المرشد إلى الكتاب المقدس

 إعداد

أسامة خليل أندراوس

الكنيسة الإنجيلية بقصر الدوبارة. القاهرة. مصر

 

فهرس الكتاب

مقدمة الكتاب  ۱۰

الجزء الأول: تعريف عام بالكتاب المقدس

الباب الأول: وصف عام للكتاب المقدس  ۱٥

لقب الكتاب المقدس    ۱٧

تقسيم الكتاب المقدَّس   ۱٨

ترجمات الكتاب المقدس   ۲٦

صحة وحي الكتاب المقدس    ۳۲

صحة الكتاب المقدس تاريخياً   ٤۲

الإنجيل واحد أم أربعة؟   ٤٤

إنَّه الكتاب الفريد   ٥۱

نسخ الكتاب المقدس وتاريخ اختراع الكتابة    ٥٩

كيف كُتِبَ الكتاب المقدس    ٦۳

مخطوطات الكتاب المقدس   ٦٨

الأسفار القانونية   ٨۱

الأبوكريفا  ٨٥

نتيجة ما تقدم  ٩۰

الباب الثاني: الترجمات العربية للكتاب المقدس  ٩۱

الترجمات العربية للكتاب المقدس    ٩۳

الشخصيات التي ساهمت في الترجمة العربية الحديثة  ٩٦

الترجمة العربية الحديثة “فـاندايك”  ۱۰۱

أضواء وتعليقات على ترجمة “فـاندايك–البستاني” (للدكتور غسان خلف)  ۱۰٦

الترجمات العربية المتداولة (للدكتور غسان خلف)   ۱۳۳

ترجمة فـاندايك بين الاستعمال والإهمال  ۱٤۳

مخطط بتاريخ الترجمات العربية    ۱٥۲

بيان بالترجمات العربية المتداولة    ۱٥۳

الباب الثالث: دراسة الكتاب المقدس   ۱٥٥

كيف تدرس الكتاب المقدَّس    ۱٥٧

قواعد علم تفسير الكتاب المقدَّس    ۱٦٤

الباب الرابع: جغرافية الكتاب المقدس    ۱٦٩

الباب الخامس: وظائف العبرانيين وأعيادهم  ۲۰٧

وظائف العبرانيين    ۲۰٩

التوقيت  ۲۱۱

التقويم العبراني وأعياده   ۲۱۲

الأعياد العبرانية    ۲۱٤

 

مقدمة

لم تكن عملية دراسة الكتاب المقدس مسألة سهلة بالنسبة لي، بل عملية استغرقت سنوات كثيرة من البحث الجاد والاطلاع. بدأتُ دراسة الكتاب المقدس عندما كنتُ بالمرحلة الثانوية ولاقيتُ في ذلك صعوبات كثيرة منها على سبيل المثال: صعوبة فهم النَّص الكتابي دون الرجوع إلى الخلفية التاريخية والجغرافية، وكذلك صعوبات لغوية كاللغة العربية التي نصفها نحن المتكلمين بها أنَّها صعبة على العرب أنفسهم!

ومع ذلك بدأتُ بقراءة معظم الكتب والمراجع التي تساعد على هذا، فوجدتُ مشاكل عديدة لا حصر لها منها فقر مكتبتنا المسيحية العربية إلى هذه الأنواع من المراجع التي ترشد الباحث بكل سهولة ويُسر، في الوقت الذي تذخر به المكتبة الإنجليزية والألمانية بمئات المراجع التي تسد حاجة الباحث والقارئ.

المشكلة الأخرى هي ضيق أفقنا كمجتمع شرقي رجعي متعصِّب! فكلما شاء الله أن يخرجنا من هذا القمقم اللعين والعُزلة الفكرية التي وضعنا أنفسنا فيها وأحكمناها انبرى البعض بتحريم قراءة كتب بعينها لأن ما جاء بها هو مخالفٌ لما يعتقدون، وهُمْ في ذلك لم يقدِّموا حتى الآن بديلاً أو مرجعاً يسترشدون به.

مضت سنوات ليست بقليلة... أنهيتُ المرحلة الثانوية... ثم الجامعية لأتخصص في دراسة الأدب الإنجليزي، وقد ساعدني هذا التخصص في الاطلاع على ذخائر المكتبة الإنجليزية في هذا الموضوع، بل وبعد هجرتي للولايات المتحدة ترددت على اجتماعات درس الكتاب في كنائس أمريكية فأدركت مدى حاجة القارئ العربي إلى مرجع مثل هذا يفي بمتطلبات دراسته الكتابية ومدى فقر مكتبتنا العربية المسيحية لدراسات جادة وعميقة ترتقي بمستوى الفرد المسيحي بعيداً عن التعصُّب الديني الذي تفشَّى في ربوع كنائس المحروسة.

أعترف للقارئ العزيز بأنِّي صناعة الرَّب عن طريق آخرين. نعم يوجد من ساعدوني وأرشدوني وأخذوا بيدي لكي أصل لمرحلة تصنيف كتاب ضخم بهذا الحجم. لقد تعرَّفت على الدكتور القس منيس عبد النور، والدكتور داود رياض، والدكتور لويس عبدالله فكانت معرفتي بهم نقطة تحوُّل في حياتي، فتعلمتُ منهم الكثير واسترشدت بخبراتهم الدراسية والميدانية لإنجاز هذا العمل بعد أكثر من عشرين سنة بحث ودراسة منها عشر سنوات غربة عن أرض الوطن. فلم تنسيني الغربة لغتي الأم وحاجة أبناء وطني وكنيستي العربية لكتاب ناطق بلسانهم ويتحدث عن تاريخ الترجمة العربية للكتاب المقدس وليس مجرد كتاباً مترجماً من لغة أجنبية إلى العربية ليفي بالغرض!

وعند مطالعة القارئ لهذا الكتاب سيدرك أنني عالجت معظم الصعوبات والمشاكل التي تواجه الباحث المبتدئ بلغة سهلة وبسيطة الفهم في مستوى طالب المرحلة الإعدادية.

ليس هذا كتاباً للقراءة فحسب، بل أردتهُ أن يكون مرجعاً دراسياً لكل دارسٍ لكلمة الله، يجد فيه من الأدوات ما يساعده على فهم كتابه المقدس. سيجد فيه ما يقوِّي إيمانه بصحة كتابه، وكذلك مقدِّمة وافية لكل سفر من أسفاره، خلفيات تاريخية وجغرافية، مسرد بالشواهد في كل سفر، تفسير للسفر وتحليل تاريخي وجغرافي له، قواميس وفهارس، خط الزمن، عملات ومقاييس وموازين استعملت في زمن أحداث الكتاب، فك الرموز الكتابية، شرح الاستعارات والكنايات والتشبيهات التي وردت في الكتاب.

