الله بين الفلسفة والمسيحية

عوض سمعان

 

  

فهرس الكتاب

 

الباب الأول: الله وصفاته

1 - آراء الفلاسفة عن الله

2 - معنى الله ذات

3 - مكان وجود الله

4 - صفات الله

5 - الاعتراضات والرد عليها

 

الباب الثاني: الله ووحدانيته

1 - الأدلة على وحدانية الله

2 - الأدلة على عدم وجود أي تركيب فيه

3 - الوحدانية المجردة والوحدانية المطلقة

4 - الوحدانية الحقيقية والوحدانية الوهمية

5 - درجات الوحدانية الحقيقية

6 - آراء الفلاسفة والعلماء عن الوحدانية الحقيقية

7 - الوحدانية اللائقة بالله، أو الوحدانية الجامعة المانعة

 

الباب الثالث: مشكلات الوحدانية المجردة والوحدانية المطلقة

1 - مشكلة العلاقة بين صفات الله وذاته

2 - مشكلة أصل العالم

3 - مشكلة كيفية تكّون العالم

4 - مشكلة علاقة الله بالعالم

5 - مشكلة ماهية الله

 الباب الرابع: الوحدانية الجامعة المانعة وماهيتها

1 - الفلاسفة والوحدانية الجامعة المانعة.

2 - توافق الوحدانية الجامعة المانعة، مع وحدانية الله المحضة.

3 - ماهية الجامعية في الوحدانية الإلهية.

4 - الأقانيم

 

الباب الأول

الله وصفاته

في هذا الباب نرى

1 - آراء الفلاسفة عن الله

2 - معنى الله ذات

3 - مكان وجود الله

4 - صفات الله

5 - الاعتراضات والرد عليها

 

الفصل الأول

آراء الفلاسفة عن الله

 

انقسم الفلاسفة في آرائهم عن الله إلى خمس فرق رئيسية : الأولى فرقة الماديين التي أنكرت وجوده وقالت أنْ لا إله للعالم، وإن العالم وُجد مصادفة. والفرقة الثانية فرقة العقليين التي قالت إن العقل يفترض وجوب وجود إله للعالم، لكن هذا الإله أسمى من إدراكنا، ولذلك لا نستطيع أن نعرف عنه شيئاً. والفرقة الثالثة فرقة وحدة الوجود التي قالت إن الله والعالم جوهر واحد، فهو من العالم والعالم منه. والفرقة الرابعة اعترفت أن الله ليس هو العالم، ولكنه القوة المحرِّكة للعالم، وبذلك نفت عنه الذاتية وجعلته مجرد طاقة. و الذاتية هي الكيان الذي يتَّصف بالعقل والإدراك. أما الطاقة فهي مجرد قوة، لا عقل لها أو إدراك.

 

والفرقة الخامسة اعترفت أن الله ذات، ولكنها انقسمت فيما بينها من جهة ذاته وصفاته إلى أربع شيع رئيسية : فالأولى رأت أنه ذات له صفات زائدة عن ذاته، والثانية رأت أن صفاته هي عين ذاته، والثالثة رأت أن الصفات الإيجابية لا تتلاءم مع تفرُّده بالأزلية، فأسندت إليه الصفات السلبية وحدها، والرابعة رأت أن الصفات هي من خصائص المخلوقات، ولذلك نفتها عنه، رغبةً منها " حسب اعتقادها " في تنزيهه عن الاشتراك في خصائص هذه المخلوقات.

 

والذين أسندوا إلى الله الصفات السلبية وحدها قالوا إنه غير جاهل وغير عاجز وغير مرغم. والذين نفوا عنه الصفات قالوا إنه لا يعلم ولا يقدر ولا يريد.

 

ولا يتسع المجال أمامنا الآن لمناقشة هذه الآراء بالتفصيل، ولذلك نقول بكل اختصار :

 

1 - ليس من المعقول أن يكون العالم قد وُجد مصادفة، لأن كل شيء في الوجود لا بد له من موجِد، فلابد أن يكون للعالم أيضاً موجد، والموجد هو الذي يدعوه الوحي الله .

 

فضلاً عن ذلك فإن الأمثلة التي أتوا بها ليُدخلوا في روعنا أن العالم وُجد مصادفة، افترضوا فيها وجود عامل ساعد على حدوث المصادفة، وبذلك اعترفوا دون أن يدروا أن هناك عامِلاً نظَّم العالم ونسَّقه. وهذا العامل الذي يجهلونه أو يتجاهلونه، هو الله الذي نعرفه ونؤمن به.

 

ونحن وإن كنا لا نبني أسانيدنا في هذا الكتاب على أقوال الفلاسفة والعلماء، لكن استيفاءً للبحث نقول إن أشهرهم قد اعترف بوجود الله وبخَلْقه للعالم. فقال بيركلي وديكارت : إن الانسجام الوظائفي في الكون، يرجع الفضل فيه إلى الله . وقال كريسي موريسن رئيس مجمع العلوم في نيويورك : أسباب الإيمان بالحقيقة الإلهية يعرفها العلماء، وتأبى عليهم عقولهم أن يردّوها إلى المصادفة . وقال العلاّمة جيمز جينز : المشاهدات الرياضية في الكون تثبت أنه لم يوجد مصادفةً . وقال سير آرثر أدنجتون : تفسير الكون بالحركة الآلية أمرٌ لا يسيغه العلم الحديث .

 

وقال كانت : ينبئني ضميري بوجود إلهٍ للعالم . وقال نيوتن : النظام الذي يتجلى في الكون يدل على وجود إله له . ومع أن لويد مورجان كان يقول بوجود عقل في المادة، إلا أنه كان يسأل : ما الذي يُخرج هذه الأطوار بعضها من البعض الآخر على هذا الترتيب العجيب؟ وكان يجيب : إنه تدبير الإله أو توجيهه . قال أينشتين : يشتمل ديني على الإعجاب المتواضع بتلك الروح العليا غير المحدودة التي تكشف في سرها عن بعض التفصيلات القليلة التي تستطيع عقولنا المتواضعة إدراكها. وهذا الإيمان القلبي العميق، والاعتقاد بوجود قوة حكيمة عليا، نستطيع إدراكها خلال ذلك الكون الغامض، يلهمني فكرتي عن الإله . وقال أيضاً : لا يمكنني أن أعتقد أن الخالق يلعب النرد بالدنيا أي أنه لم يخلق العالم فحسب، بل خلقه بحكمة وفطنة، ولغرض ثابت خاص " تاريخ الفلسفة الحديثة، والعالم وأينشتين، وكتاب الله " . فضلاً عن ذلك، فإن العلماء الذين يُشاع عنهم الآن أنهم كانوا ينكرون الله اعترفوا بوجوده تلميحاً أو تصريحاً. فقال سبنسر : المجهول هو تلك القوة التي لا تخضع لشيء في العقول، لكنها مبدأ كل معقول، وهي المنبع الذي يفيض عنه كل شيء في الوجود . وقال دارون : تفرَّعت الأنواع من جرثومة الحياة التي أنشأها الخالق . وقال ولاس زميله : لا يمكن أن يكون الكون قد وُجد بغير علَّة عاقلة، ولكن إدراك هذه العلة يعلو فوق إدراك العقل البشري " اقرأ تاريخ الفلسفة الحديثة، وأصل الأنواع، وعلم الحياة " .

2 - وليس من المعقول أن يكون هناك إله يرضى أن يكون مجهولاً منا، لأنه إذا كان هو الخالق لنا، فمن المؤكد أن يكون كائناً عاقلاً. وإذا كان كائناً عاقلاً، فمن المؤكد أنه لا يرضى أن نُحرم من معرفته. فإن كنا بسبب قصورنا الذاتي لا نستطيع أن نعرف شيئاً عنه من تلقاء أنفسنا، لكن يجب أن نتوقع بكل يقين أن يعرّفنا شيئاً كافياً عن ذاته.

 

3 - وليس من المعقول أن يكون الله والعالم جوهراً واحداً، وأن يكون من العالم والعالم منه، لأنه إذا كان هو الخالق للعالم. فمن المؤكد أن يكون كائناً قائماً بذاته. وعدم رؤيتنا له بعيوننا لا يقوم دليلاً على أنه ليس كذلك، فهناك أمور كثيرة في الطبيعة لا نستطيع رؤيتها بعيوننا، ومع ذلك نقرُّ بوجودها لمجرد وجود أثر يدل عليها. فالعين مثلاً، لا تدرك إلا حزمة ضيقة من الأشعة التي تقع بين اللون الأحمر والبنفسجي. أما ما دون الحمراء وفوق البنفسجية فلا تدركه إطلاقاً. كما أنها لا تدرك الأشعة الكونية أو السينية أو ماهية الكهرباء أو المغناطيس أو الأثير، وغير ذلك - هذا وقد ذهب أشهر علماء الطبيعة في الوقت الحاضر إلى أنه لا يمكن معرفة حقيقة أي شيء نراه في الوجود، الأمر الذي يغلق الباب أمام الذين ينكرون أن الله ذات، بسبب عدم إدراك الحواس له.

 

4 - وليس من المعقول أن يكون الله مجرد طاقة، لأن الطاقة لا تعمل عملاً من تلقاء ذاتها، بل لا بد من عامل يدفعها للعمل، ومن الواضح أن هذا العامل، لا يكون طاقة مثلها، بل يكون ذاتاً ذا قوة أو طاقة.

 

كما أننا إذا سايرناهم في ادّعائهم أن الطاقة خلاّقة، فإن عقولنا لا تلبث طويلاً حتى تنكر علينا مسايرتنا لهم، لأنها تعلّمنا أن الخالق لا بد أن يكون حاصلاً في ذاته على مزايا مخلوقاته بدرجة أوسع وأعمّ. فلا يخلق العقل مَنْ لا عقل له، ولا يخلق الشخصية من لا شخصية له، بل لا بد أن يتضمنهما ويمارسهما ليس أقل من ممارسة مخلوقاته لهما. ولذلك لا يمكن أن يكون الله مجرد طاقة.

 

5 - وليس من المعقول أن يكون الله بلا صفة، لأن لكل موجود صفة، وليس هناك شيء بلا صفة إلا غير الموجود. وبما أن الله موجود، إذاً فله صفات. ونحن وإن كنا لا نستمد أسانيدنا في هذا الكتاب من أقوال الفلاسفة، لكن استيفاءً للبحث نقول : إنه قد شهد بهذه الحقيقة كثير منهم، فمثلاً قال زينو : من المستحيل أن يخرج عالم مليء بالصفات والخصائص من أصلٍ لا صفة له ولا خاصية " قصة الفلسفة اليونانية ص 51 " .

 

6 - ليس من المعقول أن يتصف الله بالصفات السلبية فحسب، كعدم العجز دون القدرة، وعدم الجهل دون العلم، وعدم الإرغام دون الإرادة، وذلك للأسباب الآتية :

 

أ - هذه الصفات ناقصة. وإن كان الله لا يتصف إلا بها كان ناقصاً. وهو منّزَه عن النقص.

 

ب - الله بوصفه خالقنا هو مصدر سعادتنا وسلامنا، لكن الإله الذي يتصف بالصفات السلبية دون الإيجابية لا يستطيع أن يجلب إلينا سعادة أو سلاماً، إذ لا فائدة في إله يكرهنا ولكنه لا يعطف علينا، وفي إله غير عاجز لكنه غير قادر على مدّ يد العون لنا.

 

فآراء هؤلاء الفلاسفة لا نصيب لها من الصواب إطلاقاً. والحقيقة هي أن الله ذات يتَّصف ليس بالصفات السلبية فحسب، بل وأيضاً بالصفات الإيجابية اللائقة به. أما من جهة علاقة صفاته به، وهل هي ذاته أم غير ذاته، فهذا ما سنبحثه في الباب الثالث من هذا الكتاب.

 

الفصل الثاني

معنى الله ذات

لا نقصد بقولنا إن الله ذات أنه شخص كالأشخاص المحدودة، أو أنه ذو جوهر مماثل للجواهر المخلوقة، لأننا نؤمن أن الله لا شبيه له ولا نظير. ولكننا نقصد أنه كائن له وجود ذاتي، يستطيع التعبير عن نفسه بكلمة أنا وهو ليس مجرد طاقة أو معنى.

 

و الجوهر هو ما ليس في موضوع بل هو القائم بذاته، فلا خطأ في القول الله جوهر . وقد شهد بهذه الحقيقة كثير من الفلاسفة، فقال ديكارت : الله هو الجوهر الحقيقي " المدخل إلى الفلسفة ص 177 " . وقال توما الأكويني : يُطلق الجوهر على اللامتناهي بمعنى يختلف عن الذي يُطلق به على المتناهي. فجوهر المتناهي مفتقر في كشفه إلى أعراض، أما جوهر اللامتناهي فمستغنٍ في وجوده، ومستغنٍ أيضاً في كل شيء غير الوجود " الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط ص 75 " . وقال ابن سينا : معنى كون الله جوهراً، أنه الموجود لا في موضوع، والموجود ليس بجنس . وقال أيضاً : الجوهرية ليست من المقومات، لأنها عبارة عن عدم الحاجة إلى الموضوع " تهافت الفلاسفة ص 162 ، ولباب الإشارات ص 87 " . أما المعنى فهو ما ليس له وجود في الخارج، بل وجوده في الذهن فحسب.

 

أما الفلاسفة الذين يتحاشون إسناد الذاتية إلى الله، فيعللون ذلك بأنها إذا أُسندت إليه، دلَّت على وجود تعيُّن له. والله، حسب اعتقادهم، ليس له تعيُّن، لأنه يسمو فوق العقل والإدراك. و التعين هو الوجود الواقعي، الذي يتميز بمميزات تدل على أن له مثل هذا الوجود، ولا يشترط فيه أن يكون محدوداً أو مجسَّماً، بل أن يكون فقط موجوداً وجوداً حقيقياً.

 

ونحن وإن كنا نتفق معهم على أن الله يسمو فوق العقل والإدراك، إلا أننا لا نقرّهم على نفي التعيُّن عنه لهذا السبب أو لغيره من الأسباب، لأن الله ليس كائناً وهمياً، بل هو كائن حقيقي، وكل كائن حقيقي له تعيُّن، ولذلك فمن المؤكد أن يكون لله تعين. وليس هناك مجال لنفي التعيُّن عن الله، لأن مجرد اعتقادنا أنه واحد يلزمنا بالتسليم بوجود تعيُّن له، إذ لا يكون واحداً إلا من كان منفصلاً ومتميّزاً عن غيره. ولا يكون منفصلاً ومتميزاً عن غيره إلا من كان له تعيُّن خاص به. كما أن اعتقادنا أنه هو خالق العالم يلزمنا أيضاً بالتسليم بوجود مثل هذا التعين له، لأنه لا يمكن أن يكون قد خلقه، إلا إذا كان الله قائماً بذاته. والقائم بذاته له تعين يميزه.

 

نعم إننا نعجز كل العجز عن إدراك هذا التعين، وليس في وسعنا أن نختبر ماهيته، أو نضع له حدوداً. لكن بما أن حقيقة وجود الله ووحدانيته وخلقه للعالم يدل على وجوب وجود تعين له، فلا مناص من الاعتراف بوجود تعين لله، سواءً أدركنا هذا التعين أم لم ندركه. لأن ليس كل ما لا ندركه لا وجود له، فهناك أمور كثيرة في الطبيعة لا نستطيع إدراكها، ومع ذلك نقر بوجودها، لمجرد وجود أثر يشير إليها، كما ذكرنا في الفصل السابق. والذين يقولون بعدم وجود تعين لله لا يكرمونه أو ينزهونه كما يظنون بل ينفون وجوده نفياً تاماً، لأنه لا بد من تعين خاص لكل موجود يثبت وجوده، وإلا فقد خرج من دائرة الوجود إلى اللاوجود، لأن اللاموجود وحده هو الذي لا تعين له إلا اسمه، واسمه كما نعلم هو اسم على غير مسمى. ولذلك فمن المؤكد أن يكون لله تعين خاص به، ولو أننا لا نستطيع أن نسبر غور هذا التعيُّن أو نضع له حدوداً. فهو فقط تعين غير مُدرَك أو محدود. وتعيُّنٌ مثل هذا، يختلف كل الاختلاف عن اللاتعين، لأن الثاني يوصف به غير الموجود، أما الأول فيوصف به الموجود الذي يفوق العقل والإدراك.

 

وإن كنا لا نستمد أسانيدنا في هذا الكتاب من أقوال الفلاسفة، لكن إستيفاءً للبحث نقول إنه قد اتفقت كلمة المؤمنين منهم على أن الله ذات له تعين خاص. فقال جرين : لله ذات شخصية . وقال ليبنتز : الله ذات . وقال ابن سينا : واجب الوجود ما لم يتعين لا يوجد، ولكن قد ثبت بالدليل وجوده، إذاً فهو متعيّن " فلسفة المحدثين والمعاصرين ص 44 ، والمدخل إلى الفلسفة ص 235 والإشارات ص 199 " وقال إدنجتون العالم المشهور في شئون الذرة : العالم غير المنظور يوحي بهيمنة الذات الإلهية عليه وذلك تمييزاً للإله أن يكون مجرد معنى، كما تصفه بعض النحل البرهمية القديمة، وإقراراً لعقيدة الذات الإلهية، كما يؤمن المتدينون " عقائد المفكرين في القرن العشرين ص 96 " .

 

ومع ذلك، فإننا لا نستطيع القول إن لله تعيُّناً محدوداً، كما لم نستطع القول أن لا تعين له إطلاقاً، لأن الذين قالوا بهذا الرأي أو ذاك، أدخلوا أنفسهم في مشكلات عويصة. فالذين قالوا بالرأي الأول، أسندوا إلى الله الأعضاء الجسمية، والذين قالوا بالرأي الثاني نفوا عنه الصفات، وقطعوا الصلة بينه وبين المخلوقات، كما سيتضح في الباب الثالث.

 

ولذلك نرى كثيرين من علماء الدين، قد احتاطوا لأنفسهم عند البحث في هذا الموضوع، فمثلاً قال التفتازاني : الله ليس جنساً، لكنه حقيقة نوعية بسيطة، ولذلك لا بد له من تعين يميزه... وقد يكون هذا التعين عدمياً " العقائد النسفية ص 244 " . أما من جهة كلمة عدمياً ، فالأرجح أنه يقصد الحذر من إسناد تعين لله، يمكن أن يعتبره الجهلاء تعيناً محدوداً، والحال أن تعين الله منزه عن الحدود. وقال الإمام الشيخ محمد عبده : يجب ألا يكون " في وصف الله " غلو في التجريد، ولا دنوّ من التحديد " رسالة التوحيد ص 100 " . ومعنى ذلك أن لله تعيناً خاصاً، لكنه غير محدود بالنسبة لنا، أو لغيرنا من الخلائق.

ولقد شغل موضوع تعيُّن الله عقول الفلاسفة زمناً طويلاً. فقال فريق : التعين يستلزم التحديد، والتحديد حصر، والحصر منافٍ للانهائية . فرُدَّ عليه بالقول : المراد باللانهائية هنا هو التعين الكامل المطلق، لأن هذا هو ما ينسجم مع خصائص الله كل الانسجام . وقال فريق ثان : اللامتناهي سلبي، والسلبي لا تعيّن له . فرُدَّ عليه بالقول : اللامتناهي ليس سلبياً بل هو إيجابي، إذ أنه يعبّر عن أكمل الحقائق جميعاً . أما الذين ظنوا أن اللانهائية لا تليق بالله فقالوا : الكامل هو ما كان تاماً من كل الوجوه، أو هو ما كان فعلاً محضاً وليس فيه شيء بالقوة. ولما كان اللامتناهي غير محدود، وبالتالي هو ما بالقوة، إذاً يكون الله محدوداً. وتبعاً لذلك يكون له تعين محدود . وعلى هؤلاء رُدَّ بالقول : المعنى الحقيقي للانهائية، هو الغنى إلى حد الجلال عن النهاية، وتجاوز كل حد من الحدود. فاللانهائية والكمال المطلق مترادفان " مشكلة الألوهية ص 117 ، 118 ، 111 وديكارت للدكتور عثمان أمين ص 137-141 " .

 

أخيراً نقول إن اللامتناهي كما يقول الأستاذ بارتلمي سانتهلير، ليس هو اللاموجود، لأن اللاموجود هو اللامتعين، وليس هو اللامتناهي. إذ أن اللامتناهي هو الموجود الذي لا بداية له أو نهاية. ولذلك فاللاموجود أو اللامتعين هو العدم، أما اللامتناهي فهو الموجود الأزلي الأبدي الذي لا حصر له ولا حدّ " الكون والفساد ص 303 " .

 

الفصل الثالث

مكان وجود الله

نتحدث عن مكان وجود الله، على فرض أن للمكان وجوداً خاصاً، لأن الفلاسفة اختلفوا في أمره اختلافاً عظيماً. فقال أرسطو : له وجود حقيقي . وقال كانت : ليس له مثل هذا الوجود، بل هو من فرض عقولنا " الفلسفة الإغريقية ج2 ص 48 ، ومعاني الفلسفة ص 109 " . أما جيمز فيقسم المكان إلى أربعة أقسام هي المكان العقلي، والمكان الحسّي، والمكان الطبيعي والمكان المطلق. فالأول هو الذي نتخيله في العقل عندما نتصور الأشكال الهندسية، والثاني هو الذي ندركه بالحواس، والثالث هو المكان العام الذي تقوم فيه الأجسام وتتحرك، وهو عام بالنسبة لنا، والرابع هو الذي يقول به نيوتن في تفسير نظرياته في الميكانيكا وحركات الأجسام السماوية، وهو مطلق من حيث أنه لا بداية له أو نهاية " معاني الفلسفة ص 106 " . وأخيراً قال علماء نظرية النسبية، وعلى رأسهم أينشتين : المكان المطلق والزمان المطلق ليس لهما وجود، لكنهما موجودان فقط إذا وُجدت الأشياء والحوادث، أي أنهما صور للإدراكات الحسية " قصة الفلسفة الحديثة ص 367 " . ومع كلٍّ، فالمكان موضوع نسبي يرجع الأمر في الحكم عليه إلى تقديراتنا البشرية، ونحن لا نعرف على وجه التحقيق معنى العبارة " كل مكان " ، لأنها تدل على نطاق لا ندرك له حدوداً.

 

ولقد انتهينا فيما سلف إلى أن لله تعيناً، لكن هذه الحقيقة تدخلنا في مشكلة من أدق المشكلات، لأن كل ما له تعين يوجد في مكان ما، فأين يوجد الله؟ إن قلنا إنه في السماء فقط فقد أخطأنا، لأنه هو الذي خلقها. وإن كان مقره فيها وحدها، فأين كان قبل خلقه إياها! وإن قلنا إنه في الأرض والسماء فحسب، فقد أخطأنا، لأنه هو الذي خلقهما، وإن كان مقره فيهما فقط، فأين كان قبل خلقه لهما؟!

 

الجواب : بما أن تعين الله لا يحدّه حدّ " كما مرّ بنا في الفصل السابق " إذاً فهو أسمى من أن يحده مكان من الأمكنة، أو كما كان يقول بعض علماء الدين : إنه أسمى من أن تحدَّه الفوقية أو التحتية، أو اليمينية أو اليسارية .

وقد شهد معظم الفلاسفة، على اختلاف الأديان التي ينتمون إليها، أن الله لا يحدّه مكان، فقال أرسطو : المحرك الأول " أي الله " ليس في مكان ما، لأنه غير جسمي، ولأنه ليس في حاجة إلى مكان معين . وقال القديس أوغسطينوس : الله موجود في كل مكان بنوع خفي، وموجود في كل مكان بنوع ظاهر. فموجود بالحالة الأولى، لأنه لا يمكن لأحد أن يعرفه كما هو في ذاته، وموجود بالحالة الثانية، لأنه لا يقدر أحد أن يجهل وجوده . وقال اسحق بن العسال : كل متحيز متناهٍ، وكل متناهٍ محدث، فكل متحيز محدث، والباري ليس بمحدث، إذاً فهو ليس متحيزاً . وقال الإمام الغزالي رداً على سؤال الزمخشري عن معنى الآية الرحمن على العرش استوى : إذا استحال أن تعرِّف نفسك بكيفية أو أينية، فكيف يليق بعبوديتك أن تصف الربوبية بأينية أو كيفية! " تاريخ الفلسفة اليونانية ص 236 ، وقصة الفلسفة اليونانية ص 320 ، واللاهوت النظري ص 16 ، وسلك الفصول ص 10 ، وحاشية الأمير على الجوهرة ص 65 " .

 

وقد أشار الله إلى عدم تحيزه بمكان فقال : أَلَعَلِّي إِلهٌ مِنْ قَرِيبٍ يَقُولُ الرَّبُّ وَلَسْتُ إِلهاً مِنْ بَعِيدٍ. إِذَا اخْتَبَأَ إِنْسَانٌ فِي أَمَاكِنَ مُسْتَتِرَةٍ أَفَمَا أَرَاهُ أَنَا يَقُولُ الرَّبُّ؟ أَمَا أَمْلَأُ أَنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ يَقُولُ الرَّبُّ؟! " إرميا 23 :23 و 24 ، " والحق أن هذا النوع من الوجود يفوق العقل والإدراك. فإذا رجعنا إلى أقوال الأنبياء أنفسهم، وجدناه قد بهرهم وأعجز بيانهم. فقد قال داود النبي لله : أَيْنَ أَذْهَبُ مِنْ رُوحِكَ، وَمِنْ وَجْهِكَ أَيْنَ أَهْرُبُ؟ إِنْ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاوَاتِ فَأَنْتَ هُنَاكَ، وَإِنْ فَرَشْتُ فِي الْهَاوِيَةِ فَهَا أَنْتَ. إِنْ أَخَذْتُ جَنَاحَيِ الصُّبْحِ، وَسَكَنْتُ فِي أَقَاصِي الْبَحْرِ، فَهُنَاكَ أَيْضاً تَهْدِينِي يَدُكَ وَتُمْسِكُنِي يَمِينُكَ " مزمور 139 :7-10 " . كما خاطبه سليمانالحكيم، عندما بنى الهيكل : هَلْ يَسْكُنُ اللّهُ حَقّاً عَلَى الْأَرْضِ؟ هُوَذَا السَّمَاوَاتُ وَسَمَاءُ السَّمَاوَاتِ لَا تَسَعُكَ!! " 1ملوك 8 :27 " . كما قال آخر : أَإِلَى عُمْقِ اللّهِ تَتَّصِلُ، أَمْ إِلَى نِهَايَةِ الْقَدِيرِ تَنْتَهِي؟ هُوَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ، فَمَاذَا عَسَاكَ أَنْ تَفْعَلَ؟ أَعْمَقُ مِنَ الْهَاوِيَةِ، فَمَاذَا تَدْرِي؟ أَطْوَلُ مِنَ الْأَرْضِ طُولُهُ وَأَعْرَضُ مِنَ الْبَحْرِ " أيوب 11 :7-9 " . وقال أليهو : هُوَذَا اللّهُ عَظِيمٌ وَلَا نَعْرِفُهُ وَعَدَدُ سِنِيهِ لَا يُفْحَصُ " أيوب 36 :26 " . وبالطبع لا يقصد أيوب بهذا الوصف تصوير الله بحجم كبير، بل يقصد به فقط عدم إمكانية وضع أي حد من الحدود له. ومع كل، فهذا الوجود هو الذي يتوافق مع الله وخصائصه وأعماله كل التوافق، وذلك للأسباب الآتية :

 

1 - الله هو خالق كل شيء، الذي لا يمكن أن يحدّه مكان ما.

2 - الله لا أثر للمادة فيه ولذا لا يتحيَّز بحيز. ومهما كان تعريف العلماء للمادة إلا أنها حادثة، والله ليس بحادث، كما يتضح بالتفصيل في الفصل التالي.

3 - الله غير محدود ولا يحده حد من الحدود.

4 - الله خالق الكون وحافظه ومدبره والمتكفل بسلامته، حسب مقاصده الأزلية من نحوه، والقائم بهذه الأعمال لا يتحيز بحيز.

 

ولذلك لا سبيل للاعتراض على عدم تحيّز الله بمكان، كما أنه لا سبيل للاعتراض على عدم وجود حدّ لتعينه، كما ذكرنا في الفصل السابق.

 

الفصل الرابع

صفات الله

بما أن الله ذات، والذات لها صفات، إذاً فلله صفات. لكن نظراً لأن ذاته تفوق العقل والإدراك، كانت صفاته أبعد من أن نستطيع تحديدها أو تعيينها، ولذلك نكتفي هنا بالكتابة عما استطاعت عقولنا أن تدركه منها، وشهد الكتاب المقدس عن اتّصافه بها :

1 - وجوب الوجود : الموجود كما يقول الفلاسفة نوعان : ممكن الوجود و واجب الوجود . و ممكن الوجود هو الحادث الذي لا يوجد إلا بسبب ولا ينعدم إلا بسبب، ولذلك فهو لا يتقدم السبب ولا يلازمه، بل يكون بعده، ومن أمثلته الجماد والنبات والحيوان. أما واجب الوجود فهو وحده القديم الأزلي، الذي يحتاج في وجوده إلى موجد، لأن وجوده من مستلزمات ذاته، ولذلك لا يجوز أيضاً القول إنه أوجد ذاته، لأن قولاً مثل هذا يدل على أنه كان متقدماً على ذاته، وهذا محال. وهو ثابت إلى الأبد لا يزيد ولا ينقص ولا يطرأ عليه تغيير ما. ولذلك فالله دون سواه هو واجب الوجود " الفلسفة الإغريقية ج2 ص 62 والفلسفة الأوربية في العصر الوسيط ص 176 وسلك الفصول ص 28-30 وتاريخ الفلسفة في الإسلام ص 139 واللاهوت النظري ج2 ص 120-127 " . ولو فرضنا جدلاً أن واجب الوجود ليس له وجود كما يدّعي بعضهم، لقضى علينا المنطق بالتسليم بوجوده، لأنه لا بد أن ننتهي في بحثنا عن علل الأشياء، إلى علة أولى لا علة لوجودها، هي علة واجبة الوجود، وأصل ومصدر كل الأشياء. لأنه لو كان الأمر غير ذلك، لانتهى بنا بالبحث إلى التسلسل في الأزلية إلى ما لا نهاية له، وهذا ما لا يتفق مع العقل إطلاقاً.

