة له يمثلها أو يرمز إليها.

3 - إذا كان الخلاص هو بالمسيح وحده، فكيف خلص الأنبياء وغيرهم من الأتقياء الذين عاشوا قبل مجيئه إلى الأرض؟

الرد: (ا) مرّ بنا أن اللّه أوصى الناس في العهد القديم بتقديم الذبائح كفارة عن نفوسهم. ولذلك كان كل من يتوب عن خطاياه ويقترب إلى اللّه بهذه الذبائح، يتمتع بالغفران والقبول أمامه، ليس لأن هذه الذبائح كانت في ذاتها كافية للتكفير، بل لأنها كانت رمزاً إلى كفارة المسيح التي كانت معروفة لدى اللّه أزلاً. فقد قال الرسول للمؤمنين عالمين أنكم أفتديتم بدم كريم، كما من حمل بلا عيب ولا دنس، دم المسيح معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالم، ولكن قد أظهر في الأزمنة الأخيرة من أجلكم (1 بطرس 1: 18 - 20) وقال غيره عن المسيح الذي قدمه اللّه كفارة بالإِيمان بدمه لإِظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة (أي خطايا الذين آمنوا في العصور السالفة للمسيح، وأظهروا هذا الإِيمان بالتوبة إلى اللّه وتقديم الذبائح الرمزية) بإمهال اللّه، (و) لإِظهار بره (أيضاً) في الزمان الحاضر، ليكون باراً ويبرر من هو من الإِيمان بيسوع (رومية 3: 25 و 26).

فالغفران بدم المسيح يمتد من الصليب إلى الخلف، فيجتاز كل العصور السابقة للميلاد حتى يصل إلى آدم قبل خروجه من الجنة - ولذلك لم يوقع اللّه عليه في الحال حكم الموت الجسدي الذي ينبئ بوقوع العذاب الأبدي عليه بسبب الخطيئة، بل عفا عنه وأبقاه حياً على أساس الذبيحة الرمزية التي ارتضاها وقتئذ نيابة عنه. كما أن هذا الغفران يمتد إلى الأمام فيجتاز كل العصور التالية للميلاد لكي يخلص آخر إنسان يأتي إلى الأرض، طالما يؤمن بالمسيح إيماناً حقيقياً. ومن ثم فالمؤمنون الحقيقيون الذين عاشوا قبل الصليب خلصوا أمام اللّه بالنظر إلى المسيح الذي كان بالنسبة لهم عتيداً أن يأتي ويعلن كفارة اللّه، والمؤمنون الذين عاشوا ويعيشون بعد المسيح يخلصون بالإِيمان بأنه أتى وأعلن هذه الكفارة - الأمر الذي يتفق مع كمال اللّه ومحبته للبشر، في كل العصور بلا استثناء.

4 - إن اللّه يحب الناس جميعاً، ولذلك ليس من المعقول إطلاقاً أن يخلّص فقط المنتمين إلى المسيح، لا سيما وأن كثيرين منهم خطاة مثل باقي الناس.

الرد: إن الذين يتمتعون بالخلاص ليسوا الذين ينتمون إلى المسيح (أو بالحري ينتمون ظاهرياً إليه)، لأن كثيرين من هؤلاء خطاة مثل باقي الناس، لكن الذين يتمتعون بالخلاص هم الذين قبلوا المسيح مخلصاً لهم، ووُلدوا من اللّه مرة ثانية استطاعوا بها التوافق معه في صفاته الأدبية السامية، وهؤلاء أقلية في كل العصور. ولا غرابة في ذلك فقد ذكر الوحي أنه من بين الآلاف الذين كانوا في أيام الطوفان لم يخلص إلا ثمانية أشخاص (1 بطرس 3: 20). ومن بين سكان سدوم وعمورة العديدين لم يخلص إلا لوط وحده (2 بطرس 2: 7).

5 - إن عطف اللّه ورحمته لا حد لهما، ولذلك لا يمكن أن يهلك إلى الأبد جميع الذين لا يؤمنون بالمسيح إيماناً حقيقياً.

الرد: حقاً إن عطف اللّه ورحمته لا حد لهما، لكن يجب ألا يفوتنا أن قداسته وعدالته لا حد لهما أيضاً. وبما أن المؤمنين بالإسم وغير المؤمنين لا يبالون بالخلاص الذي يقدمه لهم مجاناً في المسيح، لذلك فمن العدالة أن يحرموا منه، ومن العدالة كذلك ألا يطالبوا بأحقيتهم فيه.