أعترف للقارئ أيضاً بأن هذا الكتاب ليس من تأليفي الخاص، بل هو تأليف علماء أفاضل ومخضرمين في علم الدراسات الكتابية واللاهوتية، منهم من كان ناطقًا بالعربية فاسترشدت به كمرجع، ومنهم من كَتَبَ بالإنجليزية فترجمت عنه،. ومنهم من أخذت من أفواههم أثناء وعظهم التفسيري على منابر كنائسهم ودوَّنت، ومنهم من كان مستشرقاً يجيد العربية كالدكتور القس سمعان كلهون الذي أخذت معظم مادة هذا الكتاب من أعماله.

ولد القس سمعان هاورد كلهون Rev Simeon Howard Calhoun في الخامس عشر من شهر أغسطس (آب) عام ۱٨۰٤ بولاية ماستشوتست، وتخرج من كلية ويليامز للاهوت بولاية بوسطن عام ۱٨۲٩، وعمل كأستاذ في هذه الكلية في الفترة ۱٨۳٤ – ۱٨۳۰. ثم أصبح بعد ذلك مرسلاً في المجلس الأمريكي للمفوضين للإرساليات الخارجية The American Board of Commissioners for Foreign Missions. وفي عام ۱٨٤٤ قدم إلى سوريا كمرسل، وأسَّس هناك مدرسة العلوم الأمريكية في عبيه إحدى قرى جبل لبنان. كما كان القس سمعان كلهون مديراً لمشروع ترجمة الكتاب المقدس للغة العربية المعروفة باسم ترجمة اندايك، وبعد خدمة استمرت أعوام من العطاء غير المتناهي لخدمة سيده أطلقوا عليه اسم “قديس جبل لبنان” ثم عاد إلى أرض الولايات المتحدة الأمريكية.

انتقل القس سمعان كلهون إلى المجد في مدينة بافلو نيو يورك في الرابع عشر من ديسمبر سنة ۱٨٧٦ عن عمر يناهز ٧۲ عاماً. وخلَّف مراجع ثمينة منها “مرشد الطالبين إلى الكتاب المقدس الثمين” الذي طُبع في بيروت عام ۱٨٦٩م، وكتاب “اتفاق البشيرين ودليل المسترشدين” طُبع في بيروت سنة ۱٨٧٦. وقد قام الدكتور القس منيس عبد النور بمراجعة وتنقيح وعصْرَنة وطبع كتاب “اتّفاق البشيرين” ونشره سنة ۱٩٩۳ بكنيسة قصر الدوبارة الإنجيلية، ولكن بقى كتاب “مرشد الطالبين مهملا!

وما فعلتهُ في هذا الكتاب الذي يحتوي على أربعة أجزاء ليس إلاَّ تجميع لجهود هؤلاء الأفاضل وبحثهم لسنين عديدة.

ولا يُعدُّ هذا الكتاب طائفياً على الإطلاق، وإنَّما هو محاولة جادة لنقل القارئ المسيحي العادي إلى مرحلة أعمق من العلم والدراسة والثقافة بكتابه المقدَّس. وبعد الاطلاع على هذا الكتاب سيدرك القارئ مدى المجهود الجبار الذي أُلقي على عاتقي في تأليفه وتنسيقه وإخراجه بهذه الصورة.

كما أتقدم بشكر خاص إلى القس عاطف سامي، والأستاذ إبراهيم صموئيل بكنيسة قصر الدوبارة الإنجيلية على تعاونهم وتشجيعهم لي ومجهوداتهم في طبع ونشر هذا الكتاب. عوَّضهم الله بالبركة على تعب محبتهم.

وفي النهاية، لا يسعنا كقارئين ودارسين إلاَّ أن نعترف بالجميل لمن سبقونا وأعدُّوا لنا الطريق! فهم تعبوا ونحن دخلنا على تعبهم. شكراً لهم جميعاً، لهم منِّي ألف ثناء وتقدير، سواء كانوا ينتمون إلى الكنيسة الإنجيلية أو الأوثوذكسية، أو الكاثوليكية، علمانيين ورجال دين وشعاري في هذا قول الرسول بولس: “إِنِّي مَدْيُونٌ لِلْيُونَانِيِّينَ وَالْبَرَابِرَةِ لِلْحُكَمَاءِ وَالْجُهَلاَءِ” (رومية ۱: ۱٤).

أسامة خليل أندراوس

 

الباب الأول

وصف عام للكتاب المقدَّس

لقد صرف الأستاذ مونتيرو وليامز ٤۲ سنة يدرس الكتب الشرقية، وكتب مقارنة بينها وبين الكتاب المقدَّس قال فيها: “كوِّم هذه الكُتُب على جانب مكتبك الأيسر، إذا شئت، ولكن ضع كتابك المقدَّس على الجانب الأيمن، وحده، بمفرده، وبينه وبينها كلها مسافة، فهناك فعلاً مسافة كبيرة تفصل هذا الكتاب الواحد عنها كلها فصلاً كاملاً للأبد. إنَّها مسافة حقيقية، لا يمكن أن يُقام عليها جسر (كوبري) من أي عِلْم أو فِكْر ديني”.

مونتيرو وليامز

لقب الكتاب المقدس

لقد صرف الأستاذ مونتيرو وليامز ٤۲ سنة يدرس الكتب الشرقية، وكتب مقارنة بينها وبين الكتاب المقدَّس قال فيها: “كوِّم هذه الكُتُب على جانب مكتبك الأيسر، إذا شئت، ولكن ضع كتابك المقدَّس على الجانب الأيمن، وحده، بمفرده، وبينه وبينها كلها مسافة، فهناك فعلاً مسافة كبيرة تفصل هذا الكتاب الواحد عنها كلها فصلاً كاملاً للأبد. إنَّها مسافة حقيقية، لا يمكن أن يُقام عليها جسر (كوبري) من أي عِلْم أو فِكْر ديني”.

يُطلق الكتاب القدس على مجموعة الأسفار التي كتبها أُناسٌ أطهار، ألهمهم الله بكتابتها في أزمنة وأماكن مختلفة. وذلك لأجل إشهار وصاياه ومواعيده وتذكار مراحمه لتهذيب الجنس البشري وخلاصِهِ. وكان اليهود يطلقون اسم “التوراة” على أسفار موسى الخمسة لأنها تتضمن الشرائع والطقوس التي أعطاهم الله إياها على يد النبي موسى في طور سيناء. وكلمة “توراة” كلمة عبرية معناها الناموس”.

ويحتوي الكتاب المقدَّس على جزئين هما العهد القديم والعهد الجديد، وأغلب الظن أن أول من استخدم لفظة “عهد جديد” و”عهد قديم” هو الرسول بولس في رسالته إلى كورنثوس: “٦اَلَّذِي جَعَلَنَا كُفَاةً لأَنْ نَكُونَ خُدَّامَ عَهْدٍ جَدِيدٍ. ۱٤بَلْ أُغْلِظَتْ أَذْهَانُهُمْ، لأَنَّهُ حَتَّى الْيَوْمِ ~ذلِكَ الْبُرْقُعُ نَفْسُهُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْعَهْدِ الْعَتِيقِ بَاقٍ غَيْرُ مُنْكَشِفٍ”.(۲كو۳: ٦،۱٤) وسُمِّيَا بالعهدين لأنهما يحويان عهد الله وميثاق رحمته في فداء الخطاة بواسطة ابنه يسوع المسيح الوسيط الوحيد بين الله والناس “لأَنَّهُ يُوجَدُ إِ$ـهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ” (۱تي ۲: ٥).