 

فأي نوع منهما يتناسب مع الله؟

 

الجواب : بما أنه لو كان الله ممكن الوجود لكان مثله مثل العالم، وتبعاً لذلك لما كان في إمكانه أن يوجِده " لأن العالم لا يستطيع أن يوجِد من تلقاء ذاته، عالماً مثله " . فمن البديهي أن يكون الله واجب الوجود . والكتاب المقدس يعلن هذه الحقيقة. ففضلاً عن الآيات الكثيرة التي تشهد بها عنها " كما يتبين فيما يلي من هذا الفصل " فهو ينبئنا أن الله قد أطلق على نفسه باللغة العبرية " وهي لغة التوراة " اسم يهوه أي الكائن بذاته واجب الوجود.

 

وبما أن الله واجب الوجود، فهو لم يكن مسبوقاً بوجود أو عدم، وإذاً فهو ليس منذ الأزل فحسب، بل أنه أيضاً الأزلي . وبما أنه الأزلي فهو أبدي كذلك، لأن ما لا بداية له، لا نهاية له. وقد شهد الفلاسفة على اختلاف الأديان التي ينتمون إليها، بهذه الحقيقة، فقال مليسوس : ليس لله مبدأ، وما ليس له مبدأ، ليس له نهاية . وقال القديس أوغسطينوس : لله الأزلية الحقيقية . وقال القديس غريغوريوس : الله ليس له ابتداء أو انتهاء . وقال الفارابي وابن سينا : الله واجب الوجود، ووجوده لذاته . أي أنه لم يكن مسبوقاً بعلة أو زمن.

 

والكتاب المقدس ينص على أزلية الله وأبديته بكل وضوح، فقد قال : إنه الأول والآخِر " إشعياء 44 :6 " وإنه مُنْذُ الْأَبَدِ اسْمُه " اشعياء 63 :16 " ولذلك خاطبه موسى النبي بالوحي : مِنْ قَبْلِ أَنْ تُولَدَ الْجِبَالُ أَوْ أَبْدَأْتَ الْأَرْضَ وَالْمَسْكُونَةَ، مُنْذُ الْأَزَلِ إِلَى الْأَبَدِ أَنْتَ اللّهُ " مزمور 90 :2 " 019 مزامير|90 :2",4.

 

2 - القدرة : بما أن الله هو خالق العالم وحافظه ومدبره، فهو قدير بقدرة لا حدَّ لها. ويقول الكتاب المقدس : عِنْدَ اللّهِ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ " متى 19 :26 " . وقال أيضاً : اللّهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ " تكوين 48 :3 " ولذلك خاطبه أحد الأنبياء بالوحي : لَكَ ذِرَاعُ الْقُدْرَةِ. قَوِيَّةٌ يَدُكَ. مُرْتَفِعَةٌ يَمِينُكَ " مزمور 89 :13 " .

 

3 - الإرادة : بما أنه ليس من المعقول أن يكون الله قد خلق العالم مُرْغَماً " لأنه ليس هناك من يرغمه على القيام بعملٍ ما " إذاً فهو مريد، ولذلك قال الوحي : كُلَّ مَا شَاءَ الرَّبُّ صَنَعَ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ، فِي الْبِحَارِ وَفِي كُلِّ اللُّجَجِ " مزمور 135 :6 " وقال أيضاً عنه : الَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ " أفسس 1 :11 " .

 

4 - العلم : بما أن صانع الشيء يعلم كل شيء عنه، وعمَّا يمكن أن يطرأ عليه، إذاً فالله على علم أزلي تام بجميع الأشياء التي في العالم. إذ فضلاً عن كونه خالق العالم، ويعرف كل شيء يمكن أن يطرأ عليه في كل الأزمنة تبعاً لذلك، فإنه لا يتأثر بالزمن على الإطلاق، لأنه أزلي أبدي. وينص الكتاب المقدس على علم الله بكل الأشياء، فقد قال : مَعْلُومَةٌ عِنْدَ الرَّبِّ مُنْذُ الْأَزَلِ جَمِيعُ أَعْمَالِهِ " أعمال 15 :18 " . ولذلك خاطبه داود النبي بالوحي : يَا رَبُّ، قَدِ اخْتَبَرْتَنِي وَعَرَفْتَنِي. أَنْتَ عَرَفْتَ جُلُوسِي وَقِيَامِي. فَهِمْتَ فِكْرِي مِنْ بَعِيدٍ. مَسْلَكِي وَمَرْبَضِي ذَرَّيْتَ، وَكُلَّ طُرُقِي عَرَفْتَ. لِأَنَّهُ لَيْسَ كَلِمَةٌ فِي لِسَانِي إِلَّا وَأَنْتَ يَا رَبُّ عَرَفْتَهَا كُلَّهَا " مزمور 139 :1- ".

 

وقال بولس الرسول : يَا لَعُمْقِ غِنَى اللّهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الِاسْتِقْصَاءِ!! " رومية 11 :33 " . وقال أيضاً : وَلَيْسَتْ خَلِيقَةٌ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ قُدَّامَهُ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ ذ لِكَ الَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا " عبرانيين 4 :13 ".

 

5 - البصر والسمع والكلام : بما أن المتَّصف بالعِلم يكون بصيراً، والذي له علاقة مع غيره يكون سميعاً وكليماً، وبما أن الله عليم وله علاقة مع خلائقه، إذاً فهو بصير سميع كليم، ولذلك قال الوحي منتقداً المعترضين على قدرة الله على السمع والبصر : اِفْهَمُوا أَيُّهَا الْبُلَدَاءُ فِي الشَّعْبِ، وَيَا جُهَلَاءُ مَتَى تَعْقِلُونَ؟ الْغَارِسُ الْأُذُنَِ أَلَا يَسْمَعُ؟ الصَّانِعُ الْعَيْنَ أَلَا يُبْصِرُ؟ " مزمور 94 :8 ، 9 " . أما عن كلامه بصوت مسموع، فقد نصَّت عليه آيات كثيرة يصعب حصرها، فاقرأ على سبيل المثال تكوين 3 :9 ، 22 وخروج 20 :1.

 

6 - الكمال : بما أن الله هو الذي أوصانا أن نعمل الخير ونتجنب الشر، وهو الذي أودع فينا الضمير الذي نميز به بين هذا وذاك، إذاً فهو كامل أيضاً في صفات القداسة والمحبة، والعدالة والرحمة، وغيرها من صفات الكمال. وإذا رجعنا إلى الكتاب المقدس وجدنا أن الإعجاب بكمال الله قد سبى عقول الأنبياء حتى عجزوا عن الإحاطة به عجزاً تاماً، فخاطبه داود النبي : ببِرُّكَ " أي استقامتك " إِلَى الْعَلْيَاءِ يَا اللّهُ الَّذِي صَنَعْتَ الْعَظَائِمَ. يَا اللّهُ مَنْ مِثْلُكَ؟! " مزمور 71 :19 " . وأيضاً : يَا رَبُّ فِي السَّمَاوَاتِ رَحْمَتُكَ. أَمَانَتُكَ إِلَى الْغَمَامِ,,, مَا أَكْرَمَ رَحْمَتَكَ يَا اَللهُ!! " مزمور 36 :5-7 " . كما خاطبه موسى النبي : مَنْ مِثْلُكَ,,, يَا رَبُّ؟,,, مُعْتَزّاً فِي الْقَدَاسَةِ؟! " خروج 15 :11 " . وقال يوحنا الرسول عن اتصاف الله بالمحبة : الله محبة " 1يوحنا 4 :8 " .

 

أي أنه ليس محباً فقط، بل إنه أيضاً محبة، أو بتعبير آخر إن محبته لا تنضب، أو تقل على الإطلاق.

 

ولا يُقصَد بالقول الله محبة أن صفة المحبة هي ذات الله، كما يقول بعض الفلاسفة إن صفات الله هي ذاته، بل يُقصَد به أن كيانه " إن جاز هذا التعبير " يفيض بالمحبة، وأن محبته لا حدَّ لها.

 

7 - الثبات أو عدم التغيُّر : بما أن الله أزلي أبدي، إذاً فهو لا يتغير في أية ناحية من النواحي. فمثلاً لا تتغير صفاته كالعدل والرحمة والقدرة، فيصبح يوماً ما متساهلاً أو قاسياً أو عاجزاً. ولا تتغير أقواله من نبوات ووعود وأوامر ونواهي، فيلغي بعضها ويأتي بغيرها، بل أنه يظل كما هو بذاته ومقاصده، إلى الأبد. وقد شهد بهذه الحقيقة فقال : لِأَنِّي أَنَا الرَّبُّ لَا أَتَغَيَّرُ " ملاخي 3 :6 " . ولذلك كشف عن عيني بلعام، فقال : لَيْسَ اللّهُ إِنْسَاناً فَيَكْذِبَ، وَلَا ابْنَ إِنْسَانٍ فَيَنْدَمَ. هَلْ يَقُولُ وَلَا يَفْعَلُ؟ أَوْ يَتَكَلَّمُ وَلَا يَفِي؟! " عدد 23 :19 " .

 

فالله " كما أجمع الفلاسفة المؤمنون بوجوده الذاتي " لا ينتقل من العدم إلى الوجود، لأنه لا علة لوجوده أصلاً. ولا ينتقل من الوجود إلى العدم، لأن وجوده واجب. ولا يتغير في أية صفة من صفاته، لأنه كامل في ذاته كل الكمال. وما أصدق ما قاله القديس أوغسطينوس في إحدى صلواته : كما نعرف أنك أنت الموجود الحقيقي وحدك، كذلك نعرف أنك أنت وحدك الموجود بلا تغيّر، والمريد بلا تغيّر .

 

8 - الحياة : بما أن الصفات السابق ذكرها لا توجد في الجماد بل في الحي، إذاً فالله حي. نعم، بل وهو رب الحياة لأنه خالق العالم وكل ما فيه، والشرط الأساسي في الخالق أن يكون حياً. ولذلك كان الأنبياء عندما يتكلمون عنه يقولون : حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ " 2ملوك 5 :16 " . كما قال أيوب الصديق عنه : قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ وَلِيِّي حَيٌّ " أيوب 19 :25 " . وقال بولس الرسول : رَجَعْتُمْ إِلَى اللّهِ مِنَ الْأَوْثَانِ لِتَعْبُدُوا اللّهَ الْحَيَّ الْحَقِيقِيَّ " 1تسالونيكي 1 :9 " . كما قال يوحنا الرسول : يَسْجُدُونَ لِلْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الْآبِدِينَ " رؤيا 4 :10 " .

 

أخيراً نقول إن هذه الصفات لكونها صفات الله، فهي تمتاز بالآتي :

 

1 - إنها غير محدودة سواءً في قوتها أم في فعلها، لأنه تعالى لا يحدّه حدّ.

 

2 - إنها متوافقة معاً كل التوافق، لأن من دواعي كمال الله ألا تطغَى صفة فيه على صفة أخرى. فمثلاً صفة الرحمة فيه لا تطغى على صفة العدالة، وصفة العدالة فيه لا تطغى على صفة الرحمة، بل إنهما متعادلتان كل التعادل ومتوافقتان كل التوافق، وهكذا الحال مع كل صفاته المتقابلة كالقوة والصبر، والعظمة والوداعة، وغير ذلك.

 

3 - إنها أصلية فيه فهو قدير عليم مريد سميع بصير كليم أزلاً، قبل وجود أي مخلوق من المخلوقات، لأنه كامل في ذاته كل الكمال، ولا يكتسب شيئاً من الخصائص أو الصفات، لأن الاكتساب يدل على التغيُّر، وهو لا يتغير.

 

هذا بحث مختصر عن ذات الله وصفاته، وليس في وسعنا أن نكتب عنه أكثر مما كتبنا، لأنه ليس له شبيه حتى نستطيع وصفه وصفاً كاملاً، فقد قال لنا : بِمَنْ تُشَبِّهُونَنِي وَتُسَوُّونَنِي وَتُمَثِّلُونَنِي لِنَتَشَابَهَ؟! " إشعياء 46 :5 " . والجواب : طبعاً، لا شبيه لك ولا نظير يا الله، لأنك القوي ولا حدَّ لقوتك، والكامل ولا نهاية لكمالك، والحكيم ولا آخر لحكمتك، ولذلك لا يمكن الإحاطة بك على الإطلاق!

 

الفصل الخامس

الاعتراضات والرد عليها

أجمع الفلاسفة الذين يؤمنون أن الله ذات على حقيقة إسناد الأزلية إليه، لأنه علة كل شيء في الوجود، والعلة تسبق المعلول. لكنهم اختلفوا في أمر الصفات الأخرى. فأسندها بعضهم إليه، ونفاها البعض الآخر عنه. وفيما يلي أهم حجج الفريق الأخير، والرد عليها :

 

1 - الله لا يتصف بصفة، لأنه لو اتصف بصفة لكان محدوداً من جهة معنى هذه الصفة، وهو غير محدود من أي جهة من الجهات. فالبشر هم الذين أسندوا إليه الصفات التي يتّصفون بها ويميلون إليها. ومما يثبت صحة ذلك أن الزنوج وصفوه بأنه أسود، والصينيين بأنه أصفر وهكذا .

 

الرد : الاعتراض بأن الله لا يتصف بصفة لا نصيب له من الصواب لأن كل موجود يتصف بصفة، وليس هناك بلا صفة إلا غير الموجود. وبما أن الله موجود، إذاً فمن المؤكد أنه يتصف بصفات. فإذا أضفنا إلى ذلك أن الصفات التي يتصف بها الله ليست كالصفات التي تتصف بها المخلوقات المحدودة في قوتها أو فاعليتها، فصفاته غير محدودة من هاتين الناحيتين. فاتّصافه بها لا يدل على أنه محدود من أية ناحية من النواحي.

 

كما أن الجزء الثاني من هذا الاعتراض لا نصيب له من الصواب، لأن المتمسّكين بالإنجيل " مثلاً " يقومون بناءً على الوصايا الواردة فيه بأعمال لا تميل إليها الطبيعة البشرية الكامنة فيهم وفي غيرهم من الناس، فهم يحيون حياة القداسة في أعمالهم وأقوالهم وأفكارهم، كما يحبون أعداءهم ويحسنون إليهم ويصلّون من أجلهم، وليست لهم غاية من ذلك سوى أن يكونوا في حالة التوافق مع الله. وهذه الظاهرة وحدها تدل على أن الصفات المسنَدة إلى الله في الإنجيل، مثل القداسة والمحبة والطهارة والرحمة، هي صفات أصلية فيه، وليس المسيحيون هم الذين أسندوها إليه. أما عقائد الوثنيين في آلهتهم فلا يصح اتّخاذها حجّة لأنها مؤسسة على تصوراتهم الخاصة، وليس على حقيقة ثابتة.

 

2 - الإرادة انفعال وتغيُّر، والله منّزَه عن الانفعال والتغير، ولذلك فإنه يتنزه عن الاتصاف بالإرادة .

 

الرد : بما أن الله هو الذي خلق العالم وبعث الحياة إليه، وبما أنه لا يمكن أن يكون قد قام بذلك مرغماً، لأنه بوصفه الأزلي وحده ليس هناك ما أو من يرغمه على عمل شيء من الأشياء. إذاً لا شك في أنه قام بذلك بمحض إرادته واختياره. وقد شهد معظم الفلاسفة والعلماء بهذه الحقيقة، فقال توما الأكويني : يجب إسناد الإرادة إلى الله، لأنها تتبع العقل من حيث أنها الميل إلى الخير المعقول، ومحبة هذا الخير متى حصل. فالله يريد ذاته على أنه خير وغاية، ويريد غيره لأن من شأن الخير أن يُشرك الغير في خيره. على أنه يريد ذاته بالضرورة، لأنها الموضوع الخاص لإرادته. ويريد غيره بالاختيار، لأن هذا الغير لا يزيد الخيرية الإلهية شيئاً من الكمال " الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط ص 64 " . وقال الإمام الغزالي : أما الذي في الفاعل فهو أنه لابد وأن يكون مريداً مختاراً، وعالماً لما يريده " تهافت الفلاسفة ص 148 " . والله فاعل، إذاً فهو مريد. فضلاً عن ذلك فإن الإرادة " كما سيتبين في الباب الثاني " لم تنشأ في الله عندما قام بالخلق، بل كانت ملازمة له أزلاً. ولذلك فلم يحدث ولن يحدث بسببها انفعال أو تغير فيه.

 

3 - العالَم متغيّر. وتعلّق العلم بالمتغيّر يؤدي إلى التغيير في العالِم. ولأن الله لا يتغير، إذاً فهو يتنزه عن العِلم بالعالَم .

 

الرد : إن علم الله بالعالم لا يؤدي إلى طروء التغير عليه لسببين : " أ " لم ينشأ علمه بالعالم عند وجود العالم، بل كان لديه أزلاً، لأنه هو خالقه، والخالق يعرف كل شيء عن خليقته قبل خلقها. " ب " إنه لا يتأثر بالزمن، ومن لا يتأثر بالزمن، لا يطرأ عليه تغيّر بسبب علمه بشيء يحدث فيه. وقد شهد كثير من الفلاسفة بهذه الحقيقة. فمثلاً قال توما الأكويني : عِلْم الله ليس تدريجياً، بل حاصل دفعة واحدة لحضور الذات الإلهية لذاتها حضوراً تاماً . وقال أيضاً ما ملخصه : الله عالم للأسباب الآتية " أ " العِلم كمال، والله كامل. " ب " الله منّزه عن المادة تنزيهاً تاماً. ولذلك يقبل الصور المعنوية للأشياء قبولاً تاماً. " ج " الله هو العلة الفاعلة الأولى. ولذلك فلمفعولاته وجود سابق في علمه " الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط 181 " . ولذلك فإن علم الله بالعالم لم يحدث ولن يحدث بسببه، أي تغير فيه تعالى.

 

ولمجرد تقريب هذه الحقيقة إلى الذهن نقول إن الإنسان الواقف على الأرض لا يرى من الناس إلا من يمرّ عليه منهم، ولذلك يحسب في وقت ما أن بعضهم قد مضى عنه، وبعضاً آخر قد صار أمامه، وبعضاً غيرهم سوف يمرّ عليه. بينما الناظر من نافذة طائرة في الجو يراهم دفعة واحدة في لحظة من الزمن. وإذا كان الأمر كذلك، فمن المؤكد أن الله الذي لا يتأثر بالزمن، لا يكون أمامه ماضٍ أو حاضر أو مستقبل، بل أن يكون كل شيء " مهما كان زمن حدوثه " ، حاضراً أمامه.

 

4 - الله يتنزَّه عن الاتّصاف بالبصر والسمع والكلام، لأن الاتّصاف بهذه الصفات يتطلب وجود أعضاء، والله لا أعضاء له. ولذلك فإن هذه الصفات وصفتي الإرادة والقدرة أيضاً، هي بعينها صفة العلم في الله .

 

الرد : لا يحق لنا أن ننكر اتّصاف الله بالصفات المذكورة للسبب الذي ذهب إليه المعترضون أو لأي سبب آخر، لأنه إذا كانت النفس البشرية " مثلاً " مع كونها حادثة ومحدودة ومقيّدة بكثير من القيود الطبيعية، هي عاقلة بذاتها بدون تعلقها بالمخ والأعصاب " كما يقول علماء الأرواح " لذلك ليس هناك مبرر لنفي هذه الصفات عن الله بدعوى عدم وجود أعضاء له، لا سيما وهو الذي لا بداءة له أو نهاية، وهو الذي لا حدّ لتعيّنه أو قدرته على الإطلاق.

 

أما رد هذه الصفات إلى العلم فغير معقول " كما قال معظم الفلاسفة " لأن اعتبار الإرادة في الله هي علمه بالفيض الصادر منه، وعدم كراهيته له يجعلها صفة سلبية، ونحن قد أثبتنا خطأ إسناد الصفات السلبية دون الإيجابية إلى الله. واعتبار القدرة فيه هي علمه بالأشياء الخارجة عنه، يجعل العلم صفة إبراز وتأثير، وليس صفة تكشف بها المعلومات، الأمر الذي لا يتفق مع حقيقته. كما أن اعتبار كلامه هو علمه، الذي تستقبله نفوس الأنبياء غير معقول، لأن نفوس الأنبياء وإن كانت أنقى من غيرها من نفوس البشر، إلا أنها ليست في درجة نقاوة الله وكماله، حتى تستطيع أن تستقبل علمه مباشرة. فلو أن الأنبياء كانوا قد تُركوا لاستقباله من تلقاء أنفسهم لما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. ولكن بما أنهم أدركوا ما أراد الله أن يعلنه لهم من علمه إدراكاً كاملاً، إذاً فمن المؤكد أنه كان يتكلم معهم بصوت واضح لهم.

 

والحق أنه ليس هناك ما يبرر نفي صفة من هذه الصفات عن الله بسبب عدم وجود أعضاء له، لأننا إذا نفيناها عنه لهذا السبب، وجب أن ننفي أيضاً عنه إمكانية القيام بأي عمل من الأعمال " لأنه ليس له مثلاً يدان أو رجلان " . وهذا ما لا يقوله إنسان يؤمن بكمال الله، أو خلقه للعالم، أو عنايته به.

 

5 - حياة الله هي وعيه بكل شيء، لأن الله لا يمكن أن تكون له حياة مثل حياتنا .

 

الرد : بما أن الوعي ليس هو الحياة، بل إنه الدليل على وجودها، إذاً فلا يمكن أن يكون هو إياها، وإذاً فمن المؤكد أن تكون لله حياة في ذاته. وطبعاً ليست هذه الحياة هي الحياة المادية التي تتجلى في الحركة والانتقال من مكان إلى مكان، لأن حياةً مثل هذه تدل على العجز وطلب الكمال، وهو قادر على كل شيء، وكامل كل الكمال، بل هي الحياة الروحية المحضة التي تتجلى في الإدراك والعلم والقدرة، لأن هذه الحياة هي التي تتفق مع كماله كل الاتفاق.

الباب الثاني

الله ووحدانيته

 

في هذا الباب نرى :

1 - الأدلة على وحدانية الله

2 - الأدلة على عدم وجود أي تركيب فيه

3 - الوحدانية المجردة والوحدانية المطلقة

4 - الوحدانية الحقيقية والوحدانية الوهمية

5 - درجات الوحدانية الحقيقية

6 - آراء الفلاسفة والعلماء عن الوحدانية الحقيقية

7 - الوحدانية اللائقة بالله، أو الوحدانية الجامعة المانعة

 

 

الفصل الأول

الأدلة على وحدانية الله

 

الترتيب الطبيعي لبحثنا هذا يلزمنا بالتحدث عن وحدانية الله قبل التحدث عن صفاته، ولكن استصوبنا أن نرجئ البحث في وحدانيته إلى هذا الباب، لاتصالها بموضوعات الأبواب التالية له إتصالاً وثيقاً وطبعاً ليس هناك اعتراض على أن اسم الله بأل التعريف يدل على أنه تعالى لا شريك له ولا نظير ولكن خشية أن يظن أحد أن هناك أكثر من إله واحد للعالم رأينا من الواجب أن نتحدث فيما يلي عن الأدلة التي تثبت وحدانية الله، وتفرده بالأزلية.

1 - الأدلة العقلية

 

" أ " الكثرة لا توجد في الكائنات إلا حيث يوجد الضعف والانقراض فيها، ليحل واحد من أفرادها عوضاً عن المنقرِض، حفظاً لكيانها وبما أن الله أزلي أبدي، ولا يضعف أو يتغيّر على الإطلاق، فلا يمكن أن يكون هناك سواه

 

" ب " لو فرضنا أن هناك إلهين، لكان كلٌ منهما متحيزاً بمكان وبما أن المتحيز بمكان لا يكون أزلياً بل حادثاً، فلا يمكن أن يكون أيٌ منهما هو الله، لأن الله لا يتحيز بحيّز فلا يمكن أن يكون هناك إلا إله واحد غير متحيز بمكان وهذا الإله هو الله

 

" ج " ولو فرضنا أيضاً أن هناك إلهين، لكانا إما قد اتفقا على خلق العالم أو اختلفا فإن كانا قد اتفقا على أن يقوما معاً بهذه المهمة، لما كان كلٌ منهما مستقلاً في عمله وهذا يتعارض مع الألوهية، لأن من مستلزمات الألوهية الاستقلال بالعمل وإن كانا قد اتفقا على اقتسام المهمة المذكورة بينهما لكانت سلطة كل منهما محدودة وإن كانا قد اتفقا على أن أحدهما يعمل دون الآخر لكان أحدهما عاطلاً، وهذا ما يتعارض مع الألوهية كذلك، لأن من مستلزمات الألوهية الحياة والعمل أما إذا كانا قد اختلفا، لما كانت هناك وحدة أو انسجام في العالم، ولكان قد تلاشى وانعدم تبعاً لذلك منذ تأسيسه ولذلك ليس من المعقول أن يكون هناك إلا إله واحد، وهو الله

 

2 - الأدلة الطبيعية :

مع اختلاف النباتات بعضها عن بعض الآخر، تتحد جميعاً في الأجزاء الرئيسية الخاصة بها وإذا نظرنا إلى البشر وجدنا أنه وإن كان كل جنس منهم يختلف عن الجنس الآخر في الشكل الخارجي، إلا أنهم يتحدون في جميع الأعضاء وخصائصها وإذا نظرنا إلى المادة بصفة عامة، وجدنا أنها على اختلاف أنواعها تتحد معاً في التركيب العام لذرّاتها، فجميع الذرات " كما يقول العلماء " تشبه المجموعة الشمسية التي نعيش في نطاقها وبما أنه لا يُعقل أن تكون هناك مثل هذه الوحدة العامة بين الكائنات، إلا إذا كان الخالق لها واحداً، فلا شك أنه ليس هناك إلا إله واحد، وهو الله

 

3 - شهادة الفلاسفة :

شهد معظم الفلاسفة بوحدانية الله، وعدم وجود شريك له، وللاختصار نكتفي بما يأتي :

 

" أ " فلاسفة اليونان : قال أكسينوفان : لا يوجد إلا إله واحد وقال أيضاً : لو كان لله شريك لما استطاع أن يفعل كل ما يريد وقال مليسوس : اللامتناهي واحد فقط، إذ يمتنع أن يكون هناك شيء خارج اللا متناهي وقال أفلاطون : الله واحد لا شريك له، وإلا لحَدَّ الشريك من سلطته، التي لا يثبت له الكمال إلا إذا كانت لا حد لها وقال أرسطو : مما يدل على وحدانية الله، انتظام العالم وتناسق حركاته

 

" ب " فلاسفة اليهود : قال موسى بن ميمون : الله واجب الوجود بالبرهان، وهو واحد لا شريك له وقال فيلون : الله واحد لا شريك له

 

" ج " فلاسفة المسيحية : قال فكتور كوزان : لما كان الله غير متناهٍ، كان هو الموجود الأوحد وقال توما الأكويني : لو كان هناك إلهان لوجب أن يتمايزا فيما بينهما، فيصدق على الواحد شيء لا يصدق على الآخر، ولكان أحدهما تبعاً لذلك عادماً كمالاً، فلا يكون إلهاً وقال ترتليان : إذا لم يكن الله واحداً لا يكون هو الله، لأن الله لا يكون إلا فريداً في العظمة ولا يكون فريداً في العظمة إلا من لا مساوي له، ومن لا مساوي له لا يكون إلا واحداً مفرداً

 

" د " فلاسفة المسلمين : قال الفارابي : الله واحد وهو واجب الوجود " أي ليس معلولاً بعلة " وقال ابن سينا : للكون إله واحد هو علة كل مَنْ عداه وما عداه من موجودات علوية وسفلية وقال ابن مسكويه : الصانع واحد وهو واجب الوجود

 

وإذا رجعنا إلى الكتاب المقدس وجدناه يشهد عن وحدانية الله بكل وضوح وجلاء قال الله : أَنَا الْأَّوَلُ وَأَنَا الْآخِرُ وَلَا إِلَهَ غَيْرِي " إشعياء 44 :6 " وقال أيضاً : أَنَا أَنَا هُوَ وَلَيْسَ إِلهٌ مَعِي " تثنية 32 :39 " وقال للذين اتخذوا غيره إلهاً : أَلَيْسَ أَنَا الرَّبُّ وَلَا إِلَهَ آخَرَ غَيْرِي؟ إِلَهٌ بَارٌّ وَمُخَلِّصٌ لَيْسَ سِوَايَ " إشعياء 45 :21 " ولذلك خاطبه نحميا : أَنْتَ هُوَ الرَّبُّ وَحْدَكَ " نحميا 9 :6 " وقال موسى : الرَّبَّ هُوَ الْإِله فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَعَلَى الْأَرْضِ مِنْ أَسْفَلُ لَيْسَ سِوَاهُ " تثنية 4 :39 " وقال أيضاً : الرَّبُّ إِلهنَا رَبٌّ وَاحِدٌ " تثنية 6 :4 " وقال بولس : لنا إِلهٌ وَاحِدٌ " 1تيموثاوس 2 :5 " وقال يعقوب : اللّهَ وَاحِدٌ " يعقوب 2 :19 "

 

 

 

 

الفصل الثاني

الأدلة على عدم وجود أي تركيب في الله

 

تبيَّن لنا فيما سلف أن الله واحد لا شريك له ولنبيّن الآن أن وحدانيته ليست الوحدانية المركبة، مثل الوحدانية التي تتصف بها المخلوقات، بل بالوحدانية التي لا تركيب فيها على الإطلاق

 