فضلاً عن ذلك فاللّه في الواقع ليس هو الذي يهلكهم، بل هم الذين يهلكون أنفسهم بأنفسهم، بسبب عدم رغبتهم في الإِتيان إليه والتمتع بخلاصه. وقد أشار المسيح إلى هذه الحقيقة فقال لأنه هكذا أحب اللّه العالم حتى بذل أبنه الوحيد لكي لا يَهللك (بفتح الياء لا بضمها) كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية (يوحنا 3: 16)، كما أشار اللّه إليها من قبل على لسان الحكيم فقال من يخطئ عني يضر نفسه (ولست أنا الذي أضره) (أمثال 8: 36)، كما ذكرنا في الباب الأول.

6 - إذا كان الخلاص هو بكفارة المسيح وحدها، فما مصير الذين لم يسمعوا عنها، أو سمعوا عنها دون أن يدركوها؟

الرد: لسنا في مركز القضاة الذين يقررون مصائر الناس حتى نجيب عن هذا السؤال، لكن نعلم علم اليقين أن اللّه يحب كل الناس بدرجة واحدة. فمكتوب هكذا أحب اللّه العالم (أي العالم أجمع) (يوحنا 3: 16)، وأنه بعلمه اللانهائي يقدّر ظروف كل منهم تقديراً صادقاً، كما يعرف قلب كل منهم معرفة دقيقة، ومن ثم لا يمكن أن يظلم أحداً أو يقسو على آخر. فالراغبون منهم بإخلاص في التمتع برحمة اللّه والسلوك في سبيله، لا يتركهم اللّه وشأنهم، بل يرسل لهم من يرشدهم، ويهذبهم، كما فعل مع كرنيليوس ووزير ملكة كنداكة وغيرهم (أعمال 10 ، 8: 26 - 35).

7 - وما ذنب الأطفال الذين لا يعرفون شمالهم من يمينهم؟

الرد: (ا) إن المسئوولية (كما نعلم) لا تقع إلا على الذين يميزون بين الخير والشر، وبما أن الأطفال عامة لا يميزون بين هذا وذاك، لذلك لا تقع عليهم مسؤولية شخصية أمام اللّه، وبالتبعية لا يعتبرون مذنبين أمامه، حتى إن كانوا قد عملوا بالطبيعة ما ندعوه خطيئة . أما من جهة إعتبارهم خطاة شرعاً أمام اللّه (مثل غيرهم من الناس) بسبب تناسلهم من آدم الأول، فنقول: نظراً لعدم إدراك الأطفال ماهية الخير أو الشر، فاللّه لا يسمح بأن يضاروا بخطيئة آدم الأول، وأن لا يفيدوا من خلاص آدم الأخير الذي هو المسيح. فقد قال الوحي: ولكن ليس كالخطية هكذا أيضاً الهبة (أي أن هبات اللّه لنا على أساس كفارة المسيح، لا يمكن أن تقل عن نتائج خطيئة آدم علينا)، لأنه إن كان بخطية واحد (الذي هو آدم الأول) مات الكثيرون. فبالأولى كثيراً نعمة اللّه والعطية بالنعمة التي بالإِنسان الواحد يسوع المسيح قد ازدادت للكثيرين (رومية 5: 15 - 20). فإذا أضفنا إلى ذلك أن المسيح قال عن الأطفال إن لمثل هؤلاء ملكوت السموات (مرقس 10: 13 - 15)، وإنه لا يريد أن يهلك واحد منهم على الإِطلاق (متى 18: 10 - 14)، لا يبقى لدينا شك في أن الأطفال عامة لا يهلكون بفضل كفارة المسيح.

ومما يثبت هذه الحقيقة أننا إذا رجعنا إلى إجراءات الدينونة الواردة في (رؤيا 20: 11 - 12)، نرى أن الأشرار يُدانون على قياس مسؤوليتهم حسب ما هو مكتوب في الأسفار عن أعمالهم. ولذلك فإن الذين لا إدراك لهم لا يقفون أمام عرش الدينونة، بل كما ورثوا الخطيئة من آدم دون إرادتهم، يتمتعون بالخلاص والحياة الأبدية مجاناً بفضل كفارة المسيح دون أي إجراء من جانبهم.