تقسيم الكتاب المقدس

لاحظ بعض الشارحين الموهوبين أن التقسيم الخماسـي للتوراة (أسفار موسى) قد وضع بصمته الواضحة على الكتاب المقدَّس كله. ودعنا نرى نبذة سريعة عن ذلك[1]

يحتوى العهد القديم على ۳٩ سِفراً مقسَّمة إلى خمسة أقسام كالآتي:

٥-۱۲-٥-٥-۱۲

۱- أسفار الشريعة (٥)

۲- الأسفار التاريخية (۱۲)

۳- الأسفار الشعرية (٥)

٤- الأنبياء الكبار (٥)

٥- الأنبياء الصغار (۱۲)

العهد القديم

فأسفار موسى الخمسة هي:

۱- سفر التكوين: وهو سفر البداءات. وفيه نرى بداءة الخليقة، والسقوط، والفداء، والإيمان، والوعد، والاختيار، والمحبة، والميراث، والتأديب، والموت. وبالإجمال نجد فيه بداية كل شئ. وحسناً دُعي هذا السفر «مستودع بذار الكتاب المقدَّس» فكل الأفكـار التي نمت فيما بعد كشجرة نجد بذرتها في هذا السفـر. لهذا فمن الجميل أن يأتي هذا السفـر في الأول، فيكون ترتيبه هو رقم (۱).

۲- سفر الخروج: في هذا السفـر نجد أفكاراً جديدة تماماً. فالفكر التمهيدي فيه هو الفداء. فداء الشعب من العبودية وإحضارهم إلى الله ليكونوا في علاقة معه. وهذه العلاقة مؤسسة على قاعدتين: الفداء بالدم (خر۱۲)، والتحرير بالقوة (خر۱٤). ثم في الجزء الأخير من السفـر نجد الحديث عن مسكن الله مع شعبه. فالشركة على أساس الفداء هو ما يؤكده هذا السفر. لهذا من المناسب أن يكون رقم هذا السفر (۲) الذي هو رقم الانفصال كما أنه رقم الشركة.

۳- سفر اللاويين: وفيه نجد خطاً آخر من الحق، هو الاقتراب إلى الله، والقداسـة المرتبطة بذلك، وذلك بعد أن صوَّر المسيح وكمال شخصه وعمله على الصليب في صور رمزية في التقدمات المتنوعة (أصحاح۱-٥). ولأن الأقداس هى قلب هذا السفـر، ولأن قدس الأقداس هو القسم الثالث من بيت الله، وهو مكعب، ولأن لاوي هو الابن الثالث ليعقوب، وترتيبه سواء في بركة يعقوب لأولاده أو بركة موسى للأسباط هو الثالث (تك ٤٩، تث ۳۳) لذلك كان من المناسب أن يأتي سفر اللاويين، سفر الأقداس، في الترتيب الثالث.

٤- سفر العدد: إنه السفر الذي يحدثنا عن الرحلة في البرية، وعن المكائد والحروب التي تعرَّض لها الشعب فيها. وفي هذا يظهر فشل الإنسان من ناحية، كما تظهر أمانة الله من الناحية الأخرى. ثم إنه سفر الخدمة. ولأن الرقم الذي يحدثنا عن الأرض والعالـم في الكتاب هو رقـم (٤)، كان مناسباً أن يكون سفر العدد هو السفر الرابع.

٥- سفر التثنية: يبدو في هذا السفر وكأننا نرجع إلى بداية الرحلة. كما نجد استعادة لذكرياتها واستعراضاً لدروسها. وهذا السفر بالعبري اسمه «الكلمات» فالله يعيد عليهـم الدرس قبل أن يدخلهم أرض الموعد بالنعمة، ثم يضعهم في الختام أمام مسئوليتهم. ولهذا فكان من المناسب أن يوضع هذا السفر في آخر هذه المجموعة، وأن يكون ترتيبه رقم (٥) الذي يحدثنا عن النعمة وعن المسئولية.

الأسفار التاريخية وتقسيمها الخماسي:

تنقسم الأسفار التاريخية أيضاً تقسيماً خماسياً، يطابق التقسيم السابق لأسفار الشريعة الخمسة كالآتي:

۱- سفر يشوع: وهو مثل التكوين، إذ نجد فيه بداية جديدة للأمة في أرض الموعد.

۲- القضاة وراعوث: يتجاوبان مع سفر الخـروج، إذ نجد صراخ العبودية يرتفع من جديد، ليس في مصر هذه المرة، بل في أرض الموعد. ثم نجد أيضاً خلاص الله لهم من العبودية. وأخيراً نجد الشركة في أسمى صورها في سفر راعوث.

۳- صموئيل والملوك: تتجاوب مع سفـر اللاويين إذ نجد فيها الكهنوت، بجانب الأنبياء والملوك. وكذا تخبرنـا عن خيمة الاجتماع في شيلوه، ثم هيكل الله في أورشليم.

٤- عزرا ونحميا وأستير: نجد فيها مرة ثانية ليس تيهـان الشعب في البرية، بل تيهانهم وسط الشعوب. كما أننا نجد الفشل من جانب الإنسان والأمانة والرحمة من جانب الله تكراراً لدروس سفر العدد.

٥- أخبار الأيام: يعود بنا إلى البداية، إلى آدم وإلى تـاريخ البشر من ذلك الوقت تكـراراً لدرس تثنية ٤: ۳۲. وبالمنظار الإلهـي ينظـر إلى كل تاريخ الشعب حتى سبيهم نظراً لفشلهم في المسئولية. لكن لا يُختـم دون ذكر لمحة خاطفة لعودتهم بالنعمة. وهو نفس ما حدث أيضاً في تثنية ۳۲.

ونلاحظ أن هذه الأسفار التاريخية في مجملها تمثل القسم الثاني، أى أنه يحمل في مجمله طابع سفر الخروج: العبودية نتيجة الخطيئة، ثم تداخل الله بالخلاص.‍

الأسفار النبوية وتقسيمها الخماسي:

۱- إشعياء: هو أول النبوات وأكبرها، وتميزه النعمة ووفرة النبوات عن المسيح المولود من العذراء (قارن إش ٧: ۱٤ مع تك ۳: ۱٥). ويتمشى مع طابع سفر التكوين.

۲- إرميا ومراثيه: نجد طابع سفر الخروج مرة أخرى إذ أن خطية الشعب استوجبت استعباده وسبيه إلى بابل. كما أن الصراخ وصغر النفس في مصر الذي يفتتـح به سفر الخروج نجده يتجاوب مع الصـراخ وصغر النفس في بابل الذي يرد في تذييل سفر إرميا، سفر مراثي إرميا. لكن الخلاص النهائي لهـذا الشعب مقدم في صورة نبوية، حيث يقطع الرب معهم عهـداً جديـداً، لا كالعهد الذي قطعه مع آبائهم يوم خروجهم من أرض مصر (إر ۳۱).