1 - الأدلة العقلية

 

" أ " بما أن المركب من أجزاء لا يتكوّن إلا بعد وجودها " إذْ أن وجود الأجزاء يسبق وجود الكل " وبما أن الله لم يكن مسبوقاً بعدم أو وجود، لأنه هو الأزلي وحده، إذاً فهو ليس مركباً

" ب " بما أنه لا بد للمركَّب من مركِّب يضمّ أجزاءه بعضها إلى بعض حتى يصير كلاً " لأن الأجزاء لا ينضم بعضها إلى البعض الآخر دون علة " وبما أن الله لا علة له، لأنه موجود بذاته أزلاً، إذاً فهو ليس مركباً

 

" ج " بما أن كل مركَّب محدود بكمية أجزائه وقدرها، وبما أنه الله غير محدود، إذاً فهو ليس مركباً

 

شهادة الفلاسفة

شهد كل الفلاسفة الذين يؤمنون بالله، بعدم وجود أي تركيب في ذاته وللاختصار نكتفي بما يأتي:

 

" أ " فلاسفة اليونان : قال أكسينوفان : الله أرفع الموجودات السماوية والأرضية، وهو ليس مركباً وقال أرسطو : كل مركب صائر إلى الانحلال، ولذلك لا يكون الواحد " أي الله " إلا بسيطاً غير قابل للتجزئة

 

" ب " فلاسفة اليهود : قال فيلون : الله لايمكن وصفه ولا يمكن حدُّه وما لا يمكن وصفه أو حدّه يكون بسيطاً، لأن المركب يمكن وصفه وحده وقال موسى بن ميمون : يلزم من وجوب وجود الله أن يكون بسيطاً أو لا تركيب فيه

 

" ج " فلاسفة المسيحيين : قال أوريجانوس : يجب ألا نظن أن الله ذو جسد، إذ أنه من جميع جهاته عقل، أي أنه لا تركيب فيه بوجه من الوجوه وقال توما الأكويني : الله بسيط كل البساطة ومنّزه كل التنزيه عن أي نوع من أنواع التركيب، فهو ليس مركباً من هيولي وصورة، أو من ماهية وشخص حاصل عليها، أو من ماهية ووجود، أو من جنس وفصل، أو من جوهر وعَرَض، لأنه ليس جسماً وقال القديس أوغسطينوس : الله جوهر مجرد لا تركيب فيه

 

" د " فلاسفة المسلمين : قال الفارابي : الله ليس مؤلَّفاً من أي نوع من أنواع التألف الحسّي أو العقلي أو المنطقي وقال ابن سينا : الله منزّه عن التألّفات الخمسة، التي تعرض لكل من عداه وما عداه وهذه التألفات هي التألف المادي، والتألف الذهني، والتألف المنطقي، والتألف من الذات والصفات، والتألف من الماهية والوجود فهو بسيط لا تركيب فيه بوجه

 

وإذا رجعنا للكتاب المقدس رأينا أنه وإن كان لم ينبّر على تنزّه الله عن التركيب، كما نبّر على وحدانيته وتفرّده بالأزلية " وذلك لعدم ظهور اختلاف بين الناس من جهة عدم تركيب الله من أجزاء في العصور التي كُتب فيها " ، لكن ذُكر في سياق موضوعاته المتعددة آيات كثيرة تدل على أنه لا تركيب فيه فقد قال إن اللّهُ رُوحٌ " يوحنا 4 :24 " والقول الله روح لا يُقصَد به " كما يتبين من الآية الوارد فيها " أنه روح مثل الأرواح المخلوقة، بل يقصد به فقط أنه ليس مادياً أو مركباً أو محدوداً، وقيل عنه : غَيْرِ الْمَنْظُورِ " كولوسي 1 :15 " و لا يتحيّز بمكان " مزمور 139 :8-12 " وهذه الصفات تدل على أنه غير مركب، لأن المركب يتحيّز بحيّز، ومن الممكن أن يُدرَك أو يُرى إذ أنه محدود بحدود الأجزاء المركب منها - وأجمعت كل كتب العقائد على اختلاف مذاهب كتابها، على أن الله روح سرمدي، غير مركب أو محدود، أو متغير

 

مما تقدم يتبيّن لنا أن المسيحية نادت منذ نشأتها بوحدانية الله وعدم وجود تركيب فيه فإذا درسنا الكتاب المقدس وجدناه ينذر المشركين بالعذاب الأليم، ليس في الأبدية فقط بل وفي العالم الحاضر أيضاً فقد قال تعالى لهم : فَأُحَطِّمُ فَخَارَ عِزِّكُمْ، وَأُصَيِّرُ سَمَاءَكُمْ كَالْحَدِيدِ وَأَرْضَكُمْ كَالنُّحَاسِ، فَتُفْرَغُ بَاطِلاً قُوَّتُكُمْ، وَأَرْضُكُمْ لَا تُعْطِي غَلَّتَهَا,,, أُطْلِقُ عَلَيْكُمْ وُحُوشَ الْبَرِّيَّةِ فَتُعْدِمُكُمُ الْأَوْلَادَ، وَتَقْرِضُ بَهَائِمَكُمْ,,, أَجْلِبُ عَلَيْكُمْ سَيْفاً يَنْتَقِمُ نَقْمَةَ الْمِيثَاقِ " اللاويين 26 :19-26 " وقال أيضاً : وَأَمَّا الْخَائِفُونَ وَغَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالرَّجِسُونَ وَالْقَاتِلُونَ وَالزُّنَاةُ وَالسَّحَرَةُ وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ وَجَمِيعُ الْكَذَبَةِ فَنَصِيبُهُمْ فِي الْبُحَيْرَةِ الْمُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ، الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي " رؤيا 21 :8 "

 

الفصل الثالث

الوحدانية المجردة والوحدانية المطلقة

 

يؤمن فلاسفة اليونان واليهود والمسيحيين والمسلمين أن الله واحد،لكنهم يختلفون فيما بينهم من جهة نوع وحدانيته فيقول فريق منهم إنها وحدانية لا تتصف بصفة أي أنها وحدانية مجردة ويقول فريق آخر إنها وحدانية مطلقة وهذه تختلف عن تلك

فالوحدانية المجردة لا تتصف بصفة، والقائلون بها ينزّهون الله عن الاتصاف بأية صفة من صفات الكائنات، بدعوى أن ذلك يجعله محدوداً مثلها ولذلك ينفون عنه حتى الوجود، بدعوى أن الوجود صفة من صفاتها وليتمشى هذا النفي مع اعتقادهم في عظمة الله، يقولون عنه إنه فوق الوجود، وفوق العلم، وفوق الإرادة، وفوق وفوق وإن كانت صيغة هذا الوصف تبدو إيجابية، إلا أنها في الواقع سلبية وكل ما في الأمر أنها سلبية بصيغة مهذبة، إذ أن مَنْ هو فوق الوجود هو في الواقع غير موجود، لأنه خارج عن دائرة الوجود وعلى هذا النسق : من هو فوق العلم غير عالِم ومن هو فوق الإرادة غير مريد ولذلك فإن إلهاً مثل هذا لا يمكن أن يكون إلهاً حقيقياً

والوحدانية المطلقة غير مقيدة، أو هي وحدانية لا حدَّ لها، ولم تُستعمل الوحدانية المطلقة بهذا المعنى عند جميع الفلاسفة، فقد استعملها بعضهم بالمعنى الذي يُفهم من الوحدانية المجردة فنرجو ملاحظة ذلك

 

والقائلون بهذه الوحدانية يؤمنون أن لله وجوداً واقعياً لكنهم ينقسمون من جهة صفاته إلى فريقين : فريق ينفي عنه صفة الإرادة وبعض الصفات الأخرى، كالاختيار والعلم بالجزئيات وحجتهم في ذلك أنه إذا كان الله يريد، فإنه يريد أزلاً وإرادته أزلاً تتطلب إما وجود كائنات أزلية معه كان يريدها، أو وجود تركيب في ذاته وبما أنه لا تركيب فيه ولا شريك له، إذاً فهو لا يتصف بالإرادة ولا بالصفات الأخرى التي تتطلب في ممارستها ما تتطلبه هذه الصفة

 

وفريق آخر يسند إلى الله جميع صفات الكمال اللائقة به، كالإرادة والعلم والقدرة والبصر والسمع والكلام ولكن يتعذر عليه التوفيق بين إسناد هذه الصفات إلى الله أزلاً، واعتبار وحدانيته وحدانية مطلقة، لأن التوفيق بينهما محال " كما سيتبين بالتفصيل في الباب التالي "

 

والآن : بما أن الإيمان بالله يقتضي الاعتراف بأنه موجود بالفعل، وبما أن الموجود بالفعل يتصف بكل الصفات الإيجابية اللائقة به، فلا يُعقَل أن تكون وحدانية الله وحدانية مجردة من الصفات الإيجابية وبما أنه مع تفرّده بالأزلية وعدم وجود تركيب في ذاته، من اللائق بكماله أن تكون كل صفاته هي بالفعل أزلاً، إذاً فلا يُعقل أن تكون وحدانيته وحدانية مطلقة تتصف بصفات لم يكن لها عمل أزلاً

 

وإذا كان الأمر كذلك، فما نوع الوحدانية التي تليق بكماله؟

 

الجواب : هذه الوحدانية تسمو فوق العقل والإدراك، وليس لها نظير على الإطلاق، ولذلك نرى من الواجب قبل التحدّث عنها أن نتحدث أولاً عن الفرق بين الوحدانية الوهمية والوحدانية الحقيقية، ثم عن درجات الوحدانية الحقيقية وآراء الفلاسفة فيها، حتى يتسنى لنا إدراك شيء عن وحدانيته

 

الفصل الرابع

الوحدانية الحقيقية والوحدانية الوهمية

 

بما أن الله واحد ولا ينفي عنه الوحدانية إلا من ينكر وجوده، فإدراكنا لماهية الوحدانية يساعدنا على إدراك شيء عن وحدانيته مع العلم بأننا نقرّ أن وحدانية الله هي أدق وأسمى وحدانية في الوجود، وأنه ليس لها نظير على الإطلاق " كما سيتبين بالتفصيل في الفصل الرابع "

فما هي الوحدانية؟

 

الجواب : الوحدانية اسم معنى من الواحد، والواحد كما يقول الشيخ ابن الطيب : هو موجود لا يوجد فيه غيره، من حيث هو ذلك الواحد أو كما يقول ابن سينا : هو ما كان غير منقسم من الجهة التي قيل عنه إنه واحد

 

وما هي خصائص هذا الواحد أو مميزاته؟

 

للإجابة على هذا السؤال علينا أن نتأمل أولاً في الحقائق المدرَكة لدينا، لأننا لا نستطيع إدراك خصائص الواحد أو مميزاته بدونها

 

فلننظر إذاً إلى أي كائن من الكائنات، وليكن الإنسان مثلاً، ثم تسأل : أليس بواحد؟ الجواب : نعم هو واحد، لأنه لا يوجد فيه غيره من حيث هو ذلك الإنسان الواحد لكن هل وحدانيته هي الوحدانية غير المركبة التي تساعدنا على إدراك شيء عن وحدانية الله؟ الجواب : طبعاً كلا، لأن الإنسان مركب من روح ونفس وجسد، وجسده هذا مركب من عناصر وأجزاء والله غير مركب

 

ولذلك لندع الإنسان وكل الكائنات المركبة جانباً، ولنأخذ مليجراماً من أي عنصر من العناصر، وليكن الذهب النقي مثلاً فهذه الكمية شيء واحد لأنه لا يوجد فيها غيرها من حيث هي هذا الشيء الواحد لكن وإن كانت شيئاً واحداً غير مركب من أشياء غير ذاتها، إلا أنها قابلة للتجزئة، ولذلك فوحدانيتها ليست الوحدانية المحضة التي تساعدنا على إدراك شيء عن وحدانية الله، لأنه تعالى لا يتجزأ على الإطلاق فلنقسم هذه الكمية إذاً لملايين الأقسام، حتى يصبح كل قسم منها غير قابل للتجزئة، فماذا تكون النتيجة؟ الجواب : إننا نحصل على ذرّة والكلمة المعروفة عندنا بالذرة، هي في الأصل Atemno ومعناها غير القابل للانقسام أو التجزئة، لأن الذرة لا يمكن تقسيمها إلى أجزاء أصغر منها، وهي كما يقول العلماء توازي جزءاً من مائة بليون جزء، من أصغر شيء يمكن أن تراه العين البشرية أما تحطيمها فليس هو تقسيمها إلى أجزاء، بل هو ملاشاة كيانها، أو بتعبير آخر ملاشاة وحدتها لأنه بالتحطيم تفقد معظم خواصها وأهمها فالذرة إذاً هي أدق مثال يمكن أن نعرف به شيئاً عن الوحدانية غير القابلة للانقسام أو التجزئة

 

وما مميزات وحدانية الذرة؟

 

الجواب : إنها كما يقول العلماء مركبة من بروتونات ونيوترونات تدور حولها إلكترونات، أو بتعبير آخر قائمة بمميزات تنشأ بسببها نِسَب أو علاقات بينها وبين ذاتها ولذلك فإن وحدانيتها ليست أيضاً وحدانية محضة، أو وحدانية غير مركبة

 

مما تقدم يتبين لنا أن الوحدانية غير المركبة ليس لها وجود في العالم المادي على الإطلاق، وأن كل وحدانية، حتى وإن كانت غير قابلة للتجزئة تقوم بمميزات تنشأ بسببها نِسَب أو علاقات بينها وبين ذاتها وقد شهد بهذه الحقيقة كثير من الفلاسفة فقال فنت : الوحدة الجوهرية في كل موجود تتألف من ذرة وإرادة معاً ولعل فنت يقصد بكلمة الإرادة هنا القوة أو الطاقة أو بتعبير آخر : تقوم بمميزات تنشأ بسببها نسب أو علاقات بينها وبين ذاتها، كما قلنا وقال أرسطو : كل موجود تحدّه عشر مقولات، هي الجوهر والكمية والكيفية والإضافة والمكان والزمان والموضع والملك والفعل والانفعال وقال غيره : لكل موجود ثلاث نسب، هي الذات والصورة والقوة، أو الجوهر والشكل والنتيجة

 

وليست النسب أو العلاقات قاصرة على الكائنات المادية، بل إنها توجد أيضاً في الكائنات الروحية، لأننا إذا تأملنا النفس مثلاً وجدنا أنها تشتمل على مميزات أو ملكات خاصة، وهذه تنشأ بسببها علاقات بين النفس وذاتها، وهذه العلاقات هي التي تكوّن شخصية النفس التي تميزها عن غيرها من النفوس

 

ومع ذلك فإننا لا ننكر أن هناك وحدانية ليست قائمة بمميزات، وليست بينها وبين ذاتها نِسب أو علاقات، وهذه الوحدانية هي وحدانية النقطة الهندسية لكن هذه النقطة كما نعلم، ليست حقيقية بل وهمية وإن اتصفت بصفات، فإنها لا تتصف إلا بالصفات السلبية، الأمر الذي ينمّ عن عدم وجود كيان حقيقي لها ولذلك لا يصح اتخاذ وحدانيتها وسيلة لإدراك شيء عن وحدانية الله، أو أية وحدانية حقيقية في الوجود

 

 

الفصل الخامس

درجات الوحدانية الحقيقية

تبين لنا مما سلف، أن قيام الوحدانية بمميزات تنشأ بسببها بينها وبين ذاتها نسب أو علاقات، هو الشرط الأساسي لحقيقة وجودها، أو بالحري لصدق وحدانيتها لكن إذا تأملنا الكائنات المحيطة بنا، وجدنا أن بعضها يختلف عن البعض الآخر اختلافاً عظيماً، فهناك كائنات لا تقوم بمميزات واضحة، ولا تتميز حتى عن غيرها من فصيلتها ومن الفصائل الأخرى، فأي نوع من هذه الكائنات أرقى مكانة وأسمى وحدانية؟

 

للإجابة على ذلك علينا أن نتأمل أولاً كل نوع من هذه الكائنات لنعرف خصائصه ومميزاته، ولذلك نقول :

 

1 - إذا نظرنا لقطعة من الجماد كالحديد مثلاً، وجدنا أن لها وحدة، لأنه ليس فيها غيرها، من حيث كونها قطعة من الحديد لكن ما أتفه وحدتها هذه، وما أقل مميزاتها، لأنه ليس بينها وبين ذاتها نسب أو علاقات تجعل لها كياناً خاصاً يميزها من الناحية النوعية عن غيرها من الحديد الذي تنتمي إلى فصيلته ولذلك جرت العادة في اللغات الأوربية ألا يُنظر إلى أية قطعة من الجماد كوحدة خاصة فلا يقال في الإنجليزية مثلاً an ironأو a gold أي حديدة أو ذهبة بل يقال a piece of iron وa piece of gold أي قطعة من الحديد أو قطعة من الذهب

 

2 - وإذا انتقلنا لمملكة النبات ونظرنا إلى الطحلب مثلاً، وجدنا أنه لا يقوم بمميزات واضحة، لأنه لا يمكن التمييز بين كمية وأخرى منه، وبين مستعمرة وأخرى من فصيلته، إلا بالمجهر ولذلك كان الطحلب نباتاً دنيئاً " بالنسبة للنباتات الراقية " ووحدانيته تافهة أو غير ظاهرة أما إذا نظرنا إلى الأشجار فإننا نجد أن كل شجرة قائمة بمميزات واضحة، وأمكننا تبعاً لذلك أن نميز بين كل شجرة وغيرها من فصيلتها ومن الفصائل الأخرى بكل سهولة ولذلك كانت الأشجار نباتات راقية، وكانت وحدانية كل منها ظاهرة أو سامية

 

3 - وإذا تركنا مملكة النبات، ونظرنا إلى الأوبليا مثلاً، وجدنا أنه لا يقوم بمميزات واضحة، لأنه لا يمكن التمييز بين كمية وأخرى منه، وبين مستعمرة وأخرى من فصيلته، إلا بالمجهر ولذلك كان الأوبليا حيواناً دنيئاً ووحدانيته تافهة أو غير ظاهرة " الأوبليا حيوان بسيط من فصيلة الجوف المعويات، وهو لا يعيش إلا في البحار " أما إذا نظرنا إلى الحيوانات الكاملة فإننا نجد أن كل حيوان قائم بمميزات واضحة، وأمكننا تبعاً لذلك أن نميز بين كل حيوان وغيره من فصيلته ومن الفصائل الأخرى بكل سهولة ولذلك كانت هذه الحيوانات كائنات راقية، وكانت وحدانية كلٍ منها ظاهرة أو سامية

 

4 - وإذا تركنا الحيوانات ونظرنا إلى البشر وجدنا أن كل إنسان قائم بمميزات واضحة، وهذه المميزات نوعان : مادية ومعنوية فالأولى تبيّن وحدانيته الشكلية، وتميزه عن غيره من البشر من الناحية الجسدية والثانية تبيّن وحدانيته المعنوية أو بالحري شخصيته التي هي الجوهر الحقيقي لإنسانيته، وتميزه عنهم من الناحية العقلية والروحية ولذلك فإنه حتى إذا اتفق بعض الناس في المميزات الشكلية، تظل لكلٍ منهم شخصيته، أو بالحري مميزاته العقلية والروحية، التي لا يشاركه فيها غيره ولهذا السبب كانت الوحدانية الإنسانية أسمى من وحدانية أي مخلوق من المخلوقات

 

وقد شهد الفلاسفة أن لكل كائن مميزات تبيِّنه وتفصله عن غيره من الكائنات، وأنه كلما سمت هذه المميزات كان الكائن أقرب إلى الكمال وأقدر على الوجود فقال جون سكوت : بقدر ما يحوز الكائن من المميزات التي تعينه وتفصله عن غيره يشغل درجة عليا أو دنيا فوق سلم الوجود فالكائن الأكثر فوزاً بعوامل التعيّن هو الأعمق في الأحقية، وبالتالي هو الأقرب إلى الكمال وقال ديكارت : كلما كانت طبيعة الشيء حاصلة على حقيقة أعظم، كان أقدر على الوجود وقال ليبنتز : كلما كان إدراك الذرة واضحاً وتصويرها للكون دقيقاً كانت أكثر حيوية وأعظم نشاطاً ويزداد هذا الإدراك قوة ووضوحاً كلما صعدنا إلى الإنسان وقال رينوفييه : إذا ظهرت الحرية في كائنٍ ما، فإنه يصل بفضل ما فيه من هذه الحرية لدرجة راقية من الوجود الذاتي فما كان من قبل يمكن تمييزه عن غيره فحسب، يصبح الآن منفصلاً ومستقلاً وما كان بالأمس نفساً فحسب، يصبح اليوم فرداً وأرقى أنواع الفردية، هو الإنسان أو الشخصية الإنسانية، لأنه يتميز بمميزات عقلية وروحية، قلما يتحد معه غيره فيها

مما تقدم يتبين لنا أن لكل وحدانية حقيقية مميزات تعينها، وأن أرقى أنواع المميزات هي العقلية والروحية وهذه المميزات لا توجد إلا في أرقى الكائنات وأسماها

 

الفصل السادس

آراء الفلاسفة والعلماء عن الوحدانية الحقيقية

 

بحث كثير من الفلاسفة مميزات الوحدانية الحقيقية وفيما يلي أهم آرائهم عنها :

 

1 - فلاسفة اليونان : قال هيرقليطس : الواحد ليس إلا كثرة توحَّدت، والكثرة ليست إلا واحداً تكثَّر وقال ديمقريطس : الجوهر الفرد لا يمكن أن يكون وحدة بمعنى الكلمة، وإن الكثرة تقوم في وحدات لا مادية " روحية " وهي محكمة، ووجودية في نفس الوقت والجوهر الفرد " كما يُستنتَج من أقوال الفلاسفة " هو الذي لا يتميز بميزة تدل على أن له كياناً حقيقياً، فهو والنقطة الهندسية سواءٌ من هذه الناحية ولذلك لا يصح أن يُقال عن الله إنه الجوهر الفرد لأن الله مع وحدانيته وعدم وجود أي تركيب فيه، له مميزات تدل على أن له تعيناً أو كياناً خاصاً وإذا كان لابد من اسم يُسمَّى به الله كجوهر، فمن الممكن أن يسمَّى الجوهر الحقيقي مع ملاحظة أنه ليس مثل الجواهر المخلوقة التي تتكون من جوهر وعرض، إذ أنه من كل نواحيه " إن جاز التعبير " هو جوهر محض، لأن جوهره وتعينه واحد، كما سيتضح بالتفصيل في الباب الرابع

 

وكان أفلاطون يحمل على القائلين بالوحدة المطلقة فقال : إذا كانت الكثرة تقتضي الوحدة، فالوحدة بدورها تقتضي الكثرة لأننا إذا قلنا عن الماهيات إنها وحدة ثابتة، ولم نضف إليها شيئاً من الكثرة، فإننا نسلبها الحياة والحركة و الماهيات كائنات روحية تصّوَر أفلاطون أنها موجودة منذ الأزل، واعتبرها الوجود الحقيقي للكائنات المنظورة، والمثال الذي خُلقت عليه هذه الكائنات فمثلاً كان يعتقد أن الرجولة، " أي ماهية الرجال " سابقة في وجودها للرجال، وعلى مثالها خُلقوا وهكذا الحال مع باقي الكائنات وقال أفلاطون أيضاً : كل حمل يقتضي وجود شيئين فإذا قلنا مثلاً إن الوجود واحد، فإن هذا القول نفسه غير ممكن، لأننا قلنا بصفتين : هما الوجود والوحدة فلابد من القول بالكثرة وقال أيضاً : الوجود وحدة تتضمن الكثرة، أو هو كثرة تتضمن الوحدة لكن ليس كثرة مطلقة، وإلا لما أمكن العلم كما أنه ليس وحدة مطلقة، وإلا لما أمكن الحمل وليست مسألة الكثرة خاصة بالمحسوسات أو الوجود المحس فحسب، بل إنها أيضاً تتعلق بالوجود غير المحسوس أو وجود الماهيات علماً بأن أفلاطون، وبعض الفلاسفة الآخرين المذكورين في هذا الفصل يردّون على القائلين بوحدة الوجود، ولكن يُستنتَج أيضاً من أقوالهم، أنهم يرون أن كل وحدة قائمة بكثرة، وأنه ليست هناك وحدة حقيقية لا كثرة فيها

 

وقال أرسطو : لا يُستثنى من الكائنات إلا الجوهر الفرد أي أن الجوهر الفرد لا يُعتبر كائناً من الكائنات الحقيقية، لأنه لا يتميز بميزة تدل على أن له كياناً خاصاً وقال أيضاً : إن شيئاً واحداً بعينه، يمكن تماماً أن يكون واحداً وكثيراً أي لا يمكن الفصل بين الوحدة والكثرة فيه

 

2 - فلاسفة اليهود : يُستنتج من أقوال فيلون وموسى بن ميمون وغيرهما من فلاسفة اليهود، أن كل وحدانية " مهما كانت دقتها " لها صفات خاصة، واتّصاف الوحدانية بصفات خاصة هو شمولها على كثرة من نوع ما

3 - فلاسفة المسيحيين : قال هيجل : ليس الكثير والواحد طرفين متناقضين كما يُرى، بل هما وجهان لحقيقة واحدة يلتقيان في نهاية الأمر، لو أنك سَمْوت بتفكيرك إلى مرتبة فوق المستوى الضيّق المعهود فالكمية في معناها الصحيح هي كثير في واحد وواحد في كثير، ومن الخطأ أن تحاول التفريق بين هذين الوجهين فلن تجد واحداً لا يتكون من وحدات كثيرة، ولن تجد وحدات لا تأتلف في واحد ولو حاولت ذلك، لكنت كمن يريد أن يظفر بعصا لها طرف واحد

 

وقال هبهوس : لا غنى للوحدة عن كثرتها ولا غنى للكثرة عن وحدتها وقال ليبنتز : الوحدة ليست خالية أو مجردة، وإلا ما تميزت عن غيرها وقال بربراند : كل كلمة في الوجود تدل على شيء كلي أو جامع وقال رسل : لا يتعارض مذهب الوحدة مع مذهب الكثرة، فإن الوحدة هي وحدة في الكيف، على حين أن الكثرة هي كثرة في الجوهر

 

4 - فلاسفة المسلمين : قال ابن سينا : لا وجود للجوهر الفرد وقال أيضاً : الجوهر النفيس " أي الجوهر الحقيقي " مكوَّن من هيولي وصورة وقال غيره : قيام الشيء بذاته لا بد له من جزئين أو ثلاثة أجزاء، أو ثمانية أجزاء وقال الإمام الشيخ محمد عبده : الجوهر الفرد الذي لا يقبل القسمة فعلاً ولا عقلاً ولا وهماً، لا حقيقة له ومعنى ذلك أن كل جوهر حقيقي قائم بكثرة بأي وجه من الوجوه

 

هذه هي آراء الفلاسفة والعلماء في الوحدانية ومنها يتبيّن أنهم يرون أن كل وحدانية في الوجود سواء كانت مادية أو روحية، هي وحدانية قائمة بكثرة - أو بتعبير آخر بمميّزات تظهر حقيقتها أو بالأحرى وحدانيتها، وتجعل بينها وبين ذاتها نسباً أو علاقات وأنه إذا شذَّت وحدانية عن ذلك فقدت مميزات الوحدانية الحقيقية، وكانت وحدانية وهمية لا وجود لها في عالم الحقيقة إطلاقاً، مثلها في ذلك مثل النقطة الهندسية تماماً وآراؤهم تتفق مع الحقائق المدركة لنا كل الاتفاق

 

 

الفصل السابع

الوحدانية اللائقة بالله، أو الوحدانية الجامعة المانعة

 

انتهينا إلى أن كل وحدانية، مادية كانت أو روحية، تقوم بمميزات تنشأ بينها وبين ذاتها نِسَب أو علاقات، وأن هذه المميزات هي التي تبيّن حقيقة وحدانيتها فإذا كان الله واحداً قائماً بذاته، ألا يكون أيضاً متميزاً بمميزات خاصة، تدل على حقيقة وحدانيته، وتنشأ أيضاً بسببها علاقات بينه وبين ذاته؟ أو بتعبير أدق، ألا تكون ذاته عينها مع وحدانيتها وعدم وجود أي تركيب فيها، تتميز بمميزات خاصة، تنشأ بسببها علاقات بينها وبين نفسها؟

 

الجواب : طبعاً نعم، لأن هذا هو ما يتوافق مع الحقيقة كل التوافق كما اتضح لنا، وكما سيتضح بأكثر تفصيل مما يلي

 

الأدلة على أن وحدانية الله تتميز بمميّزات خاصة

 

1 - لله " كما ذكرنا في الباب الأول " تعيّن خاص وكل كائن له تعين خاص له مميزات تبين حقيقته فمن المؤكد أن تكون لله مميزات " أو بتعبير أدق، أن يكون هو بذاته متميزاً بمميزات " تبيّن حقيقته

2 - بما أن صفات الله لم تكن عاطلة أزلاً ثم صارت عاملة عندما خلق، بل كانت عاملة أزلاً قبل وجود أي كائن من الكائنات " لأن هذا ما يتناسب مع ثباته وعدم تعرضه للتغير، كما ذكرنا في الفصل الثالث من هذا الباب "

 

وبما أنه لا يُعقل أنه كان يمارس صفاته في الأزل مع غيره، لأنه لا شريك له ولا يعقل أنه كان يمارسها مع جزء من ذاته لأنه لا تركيب فيه إذاً لا شك أنه كان يمارسها بينه وبين ذاته نفسها

وإذا كان الأمر كذلك كانت ذاته مع وحدانيتها وعدم وجود تركيب فيها متميزة بمميزات متكاملة، تجعل ممارسته لهذه الصفات بينه وبين ذاته أزلاً أمراً عملياً حقيقياً، لأنه لا سبيل لممارسة الصفات بين كائن وذاته إلا إذ كان متميزاً بمميزات خاصة