ولكن يجب أن لا يفوتنا أنه مع عدم هلاكهم، فإن إدراكهم في الأبدية سوف لا يكون مثل إدراك المؤمنين الذين سمت حياتهم الروحية، بالإِفادة من محبة اللّه الغنية التي تجلت في كفارة المسيح، والبركات السامية التي ترتبت عليها. كما أنه سوف لا تكون لهم أكاليل أمام كرسي المسيح نظير المؤمنين الذين خدموا الرب بإخلاص في العالم الحاضر، لأن الأكاليل ستعطى عن الخدمة والجهاد بعد الإِيمان (2 تيموثاوس 4: 7 و 8 ، 1 بطرس 5: 4 ، يعقوب 1: 12 ورؤ 2: 10)، ومن ثم تكون مكانة الأطفال في الأبدية مثل مكانة البسطاء في الإِيمان.

-3- برارة موقف اللّه إزاء المؤمنين الحقيقيين

1 - إذا كان المؤمنون الحقيقيون لا يُعاقَبون عن خطاياهم إلى الأبد، لذلك لهم أن يخطئوا ويهملوا في الأعمال الصالحة كما يريدون، وهذا ما يساعد على انتشار الشر في العالم، وفي الوقت نفسه يتعارض مع قداسة اللّه كل التعارض.

الرد: إن المؤمنين الحقيقيين كما ذكرنا في الباب السابع، ولدوا مرة ثانية من اللّه، وحصلوا منه على طبيعة روحية تكره الخطيئة وتمقتها، لذلك فإن فكرة جواز سلوكهم في حياة الشر، هي فكرة بعيدة الإحتمال. فقد قال الرسول عن نفسه وعن هؤلاء المؤمنين نحن الذين متنا عن الخطيئة، كيف نعيش بعد فيها!! (رومية 6: 2)، لأن النعمة التي خلصتهم تعلمهم أن ينكروا الفجور والشهوات العالمية وأن يعيشوا بالتعقل والبر والتقوى في العالم الحاضر (تيطس 2: 11 و 12).

فضلاً عن ذلك، فإن الطبيعة الروحية التي حصل عليها هؤلاء المؤمنون من اللّه من شأنها أن تقودهم للقيام بالأعمال الصالحة بكثرة ووفرة. وإذا قصروا مرة في شيء من هذه الأعمال، لا يشعرون براحة أو سلام في نفوسهم. ولذلك يحاولون القيام بالأعمال المذكورة بكل ما لديهم من قوة لكي يريحوا ضمائرهم، وقبل كل شيء لكي يمجدوا اللّه الذي أحبهم وأكرمهم. وقد أشار الرسول إلى أن المؤمنين الحقيقيين طُبعوا على القيام بالأعمال الصالحة، فقال عن نفسه وعنهم معاً مخلوقين (مرة ثانية) في المسيح يسوع لأعمال صالحة، قد سبق اللّه فأعدها لكي نسلك فيها (أفسس 2: 10).

2 - ما موقف اللّه إزاء مؤمن حقيقي يسقط في الخطيئة، ولا ينهض للتو منها؟

الرد: (ا) إن اللّه يستخدم كل الوسائل لهداية هذا المؤمن وإعادته إليه، وذلك عن طريق الوعظ والإِرشاد أو عن طريق تجارب الحياة المتنوعة، لأن هذا المؤمن هو من أولاده الذين ولدهم مرة ثانية لرجاء حي (1 بطرس 1: 3)، وتعهد المسيح برعايتهم والعناية بهم إلى نهاية الحياة (يوحنا 10: 14 و 15) - وداود النبي الذي اختبر هداية اللّه له بعد الإنحراف، قال مرة عنه يردّ نفسي. يهديني إلى سبل البر، من أجل أسمه (مزمور 23: 3).