۳- حزقيال: كتبه حزقيال الكاهن. ويقدم لنا كتاباً كهنوتياً إذ يذكر خطية إسرائيل لا باعتبارها ذنبـاً وإثماً بل دنساً ونجاسةً استوجبت قطع علاقة ذلك الشعب مع الله. لكن تختم النبوة ليس فقط برجـوع الشعب، بل أيضاً ببناء الهيكل حيث سيقدمون ذبائحهم، وحيث سيملأه مجد الرب من جديد بصورة أعظم. وفي هذا نرى طابع سفر اللاويين.

٤- دانيال: كتبه دانيـآل النبي الذي قضى معظـم عمـره في خدمة أباطرة الأمم. وهى النبوة الوحيدة المهتمة بتاريخ العالم وأزمنة الأمم. أي أن طابع سفر العدد واضح فيها. إنه يعيد من جديد قصة فشل الإنسان، فكما فشل إسرائيل كما هو وارد في سفـر العدد، هكذا فشـلت الأمم أيضاً في زمان سيادتهم على العالم.

٥- الأنبياء الصغار الاثنى عشـر: تقدم لنا «كلمـات» الـرب، التي تُخـتم في كل النبوات بمشهد المجد، دون إغفال لا جانب النعمة من ناحية الرب في إتمام مواعيده، ولا جانب المسئولية من ناحية الشعب التي تستوجب التأديب.

وهذا القسم الثالث في مجمله يدخلنا إلى داخـل المقادس، في محضر الله نفسه. فالنبي هو ذاك الذي يستحضر القلب والفكر إلى الله. وعليه فهذا القسم كله يتمشى مع طابع سفر اللاويين.

الكتب الشعرية وتقسيمها الخماسي:

۱- المزامير: أهم وأكبر أسفار القسم - ويساير سفر التكوين في تنوع موضوعاته.

۲- أيوب: يصور لنا الضيق، والشيطان الذي يريد إهلاك المؤمن كما فعل فرعون مع بنى إسرائيل. لكن نجد فيه توقع الولي الفادي (أى۱٩: ۲٥ وخر۱۲)، من ثم فإن الله يخرج المؤمن من وجـه الضيق إلى رحبٍ لا حصر فيه. وهو بهذا يساير سفر الخروج.

۳- نشيد الأنشاد: قـدس أقـداس هذا القسم، حيث يؤتى بالنفس إلى حجال الملك (أى غرفته الخاصة). ولهذا فهو يطابق سفر اللاويين.

٤- الجامعة: يقدم لنا اختبار سليمان الحكيم من جهة كل ما تحت الشمس، ويدمغه بأنه «باطل الأباطيل، وقبض الريح» (أو انقباض الروح) - الأمر الذي نلمس فيه طابع سفر العدد.

٥- الأمثال: تجد فيه الكلمات والمواعظ، الأمر الذي يتمشى مع سفر التثنية.

ونلاحـظ أن هذا القسم في مجمله يتمشى مع سفر العدد لكنه يقدم لا تـاريخ شعب الله في البريـة بل اختباراتهم فيها. وكـم هو جميل أن هذه الاختبارات مكتوبة شعراً، في صورة تسابيح وأغاني روحية، رغم كونهم «عابرين في وادي البكاء»‍‍‍‍! ومع صاحب المزمور يقولون «ترنيمات صارت لي فرائضك في بيت غربتي» (مز٥٤:۱۱٩)

وبهذا ينتهي العهد القديم بأقسامه الأربعة. وهذا العدد نفسه (٤) يحدثنا عن مجمل مضمون أسفاره فموضوع العهـد القديـم كما ذكرنا هو الأرض، وفيه قصة تعامل الله مع شعبه الأرضي.

العهد الجديد

هو قسم ثان قائم بذاته ومع ذلك فيمكن تقسـيم أسفاره السبعة والعشرين ذات التقسيم الخماسي الذي مر بنا

التقسيم الخماسي للعهد الجديد:

۱- الأناجيل الأربعة: بالمقابلة مع سفر التكوين، تقدم لنا بداءة جديدة تماماً بمجيء المسيح له المجد. مع فارق أنه بينما يقدم لنا سفر التكوين أساساً سيَر سبعة أشخاص، فإن الأربعة الأناجيل تقدم لنا شخصاً واحداً. إن صورة واحدة لا تكفي لتعرفني معرفة كاملة على شخص ما، بل يلزمني عادة صور من مختلف الزوايا فأحصل لا على مجموعة صور متناقضة، بل على صور مختلفة تكمل إحداها الأخرى عن ذات الشخص.

فإنجيل متى يقدم لنا الرب كالملك الحقيقي لكن المرفوض. وإنجيل مرقس يصوره لنا كالعبد الكامل ليهوه والخادم لحاجة البشر. وفي إنجيل لوقا نرى الرب يسـوع، الإنسان الكامل، المتكل على إلهه، والممتلئ عطفاً على البشرية. أما في إنجيل يوحنا فنجد الـرب له المجد باعتباره الله الظاهر في الجسد، أو بالحري الشخص الإلهي الفريد، وبالتالي الغريب في هذا العالم.

۲- أعمال الرسل: يقابل سفر الخروج، الذي قدم لنا قصة إنقاذ الشعب من عبودية مصر، عبودية الطين واللبن، لكنهم باختيارهم وضعوا أنفسهم في أصحاح ۱٩ تحت نير عبودية آخر ثقيل لم يقدروا أن يحملوه، إنه نير الناموس. لكن سفر الأعمال يقدم لنا قصة خلاص الآلاف من مختلف الشعوب (أع ۲، ٨، ۱۰)‍ لا من الخطية فحسب، بل أيضاً من نير الناموس (أع ۱٥).

ثم إن سفر الخروج يحدثنا عن مسكن الله، خيمة الاجتماع، وسفر الأعمال يحدثنا عن البيت الجديد الروحي، كنيسة الله، إذ كان الرب يضم كل يوم إلى الكنيسة الذين يخلصون (أع ۲: ٤٧).

۳- رسائل بولس: وهى مثل سفـر اللاويين، تتحدث عن الاقتراب إلى الله. فلا توجد كتابات تُشعرك بذات محضر الله، بالسماويات، وبمقام المؤمن السامي، مثل كتابات بولس. لكنها تتحدث في نفس الوقت عن المسئولية التابعة لذلك. وهي:

رومية: موضوعها التبرير، كورنثوس: التقديس، غلاطية: التحرير، أفسس: البركة، فيلبي: الفرح، كولوسي: الكمال، تسالونيكي: المجد.

٤-الرسائل الجامعة: أي رسائل يعقوب وبطرس ويوحنا ويهوذا، فأربعة كتبة، وقسم رابع. أما الموضوع فهو مركـز المؤمـن على الأرض وسلوكه هنا كغريب ونزيل، وهو عرضه في البرية لهجوم إبليـس الأسد الزائر، كما أنه عرضة لجاذبيات وإغـراءات وشهوات العالـم الذي محبته عداوة لله. وعليه فطابع سفر العدد واضح فيها.