 

ولإيضاح ذلك نقول إن صفة العدالة مثلاً تدل " كما يقول أفلاطون " على التعادل، والتعادل في الكائن الفرد معناه التوافق والانسجام ولذلك فاتّصاف الله بالعدالة أزلاً يدل على وجود توافق أو انسجام بينهوبين ذاته ووجود توافق أو انسجام بينه وبين ذاته يدل على وجود علاقات بينه وبين ذاته كما أن صفة المحبة تدل على وجود روابط طيبة بين اثنين على الأقل، أحدهما محب والآخر محبوب ولذلك فاتّصاف الله بالمحبة أزلاً، يدل على وجود علاقات خاصة بينه وبين ذاته وهكذا الحال مع باقي الصفات فإذا تأملنا في اتّصاف الله بها أزلاً وجدنا أنها تدل على وجود علاقات بينه وبين ذاته وطبعاً لا مجال لوجود علاقات للهبينه وبين ذاته، إلا إذا كان متميزاً بمميزات خاصة يمكن أن تنشأ بسببها هذه العلاقات

 

3 - لو فرضنا أن الله لم تكن له علاقة بينه وبين ذاته أزلاً، وقلنا إن له علاقة بالعالم لأنه خالقه والمعتني به، لكانت النتيجة الحتمية لذلك أنه دخل في علاقة لم يكن لها أساس في ذاته أزلاً، فيكون قد تطّور وتغيّر! وبما أنه لا يتطور ولا يتغير، إذاً لا مفر من التسليم بأن له علاقة أزلية بينه وبين ذاته وبما أن الأمر كذلك إذاً فهو يتميز بمميزات خاصة يمكن بسببها أن تنشأ هذه العلاقة كما ذكرنا آنفاً

 

4 - هذا وقد شهد كثير من الفلاسفة بوجود علاقات لله بينه وبين ذاته قال تيلور : الحياة الإلهية في جوهرها هي فعل اتصال بين الذات والذات أي أن بينها وبين نفسها علاقات وقال ليبنتز : العلاقات التي ندركها بين الظواهر المختلفة في العالم الخارجي هي نتيجة لتدبير قديم يُطلق عليه الانسجام الأزلي ولا انسجام إلا إذا كانت هناك علاقات وقال محيي بن العربي : الذات لو تعرَّت عن النِّسب، لم تكن إلهاً وبما أن الله ذات إذاً فهو يتميز بنِسَب أو بتعبير آخر بعلاقات وقال أحد فلاسفة الفرس المسلمين : الوحدانية الإلهية تتضمن نسب الوحدانية وعلاقاتها ووجود نسب أو علاقات في الوحدانية الإلهية دليل على أنها تتميز بمميزات خاصة، تنشأ بسببها هذه النسب أو العلاقات كما قلنا فيما سلف

 

ويبدو لي أن ابن العربي قد استعمل كلمة النِّسب بالمعنى الذي استعملنا به كلمة العلاقات ولكن منعاً من حدوث لَبْس في فهم معاني الألفاظ، استصوبنا أن نستعمل كلمة النسب فيما يختص بالجماد، وكلمة العلاقات فيما يختص بالأحياء

 

والآن بما أن الله مع وحدانيته وعدم وجود تركيب في ذاته يتميّز بمميزات خاصة، إذاً فهذه المميزات لا يمكن أن تكون غير ذاته، لأنه لا شريك له ولا يمكن أن تكون عناصر أو أجزاء في ذاته، بل أن تكون هي عين ذاته، لأنه لا تركيب فيه ولا يمكن أن تكون مادية بل أن تكون روحية، لأنه لا أثر للمادة فيه ولا يمكن أن تكون محدودة بأي نوع من الحدود، بل أن تكون منزّهة عن الحدود، لأن ذاته لا يحدّها حدّ كما أن العلاقات الناشئة بسببها، لا يمكن أن تكون متوقّفة على وجود الكائنات، بل أن تكون أولاً وقبل كل شيء بينه وبين ذاته نفسها أزلاً، لأنه كامل كل الكمال منذ الأزل الذي لا بدء له، ولا يكتسب شيئاً من الأشياء، ولا يتغيّر أو يتطّور على الإطلاق

 

مما تقدم يتبيّن لنا أن وحدانية الله لا يمكن أن تكون وحدانية مجردة من الصفات الإيجابية، أو وحدانية مطلقة لا مجال لوجود صفاتها بالفعل أزلاً بل لابد أن تكون وحدانية تتصف بكل الصفات الإيجابية اللائقة بها، وأن تكون هذه الصفات ليس بالقوة بل بالفعل أزلاً أو بتعبير آخر لابد أن تكون وحدانية الله ذات كيان حقيقي، أو وحدانية لها مميزات خاصة بها، تنشأ بسببها بينها وبين ذاتها علاقات خاصة منذ الأزل إلى الأبد، بصَرْف النظر عن وجود المخلوقات أو عدم وجودها وإن كان لابد من اسم تسمَّى به فمن الممكن أن نسميها الوحدانية الجامعة المانعة أو الوحدانية الشاملة المانعة ، لأنها جامعة أو شاملة للمميزات المذكورة، ولأن الله بسبب هذه المميزات لم يكن يحتاج إلى شيء سوى ذاته، لوجود صفاته وعلاقاته بالفعل أزلاً ولذلك لا يُقصد بوحدانية الله الجامعة المانعة أن هناك آلهة مع الله، أو أن هناك تركيباً في ذاته، بل يُقصَد بها أن ذاته الواحدة التي لا تركيب فيها على الإطلاق، هي بنفسها جامعة مانعة، أو شاملة مانعة، أو بتعبير آخر أنها تتميز بالمميزات الروحية اللائقة بكمالها، واستغنائها عن كل شيء غيرها، منذ الأزل وإذا كان الأمر كذلك فليس في إسناد هذه الوحدانية إلى الله ما يُفهم منه أن له شريكاً أو به تركيباً

 

الاعتراضات والرد عليها

 

أما الذين لا يفهمون معنى كون وحدانية الله جامعة مانعة، ومعنى تميزه بمميزات له بها علاقات بينه وبين ذاته أزلاً، فيظنون أن تلك الوحدانية تتعارض مع عدم وجود تركيب فيه، وأن هذه العلاقات تتعارض مع تفرّده بالأزلية وفيما يلي أهم اعتراضاتهم والرد عليها :

 

1 - لا تقوم للعلاقات قائمة إلا بين اثنين على الأقل، والله هو الأزلي وحده فليس من المعقول أن تكون له أصلاً أو أزلاً أية علاقة من العلاقات وبناءً على رأيهم لا تكون لذاته مميزات خاصة بها

 

الرد : ليس للكائن العاقل علاقة مع غيره فحسب، بل له أيضاً علاقة بينه وبين ذاته فالأولى اكتسابية أو غير أصلية، أما الثانية فذاتية أو أصلية وليس هناك شيء في الوجود لا علاقة له بينه وبين ذاته، أو بينه وبين غيره إلا غير الموجود، لأنه لا يتميز بميزة تدل على أن له كياناً خاصاً وبما أن الله " وإن كان لا نهائياً " هو كائن عاقل له كيانه الخاص ووجوده الحقيقي الواقعي، إذاً فوجود علاقات بينه وبين نفسه أمر يتوافق مع حقيقة وجوده، بل ويتطلّبه هذا الوجود ذاته وبما أن له مثل هذه العلاقات، إذاً فهو متميز بمميزات خاصة، لأنه لا سبيل لوجود العلاقات في وحدانية مجردة من المميزات

 

هذا بالطبع مع مراعاة الفرق الذي لا حد له بين العلاقات الكائنة بين الله وذاته، والعلاقات الكائنة بين أي كائن عاقل وذاته فالعلاقات الكائنة بين الله وذاته هي علاقات أصلية فيه وملازمة أزلاً لذاته الواحدة التي لا تركيب فيها أما العلاقات الكائنة بين أي كائن عاقل وذاته فليست أصلية فيه، لأنها ناشئة عن الغرائز المتنوعة التي ورثها عن أجداده أو عن العناصر المختلفة المكّونة منها ذاته ولذلك فهي علاقات مكتَسبة أو حادثة ولكنها تُسمّى أصلية بالنسبة إلى العلاقات التي تتكون لديه بسبب وجوده في العالم واتصاله بما فيه أما علاقات الله حتى مع الكائنات الحادثة فليست اكتسابية، لأنه يعلم كل شيء عنها قبل خَلْقها

2 - يدلّ تميّز الله بمميزات خاصة على قيامه بكثرة، والحال أنه ليست به كثرة ما

 

الرد : ليست المميزات التي يتميز بها الله عناصر أو أجزاءً فيه، أو أموراً مقترنة به، بل هي عين ذاته المتميزة بكل ما هو لائق بكمالها واستغنائها عن غيرها، لأنه لا تركيب فيه فالمميزات المذكورة ليست كثرة بالمعنى المعروف في الكائنات، بل هي الخصائص الأصلية الذاتية لله، والتي بدونها لا يكون إلهاً حقيقياً بل يكون إلهاً وهمياً، أو إلهاً كانت صفاته عاطلة أزلاً، كما يقول الفلاسفة الذين يؤمنون أن وحدانيته مجردة أو مطلقة لأن هذه المميزات هي التي تعيّن الله، أو هي عين تعيُّنه فليس هو الإله المجرد من الصفات، أو الذي يتصف بصفات كانت بلا عمل أزلاً، بل الإله الذي يتصف بكل صفات الكمال، والذي كانت كل صفاته بالفعل أزلاً، أي قبل وجود أي كائن من الكائنات سواه - الأمر الذي يتوافق مع كماله واستغنائه بذاته عن كل شيء في الوجود، وعدم تعرّضه للتطوّر والتغيّر

 

والكثرة التي تقوم بها الكائنات هي عناصر أو أجزاء أما الكثرة التي يتميز بها الله فليست عناصر أو أجزاء، بل هي الخواص الأصلية للوحدانية غير المركبة التي يتفرد بها

 

ولا مجال للاعتراض على تميّز الله بهذه المميزات بدعوى أنها تدل على كثرة، لأن مجرد إسناد الصفات إليه معناه إسناد كثرة إليه فإذا أسندنا هذه الصفات إليه، وسلّمنا بوجودها فيه بالفعل أزلاً، ثم أنكرنا تلك المميزات بعد ذلك، نكون قد قلنا بوجوده نتيجة دون سبب، أو بمظهر دون حقيقة وكل ذلك باطل، لأن الصفات لا تكون بالفعل من تلقاء ذاتها، بل لابد لها من علّة وهذه العلة لا يمكن أن تكون سوى مميزات تتميز بها ذات الله عينها، لأنه لا تركيب فيه تنشأ بسببه علاقات بينه وبين ذاته، ولا شريك له يجعل صفاته بالفعل أزلاً فهذه المميزات هي إذاً " إن جاز التعبير " من مستلزمات حقيقية وحدانية الله المحضة، وتفرّده بالأزلية، واستغنائه عن كل شيء في الوجود، ولذلك لا سبيل لإنكارها على الإطلاق

 

3 - لا يصح اتّخاذ العلاقات الموجودة بين الكائنات العاقلة وبين ذواتها دليلاً على وجوب وجود علاقات لله بينه وبين ذاته، لأنه لا يصحّ تطبيق صفات المخلوق على الخالق

 

الرد : إننا لم نفعل ذلك إطلاقاً، بل استنتجنا وجود علاقات لله بينه وبين ذاته من حقيقة اتصافه بالصفات الإيجابية وممارسته لها أزلاً، قبل وجود أي كائن سواه، الأمر الذي يتطلبه كماله المطلق، واستغناؤه بذاته عن كل شيء في الوجود أما الأمثلة الخاصة بالكائنات وأقوال الفلاسفة عنها، فلم نذكرها إلا ليعرف القارئ أن وجود علاقات بينه وبين ذاته ليس أمراً غريباً، بل هو حقيقة ثابتة مُدرَكة لدينا تماماً، ولا سبيل لإنكارها

 

أخيراً نقول : لأن معظم الناس لم يألفوا التأمل العميق في ذات الله، يكتفون بالقول إنه واحد ولكن لو فطنوا لعلموا أن الواحد لا يكون واحداً إلا إذا كان متميزاً بمميزات تعيّنه وتُظهر حقيقته فالوحدانية الحقيقية هي إذاً وحدانية جامعة وبما أن وحدانية الله حقيقية، إذاً فهي وحدانية جامعة ومانعة أيضاً - هذه حقيقة لا شك في صحتها إطلاقاً، لكن نظراً لسموها فوق الإدراك، وكثرة الشكوك التي تساور بعض الناس من جهتها، نرى من الواجب قبل التحدّث عن كنهها أن نتأمل في المشكلات التي تترتب على اعتبار وحدانية الله وحدانية مجردة أو مطلقة، حتى إذا تبيّن لنا تعقّدها وعدم وجود أي حل لها، سهل علينا بعد ذلك أن نقتنع اقتناعاً تاماً بأن وحدانية الله هي وحدانية جامعة مانعة.

 

 

الباب الثالث

مشكلات

الوحدانية المجردة

والوحدانية المطلقة

 

في هذا الباب نرى

 

1 - مشكلة العلاقة بين صفات الله وذاته

2 - مشكلة أصل العالم

3 - مشكلة كيفية تكّون العالم

4 - مشكلة علاقة الله بالعالم

5 - مشكلة ماهية الله

 

الفصل الأول آراء الفلاسفة فيها:

 

تحدثنا في الباب الأول عن آراء الفلاسفة في صفات الله على وجه الإجمال وذكرنا أن بعضهم أسند الصفات إليه، وأن البعض الآخر نفاها عنه. ونعرض الآن آراءهم فيها، بشيء من التفصيل:

 

1 - فلاسفة اليونان :

 

قال أرسطو : الله يتنزّه عن الإرادة، لأن الإرادة تقتضي الطلب، والله لا يطلب. لأنه لو كان يطلب لكان يطلب أزلاً، وطلبه أزلاً يستلزم وجود أزليين نظيره كان يطلبهم، وذلك لتنزّهه عن طلب ما هو أقل منه. وهذا محال لأنه لا شريك له على الإطلاق . وقال أيضاً : الله لا يعلم الكائنات، لأنه لو كان يعلمها لكان يعلم أزلاً، وعلمه أزلاً يستلزم وجود أزليين نظيره كان يعلمهم وذلك لتنزّهه عن علم ما هو أقل منه. وهذا محال للسبب السابق ذكره . وقال أفلوطين : تُسنَد الصفات إلى الله مسبوقة بكلمة " فوق " فيُقال إنه فوق الوجود، وفوق الكمال، وفوق... وفوق... . وهذا الوصف وإن كان موجباً في الظاهر، إلا أنه سالب في الحقيقة. وبذلك يكون أرسطو قد جرّد الله من العلم والإرادة، ويكون أفلوطين قد نفى الصفات عنه موضوعاً وأسندها إليه شكلاً، أو بالحري يكون قد جعله إلهاً خيالياً لا حقيقياً. وطبعاً ليس هناك من سبب لذلك، سوى اعتقادهما أن وحدانية الله مجردة أو مطلقة.

 

2 - فلاسفة اليهود :

 

قال موسى بن ميمون ما ملخصه : وَصْف الله بالسوالب هو الوصف الصحيح الذي لا يلحقه من جهته تكثّر. أما وصفه بالإيجابيات ففيه خطر عظيم لأنه يتطلب وجود شركاء معه أو تركيب في ذاته. ولا شك أن ابن ميمون نفى الصفات الإيجابية عن الله، لأنه تعذر عليه التوفيق بين وجودها بالفعل أزلاً، وبين اعتبار وحدانيته وحدانية مجردة أو مطلقة، إذ أن التوفيق بينهما محال. وقال سبينوزا : الله ليس له عقل، ولا يوصف بالإرادة أو السمع أو البصر أو الرضا، لأن هذه الصفات تقتضي الانتقال من حال إلى حال، والله لا ينتقل من حال إلى حال. ولأنه لا يمكن التوفيق بين وحدة الجوهر وكثرة الصفات . وبذلك يكون سبينوزا قد جعل الله إلهاً خيالياً لا حقيقياً، أو جعله هو والعالم سواء، كما يتضح من بعض أقواله الأخرى.

 

3 - فلاسفة المسيحيين :

 

قبل تقديم أفكارهم نقول إن معظم فلاسفة المسيحيين لا يعبّرون بأقوالهم عن رأي المسيحية، كما لا يعبّر معظم الفلاسفة الآخرين عن آراء الأديان التي ينتسبون إليها، لأنهم جميعاً ينقادون وراء منطق عقولهم وحدها. فنرجو ملاحظة ذلك في هذا الفصل وفي الفصول الآتية. أما أقوال فلاسفة المسيحيين الواردة هنا فمقتبسة من الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط .

 

قال القديس أوغسطينوس : صفات الله هي عين ذاته . وقال توما الأكويني : الله يتصف بجميع صفات الكمال، لكن صفاته السلبية أيسر فهماً لدى البشر من صفاته الإيجابية . وقال أيضاً : الله عين ماهيته، وعين وجوده، وعين صفاته، لأن الصفات تنافي البساطة المطلقة الواجبة للعلة الأولى . ولذلك قال : يجب أن نطلق الصفات على الله باعتبارٍ يختلف عن ذاك الذي نطلقها به على المخلوقات، كما نطلق الطيبة على الإنسان باعتبارٍ يختلف عن الاعتبار الذي نطلقها به على التفاح مثلاً . وقال جون سكوت : صفات الله هي موضوع اعتقادٍ فقط، فهي اعتبارية وليست حقيقية، لا يبلغ العقل إلى أدلةٍ قاطعةٍ عليها. كما أننا لا نستطيع أن نجعل من صفاته تمايزاً عينياً، لئلا نُدخل الكثرة على الذات الإلهية . ولذلك فهؤلاء الفلاسفة أيضاً كانوا يرون على العموم أن إسناد الصفات الإيجابية إلى الله يتعارض مع اعتبار وحدانيته وحدانية مجردة أو مطلقة.

 

4 - فلاسفة المسلمين :

 

شغلت هذه المشكلة فلاسفة المسلمين أيضاً، لا بل وشغلتهم أكثر مما شغلت غيرهم، وفيما يلي خلاصة آرائهم وأهمها :

 

" أ " علاقة صفات الله بذاته : قالت فرقة الصفاتية : صفات الله غير ذاته . ولتأكيد وجهة نظرها قالت : لو كُشف الحجاب عن الإنسان لاستطاع أن يرى صفات المعاني . وقالت المعتزلة : صفاته عين ذاته . ولتأكيد وجهة نظرها قال واصل بن عطاء أحد زعمائها : من أثبت وجود صفة قديمة لله فقد أثبت وجود إلهين . وقالت الأشاعرة : صفات الله ليست هي عين ذاته، ولا هي غيرها . وقال بعض الفلاسفة : طريق السلب أقرب من طريق الإيجاب في فهم صفات الله . وقال غيرهم : الصفات ليست حقائق ذاتية بل هي أمور اعتبارية . وقال أبو هاشم البصري : صفات الله في جملتها وسط بين الوجود والعدم . وقال معمر : الله لا يتصف بصفة لأن وجودها يتناقض مع ما يجب لذاته من توحيد تام . وقال ابن رشد : لا يجوز إثبات صفة لله زائدة عن ذاته لأن ذلك يستلزم وجود كثرة فيه . وقال ابن سينا : إن كان وجود صفات المعاني من ذاتها كانت واجبة الوجود بالذات، وهذا يؤدي إلى التعدد في الواجب. وإن كان وجودها من الله كان الله فاعلاً لها. وبوصف كونها صفات له يكون قابلاً لها، فيكون الواجب فاعلاً وقابلاً، وهذا ما لا يتفق مع وحدانيته أو بساطته. فالصفات ليست وجودية وليست زائدة، وإلا كانت جزءاً من الذات ومقومة لها، فتكون ذاته مركبة، وهذا محال . أما السَّلف فكانوا يقولون : معرفة صفات الله وذاته فوق العقل البشري ولذلك لم يبحثوا فيما إذا كانت صفاته هي عين ذاته، أو غيرها. فمثلاً عندما سئل مالك بن أنس عن معنى الرحمن على العرش استوى قال : الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة .

 

" ب " وقت ظهور صفات الله : قالت فرقة الماتريدية : صفات المعاني قديمة في ذاتها . وقال السعد والعضد : إنها قديمة بالزمان فقط، لأنها ناشئة عن المولى بطريق العلة . وقالت الكرامية : إنها حادثة . وكان بعض زعماء المعتزلة ينتقدون القائلين بقدم صفات الله بالقول : إن النصارى أثبتوا ثلاثة قدماء، أما أنتم فأثبتّم بقولكم إن لله ثماني صفات قديمة، ثمانية قدماء . " علماً بأن النصارى لا يؤمنون بثلاثة قدماء بل بقديم واحد، كما يتضح بالتفصيل من الباب الرابع " . وقال غيرهم : الكلام في صفات الله في غاية الصعوبة، لأنه لا يصح القول بوجوبها أو إمكانها . أي بأزليتها أو حدوثها.

 

هذه هي خلاصة آراء الفلاسفة على اختلاف الأديان التي ينتمون إليها في صفات الله وذاته.

والآن لنسأل أنفسنا : لماذا تضاربت آراؤهم؟

 

الجواب : لأنهم لم يستطيعوا إدراك العلاقة بين صفات الله وذاته.

 

ولماذا نفى معظمهم عنه الصفات الإيجابية؟

 

الجواب : لأنهم لم يستطيعوا التوفيق بين إسنادها إليه واعتبار وحدانيته وحدانية مطلقة أو مجردة.

 

ثانيا ملخص المشلكة:

 

العلاقة بين صفات الله وذاته مشكلة معقدة. ومما زادها تعقيداً أن كل فريق من الفلاسفة عزّز رأيه بأدلة لا يُستطاع الكشف عن موضع الخطأ فيها بسهولة. ولذلك نرى من الواجب أن نعرض فيما يلي ملخص هذه المشكلة على هيئة سؤال وجواب، بحسب مواجهة العقل لها، ليتضح لنا الأساس الحقيقي للإشكال.

 

1 - هل لله صفات أم ليست له صفات؟

 

الجواب : له صفات لأنه موجود، وكل موجود له صفات. وبذلك تسقط حجة القائلين إن صفات الله اعتبارية، أو إنها مجرد اعتقاد، أو إنها وسط بين العدم والوجود.

 

2 - إذا كانت لله صفات، فهل هي سلبية أو إيجابية؟

 

الجواب : إنها إيجابية، لأن الصفات السلبية صفات ناقصة، وإسنادها وحدها إلى الله معناه إسناد النقص إليه، وهو الكامل كل الكمال! وبذلك تسقط حجة القائلين إن الله يتصف بالصفات السلبية دون الإيجابية، أو إن الأولى أكثر مناسبة لكماله من الثانية.

 

3 - وإن كانت إيجابية، فهل تُطلَق عليه بالاعتبار الذي نطلقها به على غيره، أم باعتبار آخر؟

الجواب : إن أطلقنا الصفات على الله باعتبار يختلف عن ذاك الذي نطلقها به على غيره، وبمعنى يختلف عن ذات المعنى الذي يُفهم منها، لأصبح الله غير مدرَك لدينا. وبما أن غرضه من الإعلان عن ذاته هو أن ندركه على حقيقته، إذاً لا شك في أنه قصد بالصفات " التي أعلن أنه متصف بها " نفس المعاني التي نفهمها منها، لكن طبعاً بدرجة تتناسب معه. فمثلاً عندما أعلن لنا أنه رحوم لا يمكن أن يكون قد قصد بذلك إلا أنه رحوم بالمعنى المفهوم لدينا، إنما بدرجة تتوافق مع كماله الذي لا حدَّ له. وبذلك تسقط حجة القائلين إن صفات الله تُطلَق عليه باعتبارٍ غير الذي تُطلق به على الكائنات.

4 - وإن قلنا إنها إيجابية، فهل هي ذاته، أم غير ذاته، أم ليست ذاته ولا غير ذاته؟

 

الجواب : الفقرة الأخيرة من هذا السؤال لا معنى لها، لأن صفات الله إما أن تكون ذاته أو غير ذاته، إذ ليس هناك وسط بين الأمرين إلا العدم. فيكفي إذاً أن نعرف : هل صفات الله هي ذاته، أم غير ذاته؟ إن قلنا إنها ذاته جعلنا الصفة موصوفاً والموصوف صفة، أو المعنى ذاتاً والذات معنى. وهذا باطل. وإن قلنا إنها غير ذاته افترضنا وجود أشياء منفصلة عن ذاته أو ملتصقة بها، وكل ذلك باطل. وواضح أن صفات الله هي غير ذاته، لكن لا يمكن أن تكون منفصلة عن ذاته أو ملتصقة بها، بل أن تكون عاملة بينه وبين ذاته. وعملها بينه وبين ذاته لا يتأتى إلا إذا كانت وحدانيته جامعة مانعة، كما سيتضح بالتفصيل في آخر هذا الفصل.

 

إن صفات الله لا تنفصل عن ذاته، إذ لا انفصال لكائن عن صفاته، ولأن التصاقها به يؤدي إلى وجود تركيب فيه " والحال أنه لا تركيب فيه " . هذا هو الجزء الأول من الإشكال الذي سندرسه ونبيّن السبيل إلى حله في آخر هذا الفصل.

 

5 - وإن قلنا أيضاً إنها إيجابية، فهل هي حادثة أم قديمة، أم معلولة بالذات؟

 

الجواب : تدخل الفقرة الأخيرة من هذا السؤال ضمن الفقرة الأولى، لأن اعتبار الصفات معلولة بذات الله معناه أنه هو الذي أوجدها، ولذلك تكون حادثة، أو ليست أزلية كأزلية ذاته. فيكفي إذاً أن نعرف : هل صفات الله حادثة أم قديمة؟ إن قلنا إنها حادثة أسندنا إلى الله التعلق بحادث، وهذا باطل. لأن التعلّق بحادث يعرّض صاحبه لطروء الحدوث أو التغيّر عليه، والله منزه عن هذا وذاك. وإن قلنا إنها قديمة افترضنا وجود كائنات معه أزلاً كان يحبها ويسمعها ويكلمها، أو افترضنا وجود تركيب في ذاته، لأن هذه الصفات تستلزم في ممارستها وجود أكثر من كائن واحد، أو وجود كائن مركب،من هيولي وصورة، أو من جوهر وعرض. وهذا باطل، لأن الله لا شريك له ولا تركيب في ذاته.

 

وهذا هو الجزء الثاني من الإشكال الذي سنتولى أيضاً دراسته، وإيضاح السبيل إلى حله في آخر هذا الفصل.

 

ثالثا حلول رجال الدين ومكانتهم من الصواب

 

أما الآن، فنرى من الواجب أن نعرض الحلول التي لجأ إليها رجال الأديان للتوفيق بين اتصاف الله بالصفات الإيجابية أزلاً، وكون وحدانيته وحدانية مطلقة، لنعرف أولاً مكانة حلولهم من الصواب.

 

1 - إن كانت صفات الله تتجه في الأزل إلى الكائنات التي كان في قصده أن يخلقها، فليس هناك تناقض بين اتّصافه بهذه الصفات أزلاً وكون وحدانيته وحدانية مطلقة .

 

النقد : لو أن صفات الله كانت تتجه في الأزل إلى الكائنات التي كان في قصده أن يخلقها، لكان وجود هذه الكائنات أمراً ضرورياً لوجود صفاته، وهذا باطل. لأن الله كامل كل الكمال في ذاته وصفاته، بغضّ النظر عن وجود الكائنات أو عدم وجودها.

 

2 - كان الله في الأزل يشاهد ذاته ويعيها، ولذلك ليس هناك تناقض بين اتّصافه بالصفات الإيجابية أزلاً، وكون وحدانيته وحدانية مطلقة .

النقد : إن اعتبرنا وحدانية الله وحدانية مطلقة، تعذَّر علينا القول إنه يشاهد ذاته ويعيها، لأن هذا العمل يؤدي إلى تكوّن الله من إثنين هما " أ " هو " ب " وذاته، كما يؤدي إلى وجود علاقة له بينه وبين ذاته. والوحدانية المطلقة ليست مركبة، ولا علاقة لها بينها وبين ذاتها. كما تعذَّر علينا القول إنه كان يريد ذاته أو يحب ذاته، أو يسمع ذاته أزلاً. لأن ممارسته في الأزل لهذه الصفات " بل لكل صفاته الأخرى " تتطلّب إما وجود كائن أو كائنات ملازمة له أزلاً، أو وجود تركيب في ذاته. وبما أن الله واحد لا شريك له، وفي الوقت نفسه لا تركيب فيه على الإطلاق، إذاً فهذا الحل ليس على شيء من الصواب أيضاً.

 

3 - ليس من الضروري لإثبات أزلية صفات الله، ضرورة ممارسته لها أزلاً، لأنه ليس من الضروري مثلاً ألا يُدعَى البصير بصيراً ما لم يبصر شيئاً، فقد يكون بصيراً دون أن يكون هناك شيء يبصره، ولذلك ليس هناك تناقض بين اتصاف الله بالصفات قبل وجود أي كائن سواء، وكون وحدانيته وحدانية مطلقة .

 

النقد : حقاً قد يكون هناك شخص بصير دون أن يكون هناك شيء يبصره. لكن إذا أدركنا أن الله كامل في ذاته كل الكمال، وأنه لذلك لا يتغير أو يتطور أو يكتسب لذاته شيئاً على الإطلاق، تبيَّن لنا أنه لا يمكن أن صفاته كانت في الأزل عاطلة، ثم أصبحت بعد ذلك صفات عاملة، بسبب وجود الكائنات التي خلقها في الزمان. بل من المؤكد أن صفاته كانت عاملة من تلقاء ذاتها أزلاً لدرجة الكمال، قبل وجود أي كائن من الكائنات سواه. وعملها هذا، على اعتبار أن وحدانيته وحدانية مطلقة، يقتضي وجود كائن أو كائنات ملازمة له أزلاً، أو وجود تركيب في ذاته كما مرَّ بنا. لأنه لولا ذلك لما كان لصفاته عمل حينذاك. وبما أن الله لا شريك له ولا تركيب فيه، إذاً فهذا الحل ليس على شيء من الصواب كذلك.