(ب) أما إذا استمر مؤمن حقيقي في عمل الخطيئة، فإن اللّه يؤدبه حتى يثوب إلى رشده ويقلع عن خطيئته. وهذا التأديب قد يكون مرضاً أو ضيقاً أو خسارة أو... أو... فقد قال الرسول لأننا لو كنا حكمنا على أنفسنا (وسرنا في خوف اللّه) لما حكم علينا. ولكن إذ قد حُكم علينا نُؤدَّب من الرب لكي لا نُدان مع العالم (1 كورنثوس 11: 31 و 32). وقال أيضاً لأن الذي يحبه الرب يؤدبه، ويجلد كل إبن يقبله.. فأي إبن لا يؤدبه أبوه!! (عبرانيين 12: 6 و 7). ومن ثم قال الرسول للمؤمنين وإن كنتم تدعون أباً الذي يحكم بغير محاباة حسب عمل كل واحد، فسيروا زمان غربتكم بخوف (1 بطرس 1: 17)، وطبعاً ليس خوف الإرتعاب من اللّه بل خوف الوقار أمامه.

3 - كيف لا يدان في الأبدية كل المؤمنين الحقيقيين الذين يسقطون في الخطيئة مثل غير المؤمنين والمؤمنين بالإسم؟ ولو فرضنا جدلاً أنهم سوف ينتقلون إلى السماء، فكيف يمكن أن يتوافقوا مع اللّه في قداسته هناك!!

الرد: إن المسيح بتقديم نفسه كفارة على الصليب، حمل قصاص خطايا من يؤمنون به إيماناً حقيقياً. وبما أن عدالة اللّه لا تطالب بحقها مرتين، لذلك لا يدان المؤمنون الحقيقيون فيما بعد عن خطاياهم إكتفاء بالتأديب الأرضي الذي يحل بهم، كما ذكرنا فيما سلف. أما من جهة الشطر الثاني من الإعتراض فنقول: بما أن هؤلاء المؤمنين حصلوا بالولادة الثانية من اللّه على طبيعة روحية يخلعون فعلاً الطبيعة العتيقة التي تجنح بهم الآن إلى الخطيئة، لذلك لا يبقى هناك ما يمنعهم من التوافق مع اللّه في قداسته في العالم الآخر.

4 - إذا كان المؤمنون الذين يسقطون في الخطيئة سيتمتعون باللّه في العالم الآخر، يكون اللّه قد وضعهم جنباً إلى جنب مع المؤمنين الذين يحفظون أنفسهم بعيداً عن الخطيئة، ويقومون بخدمته وحفظ وصاياه في العالم الحاضر، وهذا لا يتفق مع العقل؟

الرد: لا مجال لهذا الإعتراض فإن اللّه سيكافئ المؤمنين الحقيقيين، الذين حفظوا أنفسهم بعيداً عن الخطيئة، وقاموا بخدمته وحفظ وصاياه بمكافأة خاصة، فقد قال الوحي إن بقي عمل أحد قد بناه عليه (أي على الإِيمان بالمسيح)، فسيأخذ أجرة (1 كورنثوس 3: 14) وهذه الأجرة أو المكافأة ليست طبعاً هي الحياة الأبدية، بل أنها مجد خاص بجانب هذه الحياة - لأن الحياة الأبدية هبة من اللّه على أساس كفارة المسيح (رومية 6: 23)، وليست أجرة عن أعمال صالحة. أما غيرهم من المؤمنين الحقيقيين وإن كانوا سيتمتعون باللّه إلى الأبد بفضل كفارة المسيح، لكنهم سيخسرون الأجرة السابق ذكرها. فقد قال الوحي إن احترق عمل أحد فسيخسر (أي يخسر الأجرة)، وأما هو فسيخْلُص (من الدينونة الأبدية)، ولكن (خلاص هذا المؤمن، يكون) كما بنار (1 كورنثوس 3: 15)، أي كخلاص شخص شبت النار في بيته فأحرقت كل ما لديه، أما هو فنجا بنفسه فحسب، كما كانت الحال مع لوط قديماً (تكوين 19: 20).

5 - أليس الإعتقاد بأن المؤمنين الحقيقيين الذين يخطئون لا يتعرضون للدينونة الأبدية، يدفعهم للتباهي بأنفسهم، وهذا ما لا يليق بهم أو بغيرهم على الإِطلاق.