٥- سفر الرؤيا: يتوافق مع سفر التثنية، حيث فيه نجد مجملاً لأفكار الله من البداية إلى النهاية. ومن الناحية الواحدة نجد مسئولية الرافضين، ومن الناحية الأخرى نجد النعمة السامية التي تتعامل مع المؤمنين.

ما أعجب تراكيب هذا الكتاب الواحد الفريد! هل كان ممكناً لمجموعة من الكتّاب تباعدت بينهم العصور أن يقدمـوا لنا كتاباً كهذا لولا أن الله قادهم من البداية إلى النهاية؟!!

سفر المزامير وتقسيمه الخماسي:

والعجيب أنه يمكنك أن تجد نفس هذا الطابـع الخماسي في سفر واحد مثل سفر المزامير. فمعروف أن هذا السفر مقسـَّم في العبري إلى خمسة كتب، ويسميه بعض اليهود «توراة داود» تمشياً مع توراة موسى. وهذا التقسيم ليس اجتهادياً بل أن كل قسم منه يختم بالقول «مبارك الرب ... آمين ثم آمين» أو ما يشبهه.

فالكتاب الأول: من مزمور ۱ إلى ٤۱، يميزه كثرة التحدث عن الإنسـان (مز۱، ٨، ۱٦... الخ)، فيبدأ بالفارق بين البار والأشرار (مز ۱)، وكذا بين الإنسان الأول آدم والإنسـان الثاني (مز ٨)، وهكذا. كما أنه يحدثنا عن البدايات وعن الخليقة (مز٨،۱٩) ولهذا فهو يتمشى مع سفر التكوين.

والكتاب الثاني: من مزمور ٤۲ إلى ٧۲، يكثر الحديث فيه عن الفداء بالدم والتحرير بالقوَّة، لأنه يبدأ بالشعب وهم يئنُّون ويتنهَّدون طالبين النجاة (مز٤۲). إنه كتاب الفداء والفصح (مز٥۱: ٧)، وهو مثل سفر الخروج.

والكتاب الثالث: من مزمور ٧۳ إلى ٨٩، وهو يبدأ بمزمور لآساف اللاوي، وفيه يرد القول «حتى دخلت إلى مقادس الله» موجهاً النظر إلى الطابع العام لهذا القسم وهو القداسة. فهذا الكتاب إذاً هو كتاب مساكن الرب (مز٨٤) والكفَّارة (مز٨٥)، ويتوافق مع سفر اللاويين.

والكتاب الرابع: من مزمور ٩۰ إلى ۱۰٦، وهو يُفتَتَح بالمزمور الوحيد المعنون «لموسى رجل الله» رجـل البرية إذ قضى في البرية معظم حياته. إنه إذاً كتاب البرية والغربة، ويتمشى مع سفر العدد.

والكتاب الخامس: من مزمور ۱۰٧ إلى ۱٥۰، وهو كتاب التثنية الداودي، ويحتوى على المزمور العجيب، مزمور ۱۱٩، أطول أصحاح في الكتاب المقدَّس، والذي موضوعـه من البدايـة إلى النهايـة هو «كلمة الله»!! إنه إذاً كتاب الكلمات والطاعة، مثل سفر التثنية.

وممكن أن نعتبر ختـام الكتاب الخامس هو مزمور ۱٤٥ الذي يُختـم ببركة كل بشر لاسم الرب، وبعده تأتي المزامير الخمسة الأخيرة بمثابة تذييل رائع لهذا السفر العظيم، كل واحد منها يبدأ ويختم بعبارة “هللويا” أو سبحوا الرب، أو بالعبارتين معاً.

أليس جميلاً أن الرقم خمسة يضع بصمته الواضحة على كل الكتاب. ونحن نعرف أن الرقم خمسة هو رقم عمانوئيل (الله معنا). ليس فقط الله معنا، بل معنا أيضا كلمته (أع۲۰: ۳۲).

رسم تخطيطي لأسفار الكتاب المقدس

ترجمات الكتاب المقدس

كان الكتاب المقدَّس عند كثيرين من المسيحيين في القرن الأول هو الترجمة اليونانية للعهد القديم (السبعينية) وقد شُرِع بإعدادها في القرن الثالث ق م. وبعد اكتمال العهد الجديد بدأ عمل الترجمة. ربما كانت أول ترجمة هي اللاتينية. وكانت هذه هي اللغة الرسمية في الإمبراطورية الرومانية، وإن كانت اللغة اليونانية هي اللغة التي شاع التخاطب بها بين المسيحيين على أوسع نطاق، حتى في إيطاليا. وفي بادئ الأمر اُستُعْمِلَت اليونانية في أغلب الكنائس.

منذ القرن الثاني فصاعداً وُجِدت عدة ترجمات محلية للكتاب المقدَّس. ولكن الناس شعروا بالحاجة إلى ترجمة قياسية يُعْتَرف بها ويستخدمها الجميع. وهكذا ففي زمن ما قبل ۳٤٨ م طلب دوماس أُسقُف روما من أمين سرِّه أن يراجع العهد الجديد اللاتيني وينقِّحهُ. كان هذا الرجُل هو إيرونيموس “جيروم” الراهب العظيم، وهو أول مترجم الكتاب المقدَّس (ترجمة قياسية يُعْتَرف بها ويستخدمها الجميع) عام ۳٨٥م، ومنذ ذلك الوقت وترجمة إيرونيموس اللاتينية (المعروفة بالـ’ـلوجاتا vulgate أو الشعبية) هي الكتاب المقدَّس الأم وكان لها أثراً عظيماً على تاريخ الكتاب المقدَّس، وعلى مدى أكثر من ألف سنة كانت هي الأساس لجميع الكتب المقدَّسة المتداولة في أوربا وظلَّت هكذا إلى أن جاء يوحنا جوتنبرج باختراعه العظيم آلة الطباعة. وتم طبع الكتاب المقدَّس وتداولته جميع الكنائس والأديرة.

كان إيرونيموس عالِماً مدققاً، وقد قام بعمله على أكمل وجه. فلكي يترجم العهد القديم تعلَّم العبرية في بيت لحم حيث أقام بضع سنين، إذ أنجز ترجمته بالنسخ اليدوي ونشرها في بلاد عديدة، وحملت كلمة الله رجاء وحياة جديدة لأعداد لا تُحصى من البشر.

وفي القرن الثاني بدأ بعض المترجمين عملهم في السريانية وهي لهجة متفرعة من اللغة الآرامية التي تكلَّم بها السيد المسيح. ومع أن اللغة السريانية القديمة مازالت تُستَخدم في التخاطب حتى الآن في شمال العراق، فإن الترجمة السريانية التي أُنجِزَت في القرن الرابع (الفشطا أو البسيطة) ما زالت تُستخدم في العبادة عند بعض المسيحيين والسوريين في سوريا والعراق وإيران والهند وغيرها من البلدان.