 

وقد يقول قائل إنه لا يُعقل أن صفتي الرحمة والعدالة وبعض الصفات الأخرى، كانت بالفعل في الله قبل وجود الناس على الأرض، لأنه لم يكن لها مجال للعمل قبل وجودهم، ولذلك فإن اعتبار جميع صفات الله بالفعل أزلاً، لا يتفق مع الحقيقة الواقعة.

 

وللرد على ذلك نقول : إن الرحمة والعدالة وجميع الصفات الأخرى الخاصة بالله، لا تخرج عن كونها وجوهاً للكمال الذي يتصف به منذ الأزل. فمن البديهي أن تكون هاتان الصفتان وغيرهما من الصفات عاملة في الكمال الذي يتصف به منذ الأزل، أي قبل وجود أي كائن في الوجود سواه.

 

وقد يقول قائل آخر إن الكتاب المقدس يُسنِد إلى الله الغضب، ولا يُعقَل أن الغضب كان أزلاً، لأنه لم يكن هناك ما يدعو الله للغضب حينذاك. كما أن الغضب يدل على حدوث تأثر فيه، والتأثر يقتضي التغيّر، والله لا يتغير!

 

وللرد على ذلك نقول : إذا نظرنا إلى وحدانية الله كوحدانية جامعة مانعة، اتضح لنا أن مبدأ التأثر لا بد وأن يكون موجوداً فيه منذ الأزل، لأنه بسبب هذه الوحدانية يكون محباً ومحبوباً، وعالماً ومعلوماً، ومريداً ومراداً، ومتكلماً وسامعاً، منذ الأزل. فضلاً عن ذلك، فإن الغضب المسنَد إلى الله بسبب قيام الناس بعمل الشر، لا يُراد به حدوث انفعال فيه، بل يُراد به فقط عدم رضائه عن فعل الشر، وذلك وجه من الوجوه السلبية للكمال الذي يتصف به أزلاً، لأن الكمال لا يحب الخير فقط، بل ويبغض الشر أيضاً. وبما أن كمال الله كان بالفعل أزلاً، فمن البديهي أن يكون للغضب ضد الشر أساس في ذاته أزلاً أيضاً.

4 - إن قِدَم السمع والبصر في الله لا يستلزم قِدَم المسموعات والمرئيات، كما لايستلزم قِدَم العلم والقدرة قدم المعلومات والمقدورات. ولذلك ليس هناك تناقض بين اتصاف الله بالصفات أزلاً، وكون وحدانيته وحدانية مطلقة .

 

النقد : هذا الحل يشبه الحلين السابقين، وهو خطأ مثلهما، لأنه من دواعي كمال الله أن تكون صفاته بالفعل أزلاً " سواء أدركنا كيفية عملها أزلاً أم لم ندرك " . وبما أن ممارسته لأية صفة من هذه الصفات أزلاً تستلزم وجود كائنات أزلية معه، أو وجود تركيب في ذاته، لذلك فهذا الحل ليس على شيء من الصواب أيضاً، لأن الله لا شريك له ولا تركيب فيه.

 

5 - إن للصفات متعلقات ثلاثة : الأول تنجيزي " أي ما هو بالفعل " قديم بذاته تعالى، والثاني صلوحي " أي ما هو بالقوة " قديم بذواتنا، والثالث تنجيزي حادث، عند وجودنا في العالم .

 

النقد : يصف هذا الرأي فقط صفات الله من جهات ثلاث، فيطلق عليها من الجهة الأزلية اسم تنجيزي قديم، ويطلق عليها من حيث صلاحيتها بالنسبة لعلاقة الله بنا اسم صلوحي قديم، ويطلق عليها من حيث ممارسته لها بالفعل عند خلقه للعالم، اسم تنجيزي حادث. لكنه لا يبين لنا كيف تكون صفات الله قديمة دون أن تكون هناك كائنات أزلية معه أو يكون هناك تركيب في ذاته، ولا كيف تكون حادثة دون أن يترتب على ذلك تعرضه للتطوّر والتغيّر. ولذلك فهذا الرأي لا يتعرض لحل المشكلة على الإطلاق.

 

هذه هي الآراء الرئيسية لعلماء الدين، على اختلاف مذاهبهم في التوفيق بين صفات الله واعتبار وحدانيته وحدانية مطلقة، وهي كما اتضح لنا قد تركت المشكلة كما هي.

 

رابعا الحل المناسب للمشكلة

 

صفات الله وذاته مشكلة معقدة لكن من المؤكد أن يكون لها حل، لأنه لا يمكن أن يكون هناك تناقض أو غموض في ذات الله. ولنعرف الحل يجب أن نعرف أولاً السبب الحقيقي في تضارب آراء الفلاسفة وعلماء الدين في هذا الموضوع.

 

فما هو هذا السبب؟

 

الجواب : إذا صرفنا النظر عن آراء القائلين بوحدة الوجود، فإن تضارب آراء المؤمنين بأن الله ذات يرجع إلى اعتقادهم أن وحدانيته هي وحدانية مطلقة، لأن هذه الوحدانية هي وحدانية غامضة، إذا أنها لا تتميز بمميزات تكون بها صفات صاحبها بالفعل أزلاً. لكن لو أنهم نظروا إلى وحدانية الله كوحدانية جامعة مانعة، أي قائمة بمميزات تكون بها صفات الله بالفعل أزلاً، لما استعصى على واحد منهم إدراك العلاقة بين صفات الله وذاته. لماذا؟ لأنه على أساس هذه الوحدانية، لا يبقى مجال للتساؤل عما إذا كانت صفاته هي ذاته أم غير ذاته، إذ من الواضح أن تكون غير ذاته. وكونها غير ذاته لا يترتب عليه في هذه الحالة وجودها في حالة الالتصاق به أو الانفصال عنه، لأنها تكون فقط عاملة بينه وبين ذاته. ولا يبقى مجال للتساؤل عما إذا كانت قديمة أو حادثة، إذ من الواضح أن تكون قديمة قِدم ذاته، لأنه على أساس هذه الوحدانية تكون صفاته ملازمة له أزلاً، دون أن يتطلب ذلك وجود كائنات أزلية معه، أو وجود تركيب في ذاته.

 

 

 

 

الفصل الثاني

مشكلة أصل العالم

 

أولا آراء الفلاسفة فيها

 

اختلف الفلاسفة في أصل العالم اختلافاً عظيماً، فقال بعضهم إنه أزلي، وقال البعض الآخر إنه حادث. وفيما يلي أهم آرائهم :

 

1 الفلاسفة اليونان:

 

قال هيرقليطس : العالم لم يصنعه أحد من الآلهة أو البشر، لكنه كان أزلاً، وكل ما فيه من نبات وحيوان صُنع بموجب قانون ذاتي ضروري هو قانون الحكمة . وقال أفلاطون : الجوهر الخفي اللامحدود الذي صُنع منه العالم المحس، هو أزلي أبدي . وقال أرسطو : الله لم يخلق العالم بل حرّكه فحسب . فالعالم في نظر أرسطو أيضاً كان أزلاً.

 

2 فلاسفة اليهود:

 

قال موسى بن ميمون ما ملخصه : الله علة وجود العالم، والعالم حادث. لكن إثبات الحادث بالبرهان عسير. ولولا أن الوحي قد سبق وقال إن الله خلق العالم، لكنا قد قلنا إنه قديم . وقال سبينوزا : العالم قديم . ولم يجعله قديماً فحسب، بل كثيراً ما جعله هو والله واحداً، لأنه كان يرى " بسبب اعتقاده أن وحدانية الله هي وحدانية مجردة " أنه تعالى ليس قائماً بذاته.

 

3 فلاسفة المسيحيين

 

قال جون سكوت : الخلق قديم . وقال توما الأكويني : حدوث العالم مسألة يفصل فيها الوحي، ولا يتأتَّى إثباتها بالبرهان .

 

4 فلاسفة المسلمين

 

قال ابن سينا : العالم قديم، وسَبْق الله للعالم هو سبق العلة للمعلول، والعلة مع المعلول زماناً وملازمة له، غير متأخرة عنه . وقال ابن رشد : الله ليس فاعلاً بالطبع، ولا فاعلاً بالإرادة . وقال أيضاً : تقدم الله على العالم بالسببية لا بالزمان، كتقدُّم الشخص لظله . ومعنى ذلك أن الله حسب اعتقادهما، لم يخلق العالم من العدم، بل أن العالم ملازم له أزلاً.

 

ثانيا حججهم, وضعف الردود عليها

 

والحل المناسب للمشكلة :

 

لم يُلقِ الفلاسفة الذين قالوا بأزلية العالم آراءهم جزافاً، بل أيدوها بحجج كثيرة. وقد حاول علماء الدين الذين يؤمنون أن حدوث العالم لا يتعارض مع اعتبار وحدانية الله وحدانية مطلقة، تفنيد حجج الفلاسفة، لكنهم لم يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً. وفيما يلي أهم هذه الحجج والردود عليها، ثم الحل المناسب للمشكلة.

حجة الفلاسفة " 1 " : قال بروكلوس : بأي باعث صمم الإله على الخلق، بعد الصمت الذي ظل فيه منذ الأزل، إلى بدئه في الخلق؟ هل لأنه رأى أن هذا هو الأفضل؟ إن كان الأمر بالإيجاب، فهو إما كان يعلم هذا الفضل أو لا يعلمه. فإن كان لا يعلمه فعدم العلم لا يتفق مع الألوهية. وإن كان يعلمه، فلماذا لم يبدأه قبل ذلك العهد؟ .

 

وقال ابن سينا ما ملخصه : الله إما كان كافياً لإيجاد العالم، أو غير كافٍ له. فإن كان غير كافٍ له، فلماذا أوجده في زمن دون آخر؟ هل كان عاجزاً ثم صار قادراً؟ هذا محال! أم هل كان العالم مستعصياً عليه، فلم تتعلق القدرة بإحداثه، ثم صار ممكناً، فتعلقت القدرة بإحداثه؟ هذا محال! أم هل كان حدوث العالم قبلاً عبثاً، فلم تتعلق القدرة بإحداثه، ثم صار حدوثه ذا غرض وحكمة فتعلقت القدرة بإحداثه بعد ذلك؟ هذا محال، لأن العلة واحدة، والأوقات متساوية. أم هل لم تكن آلة للإحداث، فلم تتعلق القدرة بالإحداث، ثم وُجدت الآلة فتعلّقت القدرة به بعد ذلك؟ هذا محال! أم هل لم تكن إرادة من القديم لإحداث العالم، فلم تتعلق قدرته بإحداثه، ثم صار ذا إرادة، فتعلقت قدرته به بعد ذلك؟ هذا محال، لأن الإرادة تكون في هذه الحالة حادثة. والخلاصة إن خلق العالم في زمن دون آخر، مرجح بلا ترجيح، ولذلك فالعالم أزلي .

 

الرد عليها : قالت الأشاعرة : للقديم إرادة قديمة، اقتضت أزلاً حدوث العالم في الوقت الذي حدث فيه. فلم يحدث قبل ذلك، لأنه لم يكن مراداً بالإرادة القديمة. فذلك الاقتضاء القديم هو المرجح. لأن من إرادة الباري الترجيح، ولها أن تختار . وقالت المعتزلة : خلق العالم في وقت دون آخر، ليس لسبب يرجّحه بل لأمر يوجبه .

 

نقد الفلاسفة لهذا الرد : قال ابن سينا : الإرادة القديمة باقتضائها القديم لا تصلح مرجحاً للحدوث في وقت دون آخر، لأن نسبة الإرادة القديمة إلى الحدوث في الوقت المشار إليه، وإلى الحدوث في وقت غيره سواء. فلماذا اقتضت الإرادة ورجحت حدوثه في الوقت الأول دون الثاني؟ إن ترجيح هذا على ذاك، أو ترجيح ذاك على هذا، نسبتهما إلى الإرادة إما سواء، أو لا. أما النفي فغير جائز، وإلا كان إحداث العالم إرغاماً لا اختياراً، وهذا باطل. وإن كانا سواء، فهل حدث أحدهما بدون ترجيح من الإرادة أو به؟ إن كان الأول لزم الترجيح بلا مرجح. وإن كان الثاني لزم التسلسل. وكلاهما باطل. ولذلك يكون العالم أزلياً . وقال أيضاً : القول بخلق العالم في زمن دون آخر يدل على أن الله يختار. والاختيار يؤدي إلى وجود كثرة في ذاته، لأنه يستلزم معرفةً توجب القصد أو ترجّحه. والتكثّر في الواجب محال . وأيضاً : القول بحدوث العالم يدل على أن الله كان غير تام الفاعلية أزلاً. وهذا ما لا يتوافق مع كماله التام .

 

رد أغسطينوس على نقد الفلاسفة : لا تناقض بين قِدَم الإرادة الإلهية وحدوث المخلوقات، ولا محل للتساؤل : لماذا خلق الله العالم في زمن دون آخر، لأن الزمن لم يكن له وجود قبل خلق العالم، إذ أن بدء الخلق هو بدء الزمن، ولذلك فخلق العالم من العدم ليست فيه مفاضلة بين زمنين. فليس هناك زمن قبل خلق العالم كان الله لا يعمل فيه شيئاً.

 

النقد والحل : قد يبدو لأول وهلة أن رد أغسطينوس يدحض حجة القائلين بأزلية العالم. لكن بالتأمل فيه يتضح لنا أنه رد جزئي فحسب، لأن حدوث العالم يدل على أن الله قد عمل بعد أن كان لا يعمل، وهذا ما يتعارض مع ثباته وعدم تغيّره. ولذلك فالاعتراض الذي يجب مواجهته بالذات هو :

 

خَلْق الله للعالم يدل على انتقاله من حالة السلب إلى الإيجاب، أو من السكون إلى الدعوة للوجود، إذا يكون قد عمل بعد أن كان لا يعمل. وهذا يتعارض مع ما يجب له من ثبات تام .

وللرد على هذا الاعتراض نقول : لو اعتبرنا وحدانية الله وحدانية مطلقة، لما كان مفرّ من التسليم بأنه كان موجوداً في حالة السكون أزلاً، لأن صفاته " إن كانت له صفات في هذه الحالة " تكون عاطلة أزلاً، ولتعَّذَر علينا تبعاً لذلك إسناد الخَلْق إليه، لأنه كان يتطلب منه الانتقال من السكون إلى العمل، الأمر الذي لا يليق بثباته تعالى وعدم تعرّضه للتغيّر أو التطوّر. لكن إذا نظرنا إلى وحدانيته كوحدانية جامعة مانعة، اتضح لنا أنه من البديهي أن تكون صفاته عاملة منذ الأزل، ولذلك لا يكون قد انتقل بالخلق من حالة السلب إلى الإيجاب، أو من السكون إلى العمل. بل بالعكس يكون الخلق مجرد مظهر من مظاهر عمل صفاته الأزلي بينه وبين ذاته. وهذا لا يقتضي حدوث أي تغير في ذاته، وبذلك تسقط حجة الفلاسفة من أساسها، ويتحقق لنا أن خلق الله للعالم لم يترتب عليه حدوث تغير في ذاته.

 

وقد أشار الكتاب المقدس إلى أن الله كان يعمل قبل حدوث الخلق فقال : أَنَا الْحِكْمَةُ مُنْذُ الْأَزَلِ مُسِحْتُ، مُنْذُ الْبَدْءِ, إِذْ لَمْ يَكُنْ قَدْ صَنَعَ " الرب " الْأَرْضَ,,, كُنْتُ عِنْدَهُ صَانِعاً normal " أمثال 8 :12-31 " . فهذه الآيات، وإن كانت بها بعض المعاني المجازية، إلا أنها تدل بكل وضوح، على أن الله لم يكن عاطلاً قبل الخلق بل كان عاملاً.

 

أما عن الاعتراض : لماذا خلق الله العالم في الزمن الذي خلقه فيه، دون غيره من الأزمنة؟ فلا مجال له إطلاقاً. لأن الزمن ليس له وجود في ذاته، وهو لا يوجد إلا إذا وُجدت الأشياء وحدثت. فالزمن كما قال أغسطينوس لم يكن موجوداً قبل الخَلْق، بل وُجد بحدوث الخلق، ولذلك فخلق الله للعالم من اللاشيء ليست فيه مفاضلة بين زمنين. كما أن التساؤل : لماذا كان العالم حادثاً والله قد أراد وجوده أزلاً؟ وما يريده الله أزلاً يعمله أزلاً، لأنه ليس هناك ما يمنعه من عمل ما يريد، بمجرد ما يريد ليس له مجال على الإطلاق، طالما أن حدوث العالم لم يغيّر شيئاً في ذات الله، إذ من البديهي أنه وإن كانت الأوقات والظروف هي واحدة بالنسبة إليه دائماً أبداً، إلا أنه لا يقوم بأي عمل من أعماله إلا بكل حكمة وفطنة، وذلك لخير خليقته التي تتأثر بالأوقات والظروف.

 

حجة الفلاسفة " 2 " : قال أفلوطين : الواحد لا تصدر عنه أعماله بالإرادة بل بالضرورة. وما يصدر عن الواحد صدوراً ضرورياً، هو مثل ذاته. فالعالم أما أن يكون أزلياً، أو يكون مثل ذات الله. ولما انتفى أن يكون مثل ذاته، لذلك يكون أزلياً .

 

وقال الكسندر أوف هاليس : الواحد لا يصدر عنه إلا واحد فحسب. وبما أن العالم متعدد، إذاً فهو لم يصدر عن الله، بل إنه أزلي .

 

وقال شلينج : الفلسفة عاجزة عن تفسير خروج الكثرة المتنوعة من الواحد المطلق . فبناءً على منطقه يكون اعتبار العالم أزلياً أقرب إلى العقل من اعتباره مخلوقاً. وقال ابن سينا : الموجود القائم بذاته لا يمكن إلا أن يكون واحداً من كل وجه، والواحد من كل وجه لا يصدر عنه إلا واحد، وإلا تعددت جهات ذلك الواحد بتعدّد ما يصدر عنه . فبناءً على منطق ابن سينا لا يكون العالم قد صدر عن الله، بل يكون أزلياً، لأن العالم متعدد النواحي.

 

الرد عليها : قال القديس أغسطينوس : القول بصدور العالم عن الله صدوراً ضرورياً معناه أن الله يتجزأ، والحال أنه لا يتجزأ. ولذلك فالعالم لم يصدر عن الله صدوراً ضرورياً، بل صدر عنه بإرادة . وقال توما الأكويني : العالم لم يصدر عن الله بالضرورة، لكن صدر عنه باختياره. وما يصدر عنه باختياره لا يشترط فيه أن يكون واحداً . وقالت المعتزلة : الفاعل هو الذي يفعل بقصد واختيار، والقول بقِدَم العالم ينفي الاختيار عن الله . وبما أن الله يتصف بالاختيار، فبناءً على منطق المعتزلة يكون العالم مخلوقاً به.

النقد والحل : لو اعتبرنا وحدانية الله وحدانية مطلقة، لتعذَّر علينا إسناد الإرادة أو الاختيار إليه، لأننا إن قلنا إنه كانت له إرادة أزلاً، أسندنا إليه التركيب من مريد ومُراد، أو افترضنا وجود كائنات أزلية معه كان يريدها أزلاً، إذ لا إرادة مع التركيب أو الكثرة.

 

وقد يقول قائل إن النفس البشرية واحدة، ومع ذلك فهي مريدة بغض النظر عن اتصالها بالإنسان. وللرد على ذلك نقول إن النفس وإن كانت واحدة، لكنها تشتمل على ملكات ومميزات كثيرة " كما ذكرنا في الباب الثاني " . ولذلك فإنها وإن كانت واحدة، إلا أنها مركبة. بينما الله مع وحدانيته لا تركيب فيه على الإطلاق.

 

وإن قلنا إن الله اتصف بالإرادة في الزمان، أسندنا إليه التطوّر والتغيّر، إذ يكون قد صار مريداً بعد أن كان غير مريد. وهذا ما يتعارض مع ثباته وعدم تعرضه للتطور والتغير. لكن إذا نظرنا إلى وحدانية الله كوحدانية جامعة مانعة، اتضح لنا أنه من البديهي أن يكون متصفاً بالإرادة منذ الأزل، لأن الإرادة تلازم هذه الوحدانية، وتبعاً لذلك لا يكون العالم قد صدر منه بالانبثاق أو الضرورة، كما يقول بعض الفلاسفة، أو وُجد من تلقاء ذاته أزلاً، كما يقول البعض الآخر، لأن المادة لخلّوها من العقل لا توجد من تلقاء ذاتها، بل لابد لها من موجد. وهذا الموجد لا يمكن أن يكون مادة مثلها، لأن المادة لا تخلق مادة أخرى من تلقاء ذاتها. فيكون العالم قد خُلق حقاً بإرادة الله واختياره، وبذلك تسقط حجة المعترضين من أساسها.

 

حجة الفلاسفة " 3 " : قال ابن سينا ما ملخصه : القول بحدوث العالم يؤدي إلى استكمال الله بالغير. واستكمال الله بالغير يؤدي إلى وجود نقص فيه، والنقص بالنسبة لله محال. ولذلك يكون العالم أزلياً .

 

النقد والحل : لم يتعرض أحد من القائلين بخلق العالم لمواجهة هذا الاعتراض برد قاطع، لأنهم يعتقدون " على اختلاف الأديان التي ينتمون إليها " أن الله خلق العالم ليُظهر ذاته، أو يستثمر صفاته، أو ليصير معروفاً عند غيره. وكل هذه الأغراض إن صحّت، أدت " والعياذ بالله " إلى وجود نقصٍ فيه، وإلى رغبته في استكمال هذا النقص بالغير " كما قال ابن سينا " . وهذا ما لا يتناسب مع كماله واستغنائه بذاته عن كل شيء سواها.

 

لكن إذا نظرنا إلى وحدانية الله كوحدانية جامعة مانعة، اختفى كل مجال للظن بأن الله قد خلق العالم ليظهر ذاته أو صفاته، لأنه على أساس هذه الوحدانية تكون ذاته متعيّنة بتعيّن واضح، وتكون صفاته عاملة أزلاً بينه وبين ذاته إلى درجة الكمال، وبذلك لا يكون خَلْقه للعالم وسيلةً لإعلان ذاته أو صفاته، بل يكون نتيجة طبيعية لعمل صفاته الأزلي بينه وبين ذاته.

 

حجة الفلاسفة " 4 " :قال ابن سينا ما ملخصه : القول بخلق العالم يؤدي إلى دخول الله في علاقة بعد أن لم تكن له علاقة. وبما أن الله لايطرأ عليه تغيير ما، يكون العالم أزلياً .

 

الرد عليها : قال جيوم دوفري : حدوث العالم لا يغيّر شيئاً في ذات الله، لأن العالم صادر عن الله بإرادة قديمة . وقالت المعتزلة والأشاعرة : الله خلق العالم بإرادة قديمة . فبناءً على رأيهم تكون لله علاقة قديمة بالعالم، وبذلك لا يكون بخلقه إياه قد دخل في علاقة جديدة.

 

النقد والحل : لو كانت وحدانية الله مطلقة لما كانت له في ذاته إرادة أو علاقة، لأن وجودهما لا يتناسب مع ما لهذه الوحدانية من خصائص، ولكان خلقه للعالم قد عرّضه تبعاً لذلك للتغيّر والتطوّر، إذ يكون قد أصبح مريداً بعد أن كان غير مريد، وذا علاقة بعد أن كان بغير علاقة، الأمر الذي يتعارض مع ثباته. ولذلك فالرد المذكور لا يدحض حجة المعترضين.

لكن إذا نظرنا لوحدانية الله كوحدانية جامعة مانعة، اتضح لنا أنه من البديهي أن تكون بينه وبين ذاته علاقات خاصة منذ الأزل، وأن يكون متّصفاً بالإرادة منذ الأزل أيضاً. فقد اتضح لنا أنه من البديهي أن يكون بهذه الإرادة قد قصد أن يخلق العالم منذ الأزل كذلك " لأن كل أعماله معروفة لديه أزلاً " . وبناءً على ذلك تكون له علاقة مع العالم منذ الأزل، بجانب العلاقات الخاصة الكائنة بينه وبين ذاته أزلاً. ولذلك لا يكون بخلقه للعالم قد دخل في علاقة لم تكن موجودة في ذاته من قبل، كما يقول المعترضون.

 

حجة الفلاسفة " 5 " : قال أرسطو : إذا أحدث الله العالم، فإنما يُحدثه ليبقَى هو كما كان، أو يُحدثه لما هو أفضل، أو يُحدثه لما هو مفضول. وكل هذه أغراض بعيدة عما يُتصوَّر في حق الله، ولذلك يكون العالم أزلياً . وقال ابن سينا بهذا المعنى تقريباً : الفاعل لا يأتي عملاً إلا لفائدته الشخصية، أو لفائدة تعود على غيره، أو لأن الفعل حسن في ذاته. لكن الغرضين الثاني والثالث لا يدفعان وحدهما الفاعل على العمل إلا إذا كانت له مصلحة خاصة. وبما أن هذا الغرض لا يليق بالله، يكون العالم أزلياً .

 

النقد والحل : لم أعثر بردٍّ قاطع على هذا الاعتراض فيما قرأته من آراء الذين يريدون التوفيق بين خلق الله للعالم، واعتبار وحدانيته وحدانية مطلقة. وطبعاً يرجع السبب في ذلك إلى أنه لو كانت وحدانية الله مطلقة لما كان له غرض من خلق العالم سوى الحصول على فائدة خاصة، مثل إظهار قوته وسلطانه، أو على الأقل إعلان ذاته وصفاته. ولما كانت هذه الأغراض لا تليق بكمال الله المطلق واستغنائه بذاته، لذلك يجب أن نعتبر العالم أزلياً، كما قال الفلاسفة، لأن هذا يكون أقرب للصواب، أو بالحري إلى كمال الله، من اعتباره في حاجة لشيء من الأشياء.

 

لكن هل العالم أزلي؟

 

الجواب : طبعاً لا، فالأدلة الدينية والمنطقية والعلمية تثبت جميعاً أن العالم مخلوق، لأن الأزلي غير مركب ولا يتحيَّز بمكان، ولا يتغيَّر، ولا ينقرض، بينما العالم مركب، ومتحيز ومتغير ومعرض للانقراض. فقال الإنجيل إن الأجرام السماوية تنحل ملتهبة، والعناصر تذوب محترقة " 2بطرس 3 :12 " . وقال العلماء : إن الشمس تحترق ببطء والنجوم تتضاءل وكل حرارة في الكون مصيرها إلى الإشعاع، وإن الكون على الإجمال يتقدم نحو الانحلال أو الاحتراق. وماله نهاية له حتماً بداية، أو بتعبير آخر لا يكون أزلياً، بل مخلوقاً. فضلاً عن ذلك فقد أجمع أشهر العلماء " كما ذكرنا في الباب الأول " على أن العالم مخلوق. وقد ذهب رجال الجيولوجيا إلى أن العالم وُجد منذ 2 بليون سنة. ونحن لا نكذّبهم في تقديرهم، لأن الكتاب المقدس وإن كان لم يعلن لنا التاريخ الذي خُلق فيه العالم، لكن يُستنتج منه أن هذا التاريخ أبعد من أن تستطيع عقولنا إدراكه، فقد قال : فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللّهُ السَّمَاوَاتِ وَا لْأَرْضَ " تكوين 1 :1 " .

 

أما الدعوى بأنه لو كانت المادة حادثة لاحتاجت لمادة قبلها توجَد منها، كما قال ابن سينا وابن رُشد وغيرهما، فلا نصيب لها من الصحة، لأن هذه الدعوى تؤدي إلى التسلسل إلى ما لا نهاية له، والحال أنه يجب أن ننتهي إلى علة أولى هي أصل جميع الأشياء، يجب أن تكون عقلاً لا مادة، لأن المادة لا تعمل شيئاً من تلقاء ذاتها، أما العقل الذي لا حدّ لقدرته فيستطيع أن يعمل كل شيء بدونها.

 

ويواجهنا سؤال آخر :

كيف يكون العالم مخلوقاً، ولا يتعارض خلقه مع عدم حاجة الله لشيء من الأشياء؟

الجواب : إذا نظرنا لوحدانية الله كوحدانية جامعة مانعة، اتضح لنا أنه من البديهي أن يكون منذ الأزل متصفاً بصفات مثل المحبة والإرادة والقدرة، وأن تكون هذه الصفات ليست في حالة السكون بل في حالة العمل، وعملها هذا لا يمكن أن يُخفَى، بل لابد أن يظهر ويتجلى. ولذلك كان من البديهي أن يخلق وأن يعتني بما يخلق. وخلقه في هذه الحالة لا يكون من باب العبث أو الرغبة في إعلان ذاته، أو إضافة مجد جديد لمجده الأزلي، أو الإقلال من مجده هذا " كما يتصور المعترضون في حقه " بل يكون نتيجة طبيعية لعمل صفاته أزلاً. وبذلك تسقط حجتهم هذه كما سقطت غيرها من الحجج.

 

مما تقدم يتبيّن لنا أن الاعتقاد بأن وحدانية الله مجردة أو مطلقة، يؤدي لاعتبار العالم أزلياً مع الله، أو اعتبار العالم والله شيئاً واحداً، أو يؤدي لحدوث تغيّر وتطوّر في الله عند قيامه بخلق العالم. أما الاعتقاد بأن وحدانية الله جامعة مانعة، فيدل على أن الله خلق العالم دون أن يتعرض سبحانه للتغيّر أو التطور.