الرد: فضلاً عن أن هؤلاء المؤمنين يتعرضون لتأديب اللّه في الزمن الحاضر كما ذكرنا فيما سلف، الأمر الذي يدعوهم للسلوك بكل تواضع أمامه. فإن عدم تعرضهم للدينونة لا يدعوهم للتباهي بأنفسهم، لأن خلاصهم منها يتوقف أولاً وأخيراً على كفارة المسيح. ولذلك فإنهم إذا افتخروا، لا يفتخرون بأنفسهم بل بالرب دون سواه (2 كورنثوس 10: 17).

أما الذين يتباهون بأنفسهم فهم الذين يفتخرون بالأعمال التي تدعى الصالحة، ويعتقدون أنهم أهل بها للحصول على الحياة الأبدية، دون الذين لم يقوموا في نظرهم بمثل هذه الأعمال، كما كانت الحال مع الفريسي الوارد ذكره في (لوقا 18: 9 - 14)، غير عالمين أن هذه الأعمال فضلاً عن أنها لا تكفر عن خطيئة واحدة من خطاياهم، فهي ملطخة بنقائص متعددة تجعلهم خطاة أمام اللّه كما ذكرنا في الباب الثاني. وحتى إذا كانت أعمالهم خالية من هذه النقائص فإنها ليست فضلاً منهم يستحقون عنه جزاء، بل هي واجب إذا قصروا في أدائه، أضافوا إلى خطاياهم خطايا أخر.

6 - إذا كان المسيح قد خلص المؤمنين الحقيقيين من قصاص الخطيئة، وكان الموت الجسدي جزءاً من قصاصها، فلماذا يموتون هذا الموت مثل غيرهم من الناس؟

الرد: إن الموت لا يتطرق إلا إلى الأشخاص الخالين من الخطيئة والمعصومين منها، والحال أن أجساد المؤمنين الحقيقيين، مثل أجساد غيرهم من الناس، تكمن فيها الطبيعة الخاطئة (والفرق الوحيد بين الفريقين أن المؤمنين الحقيقيين يَسْمون بنعمة اللّه فوق هذه الطبيعة، أما غيرهم من الناس فيخضعون لها)، ولذلك كان من البديهي أن يتطرق الموت إلى أجسادهم أيضاً. ومع كل، فبسبب حصول المؤمنين المذكورين على الغفران والقبول الأبدي أمام اللّه في المسيح، لم يعد الموت الجسدي موتاً لهم بل أصبح انتقالاً إلى السماء. كما أنه عن طريق هذا الإنتقال، ينتهي أمر الطبيعة العتيقة فيهم. ولذلك صاح أحدهم قائلاً لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح - ذاك أفضل جداً، لأن لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح (فيلبي 1: 21 - 23). وأيضاً لأننا نعلم أنه إن نقض بيت خيمتنا الأرضي (أي أجسادنا الأرضية المؤقتة)، فلنا في السموات بناء من اللّه (أي جسد سماوي) بيت غير مصنوع بيد، أبدي. فنثق ونسرّ بالأولى أن نتغرب عن الجسد (أي ننتقل من هذا العالم)، ونستوطن عند الرب (2 كورنثوس 5: 1 - 8). ولذلك يطلق الوحي على الموت بالنسبة للمؤمنين الحقيقيين رقاداً أو نوماً (يوحنا 11: 12)، لأنهم يقومون بعده بنشاط روحي إلى حياة سعيدة، بأجساد سماوية مثل جسد المسيح نفسه. فمكتوب عنه أنه سيغيِّر شكل جسد تواضعنا لكي يكون على صورة جسد مجده (فيلبي 3: 21)، ولذلك فإنهم دون غيرهم من الناس، لا يخشون الموت ولا ما بعد الموت.

فما أعظم محبة اللّه التي تجلت في الفداء الذي قام به لأجلنا في المسيح، وما ثمن البركات التي آلت إلينا بسبب هذا الفداء!! إننا مهما شكرنا اللّه لا نستطيع أن نفيه ذرة مما يجب علينا إزاء أفضاله ولذلك لا يسعنا إلا أن نخرّ أمامه ساجدين معطين إياه الكرامة والمجد والعظمة والسلطان إلى أبد الآباد - آمين.

مسابقة القسم الثاني كيف تنتفع بكفارة المسيح؟

أيها القارئ الكريم،

إن كنت قد درست القسم الثاني من هذا الكتاب، فستجاوب على الأسئلة التالية

1 - ما هي الأدلة على صدق شهادة المسيح لموته الكفاري؟