وفي مصر استعملت الكنيسة أولاً اللغة اليونانية. ولكن مع انتشار المسيحية جنوباً برزت الحاجة إلى ترجمة مصرية “قبطية”. وقد بدأت هذه الترجمة في القرن الثالث، وما زال الكتاب المقدَّس القبطي حيَّاً في القُدَّاسِ القبطي الأرثوذكسي.

وبعد اهتداء قسطنطين الإمبراطور الروماني الشهير عام ۳۱۲م انتشرت المسيحية بسرعة مذهلة، فدعت الحاجة حالاً إلى ترجمات جديدة. وبعدما غزا القوطيون الإمبراطورية في حوض نهر الدانوب، أنجزوا ترجمة للكتاب المقدَّس كلّه باللغة القوطية قام بها المبشِّر أولفيلاس. ومع أن اللغة القوطية انقرضت منذ زمن بعيد، ما زال جزء كبير من هذه الترجمة محفوظاً في مخطوطات.

ثم أن مسروب مخترع الأبجدية الأرمينية قام بترجمة الكتاب إلى الأرمينية في القرن الخامس عشر، ومعلوم أن الأرمن كانوا أول أُمَّة مسيحية في العالم. وما زالت هذه الترجمة هي القياسية لدى الكنيسة الأرمينية العريقة سواءٌ في جمهورية أرمينيا أو في البلدان العديدة التي تشتت فيها الأرمن. وربما كانت الترجمتان الحبشية والجورجانية تعودان إلى القرن الخامس أيضاً، وما تزالان تُستعملان اليوم في كنائس إثيوبيا وجمهورية >ـور>ـيا.

وفيما بعد أُنجزت ترجمة بالسلا,ـية القديمة، وهي اللغة التي كانت متداولة في بلغاريا والصرب وجنوب روسيا في القرن التاسع. ولما اهتدت القبائل السلا,ـية إلى المسيحية على يد القديس سيريل “كيرلس”. وقد اخترع هذا القديس الأبجدية السيريلية ثم ما لبث أن تولَّى ترجمة الكتاب المقدَّس كله إلى السلا,ـية. وما زالت هذه الترجمة هي الترجمة الرسمية عند الكنيسة الأرثوذكسية الروسية.

فضلاً عن هذه الترجمات الكنسية، نعرف على الأقل ترجمة “إرسالية” واحدة أُنجِزَت قبل تأسيس أية كنيسة. فنحو ٦٤۰م قام جماعة من المبشِّرين النساطرة، وكانت السريانية لغتهم، بترجمة الأناجيل إلى الصينية وتقديمها إلى الإمبراطور تاي تسونْغ.

العصور المظلمة:[2]

أخذت المسيحية تنتشر بسرعة ولاسيما في شمال أوربا وشرقها، خلال القرون التي أعقبت انهيار الإمبراطورية الرومانية في الغرب. ومع تنامي الكنيسة تُرجِمت أجزاء من الكتاب المقدَّس إلى عدة لغات جديدة.

وفي أوائل القرن الثامن الميلادي تُرجمت أجزاء من الكتاب المقدَّس إلى الإنجليزية على يد الأسقف آلدْهيلهم في جنوب بريطانيا، وعلى يد والمؤرخ بِيْد في الشمال كلٍّ على حدة. ولكن لم يبقَ شئ من هذه الترجمات. كذلك قام الملك الإنجليزي ألفرد (٨٧۱-٩۰۱م) بترجمة أجزاء من الخروج والمزامير والأعمال. وبعد الفتح النورمندي تُرجمت أسفار مختلفة إلى الإنجليزية أو بعض لهجاتها المحلية. ومن الترجمات التي بقيت إلى اليوم ترجمة إنجيل متَّى بالفرنكية (الألمانية القديمة) تمَّت عام ٧٥٨م. أما النصوص الفرنسية فتعود إلى القرن الثاني عشر، والإيطالية إلى القرن الرابع عشر.

سابقوا الإصلاح:

ظهرت في أواخر العصور المظلمة في الغرب عدة ترجمات جديدة للكتاب المقدَّس. وهذه الترجمات توجهت إلى عامة المسيحيين وقد باشرها أشخاص غير خاضعين للكنائس التقليدية. فنحو عام ۱۱٧۰م قرأ تاجر من ليون، وهو بطرس والدو، العهد الجديد فوجد هدفاً جديداً في الحياة. ومنذ ذلك الوقت قام بالترتيبات اللازمة لترجمة الكتاب المقدَّس إلى لغة فرنسا الجنوبية. وقد أسس أتباعه الكنيسة الولدنسية التي كابدت الاضطهاد طيلة قرون عديدة.

وبعد ۲۰۰ سنة تقريباً، كان لاهوتي من أوكسفورد يدرس الكتاب المقدَّس، فاقتنع اقتناعاً راسخاً بضرورة نقله إلى لغة الشعب. ونتيجة لمجهود هذا الرجل، >ـون ويكلف، تم ترجمة الـفـولجاتا vulgate اللاتينية إلى الإنجليزية عام ۱۳٨٤م، وفي عام ۱۳٩٥م تم تنقيح وتبسيط هذه الترجمة. وقد تضمَّنت بعض النسخ ملاحظات تؤيد وجهة نظر اللولارديين (أتباع ويكلف). فعُقد مجمع أوكسفورد عام ۱٤۰٨م ليمنع هذه الترجمة من النَّسْخ التداول. ولكن بعد ۱۰۰ سنة حين ظهرت أول أسفار مطبوعة من الكتاب المقدَّس، كانت مئات من هذه الترجمة ما تزال قيد التداول.

وفي بوهيميا (تشيكوسلوفـاكيا) حدثت حركة مماثلة، إذ تأثر قسيس جامعة براغ >ـون هِس بتعاليم ويكلف. ومع أنَّه أُحرق على عمود في عام ۱٤٥۱م شرع أتباعه في عمل ترجمة للكتاب المقدَّس، وكان نتيجتها العهد الجديد باللغة التشيكية عام ۱٤٧٥م.[3]

الطباعة والإصلاح:

في عام ۱٤٥۰ وفي ماينز بألمانيا اخترع يوحنا جوتنبرج Johannes Gutenberg عملية الطباعة باستعمال حروف معدنية مسبوكة، يتم صفَّها جنباً إلى جنب ثم تُفك بعد الطباعة لتُستعمل من جديد. وبذلك استهلَّ عهدٌ جديد في تاريخ الكتب، وفي مقدمتها الكتاب المقدَّس. فكان أول انتاج ضخم أصدرته المطبعة هو الكتاب المقدَّس باللاتينية عام ۱٤٥٦م. وبعد عشر سنين طُبع الكتاب المقدَّس بالألمانية عن ترجمة قام بها مترجم مجهول –مجهول بالنسبة لنا، ولكنه معلوم جيداً لفادينا الذي أرشده إلى هذا العمل الجليل- في القرن الرابع عشر. وفي عام ۱٤٧۱م طُبع أول كتاب مقدَّس بالإيطالية، وما لبث أن أعقبه العهد الجديد بالفرنسية، ثم الكتاب كلّه بالهولندية عام ۱٤٧٧م. ثم بالكاتالانية (أسبانيا عام ۱٤٧٨م).