 

الفصل الثالث

مشكلة كيفية تكّون العالم

 

أولا آراء الفلاسفة فيها:

 

يقول الكتاب المقدس إن العالم تكوّن فقط بأمر الله، دون أن يستلزم ذلك حدوث تطور فيه، أو وجود وسطاء معه يساعدونه على تكوينه. لكن الفلاسفة الذين يعتبرون وحدانية الله وحدانية مطلقة، لا يؤمنون بهذه الحقيقة، ويذهبون في كيفية تكوين العالم مذاهب شتى. وفيما يلي أهم آرائهم في هذا الموضوع :

 

1- فلاسفة اليونان :

 

قال أفلاطون : الله أزلي أبدي، وهو منزّه عن الحركة تنزيهاً مطلقاً، وكان معه في الأزل كائن يدعى الديمورج " أي الصانع " ، هو صورة الخير " أو صورة الله " ، والنموذج الحي بذاته والحاوي لجميع المُثل. فكان من الطبيعي أن يتأمل الله فيه، لأنه تعالى خيِّر. وكان من الطبيعي أن يريد بعد ذلك صنع عالمٍ خَيِّرٍ على مثاله. فأثّر الديمورج في عالم الحس تأثيراً متوافقاً مع الخير الأعلى، وحوّله إلى النظام الذي تسمح به طبيعته. وأول ما ظهر من تأثير الديمورج، هو نفس العالم، ثم ظهر بعد ذلك جسمه . " و المُثل في نظر أفلاطون هي ماهيات الكائنات والوجود الحقيقي لها " .

 

ويقول بعض الشراح إن أفلاطون اعتقد أن الله كان يتأمل في ذاته. ويقول البعض الآخر إنه اعتقد أن الله كان يتأمل في صورة الخير. ويرجع السبب في هذا الاختلاف بينهم لعدم معرفتهم بوجهة نظر أفلاطون في الديمورج معرفة دقيقة. فقال فريق منهم إنه وضع الله فوق الديمورج، وقال فريق ثان إنه اعتبر الديمورج والله شيئاً واحداً، وقال فريق ثالث إنه اعتبر الديمورج صورة الله، أو الله خارجاً من عزلته.

 

وقال أفلوطين : الله لم يخلق العالم مباشرة، لأن الخلق عمل، والعمل يستدعي التغيّر، والله لا يتغيّر. بل إن تفكير الله في ذاته نشأ عنه فيض، وتكوَّن العالم من الفيض. وأول شيء انبثق من الله هو العقل، ومن العقل انبثقت نفس العالم، أو النفس الأولى، ومن هذه النفس انبثقت النفوس الجزئية أي النفوس البشرية وغيرها .

 

2- فلاسفة اليهود :

 

قال فيلون : الله لعدم تنزله للاتصال بالمادة لم يخلق العالم مباشرة، بل أوجد وسطاء ليقوموا بالخلق. والوسيط الأول هو اللوغوس أو الكلمة أو العقل .

 

و اللوغوس كلمة يونانية يُراد بها في الأصل القوة العاقلة التي تمد الكون بالحياة وتدبر كل أموره، أو العقل الإلهي الظاهر أثره في الكون. وقد تُرجمت إلى اللغة العربية الكلمة ، وتُرجمت إلى اللغات الأخرى بما يتفق مع معنى هذا اللفظ تماماً. وربما يرجع السبب في ذلك إلى أن كلمة الله " كما هو مصطلح عليه عند الناس " هي التي تعبر عن مكنونات الله، وتنفّذ مقاصده.

 

وقال الفيلسوف اليهودي سليمان بن جبيرول : الله منزه عن الاتصال بالعالم، ولذلك كان لابد من وجود وسيط بينه وبين العالم. وهذا الوسيط هو المشيئة الإلهية .

 

ولقد أحسن هذا الفيلسوف في عدم افتراضه وجود وسطاء بين الله وبين العالم، لكنه أسند إلى الله المشيئة. وإسناد المشيئة إليه لا يتفق مع اعتبار وحدانيته وحدانية مطلقة. كما أنه جعل الله شيئاً ومشيئته شيئاً آخر، فأسند بذلك الثنائية إليه. وهذا ما لا يتفق أيضاً مع اعتبار وحدانيته وحدانية مطلقة.

 

3- فلاسفة المسيحيين :

 

قال رافيسون موليان : الجزء المادي من الكون هو نتاج ثانوي لله، تولّد عن انتشار الروح الإلهية وانقسامها . وقال ألبرت : الله أوجد العقل بالصدور أو الانبثاق، والعقل عاون الله على إيجاد سائر العقول . وقال جون سكوت : الخلق من لا شيء معناه أن الله يخلق من كماله غير المدرَك، الذي هو في ذاته لم يكن شيئاً معيّناً. فهو إذ خلق الخليقة، يخلق ذاته من ذاته على نحو خفي يفوق التصور والتعبير، فيجعل ذاته منظوراً وهو غير المنظور، ويجعل ذاته مدركاً وهو غير المدرَك، ويتخذ لذاته ماهية وطبيعة وهو يفوق الماهية والطبيعة، ويصير عالماً مخلوقاً، وهو خالق العالم . ولذلك اتُّهم سكوت أنه من القائلين بوحدة الوجود، ولكنه برئ من هذا الاتهام، فقد كان من العلماء المتمسكين بأصول الدين. إنما اعتقاده بأن وحدانية الله هي وحدانية مطلقة هو الذي جعله ينفي عن الله التعيّن أزلاً.

 

وقال فكتور كوزان : الله يستخرج الكون من ذاته بتطور إرادي، كما يستخرج الإنسان من نفسه فعله الإرادي . فجعل العالم هو الله متطوراً.

 

4 - فلاسفة المسلمين :

 

قال أبو هذيل العلاف : إرادة الله في الخلق ليست أزلية، بل إن كلمة " كن " أو " التكوين " التي تعبر عن الإرادة الإلهية هي حادثة لا في محل. والإرادة تغاير المريد والمراد. وعلى هذا، فكلمة " التكوين " هي في المكان الوسط بين الخالق الأزلي والعالم المخلوق الحادث . وقال إخوان الصفا : العالم كله صادر عن الله. ومراتب الصدور هي " أ " العقل الفعال " ب " العقل المنفعل " ج " الهيولي الأولي " د " الطبيعة الفاعلة " ه " الجسم المطلَق " و " عالم الأفلاك " ز " عناصر العالم السفلي " ح " المعادن والنباتات والحيوانات المكونة من هذه العناصر - وهذه ماهيات ثمان، وهي والله، الذات المطلقة التي هي في كل شيء ومع كل شيء . وقال الإمام الرازي : هناك خمسة مبادئ قديمة هي : الباري تعالى، والنفس الكلية، والهيولي الأولي، والمكان المطلق، والزمان المطلق، وهذه كلها موجودة منذ الأزل لم يسبقها زمان . وقال الفارابي : نشأ عن واجب الوجود العقل الأول، ومن اتصال هذا العقل بواجب الوجود نشأ العقل الثاني، ومن تعقله لذاته نشأت السماء الأولى، ومن اتصال العقل الثاني بواجب الوجود نشأ العقل الثالث، ومن تعقله لذاته نشأت الكواكب الثابتة. وهكذا الحال مع بقية العقول، فقد نشأ عن العقل الثالث العقل الرابع وزحل، وعن العقل الرابع العقل الخامس والمشترى وهلم جراً . وقال ابن سينا : أول الفائضات عن الله هو عقل محض يُدعَى العقل الأول، وباعتباره عقلاً فهو يعقل الله ويعقل ذاته " هو " من حيث هي واجبة وممكنة. فبعقله لله صدر عنه عقل ثان، وبعقله لذاته هو، من حيث هي واجبة، صدر عنه نفس الفلك الأول، ومن حيث هي ممكنة، صدر عنه جسم هذا الفلك وهلم جرا... .

 

ثانياً - الأسباب التي بنوا عليه آراءهم

 

هذه هي آراء الفلاسفة في مشكلة كيفية تكوين العالم، وهي مع تنوّعها وتشعُّبها تتحد معاً في إنكار تكوين الله للعالم بطريق مباشر. ويرجع السبب في ذلك كما أرى إلى أنهم بعد إيمانهم أن الله واحد لا شريك له ولا تركيب فيه، وأنه كامل كل الكمال ولا يتغير أو يتطور على الإطلاق، وجدوا أنفسهم أمام مشكلات عويصة، هي : كيف يدخل من لا شريك له، والمنزّه تبعاً لذلك عن العلاقة بسواه في علاقات مع سواه؟

 

وكيف يتغير الذي لا يتغير فيصبح فاعلاً بعد أن كان غير فاعل؟

 

وكيف تصدر الكثرة عن الله وهو لا تركيب فيه على الإطلاق؟

 

ولذلك اضطر معظم المؤمنين منهم بوجود الله الذاتي، إلى افتراض صدور فيض عنه، أو وجود وسطاء بينه وبين العالم، أو وجود عناصر أزلية معه، أو حدوث تطور داخلي في ذاته، حتى لا يسندوا إليه " حسب وجهة نظرهم " أيشيء يتعارض مع كمال الوحدانية المطلقة التي كانوا يؤمنون أنها الوحدانية المناسبة له. أما الذين لم يستسيغوا هذه الافتراضات، فقد قالوا إن الله هو عين العالم، ليتجنبوا المشكلات الناتجة من اعتبار وحدانية الله وحدانية مجردة أو مطلقة.

 

ثالثاً - الرد على الفلاسفة والحل المناسب للمشكلة :

 

لم يتعرَّض معظم الذين يؤمنون بخلق الله للعالم بطريق مباشر للرد على هؤلاء الفلاسفة بالحجة والبرهان. كل ما فعلوه هو الاستهزاء بهم ورميهم بالجهل واللغو والهذيان، الأمر الذي لا يتناسب مع نزاهة البحث. أما نحن وإن كنا نحاول الرد على الفلاسفة بالحجة والبرهان، فلا نريد أن نتعرض للأدوار التي مرَّ بها العالم، حتى وصل إلى ما هو عليه الآن، لأن هذا البحث خاص بعلماء الفلك والجيولوجيا.

 

فمن رأي جيمز جينز مثلاً، أنه كانت في الكون في أول الأمر غازات متناثرة هنا وهناك، وأنه نظراً لأن جاذبية كل كمية من الغاز تؤثر على الكمية الأخرى، نشأت بين هذه الغازات تيارات متعددة. وقد ترتب على وجود هذه التيارات تكوين كتل غازية بعضها كبير الحجم والبعض الآخر صغيره. ولما كانت قوة الجاذبية عند الكتل الكبيرة عظيمة وعند الكتل الصغيرة ضعيفة، أخذت الأولى تجتذب الثانية إليها شيئاً فشيئاً، وبذلك تلاشت الكتل الصغيرة ولم تبق إلا الكتل الكبيرة. وبتأثير التيارات أخذت هذه الكتل " أو السدائم " في الدوران، وأخذت تبعاً لذلك في التكاثف شيئاً فشيئاً. وما تكاثف منها انفصل عنها وكوّن النجوم العظيمة. ومن بين هذه النجوم الشمس التي تضيء علينا. وبدوران الشمس انفصلت عنها الأرض وبعض الكواكب الأخرى. وكانت الأرض في أول الأمر كتلة من غازات ملتهبة لا شكل معين لها. ولكن بمرور الزمن بردت وتكاثفت ثم تكوّنت على سطحها قشرة أخذت في الصلابة يوماً بعد يوم. وبعد ذلك ظهرت الحياة عليها تدريجياً " النجوم ومسالكها ص 141-143 " . ويتفق معه العلماء العصريون على تحوّل الأرض من الحالة الغازية إلى الصلبة، ولكن لا يتفق معه بعضهم على انفصال الأرض من الشمس، لأنهم يرون أن الأرض تكونت بالاستقلال عن الشمس، لأسباب لا يتسع لنا المجال للتحدث عنها الآن.

 

ولذلك سنقصر ردنا على الناحية الإلهية الفوقطبيعية أو الميتافيزيقية، لنعرف فقط " 1 " هل صنع الله العالم من عناصر أزلية، أم كوَّنه من لا شيء؟ " 2 " وهل في تكوينه إياه أخرجه من ذاته، أم أبدعه من العدم إبداعاً؟ " 3 " وهل تعرض تعالى للتغيّر بسبب تكوينه إياه، أم لم يتعرض؟ " 4 " وهل خلق وسطاء ليعاونوه على تكوينه أم لم يخلق؟ " 5 " وهل كان معه كائن أزلي قام بتكوينه أم لم يكن؟ ولذلك نقول :

 

1 - لا نستطيع أن نسلّم بوجود مواد أزلية صنع الله العالم منها، لأن المادة لخلوّها من العقل لا توجد من تلقاء ذاتها، بل لا بد لها من موجد. وهذا الموجد لا يمكن أن يكون مادة مثلها، لأن المادة لا تأتي بمادة أخرى من تلقاء ذاتها، بل لا بد أن يكون الموجد عقلاً لا حدَّ لقدرته، لأن مثل هذا العقل يمكن أن يكون قائماً بذاته، ويمكن أن يكوِّن شيئاً من لا شيء.

 

2 - ولا نستطيع أن نسلم بأن الكون انبثق من الله، لأن هذا يؤدي إلى افتراض وجود تركيب فيه. ولا نستطيع أن نسلّم بأن كلمة أو روحاً أو عقلاً أو نوراً أو صفة قد انبثقت منه وقامت بتكوين العالم، لأن هذا يؤدي إلى حدوث تفكك في الله، وهو غير قابل للتفكك، إذ أنه لا تركيب فيه بأي وجه من الوجوه.

 

3 - ولا نستطيع أن نسلم بأن الله في سبيل تكوين العالم قد تطور، فأصبح معيّناً ومدرَكاً وذا ماهية، بعد أن كان غير معيّن أو مدرَك أو ذا ماهية، لأنه كامل كل الكمال، ولا يتعرض للتطور أو التغير بأي حال من الأحوال.

 

4 - ولا نستطيع أن نسلم بأنه خلق وسطاء ليقوموا بتكوين العالم أو يعاونوه على تكوينه، لأن تصرفاً مثل هذا يتعارض مع قدرته الذاتية على القيام بكل شيء بمفرده، كما يتعارض أيضاً مع حكمته ومقامه الخاص. لأنه ما دامت له القدرة على الخلق فليس من الحكمة أن يخلق كائناً آخر ليخلق العالم، بل يخلقه مباشرة. ولو أن كائناً غيره قام بهذه المهمة لكانت لذلك الكائن السلطة المباشرة على العالم، لأنه يكون خالقه والمعتني به، ولكان من الواجب على الناس أن يقدموا له العبادة والإكرام بوصفه خالقهم والمعتني بهم. والحال أن الله وحده هو الذي له السيادة المباشرة، وهو وحده الذي له الإكرام والعبادة.

 

5 - وأخيراً لا نستطيع أن نسلم بأنه كان لديه كائن أزلي قام بتكوين العالم، لأنه لا شريك له على الإطلاق.

 

لكن إذا نظرنا إلى وحدانية الله كوحدانية جامعة مانعة أدركنا أنه بسبب هذه الوحدانية يكون له تعيّن أزلي وصفات أزلية، وتكون هذه الصفات ليس بالقوة بل بالفعل أزلاً، وأنه بسبب عملها أزلاً تكون لديه أزلاً صورة كاملة لكل عمل من أعماله وللعالم من كل ناحية من النواحي، وتبعاً لذلك تكون له علاقة أزلية مع العالم، ويكون بتكوينه إياه وفق مشيئته لم ينتقل من لا تعيّن إلى تعيّن، أو من سكون إلى عمل، ولا يكون قد دخل في علاقة لم يكن لها وجود في ذاته من قبل، بل يكون تكوينه إياه قد جاء نتيجة طبيعية متوافقة كل التوافق مع ذاته، وما بها من خصائص أزلية.

 

الفصل الرابع

مشكلة علاقة الله بالعالم

 

أولاً - آراء الفلاسفة فيها :

 

من الأمور المسلَّم بها لدى المؤمنين، أن لله علاقة خاصة مع جميع الكائنات العاقلة على الأقل، لأنه لولا ذلك لما كان لها أمل في التمتع به، ولما كانت مسئولة أمامه عن أي عمل من أعمالها، ولكان وجوده وعدمه سيان بالنسبة لها تبعاً لذلك.

 

وقد شهد بهذه الحقيقة كثير من الفلاسفة العارفين بالله، فقال بسكال : الإنسان يعتبر الله كالوثن لو أنه حصره في جعله إياه موضوعاً للمعرفة فحسب، ولم يحتفظ له بعمله الجوهري الخاص بتبادله العلاقات معنا . وقال وليم جيمز : الإله الذي نقبل منه المدد والعزاء ليس إلهاً مفارقاً، لأن الإله المفارق لا يدخل في علاقة مع الإنسان .

 

لكن الفلاسفة الذي اعتبروا وحدانية الله وحدانية مطلقة، نفوا وجود أي علاقة بينه وبين العالم، بحجة أن وجودها لا يتناسب مع ما يجب لهذه الوحدانية من تنزيه تام. وفيما يلي أشهر آرائهم وأهمها.

 

1- فلاسفة اليونان :

 

قال أرسطو : الله لا يفكر إلا في ذاته ولا يتأمل إلا فيها، فهو العقل والعاقل والمعقول، ولذلك فإنه لا يعلم العالم ولا يُعنَى به، وليست له إرادة في حركاته، بل إن العالم هو الذي يسعى إليه سعياً آلياً، منشؤه الاستعداد الطبيعي الموجود في أجزاء مادته، وشوقها القاهر الذي يدفعها من القوة إلى الفعل . وقال دامسيوس : يجب وضع المبدأ الأول فوق كل شيء وخارج كل شيء " أي فصله عما سواه فصلاً تاماً " ، لأنه نوع من الحرية المطلقة والقدرة غير المحدودة . وقال الغنوسيون : الله أسمى من أن يتصل بالعالم، ولذلك خلق وسطاء من الملائكة ليتصلوا به ويعنوا بأمره، وأقرب هؤلاء الملائكة إلى الله هو اللوغوس . وقد ظهر الغنوسيون في القرن الثاني للميلاد، إلا أن آراءهم هذه كانت موجودة في النصف الأخير من القرن الأول، وكان بولس الرسول يحذر المؤمنين منها تحذيراً شديداً. فقال لهم مرة : لَا يُخَسِّرْكُمْ أَحَدٌ الْجِعَالَةَ " أي المكافأة " رَاغِباً فِي التَّوَاضُعِ وَعِبَادَةِ الْمَلَائِكَةِ " كولوسي 2 :18 " . وطبعاً لا يقصد بالتواضع هنا صفة الوداعة المحمودة، بل رَفْض حقيقة علاقة الله المباشرة بالعالم، بدعوى أنها لا تليق بمجده تعالى. وهذا التواضع ولا شك، هو تواضع خبيث، لأنه عوضاً عن أن يقود الإنسان إلى تعظيم الله لاتصاله بالعالم مباشرة، يدفعه إلى الابتعاد عنه تعالى، والالتجاء إلى الملائكة دونه.

 

2 - فلاسفة اليهود :

 

قال فيلون : الله لا يتصل بالعالم ولا يُعنَى به مباشرة، بل بواسطة وسطاء، فالوسيط الأول هو اللوغوس أو الكلمة أو العقل أو ابن الله. وبهذا الوسيط خلق الله العالم ويُعنَى به، وبواسطته أيضاً يمكننا الاتصال بالله ومعرفة أفكاره. والوسيط الثاني هو الحكمة التي تدير العالم وتقوده إلى اللوغوس، أما الوسيط الآخير فهو آدم، الذي وُلد منه البشر جميعاً . وقال سليمان بن جبيرول : الله منزه عن الاتصال بالعالم تنزيهاً تاماً .

 

3 - فلاسفة المسيحيين :

 

قال نقولادي كوسا : اللاهوت سالب وليس بموجب . وقال توماس هوبس : الله لا يتصف بالإرادة . ولذلك فحسب اعتقادهما لا تكون لله ذاتية، وبالتالي لا تكون له علاقة بالعالم.

 

4- فلاسفة المسلمين :

 

قال ابن سينا : الله لا يعلم إلا الكليات فأبطل بذلك علمه بالأفراد وعنايته بهم. فالله، في نظر ابن سينا، لا يعلم " مثلاً " أن فلاناً بعينه وُلد في يوم كذا، أو فكر في موضوع كذا، أو مات يوم كذا، أو كان مؤمناً أو كافراً. وقال ابن رشد : الله لا يعلم الكليات ولا يحيط بالجزئيات، لأن الذات الإلهية منزهة عن كليهما . وقال معمر : الله لا يعلم ذاته ولا يعلم غيره، لأن هذا يؤدي إلى التعدد في ذاته .

 

ثانيا حجج الفلاسفة وضعف الردود عليها:

 

لم يلقِ الفلاسفة السابق ذكرهم آراءهم في هذا الموضوع جزافاً، بل أيدوها بحجج كثيرة. وقد حاول الذين يؤمنون بوجود علاقة لله مع العالم تفنيد هذه الحجج بإثبات عدم تعارض هذه العلاقة مع اعتبار وحدانية الله وحدانية مطلقة أو مجردة، لكنهم لم يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً، كما يتضح مما يلي :

 

حجة الفلاسفة " 1 " : قال أرسطو : لا يتفق مع المنطق أن يكون موضوع العلم الإلهي هو عالمنا هذا لأنه ناقص، ويجب تنزيه الله عن إدراك الناقص، ولذلك فهو لا يفكر في العالم بل يفكر في ذاته وحدها .

 

الرد عليها : قال أفلوطين : كيف يصحّ تدبير العالم من متحيّز في نفسه؟ وإن كانت لا علاقة لله بالعالم، فكيف أوجده " أو بالحري حركه " في بدء نشأته؟ وكيف يبقى العالم إذا لم يكن للمبدأ الأول يد في تدبيره؟ ألا يجعل أرسطو الله والعالم منفصلين، ولا حاجة لأحدهما بالآخر . ذلك لأن أرسطو كان يعتقد أن الله لم يخلق العالم، بل حركه فحسب.

 

النقد : لقد أحسن أفلوطين في دفاعه عن علاقة الله مع العالم، لكن ما رأيه هو في هذه العلاقة؟

الجواب : إنه يعتقد كما مرَّ بنا، أن العقل انبثق من الله، ومن العقلانبثقت نفس العالم، ومن نفس العالم انبثقت نفوس البشر. فهو يعتقد بوجود علاقة لله معنا، لكن يفترض وجود وسيطين بينه وبيننا، وهما العقل ونفس العالم. وافتراض وجود وسطاء بين الله وبيننا لا يتفق مع الحق، لأن وجودهم يحدّ من محبة الله لنا وعلاقته بنا، لأن المحبة الصادقة لابد أن يتوافر فيها عنصر الصلة المباشرة. ولا حدَّ لمحبة الله لنا وعلاقته بنا. كما لا يفصلنا عن الاتصال المباشر به شيء، لأنه مصدر حياتنا وسلامنا وسعادتنا.

 

فيجدر بنا أن نتساءل : لماذا افترض أفلوطين وجود وسطاء بين الله وبيننا؟

 

الجواب : لا شك أنه رأى أن وجود علاقة مباشرة لله معنا لا يتفق مع اعتبار وحدانيته وحدانية مطلقة أو مجردة. لماذا؟ الجواب : طبعاً لأن هذه الوحدانية أو تلك ليست لها علاقة بينها وبين ذاتها أصلاً، ولذلك لا تقوم لها علاقة بينها وبين غيرها دون أن تتعرض للتطور والتغير، والله لا يتطور ولا يتغير.

 

حجة الفلاسفة " 2 " : قال ابن سينا : العلم بالجزئيات " أو بتعبير آخر بالأفراد " يقتضي التحيّز، والله لا يتحيّز .

 

الرد عليها : قال ابن ميمون : الله لا يعلم الجزئيات من قِبَلها حتى يقع التحيز، بل إن تلك الجزئيات تابعة لعلمه المتقدم المقرر لها أزلاً .

 

النقد : نحن نسلم مبدئياً مع ابن ميمون بأن علم الله بالجزئيات وبالكليات يرجع إلى ما هو مقرر لديه من جهتها أزلاً. ولكن هل يتفق مع كماله أن يكون علمه بها قاصراً على علمه المقرر لها من قِبَله أزلاً، وأنه لا يعلم شيئاً عنها في الزمان؟ وإذا كان لا مفر من الإجابة بأنه يعلمها بعلمه المقرر لها أزلاً، ويعلمها أيضاً من قِبَلها عند حدوثها في الزمان، فقد سقطت حجة ابن ميمون وثبتت حجة ابن سينا. فضلاً عن ذلك، فإن إسناد ابن ميمون العلم بالأشياء إلى الله أزلاً يقتضي وجود صورها لديه أزلاً، كما يقتضي وجود صفاته بالفعل أزلاً أيضاً، وهذا ما يتعارض مع خصائص الوحدانية المطلقة.

 

حجة الفلاسفة " 3 " : قال ابن سينا : كل إدراك جزئي يتطلب وجود آلة جسمانية، وتعالى الله عن أن يستخدم آلة جسمانية . وبناءً على رأي ابن سينا، لا يدرك الله الجزئيات.

 

الرد عليها : قال بعض الفلاسفة : ليس من الضروري أن يكون علم الله بالجزئيات متوقفاً على آلات، فلديه تعالى وسائل أخرى غير الآلات، يستولى بواسطتها على الجزئيات .

 

النقد : لو اعتبرنا وحدانية الله مطلقة لتعذَّر علينا التسليم بوجود أية وسيلة لديه، في الأزل أو غير الأزل سوى ذاته. وذاته هذه تكون عاطلة أو غير عاملة، ولذلك لا تكون لها علاقة بنفسها أو غير نفسها، لأنه تعالى بجانب تفرُّده بالأزلية وعدم وجود تركيب فيه، لا يتغير ولا يكتسب لنفسه شيئاً على الإطلاق، ولذلك فهذا الرد لا يدحض حجة ابن سينا، ويخلق أيضاً لنا مشكلة مبهمة، لا قِبَل لنا على تصّورها.

 

حجة الفلاسفة " 4 " : قال ابن سينا : الله لا يعلم الجزئيات قبل وجودها ولا بعد وجودها، لأن علمه بها يتطلب وجود كثرة في ذاته . وقال معمر : علم الله بالغير يؤدي إلى التعدد في ذاته، ولذلك فهو يتنزه عن العلم بأي شيء من الأشياء .

 

الرد عليها : قال علماء المعتزلة : العلم إضافة، وكثرة الإضافات لا تؤدي إلى كثرة في الذات .

النقد : إن إضافة شيء إلى الله، وإن كانت لا تؤدي إلى وجود كثرة في ذاته، لكنها تدل على أنه اكتسب شيئاً جديداً، وهذا لا يتفق مع ثباته وعدم قابليته للزيادة أو النقصان، ولذلك فهذا الرد لا يدحض حجة ابن سينا.

 

حجة الفلاسفة " 5 " : قال ابن سينا : المعلومات الجزئية متعاقبة، وتعاقُبها يستلزم تغيّرها، وتغيّر المعلوم يقتضي تغيّر العلم به، وتغير العلم به يقتضي بالضرورة تغيّر العالم. والتغيّر على الباري محال، فعلمه بالجزئيات محال .

 

الرد عليها : قال علماء المعتزلة : تغيّر العلم الناشئ من تغير الجزئيات لا يؤدي إلى التغيّر في ذات الله، لأنه يعلم كل شيء عنها أزلاً .

 

النقد : علم الله بالجزئيات أو الكليات أزلاً يقتضي وجود صورها لديه أزلاً، كما يقتضي وجود صفاته بالفعل أزلاً أيضاً. وهذا ما يتلاءم مع اعتبار وحدانيته مطلقة. فهذا الرد لا يدحض أيضاً حجة ابن سينا.

 

حجة الفلاسفة " 6 " : قال أرسطو : الله لا يعقل الأشياء، لأنه إذا عقلها صار منفعلاً بها، وأدى هذا إلى حدوث تغيّر فيه . وقال ابن سينا بهذا المعنى : العلم هو انطباع المعلوم في ذات العالم. ولما كان الانطباع يستلزم قابلية " أي انفعالاً " في الذات المطبوع فيها، وكانت القابلية " أو الانفعال " هي أولى خصائص الممكنات " الكائنات الحادثة " ، تنّزه الباري عن الاتصاف بها. لذلك وجب الجزم بتنزيه الباري عن العلم بالجزئيات .

 

الرد عليها : قال بعض الفلاسفة : التعريف الصحيح للعلم، كما قال أوكليد الميجاري، هو استيلاء العالِم على المعلوم . وعلى هذا الاعتبار لا يؤدي علم الله بالأشياء لحدوث تغيير فيه.

النقد : إذا اعتبرنا أن العلم هو استيلاء العالِم على المعلوم، فعلم الله بالكائنات يكون معناه استيلاءه على مدلولاتها، وهذا يتطلب وجود صفاته بالفعل، وهذا لا يتفق مع اعتبار وحدانيته وحدانية مطلقة، إلا إذا تعرّض تعالى للتطوّر والتغيّر. وبما أن الله لا يتطور ولا يتغير، إذاً فهذا الرأي لا يدحض أيضاً حجة ابن سينا .

 

حجة الفلاسفة " 7 " : قال ابن سينا : الله لا يعلم العالم " أي الكائنات التي فيه " عن طريق العالم، بل يعلمه عن طريق علمه بذاته هو. وهذا العلم أزلي وغير مرتبط بالزمان . وبناءً على قوله لا تكون لله علاقة بالعالم في الزمان.

 

النقد : اتفق معظم علماء الدين الذين يقولون بوجود علاقة لله مع العالم، مع ابن سينا، على أن الله يعلم العالم عن طريق علمه بذاته أزلاً، ومع ذلك يرون أن علمه بالعالم في الزمان لا يتعارض مع اعتبار وحدانيته مطلقة.

 

لكن هل عِلم الله بذاته أزلاً يتفق مع اعتبار وحدانيته وحدانية مطلقة؟

 

الجواب : طبعاً كلا، لأن العلم يتطلب التقوم من عالم ومعلوم، وقد شهد كثير من العلماء بهذه الحقيقة، فقال وليم جيمز : المعرفة فيها ثنائية تميز بين العقل والمعقول، أو العلم والمعلوم . وقال وورد : الإدراك أثينية في وحدة . وقال جنتيل : للإدراك ناحيتان . وقال هيوم : المعرفة مجموعة إدراكات، والإدراكات منها انفعالات ومنها معانٍ، ومنها علاقات . وقال أنطون كورنو : المعرفة لا تقع إلا على نسب أو علاقات . وقال سادلر : العقل طبيعة مزدوجة . وقال شلينج : المعرفة لا تقوم لها قائمة إلا بوجود اثنين، هما الذات واللاذات، أو الأنا وغيرها . ويقصد هؤلاء العلماء بالعقل هنا العقل الإنساني، كما يقصدون بالمعرفة المعرفة الإنسانية. لكن إذا نظرنا إلى الله أيضاً كعقل كامل يعقل ذاته ويعرفها، وجدنا أن هذا العمل وحده يدل كذلك على أن وحدانيته ليست وحدانية مجردة أو مطلقة، لأن عقله لذاته أو معرفته بها، يدل على وجود علاقات خاصة بينه وبين ذاته، ولا يمكن أن تكون بينه وبين ذاته مثل هذه العلاقات، ما لم تكن وحدانيته وحدانية جامعة مانعة.

 

ولعل هذا هو السبب الذي دعا معمر وغيره، إلى نفي العلم عن الله نفياً تاماً، بسبب اعتقادهم أن وحدانيته هي وحدانية مطلقة.

 

ثالثا الحل المناسب للمشكلة:

 

إذا اعتبرنا وحدانية الله وحدانية مطلقة، لما كان له علم بنا أو علاقة معنا، بل ولما كان له أيضاً علم بذاته أو علاقة معها، كما قال بعض الفلاسفة. لأنه إذا كانت هذه هي وحدانيته، كان عقلاً مجرداً، والعقل المجرد لا يعي ذاته، لأن هذا العمل يستلزم وجود اثنين : عقل يعقل، وذات تعقل. لكن إذا نظرنا إلى وحدانية الله كوحدانية جامعة مانعة، اتضح لنا أنه من البديهي أن يكون عاقلاً لذاته، وواعياً لها أزلاً، وأن يكون لديه أزلاً أيضاً صورة كاملة لجميع الكائنات التي كان في قصده أن يخلقها، وأنه تبعاً لذلك تكون له بها علاقة أزلاً أيضاً. وقد أشار الكتاب المقدس إلى علاقة الله بالناس أزلاً، وتهيئة كل ما هو لازم لهم قبل تأسيسالعالم " إقرأ مثلاً : أفسس 1 :3-6 " . ولذلك لا يقتضي الأمر في علمه بها وعلاقته معها في الزمان أن يتحيّز بحيّز، أو يتخذ وسيلة من الوسائل، أو يتغير فيصبح فاعلاً ومنفعلاً، أو يمر في أي دور من أدوار التطور، كما يقول هؤلاء الفلاسفة.

 

أما تنزيه الله عن العلاقة بالكائنات بدعوى أنها أقل منه مكانة، فليس في الواقع تنزيهاً له، بل هو تجريد له من الكمال. لأنه من دواعي الكمال أن للخالق علاقة مع خلائقه كبيرها وصغيرها، وأن يعامل كلاً منها بالمعاملة التي يرى أنها تصلح لها. وقد أدرك هذه الحقيقة القديس أغسطينوس حق الإدراك، ولذلك قال : لكل شيء حكمة وغرض. وليس في الوجود شيء يكون في حساب الله تافهاً أو حقيراً .

 

الفصل الخامس

مشكلة ماهية الله

 

الماهية هي ما يكون بها الكائن ذلك الكائن، وإن شئت فقل إنها كنهه أو حقيقته أو جوهره أو كيانه.

 

أولاً - آراء الفلاسفة فيها

 

مرَّ بنا في الباب الأول أنه نظراً لأن لله وجوداً حقيقياً، فهو ذات، أو بتعبير آخر، هو ذو ماهية خاصة به. وقد شهد بهذه الحقيقة أشهر رجال الدين المسلمين المشهورين أيضاً، فمثلاً قال الإمام الغزالي : الله ذات وله صفات قديمة مع ذاته... وله ماهية موجودة، ووجودها مضاف إليها. لأن وجوداً بلا ماهية ولا حقيقة غير معقول " تهافت الفلاسفة ص 166 ، 197 ، 199 " .

 

لكن الفلاسفة الذين اعتبروا وحدانيته وحدانية مطلقة، وجدوا أن الماهية لا تتناسب معه، ولذلك نفوها عنه، كما يتضح مما يلي :

 

1 - فلاسفة اليونان : قال أرسطو : الله صورة الصور وفكرة الفكر أي أنه ليس ذاتاً. وقال أفلوطين : الواحد ليس بماهية بل هو شيء أسمى من الماهية، وليس هو الوجود لأن الوجود له تعين، بل هو فوق الوجود. وهو ليس ذاتاً أو صفة لأنه سابق لكل الصفات. وهو ليس بكائن لأن الكائن كلّ، والكلية تتناقض مع الوحدانية المطلقة. ولذلك لا يمكن أن نعرف عنه شيئاً . وقال ألبينوس : الله ليس خيِّراً وليس شريراً، ولا يتصف بصفة وليس بدون صفات . فالله بناءً على رأي أفلوطين وألبينوس كائن مبهم ليست له ماهية خاصة.

 

2 - فلاسفة اليهود : قال فيلون : الله بعيد كل البعد عن إدراكنا، ولذلك لا نستطيع أن نعلم عنه شيئاً أكثر من اسمه. وليس هناك لفظ يستطيع أن يساير أبديته . وقال ابن ميمون : الله عز وجل واجب الوجود، ولسنا ندرك إلا آنيته لا ماهيته. فسبحان من إذا لاحظت العقول ذاته عاد إدراكها تقصيراً، وإذا لاحظت صدور أفعاله عن إرادته عاد علمها جهلاً، وإذا رامت الألسن تعظيمه بأوصاف عادت كل بلاغة تقصيراً . وقال سبينوزا : اللامتناهي ليس شخصاً مثل إله الديانات، ولذلك ليس له عقل أو إرادة، لأنهما يفترضان الشخصية . وبذلك جعل الله، عين العالم، بسبب اعتقاده أن وحدانية الله مجردة، لأن هذه الوحدانية لا تتميز بمميزات يكون بها صاحبها ذاتاً.

 

3 - فلاسفة المسيحيين : قال نقولا دي كوسا : يجب أن ننفي عن الله كل تعيّن، فلا يبقى لنا شيء نسميه " لأن كل اسم ناشئ عن تفريق وتمييز " ، فاللاهوت إذاً سالب وليس بموجب . وقال توماس هوبس : لفظ اللامتناهي لا يدل على موجود حقيقي . وقال برادلي :الله مطلق منزه عن كل معاني الشخصية، ولا يُنسَب إليه شيء من الخير . وقال هويتهد : ليس الله ذاتاً، ومع ذلك هو أصل كل ما له حقيقة في الوجود . وبذلك نفوا عن الله الوجود الذاتي، بسبب اعتقادهم أن وحدانيته هي وحدانية مجردة أو مطلقة.

 

4 - فلاسفة المسلمين : قال ابن سينا : الله مجرد عن الماهية، لأن الواجب هو في الواقع أنٌّ ووجود فقط . وقال الفارابي : الذات الأحدية " أي ذات الله " لا سبيل إلى إدراكها، وغاية السبيل إليها الاستبصار بأنه لا سبيل إليه تعالى . وقال محيي بن العربي : الله من حيث هو ذات بسيطة منزهة لا يمكن التعبير عن حقيقته. وكل ما يمكن وصفه به، هو سلوب محضة. كما أنه ليس من هذا الوجه إلهاً على الحقيقة . وقال علماء المعتزلة : الله ليس بجوهر أو عرض، ولا بذي اجتماع أو افتراق، ولا بذي حركة أو سكون، ولا تجوز عليه المماسة أو العزلة، لا تراه العيون ولا تدركه الأبصار أي أنه لا تعيّن له أو ماهية. أما السلف فكانوا يقولون : لا تجوز معرفة حقيقة الذات الإلهية عقلاً أو شرعاً . ولذلك كانوا ينصحون الناس بالقول : تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا، لأنه مهما خطر ببالكم عنه، فهو بخلافه .

 

ثانياً - مكانة آرائهم من الصواب :

 

يتضح من الفصول السابقة أن الفلاسفة الذين اعتقدوا أن وحدانية الله مجردة أو مطلقة، قد جعلوه هو والعالم شيئاً واحداً. أما الذين عّز عليهم أن يعتبروا الله والعالم شيئاً واحداً، فقد اكتفوا بجعله بلا ماهية أو كيان. وما كان لنا أن ننتقد الفريق الأخير من الفلاسفة لو أنهم كانوا ينكرون أن الله ذات مثل الفريق الأول، لأن ما ليس بذات لا ماهية له. أما وقد اعترفوا بأن الله ذات ونفوا عنه الماهية فقد حادوا عن أحكام العقل السليم، لأنه لابد لكل ذات من ماهية وإلا لما كانت ذاتاً. ونظراً لتشابه آرائهم نردّ عليها بالإجمال فيما يلي :

 

1 - نتفق مع أفلوطين على أن الله لا يُقاس بالنسبة إلى الجواهر الموجودة في العالم، لكن بقوله إن الله فوق الوجود قد جعله واحداً من اثنين : إما موجوداً أو غير موجود. فإن كان موجوداً تكون له ماهية، وإن كان غير موجود، يكون وهمياً، وتبعاً لذلك لا تكون له ماهية. وبما أن الله ليس وهمياً، إذاً فمن المؤكد أن تكون له ماهية.

 

ويتفق معنا الأستاذ سانتيلا على ذلك، فقد قال للأفلوطينيين : إذا كان المبدأ الأول فوق الوجود، فمن أين لكم وجوده، وكيف أدركتم تأثيره في العالم؟ وإذا كان فوق العقل، فكيف يتصور صدور العقل منه؟ وكيف يكون له تأثير في الموجودات وهو الواحد البسيط " أو المجرد " ؟ إن قلتم إنه بنوع فيض، فهو قول مجازي لا برهاني، إذ لا يفيض الشيء إلا بما فيه، ولا يظهر منه إلا ما كان فيه من قبل .

 

2 - نشترك مع فيلون وابن ميمون في أفكارهما من جهة عظمة الله، ونعجب معهما بسموه، ونشعر معهما بعجزنا عن وصفه، ونعترف معهما بعدم قدرتنا على إدراك ماهيته. لكن هذا لا يمنع من أن تكون له ماهية لأنه موجود، وكل موجود له ماهية.

 

3 - نفي التعيّن عن الله وتجريده من كل معاني الشخصية، وعدم إسناد شيء حتى من الخير إليه، مع الاعتراف بأنه أصل كل ما له حقيقة في الوجود " كما يقول بعض فلاسفة المسيحيين السابق ذكرهم " لا يقرُّه عقل. لأنه لا يمكن أن يكون الله أصل كل موجود دون أن يكون هو موجوداً. ولا يمكن أن يكون هو موجوداً دون أن يكون ذا تعين. ولا يمكن أن يكون ذا تعين دون أن تكون له ماهية، سواءً أدركنا هذه الماهية أم لم ندركها.

 

4 - أما فلاسفة المسلمين، فقد تطرفوا أيضاً في تنزيه الله، إذ نفوا عنه الصفات والماهية، وجعلوه أقرب إلى العدم منه إلى الوجود، وقد شهد بذلك كثير من علماء الدين، فقال الإمام الغزالي : إن هذا التنزيه يشبه العدم وقال أهل السنّة : هذا التنزيه يعطل الألوهية من معناها .

ثالثاً - أسباب خطأ الفلاسفة والحل المناسب للمشكلة

 

لا شك أن الفلاسفة السابق ذكرهم أخطأوا في نفي الماهية عن الله، لأن الله كائن، وكل كائن له ماهية. ولكن مع ذلك، لا يجوز أن نبخسهم حقهم من التقدير كفلاسفة يبحثون في نطاق خاص، لأنهم بذلوا كل ما في وسعهم لتنزيه الله عن كل شيء في الوجود، رغبة منهم في تعظيمه والمحافظة على معنى الوحدانية التي أسندوها إليه. لأن الوحدانية المطلقة لا تتميز بمميزات تنشأ بسببها بينها وبين ذاتها نِسَب أو علاقات، ولذلك تكون بلا ماهية على الإطلاق.

 

لكن هل من الجائز أن يكون الله بالصورة التي صوّروه بها؟ هل من الجائز أن يكون حتى بلا ماهية أو كيان أو صفة من الصفات؟ طبعاً لا، ولماذا؟

 

الجواب : لأن إلهاً مثل هذا يكون هو والعدم سواء. ومع ذلك لنسأل أنفسنا : هل من الجائز أن يكون الله بصورة غير تلك التي صوّره بها الفلاسفة، إذ كانت وحدانيته هي وحدانية مجردة أو مطلقة؟

 

الجواب : طبعاً لا. وإذا كان الأمر كذلك، ألا تكون وحدانيته وحدانية جامعة مانعة؟ الجواب طبعاً نعم، لأن هذه الوحدانية وحدها، هي التي تكون له بها ماهية، وتكون له بها صفات وعلاقات، الأمر الذي يتناسب مع كونه ذاتاً كل التناسب.

 

أما كُنْه ماهية الله، فلا قدرة لنا على فحصه أو إدراك شيء عنه، بل ولا يصح لنا أن نتطاول لفحصه أو إدراكه، إذ من الحكمة لَا يَرْتَئِيَ فَوْقَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَئِيَ، بَلْ يَرْتَئِيَ إِلَى التَّعَقُّلِ " رومية 12 :3 " 4. فقدرتنا محدودة والله منزه عن الحدود، وأنَّى للمحدود أن يدرك كل شيء عن المنزّه عن الحدود!؟ وإذا كان العلم، كما يقول وليم جيمز، لا يدري ماهية الكهرباء، أو ماهية الأثير - وهذه كلها أشياء محدودة واقعة تحت إدراكنا، فمن الحكمة إذاً ألا يقودنا عدم إدراكنا لماهية الله إلى إنكارها. لأن من المسلَّم به أن لكل موجود ماهية، وأنه ليس بلا ماهية إلا غير الموجود. وبما أن الله موجود إذاً فله ماهية، إنما قصورنا الذاتي هو الذي يحول بيننا وبين إدراكها. لكن لو أننا سَمْونا إلى الله، لأدركنا الكثير جداً عنه.

ويكفينا ما دمنا في هذا العالم أن نعرف أنه نظراً لأن وحدانية الله هي وحدانية جامعة مانعة، فإنه ذات، ويتصف بكل صفات الكمال، وإنه ذو علاقة معنا ومع جميع الكائنات، لأن هذه المعرفة وحدها كفيلة بأن تهيئنا للاتصال به والتوافق معه. وهذا هو كل ما تصبو إليه نفوسنا، وهو أيضاً كل ما يطلبه تعالى منا.

 

الباب الرابع

الوحدانية الجامعة المانعة وماهيتها

 

في هذا الباب نرى :

 

1 - الفلاسفة والوحدانية الجامعة المانعة.

2 - توافق الوحدانية الجامعة المانعة، مع وحدانية الله المحضة.

3 - ماهية الجامعية في الوحدانية الإلهية.

4 الأقانيم

 

الفصل الأول

الفلاسفة والوحدانية الجامعة المانعة

 

استنتجنا فيما سلف أن وحدانية الله هي وحدانية جامعة مانعة، وهذه الحقيقة ليست جديدة، فإن معظم الفلاسفة " حتى الذين يقولون إن وحدانيته مجردة أو مطلقة " كانوا قد أدركوها كما ندركها نحن، فأسندوا إلى وحدانية الله مميزات خاصة، فجعلوها وحدانية جامعة مانعة. والاقتباسات التالية خير شاهد على ذلك :

 

1 - فلاسفة اليونان : قال أفلاطون : الله جميل حكيم خيِّر، جامع لكل المحامد . ولم يترك لنا أفلوطين مجالاً لإثبات دلالة هذه العبارة، على أن وحدانية الله هي وحدانية جامعة مانعة، فقد قال : إله أفلاطون ليس وحدة مطلقة، لأنه مؤلف من الانسجام والجمال والحقيقة، وإن كان الكل واحداً . وقال أرسطو : الله هو الكل ، وقال أيضاً : الله عقل وعاقل ومعقول .

 

ويقول رجال الفلسفة في شرح هذه العبارة، إنه إذا جردت الذات تجريداً تاماً، كانت عقلاً وماهية مجردة. وهذه الماهية المجردة، إذا نظرنا إليها من حيث هي كذلك، فهي عقل. ومن حيث هي مجردة لشيء فهي معقولة. وذات الله مجردة فهي عقل، ومجردة لذاته فهي معقولة لذاته. وباعتبار أن ذاته ماهية مجردة لذاته فهو عاقل لذاته. لكن ألا يدّل هذا الشرح على وجود علاقات لله بينه وبين ذاته؟ وإذا كان الأمر كذلك، ألا تكون وحدانيته وحدانية جامعة مانعة، دون جدال أو معارضة!؟

 

وإطلاق أرسطو على الله هذين الوصفين يدل على اعتقاده أن وحدانيته جامعة مانعة. وقد أشار أفلوطين أيضاً إلى هذه الحقيقة فقال : إن إله أرسطو يستلزم ضرورة الثنائية المؤلّفة من العقل والمعقول، وإن كانا واحداً أيضاً .

 

لكن مما يثير الدهشة أن أفلوطين هذا، الذي انتقد أفلاطون وأرسطو، والذي كان يدافع بكل ما أوتي من قوة عن تنزّه الله عن الاتصاف بأي صفة قال : الله مبدأ الوجود . وكيف يكون الله مبدأ الوجود دون أن يكون هو موجوداً؟ وكيف يكون موجوداً دون أن يكون ذاتاً ذا تعيّن؟ وكيف يكون ذاتاً ذا تعين دون أن تكون بينه وبين ذاته علاقات خاصة؟ وكيف تكون بينه وبين ذاته علاقات خاصة ولا تكون وحدانيته وحدانية جامعة مانعة؟

 

2 - فلاسفة اليهود : قال فيلون : الله يتصل بالناس بواسطة كلمته، فيساعدهم ويثيبهم ويعاقبهم .

وهل يتناسب هذا الوصف مع اعتبار وحدانيته وحدانية مجردة أو مطلقة؟

 

الجواب : طبعاً لا، لأن هاتين الوحدانيتين، لا علاقة لإحداهما بينها وبين نفسها، فلا تكون لأيٍّ منهما علاقة بينها وبين غيرها. وقال أفلوطين : إله فيلون ليس وحدة مطلقة، لأنه متصل ببني الإنسان، يساعدهم ويكافئهم . أما سيمون بن يوشي فقد قال بصراحة : إن كلمة الله " أو إلوهيم " تدل على أنه تعالى جامع .

 

3 - فلاسفة المسيحيين : قال نقولا دي كوسا : الله الموجود الأعظم اللامتناهي، حاوٍ لكل وجود، فهو الأشياء جميعاً في حال الوحدة والانطواء . وقال مالبرانش : نرى في الله المعاني الجزئية والكلية والمبادئ الضرورية . وقال بوهمي : لابد أن يكون الله منطوياً على كثرة هي الينبوع الخفي للحياة الكلية، إذ كيف يمكن تفسير الكثرة " الموجودة في العالم " بالوحدة المطلقة، وليس في الوحدة المطلقة شيء تريده، ما دامت وحدة " مطلقة " . وقال وورد : لا يمكن جعل المطلَق نقطة الابتداء، ولذلك فالأفضل فرض وجود إله جامع .

 

ومع أن برادلي كان يعتقد أن الله منزه عن كل معنى من معاني الشخصية، وينكر حتى إسناد الخير إليه، إلا أنه قال : المطلق " أي الله " روح جامع لكل الإدراكات... فهو وحدة الكثرة، تلك الوحدة التي تنمحي فيها كل ظواهر التعدد . وقال شلينج : أومن بإله له شخصية، والشخصية لا تنمو من تلقاء ذاتها، بل بمصارعة قوى معارضة. ولذلك يجب التسليم بوجود تعارض في الله، وهذا التعارض ينتهي إلى الإنسجام . وقد ذهب ابن العربي في تفكيره إلى ما ذهب إليه شلينج تقريباً، فقد قال إن التعارض والتناقض حاصلان في الذات الإلهية، من حيث الأسماء والصفات، التي هي نسب وإضافات بين الذات الواحدة ومظاهرها الكونية الكثيرة... ولما وقعت المعارضة في الذات الإلهية من أجل نسبها إلى الكثرة الوجودية، خلق العالم " فصوص الحكم ج 2 ص 145 " .

 

نعم إن الشخصية لا تنمو إلا بمصارعة قوى معارضة، لكن لو أدرك شلينج أن وحدانية الله جامعة مانعة، لكان قد عرف أن لله شخصية منسجمة مع ذاتها أزلاً كل الانسجام " دون أن يكون هناك داعٍ لحدوث أي تعارض فيه " ، ولما مال كذلك إلى الاعتقاد بأن الله والعالم واحد.

 

وقال فكتور كوزان : لما كان الله عقلاً كان وجداناً، والوجدان يتضمن التنوع . وقال ألان دي ليل : إذا تحدثنا عن صفات الله وجب أن نعلم أن المحمولات المندرجة تحت المقولات الأولى، وهي الجوهر والكيف والكم، مثل موجود وحكيم وكبير " والأفضل وعظيم " لا تُطلق إلا على ذات الله .

 

وهذه آراء متشعبة متباينة، شأن كل الآراء التي تصدر من عقول الناس عند البحث في الموضوعات التي تفوق إدراكهم. لكن أصحاب الآراء المذكورة ليسوا من العامة الذين لا يعوَّل على أقوالهم، بل هم أساتذة الفلسفة والعلوم والآداب في أشهر الجامعات، ولذلك فأقوالهم جديرة بالتأمل، لأنهم ولا شك لم ينطقوا بها جزافاً، بل نطقوا بها بعد بحث وتفكير في الطبيعة وما فوق الطبيعة. فلنفحص إذاً آراءهم بتأنٍّ وتدقيق، ثم نسأل أنفسنا : هل هناك يا ترى بين بعضها والبعض الآخر رابطة ما، تدل على إجماعهم على حقيقة من الحقائق المنطقية الثابتة؟ الجواب : نعم.

وما هي هذه الحقيقة؟ الجواب : هي أن وحدانية الله ليست وحدانية مجردة أو مطلقة، بل أنها وحدانية كثرة، أو وحدانية جامعة كما ذكرنا.

 

وما الأسباب التي قادتهم إلى الإيمان بهذه الحقيقة؟

 

الجواب : " أ " لا تكون الذات الإلهية كاملة إلا إذا كانت جامعة لكل الخصائص اللازمة لوجودها، واستغنائها بذاتها عن كل شيء في الوجود. " ب " لا يمكن أن يكون العالم قد صدر من إله مجرد أو مطلق، لأن مثل هذا الإله لا يصدر عنه شيء بالإرادة، " لأن وجود الإرادة يتعارض مع ما للوحدانية المجردة أو المطلقة من خصائص " . وإن صدر عنه شيء كان ذلك بالضرورة. وفي هذه الحالة يتعرض للتفكك، والله لا يتفكك لأنه لا تركيب فيه. " ج " يدل التنوّع أو التعدّد الموجود في العالم على أن الله ليس إلهاً مجرداً أو مطلقاً، بل أنه إله جامع أو شامل لكل ما يمكن أن تتصوره أو لا تتصوره من إدراكات ومعان.

 

أما سانتيلا فقد أعلن بصراحة تامة أن وحدانية الله ليست وحدانية مطلقة، فقد قال : كيف يتصوّر صدور الكثرة باختلاف أنواعها من الأحدية البسيطة المتعالية عن كل كثرة! إن الأمر لا يخلو أن يكون أحد حالين : إما أن يُقال إن الكثرة كانت مكنونة في ذات الأول المحض، كما قال بعض الصوفيين إنها كالشجرة في النواة، وإما أن يُقال إن الكثرة لم يكن لها أثر ولا رسم في ذات الله، وكيف يتصور حينئذ أن تكون علة الكثرة! . فبناءً على رأي سانتلا يجب التسليم بوجود كثرة في الله، أو بتعبير أدق بوجود إله جامع أو شامل.

 

4 - فلاسفة المسلمين : إذا استثنينا محمد بن زكريا الرازي، الذي كان يستحسن مذهب الثنوية " وهو الاعتقاد بوجود إلهين، أحدهما للخير والآخر للشر، والذي كان منتشراً في بلاد الفرس، وغيرها من البلاد الوثنية القديمة " - وابن الهلال الذي كان يقول بوجود ثلاثة آلهة، الأول بسيط كل البساطة ولا يتجاوب إلا مع ذاته. فهو ملك حر منزه عن كل شيء ولا يتقيّد بعمل ما، والثاني والثالث هما اللذان خلقا العالم ويدبران شئونه - وغيرهما من الفلاسفة الذين كانوا يحتضنون الآراء الوثنية، فإنه يُستنتج من آراء باقي الفلاسفة الذين كانوا يؤمنون بالله وحده، أنهم كانوا يعتقدون أن وحدانيته جامعة، أو جامعة مانعة. إنما كانوا يدعونها الوحدانية المطلقة كما يتضح مما يلي :

 

قال ابن سينا : الله علم وعالم ومعلوم، وعقل وعاقل ومعقول، وعشق وعاشق ومعشوق " وأليس هذا الوصف وحده، يدل على أن وحدانية الله هي وحدانية جامعة مانعة؟ " . وقال الفارابي : لحظت الأحدية نفسها فكانت قدرة، فلحظت القدرة فلزم العلم الثاني المشتمل على الكثرة. وهناك أفق عالم الربوبية يليه عالم الأمر، يجري به القلم على اللوح فتتكثر الوحدة . ونحن نتساءل : كيف تلحظ الذات ذاتها وتتجلى لها، ولا تكون لها علاقة بينها وبين نفسها! وكيف تكون لها علاقة بينها وبين نفسها، ولا تكون وحدانيتها وحدانية جامعة! والقلم في نظر الفارابي، هو ملك روحاني " الفصوص ص 16 " وفي نظر ابن سينا هو العقول التي تدير الأفلاك " الشفا ص 55 " وفي نظر الشيخ الإمام إبراهيم البيجوري، هو جسم عظيم نوراني خلقه الله، وأمره بكتابة ما كان وما يكون إلى يوم القيامة " تحفة المريد على جوهرة التوحيد ص 179 " .

 

وقال ابن الفارض : الحمد لله الذي تجلى بذاته لذاته، فأظهر حقائق أسمائه وصفاته، فجعلها أعياناً ثابتة وحقائق عينية . وقال الكاشاني : التجلي الأول هو تجلي الذات لذاتها، وهو الحضرة الأحدية التي لا نعت فيها ولا رسم. والتجلي الثاني هو الذي تظهر فيه أعيان الممكنات الثابتة . ونحن نتساءل : ألا يتوافق إسناد الوحدانية الجامعة إلى الله أزلاً مع ثباته أكثر من إسناد الكثرة إليه، أو إسناد تجلٍ ثانٍ " أو تعيّن ثان " إليه، في دور من الأدوار!

وقال الجيلاني : لما أصبح جوهر الأحدية في حاجة إلى التعُين، صارت الأحدية أسماءً مقدسة لا شبيه لها . وقال غيره : التعيّن الأول لا كثرة فيه لأنه حقيقة الوحدة الحقيقية المنزهة عن الكثرة. والتعيّن الثاني هو الذي تظهر فيه جميع الصفات والعلاقات، ولذلك فهو جملة وحدانية. وفي هذا التعيّن يوجد أصل جميع الأسماء الإلهية التي يشملها الإسم الجامع، الذي هو اسم الله سبحانه وتعالى. لذلك يُسمَّى هذا التعين باسم الله، ولا إله إلا الله، وجميع العابدين يرجعون إلى هذه المرتبة، فيجدون فيها مقصدهم الذي تسكن إليه نفوسهم، وتطمئن له قلوبهم .

 

وقال الشيخ البيجوري : الوحدانية الشاملة هي وحدانية الذات، ووحدانية الصفات، ووحدانية الأفعال . وقال غيره : حيث أن صفاته تعالى حقيقية، لم يكن بسيطاً من كل وجه . وقال صاحب التحقيق : أرى الكثرة في الواحد، وإن اختلفت حقائقها وكثرت فإنها عين واحدة. فهذه كثرة معقولة في واحد العين . وقال الإمام الغزالي : من ذهب إلى أن الله لا يعقل نفسه، إنما خاف من لزوم الكثرة . فعقل الله لنفسه يدل على تميزه بكثرة، أو بتعبير آخر على أن وحدانيته هي وحدانية جامعة. وقال أيضاً : إن كان عقله ذاته، فيرجع الكل إلى ذاته، فلا كثرة إذاً. وإن كانت هذه كثرة فهي موجودة في الأول أي أصلية فيه ومن مستلزمات وجوده. وقالالشيخ محيي الدين : أمرنا بالاستفادة بالاسم الجامع " أي اسم الله تعالى " . وقال أيضاً : الكل يتحد بالنسبة إلى واجب الوجود، فهو الكل في وحدته. وإذا اعتبر الحق ذاتاً وصفات، كان كلاً في وحدة . وقال أيضاً : لا كثرة في هوية ذات الحق... وكل كثرة واختلاط فهو بعد ذاته وظاهريته . وقال أيضاً : الأسماء الإلهية هي أحدية كثرة . وقال أيضاً : الحقيقة الوجودية واحدة في جوهرها، وذاتها متكثرة بصفاتها وأسمائها . وقال أيضاً : إن الله هو الأول والآخِر، والظاهر والباطن، وهو عين ما ظهر وعين ما بطن. فالأمر حيرة في حيرة. واحد في كثرة وكثرة مردّها إلى واحد . وقال غيره بهذا المعنى : لكن من غلبت عليه الوحدة من كل وجه كان على خطر، فالقلوب به هائمة، والعقول فيه حائرة، وبذلك ظهرت عظمته سبحانه وتعالى .