هذه الطبعات والترجمات اعتمدت على مخطوطات موجودة ومترجمة من اللاتينية، ولكن مع نهضة العلوم وآداب اللغات الحية والميتة، بدأت دراسة النصوص باللغات الأصلية. ففي عام ۱٤٨٨م طبع علماء اليهود العهد القديم بالعبرية عن مخطوطات محفوظة بعناية، وقد حدث ذلك في إيطاليا. وفي ۱٥۱٦م نشر اللاهوتي الهولندي إيرازموس العهد الجديد اليوناني مطبوعاً. وقد كان إيرازموس من الداعين إلى ترجمة الكتاب المقدَّس إلى لغة التخاطب، مع أنَّه هو نفسه لم يكن مترجماً (إلاَّ إلى اللاتينية) ليستفيد من الكتاب أهل اللغات المختلفة وعامة الناس من الفلاحين والبُسطاء.

وفي تلك الأثناء كان في ألمانيا راهبٌ شاب اسمه “مارتن لوثر” يدرس الكتاب المقدَّس اللاتيني بكل شوق. وقد هزَّته كلمات بولس الرسول عن الإنجيل “لأَنْ فِيهِ مُعْلَنٌ بِرُّ اللهِ بِإِيمَانٍ لإِيمَانٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ«أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا» (رو۱٧:۱) وها هو يصف الرَّاحة والحرية اللتين حملتهما إليه هذه الكلمات “شعرتُ بأني قد وُلِدتُ من جديد بجملتي ... إذ محبتي للعبارة “بِرُّ الله” عظيمةٌ بقدر كُرهي لها قبلئذٍ. وعلى هذا النحو كانت لي هذه الآية بالحقيقة باب الفردوس.”

كان لوثر أستاذاً ومحاضراً في جامعة وتنبرج. فعكف على نشر هذه الرسالة ودرس بتدقيق العهد القديم العبري والعهد الجديد اليوناني الذي طبعه إيرازموس. ثم تولَّى مهمة القيام بترجمة جديدة إلى الألمانية بأوضح وأدق عبارة ممكنة. وهكذا ظهر العهد الجديد في ۱٥۲۲م والكتاب كلُّه ۱٥۳۲م. والشي الذي يُعد معجزيَّاً حقاً هو أن لوثر أتم ترجمة العهد الجديد كله بمفرده في ثلاثة أسابيع فقط! وإذ كانت اللغة الألمانية لغة الشعب الجاهل ولغة الشارع وليس المدرسة والجامعة، فقد أصبحت اللغة الألمانية بترجمته لوثر للكتاب اللغة الرسمية للبلاد في التعامل والتدريس وكافة شئون الحياة. وتُعد ترجمة لوثر أشهر وأدق ترجمة في اللغة الألمانية.

أما في اللغة الإنجليزية فإن ترجمة وليم تندال Tyndale للعهد الجديد تُعتبر أم الترجمات، وقد طُبِعت أول مرة عام ۱٥۲٦م. وبعدها جاءت ترجمة مايلزكو,ـردال والتي أجاز الملك هنري الثامن تداولها. وقد تضمنت هذه الترجمة أسفار الكتاب كلها. وأول كتاب مقدَّس كامل طُبع في اللغة الإنجليزية صدر عام ۱٥۳٧م وفي ۱٥٦۰م صدرت طبعة منقَّحة ومقدمة للملكة إليزابث، فلقت رواجاً كبيراً حتى أنَّها طُبِعت سبعين مرَّة خلال فترة مُلْكِهَا. إلاَّ أنَّ أشهر ترجمة إنجليزية للكتاب المقدس هي تلك المعروفة بترجمة الملك >ـيمس King James وقد أُبتدئ العمل لإتمامها عام ۱٦۰۳م، وظلَّت على مدى ۳٥۰ سنة في مقدمة الترجمات الإنجليزية إلى أن تم تنقيحها وعصْرَنتها حديثاً تحت اسم New King James. أما اليوم فتوجد أكثر من عشرين ترجمة في اللغة الإنجليزية، معظمها حديث وميسَّر.

رواد ترجمة الكتاب

مع تقدم العمل التبشيري والمرسلي على يد الطوائف الإنجيلية وبخاصة المشيخية والأسقفية، نشطت ترجمة الكتاب المقدَّس أو أجزاء منه إلى مختلف اللغات. ففي عام ۱٦۱۳م صدر العهد الجديد باللغة اليابانية لأول مرَّة، وفي عام ۱٧۱۱م باللغة التاميلية الهندية. ويجدر بنا هنا أن نذكر جهود وليم كاري الذي عكف طوال أربعين سنة على ترجمة الكتاب إلى عدة لغات ولهجات، فقد وصل الهند مع مساعديه عام ۱٧٩۳م، ولما توفى كانت مطبعته قد أصدرت ۳٧ ترجمة بينها البورمية والصينية.

ومع تأسيس أول جمعية للكتاب المقدس عام ۱٨۰٤م، بدأت تصدر ترجمات بلغات شتى، وهكذا ازداد انتشار كلمة الله بين الشعوب بلغاتهم المختلفة. وأكبر مشروع لترجمة الكتاب المقدس يتولاَّه اليوم “اتحاد جمعيات الكتاب المقدَّس” وهو يضم نحو ستين جمعية حول العالم، ويُعني بتنقيح الترجمات الموجودة أو بإصدار ترجمات جديدة في لغات بينها العربية[4] والهندية والصينية. وقد فاقت ترجمات الأسفار المقدَّسة كاملة أو أجزاء ۱٥۰۰ لغة ولهجة.
 

صور المصلحين والمترجمين

مارتن لوثر زعيم الإصلاح الإنجيلي وأفضل من ترجم الكتاب إلى اللغة الألمانية

جون ويكلف، أول من ترجم الكتاب إلى اللغة الإنجليزية، ۱٤۰ سنة قبل حركة الإصلاح الديني التي قام بها لوثر

آلة الطباعة الأولى التي اخترعها جوتنبرج خصيصاً لطباعة الكتاب المقدس، وتمت أول طبعة للكتاب كله على هذه الآلة عام ۱٤٥٥م

وليم تندال، أُعدم حرقاً بالشد على الخاذوق لأنه ترجم الكتاب إلى الإنجليزية، وتعتبر ترجمته أم الترجمات في هذه اللغة.