 

وأكبر الظن أن ابن العربي كان يقصد بهوية ذات الحق أو باطنه، الله من حيث هو، أو بتعبير آخر، الله من حيث ماهيته أو جوهره. ويقصد بظاهريته، الله من حيث مظهره أو تعينه الذي يتجلى به. وجوهر ذات الحق هو ما يدعى في المسيحية اللاهوت وظاهريته هي ما تدعى فيها الله . وباطن الله وظاهره " أو جوهره وتعينه " واحد، كما يتبين في الفصل التالي. و القول الظاهر والباطن ليس من تأليف ابن العربي، بل اقتبسه من القرآن هو الأول والآخر والظاهر والباطن " الحديد 3 " .

 

ويبدو لي أن السبب الذي دعا معظم الفلاسفة المسلمين إلى الجزم بأن وحدانية الله هي وحدانية كثرة، أو بتعبير آخر وحدانية جامعة، يرجع إلى أن الإسلام يسند إلى الله صفات وأسماء كثيرة، هي : أسماء الله الحسنى . ومن بين هذه الأسماء الجامع . وكلمة الجامع، إذا نظرنا إليها في ذاتها، وجدنا أنها لا تدل فقط على أن الله جامع للناس، بل أيضاً على أنه شامل لكل ما هو لازم لكماله واستغنائه بذاته عن كل شيء في الوجود.

 

وأخيراً قال الأستاذ سلامة الشافعي : ولا تظن أن معنى كونه تعالى واحداً، هو كمعنى قولك إن زيداً شخص واحد لا إثنان، فإن هذه الوحدة يوصف بها كل ما هو موجود من الذوات، والمعاني المتمايزة يعرفها كل أحد لكل أحد ولا ينازع فيها عاقل، والإيماء بها في الخالق عز وجل، لا يخلص من شرك ولا ينجو من كفر. وإنما معنى الوحدانية في الله، هو أنه واحد في وجوب الوجود وفي سائر الكمالات اللائقة به . أي أن وحدانيته تعالى هي الوحدانية الجوهرية، وليس الوحدانية الشكلية، أو كما نقول نحن : هي الوحدانية في اللاهوت وليس في التعين. ولعل الأستاذ الشافعي قد تجنب البحث في تعيّن الله أو وحدانيته الشكلية، لأنه رأى أنها تفوق العقل والإدراك، وحقاً إنها لكذلك!

 

يتبين من هذا الفصل لنا أن الله الذي يؤمن به المؤمنون على اختلاف مذاهبهم هو الله وليس سواه. ولكن الخلاف في شأنه بينهم يرجع لمقدار تأملهم في ذاته وأعماله. فبعضهم يهمل القيام بهذا التأمل الجليل، أو يتنحى عن القيام به لاشتغاله بأمور الحياة الدنيا، أو لاعتقاده أن هذا الموضوع لا يجوز البحث فيه. فيكتفي بالقول إن الله واحد، دون أن يجهد نفسه في معرفة خصائص الوحدانية أو مميزاتها. ولكن رغبة منه في إعلاء شأن هذه الوحدانية " حسب اعتقاده " يدعوها وحدانية مطلقة أو مجردة . بينما البعض الآخر يرى من الواجب أن يعرف كل ما يمكن معرفته عن الله، لأنه يعتقد أنه كلما زادت معرفته عنه، رسخ إيمانه به وازدادت علاقته معه، فيتأمل بتدقيق في جميع أعماله وتصرفاته، ويبحث فيما تدل عليه من صفات وخصائص في ذاته، فيرى أن وحدانيته لا يمكن أن تكون وحدانية مجردة أو مطلقة، بل وحدانية شاملة أو جامعة.

 

الفصل الثاني

توافق الوحدانية الجانعة المانعة مع وحدانية الله المحضة

 

اتضح لنا مما سلف، بالكثير من الأدلة العقلية والنقلية، أن وحدانية الله هي وحدانية جامعة مانعة أو شاملة مانعة. ومع ذلك فإن بعض المؤمنين بالله في كل دين من الأديان، يرفضون التسليم بهذه الحقيقة، بدعوى أن الجامعية " أو الشمول " تتعارض مع الوحدانية المحضة، أو الوحدانية التي لا تركيب فيها، التي يتصف الله بها.

 

وللرد على ذلك نقول : إنها كانت تتعارض معها لو كان أساس الجامعية أو الشمول في الله هو أساس الوحدانية فيه. أما إذا كان أساس الجامعية فيه يختلف عن أساس الوحدانية، فلا مجال للتعارض أو التناقض بينهما.

 

ولإيضاح ذلك نقول : إذا وُصف الإنسان مثلاً بأنه واحد وثلاثة، فإن هذا الوصف يبدو لأول وهلة متعارضاً مع الحقيقة، لأنه لا يمكن أن يكون شخص بعينه واحداً وثلاثة. لكن إذا تبيّن لنا أنه يقصد بهذا الوصف أن الإنسان واحد من جهة المظهر وثلاثة من جهة الجوهر، فإن الشك في صحة هذا الوصف يزول، لأننا نعلم أن الإنسان واحد في مظهره، وفي الوقت نفسه هو جوهرياً مكّوَن من ثلاثة عناصر، هي الجسد والنفس والروح.

 

وعلى هذا القياس مع مراعاة الفارق الذي لابد منه بين الوحدانية الإلهية والوحدانية البشرية " فوحدانية الإنسان مركبة، أما وحدانية الله فغير مركبة. هذا علاوة على أن الله هو الخالق والإنسان هو المخلوق " . نقول :

 

بما أن الله جوهر، لأن القائم بذاته جوهر، " كما مر بنا في الباب الأول " وبما أن هذا الجوهر وإن كان لا متناهياً له تعيّن خاص، إذاً يكون الله واحداً من جهة، وجامعاً أو شاملاً من جهة أخرى، دون أن يكون في ذلك تعارض أو تناقض في ذاته. فمن أي جهة يكون تعالى واحداً؟ ومن أي جهة يكون جامعاً؟

 

الجواب : لا شك أنه يكون واحداً من جهة الجوهر " أو الهوية والباطنية، كما يقول ابن العربي " لأنه إن لم يكن واحداً من هذه الجهة، كان مركباً وقابلاً للتجزئة، وهو ليس مركباً أو قابلاً للتجزئة. ويكون جامعاً من جهة التعيّن " أو الظاهرية، كما يقول ابن العربي " لأن اتّصاف الله بصفات واختصاصه بعلاقات بينه وبين ذاته منذ الأزل، يدل بوضوح على أنه جامع من هذه الجهة. ويتفق معنا على ذلك ابن العربي، فقد قال : لا كثرة في هوية ذات الحق، وكل كثرة واختلاط " أو علاقات " ، فهو بعد ذاته وظاهريته . وجوهر الله الواحد الجامع في تعينه لكل صفاته وعلاقاته " أو بتعبير آخر لكل ما هو لازم لكماله واستغنائه بذاته عن كل شيء في الوجود " ليس طبعاً سوى عين ذاته، لأنه تعالى لا تركيب فيه على الإطلاق.

 

وبقولنا سالف الذكر لا نفرّق مطلقاً بين جوهر الله وتعيّنه، بل نقصد فقط أنه مع لانهائيته ليس جوهراً غير متميز " Vagueأو غير متعين Indefinite " بل إنه جوهر متميز متعين " لأن التميز أو التعين هو من مستلزمات كل موجود حقيقي، كما ذكرنا فيما سلف " فجوهر الله ما هو إلا اللاهوت وهذا الجوهر نفسه بالنظر إلى تعينه ما هو إلا الله والله ليس شيئاً غير اللاهوت بل هو اللاهوت معيّناً، واللاهوت ليس شيئاً غير الله، بل هو الله جوهراً، لأنه تعالى لا تركيب فيه. وقد ذهب فريق من العلماء إلى أن كلمة اللاهوت فارسية، وذهب فريق آخر إلى أنها عربية. فقال الفريق الأول إنها مكونة من الله و أوت . وكلمة أوت معناها العلم . وبناء على ذلك يكون اللاهوت هو علم الله أو علم معرفة الله . وقال الفريق الثاني إن كلمة اللاهوت مصدر من كلمة الله على وزن ملكوت ورحموت ورهبوت. أما نحن فقد استعملنا كلمة اللاهوت هنا بمعنى جوهر الله، أو الله في جوهره، لأنه هو المعنى المفهوم من نص الكلمة، ولأن الكتاب المقدس قد سبق واستعملها بهذا المعنى عينه " كولوسي 2 :9 " .

 

فالله من حيث تعيّنه في ذاته واتصافه بصفات وممارسته لأعمال وتميزه بعلاقات بينه وبين ذاته أزلاً، وبينه وبيننا في الزمان، هو الله أو اللاهوت معيناً. وأما من حيث كونه لانهائياً، لا يمكن وصفه أو إدراكه، أو معرفة شيء عنه، فهو اللاهوت أو الله جوهراً - وقد أدرك ديكارت هذه الحقيقة، فقال : الألوهية هي الواحد الذي لا يُقال عنه شيء، أو إنها الله بصرف النظر عن علاقاته " الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط ص 222 " - ولعل الترجمة الصحيحة، هي اللاهوت وليس الألوهية لأن الألوهية يراد بها غالباً المميزات الخاصة بالله، بينما اللاهوت يراد به جوهر الله أو كيان الله، وهذا هو ما يقصده ديكارت. وفي اللغة اليونانية " اللغة الأصلية للعهد الجديد " توجد أيضاً كلمة خاصة للألوهية وأخرى للاهوت، فالأولى هي ثيؤتيس والثانية هي ثؤتيس . والفرق بين هاتين الكلمتين ليس بالغريب علينا نحن الناطقين بالضاد، فإننا نقول عن الكافر الذي يريد تأليه نفسه : إنه يسعى إلى الألوهية، ولا نقول إنه يسعى إلى اللاهوت، إذ أن غرضه هو الحصول على مميزات الله، لا على جوهره أو كيانه.

 

وإذا استعرنا لغة محيي الدين بن العربي، كان اللاهوت هو الباطن والله والظاهر. وظاهر الله وباطنه واحد، لأنه عين ما ظهر وعين ما بطن. وإذا استعرنا لغة سبينوزا أو ديكارت في الفكر والامتداد، كان اللاهوت هو الله مستتراً، والله هو اللاهوت ظاهراً، والله واللاهوت واحد، لأنه عين ما استتر وعين ما ظهر، ولذلك كثيراً ما تستعمل كلمة اللاهوت بمعنى الله ، وكلمة الله بمعنى اللاهوت .

 

مما تقدم يتضح لنا ما يأتي :

 

1 - بما أنه لا يُراد بوحدانية الله الجامعة أنه واحد في تعيّنه وجامع أيضاً في تعينه، بل يُراد بها أنه واحد في جوهره وجامع في تعينه، إذاً ليس هناك أي تناقض في القول إن وحدانيته هي وحدانية جامعة.

 

ويتفق معنا على ذلك كثير من علماء الدين، فمثلاً قال صاحب المواقف : لايجوز اجتماع الوحدة مع الكثرة في شيء واحد من جهة واحدة " المواقف ص 342 "،ومع ذلك يجوز اجتماعهما معاً في شيء واحد من جهتين. فإذا أضفنا هذه الشهادة إلى الشهادات السابقة عن وجوب قيام كل وحدانية حقيقية بمميزات خاصة " كما ذكرنا في الباب الثاني " لا يبقى مجال للاعتراض على القول بأن وحدانية الله هي وحدانية جامعة مانعة.

 

2 - بما أنه لا يُراد بوحدانية الله الجامعة أنه جامع في جوهره وواحد في تعيّنه، بل بالعكس يراد بها أنه واحد في جوهره وجامع مع تعينه، إذاً لا سبيل للظن بأنها تدل عن وجود أي تركيب في ذاته.

 

3 - وبما أنه لا يُراد بجامعية تعينه، ذاته وغيرها من الذوات، بل يراد بها ذاته وحدها، إذاً لا سبيل للظن بأن هذه الوحدانية تدل على وجود أي شريك له. وبذلك فإن وحدانية الله الجامعة لا تتعارض مع عدم وجود تركيب فيه، أو مع تفرده بالأزلية، بل تتوافق مع هاتين الحقيقتين كل التوافق.

 

الفصل الثالث

ماهية الجامعية في الوحدانية الإلهية

 

يعتقد بعض الفلاسفة الذين أدركوا أن وحدانية الله هي وحدانية جامعة أو شاملة، أن هذه الجامعية أو الشمول هي ذاته وصفاته. لكن هذا الاعتقاد لا يتفق مع الخصائص اللائقة بالله، لأننا إذا فرضنا أن جامعية الله هي ذاته وصفاته، وصفاته كانت بالفعل أزلاً، أو أن صفاته كانت تكلمه وتسمعه وتبصره وتحبه وتريده أزلاً، أو أنها كان يكلم بعضها بعضاً ويسمع بعضها بعضاً ويبصر بعضها بعضاً أزلاً، وكل ذلك باطل - لأن الله لا يتعامل مع الصفات، ولا الصفات تتعامل مع الله أو مع بعضها، لأن التعامل لا يكون إلا بين التعينات العاقلة، والصفات معان وليست تعينات. ولذلك فجامعية الله لا يمكن أن تكون هي ذاته وصفاته. وإذا كان الأمر كذلك، فماذا تكون جامعيته إذاً؟

 

الجواب : بما أن الصفات، كالسمع والبصر، والكلام والعلم، والإرادة والمحبة، لا يمكن أن تُمارس إلا بين كائنين عاقلين على الأقل، أو بين كائن عاقل وذاته إن كان مركباً. وبما أن الله مع تفرّده بالأزلية وعدم وجود تركيب فيه، كان يمارس هذه الصفات أزلاً بينه وبين ذاته، فمن المؤكد أن تكون ذاته عينها مع وحدانية جوهرها، هي بنفسها جامعة " كما ذكرنا في الباب الثاني " أو بتعبير آخر، تكون ذاته ليس تعيناً واحداً، بل تعينات. وهذه التعينات هي ما عبَّرنا عنها في الباب الثاني بالمميزات ، التي تتميز بها وحدانية الله. ولذلك كانت جميع صفات الله بالفعل، قبل وجود أي كائن سواه، أو بالحري منذ الأزل.

 

وإذا كانت ذات الله تعينات، فمن البديهي أن يكون كل تعيّن من هذه التعينات، ليس جزءاً من ذات الله. بل أن يكون هو ذات الله، لأنه غير مركب من عناصر أو أجزاء، وأن يكون ذات الله نفسها بكل خصائصها وصفاتها لأن تعين الله هو عين جوهره، ولذلك يكون كل تعين من هذه التعينات هو الله الأزلي الأبدي، العالم المريد، القدير البصير السميع الكليم، الكامل كل الكمال، ومستغنياً بذاته كل الاستغناء، إذ يكون عالماً ومعلوماً ومريداً ومراداً وناظراً ومنظوراً وسميعاً وكليماً ومحباً ومحبوباً، وهكذا، إلى درجة الكمال الذي ليس بعده كمال، دون أن يكون هناك تركيب في ذاته أو شريك معه.

 

وقد أشارت الأشاعرة إلى أن لله حديثاً أزلياً فقالت : لله حديث نفسي قديم " أو أزلي " قائم بذاته تعالى، وهو صفة قديمة لذات الله مساوية لها في القدم. ولا علم لنا به إلا عن طريق الألفاظ. وهو واحد لا تعدد فيه، متميز مغاير لذاته " مجلة كلية الآداب الصادرة في مايو سنة 1943 " . هذا فضلاً عن إسنادها كل الصفات المذكورة أعلاه إليه تعالى أزلاً، كغيرها من الفرق والجماعات.

 

ونرجو أن يضع القارئ في ذهنه، أننا لا نقول إن كلاً من هذه التعينات يكون إلهاً، بل نقول إن كلاً منها يكون هو الله، أو اللاهوت معيناً - لا شك أن هذه الحقيقة أسمى من أن تستطيع عقولنا تصورها، ولكنها تتوافق معها كل التوافق. لأنه بما أن الله أو اللاهوت لا تركيب فيه على الإطلاق، لذلك لا يكون أي تعيّن من تعيناته جزءاً أو عنصراً فيه، بل يكون هو عين ذاته.

 

وطبعاً ليس معنى ذلك، أن الله الواحد، قائم بآلهة مشابهة له، كلا، لأنه ليس له شريك أو شبيه على الإطلاق، وليس معناه أنه تعالى ذات في ذوات، أو ذوات في ذات. كلا، لأنه تعالى ذات واحدة لا تركيب فيها على الإطلاق. بل معناه أن ذاته الواحدة هي بعينها تعينات.

 

نعم إن العقل لا يستطيع أن يتصور هذه الحقيقة، ولا يسعه إلا أن يقول كما قال بعض الفلاسفة : الأمر حيرة في حيرة : واحد في كثرة، وكثرة مردّها إلى واحد . ولكن لا مفرّ له من التسليم بصدقها لأننا لم نختلِقْها من عندنا، بل استنتجناها من وجوب وجود صفات الله بالفعل أزلاً.

 

ونظراً لأننا سنعود إلى التحدث عن صدقها في الفصل التالي، نكتفي الآن بأن نلخص ما مضى:

 

تفرَّد الله دون سائر الكائنات بأنه مع وحدانيته وعدم وجود أي تركيب فيه، ليس تعيّناً واحداً بل تعينات. وكونه تعينات وليس تعيناً واحداً أمر يتوافق مع كماله واستغنائه بذاته وعدم تعرّضه للتطور أو التغير، لأنه يدل على أنه مع تفرّده بالأزلية كانت جميع صفاته بالفعل أزلاً، أي قبل وجود أي كائن سواه.

 

الفصل الرابع

الأقانيم

اصطلح معظم فلاسفة المسيحيين في الأجيال الأولى، على تسمية هذه التعينات بالأقانيم، والمفرد أقنوم . و الأقنوم أو القنوم ، كلمة سريانية يطلقها السريان على كل من يتميّز عن سواه، على شرط ألا يكون مما شُخص وله ظل، ولذلك فإنه يُراد بالأقنوم التعين . وقد وردت في اللغة اللاتينية كلمة تشبه هذه الكلمة في النطق تقريباً، وهي ?Aequanimitas ومعناها Befor The Class أي في الصدارة، أو قبل كل هيئة أو نظام . وقد تعني أيضاً الانسجام في الفكر والشعور والصفات الطيبة . أما القول إن كلمة أقنوم معناها أصل كما ورد في بعض كتب الفلسفة، فليس بصحيح، إذ فضلاً عما تقدم من دليل لغوي، فإننا لا نؤمن أن الأقانيم هم أصول للعالم، بل نؤمن أنهم أصل العالم، لأنهم تعيّن الله أو الله معيَّناً. والله دون سواه هو أصل العالم ومبدعه. والقول إن كلمة أقنوم معناها أصل منقول " كما أعتقد " من قاموس مختار الصحاح ص 553 فقد جاء فيه : الأقانيم الأصول، وواحدها الأقنوم . ومع كلٍ، فإن صاحب المختار نفسه اعترف أنه لم يتحقق من مصدر هذه الكلمة، فقد قال في الصحيفة المذكورة وأحسبها روميَّة والواقع أنها ليست كذلك، كما يتضح لكل من له إلمام باللغة اليونانية " التي يسميها صاحب المختار الرومية ، كما لا يزال يسميها بعض الناس إلى الوقت الحاضر " لأن الكلمة اليونانية المقابلة أو التي تكاد تكون مقابلة، لكلمة أقنوم هي إيبوستاسيس وقد نُقلت إلى اللغة الإنجليزية Hypostasis واستُعملت فيها بهذا المعنى عينه.

 

وليس لكلمة أقنوم مرادف في اللغة العربية أو غيرها من اللغات يؤدي معناها تماماً، لأن كلمة شخص العربية وما يرادفها في اللغات الأخرى تدل على الذات المنفصلة عن غيرها، والأمر ليس كذلك من جهة كلمة أقنوم . وقد أشار إلى هذه الحقيقة إيليا مطران نصّيبين في القرن الحادي عشر في إحدى رسائله : ليس في اللغة العربية لفظ يعبر به عن الموجود الذي كيانه ليس عاماً " أي الذي ليس له شريك في كيانه " أو ذا عرض " أي الذي ليس له مظهر مادي " ولذلك عبّرنا عنه بالسريانية بكلمة أقنوم " مقالات دينية قديمة ص 127 " .

 

فكلمة الأقانيم تختلف عن كلمة الأشخاص من ناحيتين رئيسيتين : " 1 " إن الأشخاص هم الذوات المنفصل أحدهم عن الآخر، أما الأقانيم فهم ذات واحدة، هي ذات الله. " 2 " إن الأشخاص وإن كانوا يشتركون في الطبيعة الواحدة إلا أنه ليس لأحدهم ذات خصائص أو صفات أو مميزات الآخر. أما الأقانيم فمع تميّز أحدهم عن الآخر في الأقنومية، هم واحد في الجوهر بكل صفاته وخصائصه ومميزاته، لأنهم ذات الله الواحد.

 

فالأقانيم في المسيحية هم تعينات اللاهوت، أو تعيّن اللاهوت الخاص، أو هم اللاهوت معيّناً، فإن جوهر الله هو عين تعيّنه، وهم تعينه أو إياه معيناً، لأن الأقانيم ليسوا تعينات في الله، بل هو ذات تعينه أو بالحري هم عين ذاته " لأنه تعالى لا تركيب فيه " ، لذلك لا يُقال إن الأقانيم في الله، أو إن الله يشتمل على الأقانيم، بل يقال إن الأقانيم هم الله، والله هو الأقانيم.

 

ويستعمل بعض الكتّاب صيغة التأنيث مع الأقانيم على اعتبار أنه لا جنس لهم. لكن نظراً لأننا نقول الله هو مع أنه لا جنس له، استصوبْتُ أن أستعمل في هذا الكتاب صيغة المذكر السالم مع الأقانيم كما استعملها الكتاب المقدس من قبل " يوحنا 1 :1 " . ولذلك أرجو أن يذكر القارئ " عندما يقرأ عبارة مثل الواردة أعلاه " أن الأقانيم ليسوا ذوات منفصلة، بل هم ذات واحدة، هي ذات الله.

 

الأقانيم إذاً هم اللاهوت معلناً في ذاته وصفاته، ولذلك فإن اللاهوت في تعينه أو أقانيمه لا يكون هو الله المبهَم الغامض، كما يتصوّره بعض الناس، بل الله المعيّن الواضح، الذي نستطيع إدراكه والرجوع إليه، فنجد فيه مقصدنا، الذي تسكن إليه نفوسنا وتطمئن إليه قلوبنا.

 

أما عدد الأقانيم فطبعاً هو أول عدد كامل جامع، لا يمكن لأقل منه أن تتوافر فيه خصائص الوحدانية الجامعة المانعة. وهذا العدد، كما نعلم، هو ثلاثة ويتفق معنا الشيخ محيي بن العربي على ذلك إلى حد كبير، فقد قال : أول الأعداد الفردية، هو الثلاثة لا الواحد، لأن الواحد ليس بعدد بل هو أصل الأعداد " فصوص الحكم ص 130 " . ويؤيده في ذلك الكندي، أحد فلاسفة المسلمين المشهورين أيضاً، فقد قال : الواحد ليس بعدد بل هو ركن العدد " كتاب الكندي إلى المعتصم بالله في الفلسفة الأولى ص 127 ، 128 " ، أو بعض العدد كما قال في موضع آخر.

 

وهناك اعتقاد عام عندنا نحن البشر، بأن العدد " 3 " هو أول عدد كامل، ففي أمثالنا نقول : الحبل المثلوث لا ينقطع ، و كل شيء بالثالث يكمل . و المرة الثالثة ثابتة ، وأيام العزاء عندنا هي ثلاثة . وفي قانون العقوبات يُعتبَر المجرم عائداً يستحق عقوبة الجناية بدلاً من عقوبة الجنحة إذا ارتكب مخالفة ثلاث مرات " المادة 49 من قانون العقوبات " . وفي الرياضيات، أول شكل هو الذي له ثلاثة أضلاع، وأول حجم هو الذي له ثلاثة أبعاد. وفي الطبيعة، كل نبات راقٍ مكوّن من ثلاثة أجزاء رئيسية، وكل حيوان راقٍ مكوّن من ثلاثة أجزاء رئيسية، وكل إنسان كامل مكوّن من ثلاثة أجزاء رئيسية، وأيضاً من ثلاثة عناصر رئيسية. والذرة نفسها مكونة من ثلاثة أجزاء.

 

وفي الأديان أيضاً يُعتبر العدد " 3 " هو أول عدد كامل، ففي الإسلام يذكر المصلي اسم الله ثلاث مرات في كل ركعة، ويقوم بالمضمضة ثلاث مرات، والاستنشاق ثلاث مرات، وغسل الوجه ثلاث مرات، وغسل اليدين حتى المرفق ثلاث مرات، ومسح الرأس والأذنين ثلاث مرات، وغسل الرجلين ثلاث مرات. والقسَم لا يكون نافذاً إلا إذا كان بالله ثلاثاً، والطلاق لا يكون قانونياً " أو بائناً بينونة كبرى " إلا إذا كان الإشهار به ثلاثاً. وتقضي السنّة بصوم ثلاثة أيام في شهر رجب، وثلاثة أخرى في شهر شعبان. وجاء في الأحاديث : لا يحل لأحدكم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال . وفي اليهودية والمسيحية يُعتبر العدد " 3 " أول عدد كامل " اقرأ مثلاً : 2صموئيل 24 :12 ، دانيال 1 :5 ، خروج 23 :14 ، دانيال 6 :10 ، وتكوين 15 :9 وإشعياء 15 :5 واستير 5 :1، لوقا 13 :7، متى 12 :40 وأعمال الرسل 10 :16 " .

 

وطبعاً ليس الغرض من الاقتباسات المذكورة هو الاستدلال بها على أن أقانيم اللاهوت لابد أن يكونوا ثلاثة. كلا، لأن الله أسمى من أن يُقاس بالنسبة إلى أي شيء من الأشياء، بل الغرض من هذه الاقتباسات هو الاستدلال بها على أنه لو أعلن لنا الوحي أن الأقانيم ثلاثة، لما جاز لعقولنا أن تعترض على الإطلاق، لأن هذه الحقيقة تكون متفقة مع الواقع المعروف لدينا. وسنبحث موضوع عدد الأقانيم بالتفصيل في كتاب التثليث والتوحيد .

 

أخيراً، إن أمام القول بأن وحدانية الله هي وحدانية جامعة مانعة، لا يجد العقل مجالاً للاعتراض. وإن اعترض بشيء، فلا يمكن أن يقول سوى إن هذا الموضوع يسمو فوق إدراكه. ونحن من جانبنا نوافق على حكمه هذا كل الموافقة، لأن الله عجيب في ذاته، ولا يمكن الإحاطة به إطلاقاً. ومع كل، فإنه وإن كان يسمو فوق إدراك العقل، إلا أنه ليس ضده.

 

وهناك فرق كبير بين الأمور التي تسمو فوق العقل وتلك التي لا تتفق معه، فالأولى هي التي تتفق معه في أساسها، لكن لسموها لا يستطيع الإحاطة بكنهها. أما الثانية، فإنها لا تتفق معه إطلاقاً، لا في أساسها أو في كنهها. فمثلاً إذا قلنا إن الله يحب الأشرار لا يكون ذلك ضد العقل، بل يكون أسمى من إدراكه. لأن الأشرار وإن كانوا " حسب عقولنا " لا يستحقون محبة من الله، إلا أنه تعالى لكماله التام لا يمكن أن يكرههم، لأنهم خليقته، والخالق يحب خليقته، ولذلك فمن البديهي أنه يحبهم ويهيئ لهم سبيل الرجوع إليه والتوافق معه. أما إذا قلنا إن الله يحب الخطيئة فلا يكون ذلك أسمى من إدراك العقل، بل يكون ضده، لأن الله لم يخلق الخطيئة، ولأن الخطيئة تتعارض مع كماله كل التعارض.

 

وهنا نرى أننا يجب أن نؤمن :

 

إما أن وحدانية الله وحدانية مجردة، أو مطلقة، أو وحدانية جامعة مانعة.

 

فإن قلنا إنها مجرّدة، نفينا عنه الذات والصفات. مع أن له ذاتاً وله صفات.

وإن قلنا إنها مطلقة، افترضنا اتصافه بصفات لا علة لها أو عمل أزلاً " لأن الوحدانية المطلقة لا تتميز بمميزات، تجعل صفات صاحبها بالفعل بينه وبين ذاته " . وأسندنا أيضاً إليه التغيّر والتطور بدخوله في علاقة مع الكائنات التي خلقها، لأن الوحدانية المطلقة ليس لها علاقة بينها وبين ذاتها.

 

ولذلك فمن المؤكد أن تكون وحدانية الله جامعة مانعة، أو بتعبير آخر متميزة بأقانيم أو بتعينات " أو سمِّها ما شئت، إذ لا قيمة للفظ بجانب سلامة المعنى " لأن هذه الأقانيم، أو التعينات، أو... أو... هي خصائص الله الذاتية. ولذلك كان الله مع لا نهائيته وتفرده بالأزلية، وعدم وجود أي تركيب فيه، ليس الإله المجرد من الصفات، أو الذي