 

صحة وحي الكتاب المقدس

كتابكم مُحرّف [5]

سؤال يطرحه الأصدقاء في صدق أو في شك، يهاجم دون دليل! أو يسأل لأنه يفتقر إلى البرهان، حائرٌ بين الشك واليقين، بين التصديق وعدمه، يحاول أن يُعمِل العقل فلا يجد برهاناً يشفي الغليل. يحاول أن يسأل أهل الذِّكْرِ فيجد الغالبية تخاف أو تجهل البرهان أو لا تستطيع أن تعبر عن إيمانها بما يزيح الشك وينير الطريق. حتى هو نفسه أخافوه وأرعبوه من الاقتراب إلى الكتاب، ويقولون له: “يكفي ما عندك. لستَ بحاجة إلى غير ما تملك”. والغريب إذا حاول الاقتراب من عنده يجد الآيات البينات التي تقول: “إِنَّ الكِتَابَ هُدَى وَنَورٌ، وَإِنَّهُ تَنْزِيل العليّ” الواجب الرجوع إلى أهله إذا شكَّ في كلمات ربه (يونس ۱۰: ٩٤) وتذكير أهله بالحُكْم بما فيه وليس بإلغائه والحُكْم بحسب ما جاء بعده من رسالة وكتاب (مائدة ٥: ٤٧).

في الواقع أن تهمة تحريف الكتاب المقدَّس تهمة جزافية باطلة غير مقبولة شكلاً أو موضوعاً، لأنها غير مدعمة بأسانيد الاتهام الواجبة. فتهمة التزييف يجب أن تقترن بتحديد الآيات المزيفة، وبيان الأصل قبل التزييف لمضاهاتها عليه، وبيان زمان التزييف، وكيفيته، والغرض منه، ومن الذين قاموا بالتزييف، وكيف اتفقوا عليه، وكيف لم يفطن له أحد طوال الأجيال.

إن دعوة التحريف تُظهر على السطح أسئلة كثيرة، بل كل علامات الاستفهام التي نعرفها في لغتنا الجميلة: أين، كيف، مَنْ، لماذا، متى؟ دعونا نطرح هذه الأسئلة ونجاوب عليها تباعاً:

أين؟

تقول: “إن كتابنا مُحرَّف!” فأين الكتاب الصحيح الذي من خلاله استطعت أن تُجزم أنه ليس الصحيح؟

جاوبني أولُهم قائلاً: “إن النبي عيسى عليه السلام، ولأنه يعرف الغيب، عرف أنكم أناس لا تستحقون نعمة وجود الكتاب المقدَّس الصحيح بين أيديكم لأنكم ستغيِّرون ما به من أحكام وأقوال، فأخذه معه حينما رفعه الله إليه، وأعاده إلى مكانه الطبيعي في السماء العليا عند العرش.”

ثم قال لي ثانيهم: “في العصور الوسطى، عصور الظلام الفكري وسيادة الكنيسة وتسلطها، مَنَعَتْ الكنيسة الشعب من الاطلاع على الكتاب المقدَّس، وقصرت معرفته على الآباء الكهنة فقط، لدرجة أنهم جاءوا بالنسخة الأصلية بعد ربطها بسلاسل من حديد وطرحوها في أعماق المحيط حتى لا تكون في متناول أحد. وبذلك اختفت وضاعت. وما بين أيديكم اليوم هو تأليف وتزوير ومحض افتراء”

قال ثالثهم: “قالوا لنا إن النسخة الأصلية موجودة فقط مع رؤساء الطوائف الثلاث الأرثوذكسية، الكاثوليكية، الإنجيلية، أما عامة الشعب فليس لديها إلاَّ المُحرف”.

ثم تابعت سؤالي: هل قرأت الكتاب بنفسك حتى تكتشف زيفه وتحريفه؟ وكان الرد من الجميع بالنفي.

إذاً أين التحريف؟ هل حُرِّف الكتاب كلُّه وكُتِب آخرٌ جديد؟ أم هل تحرَّف جزء منه؟ أم هل تحرفت عدة آيات؟ إذاً أين هي؟ هل يمكنك أن تشير إليها حتى يمكننا البحث وإجلاء الحقيقية؟ والرد: لا نعرف!

وهنا تأتي المشكلة الكبرى: أنت تؤمن أن التوراة والإنجيل تنزيل العلي حسب كتابك الكريم، فالله سبحانه هو مصدره، ومؤلِّفه ومرسله. فأين كان سبحانه حينما تم التحريف؟ هل يمكن أن تتجرأ وتقول إنه لم يعرف بالتحريف؟ سبحانه علام الغيوب الذي هو على كل شيء قدير. أم أنه لم يبالِ به، وبعد أن نزَّله لم يعُد يعنيه منه شيء، وليكن ما يكون؟! ثم إن دعوى التحريف تنسب لله تعالى صفات غير صفاته:

تنسب إليه عدم الحب: فالرسالة التي أرسلها لنا ليعلن فيها من هو وما يطلبه منا، ترسم لنا الطريق للعودة إلى الفردوس المفقود بخطأ أبوينا آدم وحواء، ما هو هدف حياتنا، أين سنكون في آخرتنا، إنها إعلان حب من إله محبٍّ يهتم بخليقته التي أوجدها، كما يهتم الأب بأولاده والراعي برعيته!! فبعد كل هذا يترك رسالته لتتغير وتتبدل، وتكون النتيجة هلاك خليقته وتركهم للمخادعين دون من يحمي أو يعتني؟! إننا بذلك ننسب لله إنَّه إ~له غير محبّ، لا يهتم ولا يعتني ولا يبالي. سبحانه عز وجل لأنه علا عن ذلك علوَّاً كبيراً.

تنسب إليه عدم القدرة: إنه إله غير قادر أن يحفظ رسالته وكلمته من التغيير والتبديل والتحريف. إن الحكومة التي تصدر قانوناً، تصدره بدافع الاهتمام بالرعية فالقانون لصالحها، وتقوم بتنفيذه لتعلن هيبتها وقدرتها، والحكومة التي لا تهتم بتنفيذ القانون هي حكومة ضعيفة لا تهتم برعيتها، والرعية لا تهابها ولا تقدِّرها، فتعمُّ الفوضى ويسود قانون الغابة في أراضيها. فالذي يقول إن الله عز وجل لم يحفظ رسالته وقانونه الأدبي والأخلاقي، وترك الناس يغيرون ويبدلون فيما أعلنه، ينسب إليه عدم القدرة على حفظ قانونه. وحاشا لله أن يكون كذلك، فهو كُلِّيُّ القدرة، القوي الذي يستطيع كل شيء ولا يَعْسُرُ عليه أمرٌ، الذي بيده أمرنا وهو على كل شيء قدير.

تنسب إليه عدم القداسة: إنه إله غير قدوس. إن دعوى التحريف تنسب لله عدم القداسة، فكيف لنا نحن الخطَّائين الذين ارتكبنا كل إثم وفجور، كيف ندخل إلى قدس أقداس العلي، في كتابه العزيز المقدَّس، ونغيِّر ونُحرِّف؟!! هل يمكن أن تهزم الظلمة والنجاسة النور والقداسة، أو تختلط بهم؟! حاشا لله.

كيف؟

كيف يتم التحريف في كتاب بلغت آحاده المسكونة كلها وانتشر في ربوعها بسرعة شديدة. فكيف يمكن جمع كل النسخ وحرقها وتدوين جديد محرَّف في عالم لم يعرف الطباعة بعد؟! فالكتابة يدوية مرهِقة، والكتاب كبير يأخذ من الوقت والجهد والأموال ما لا طاقة لأحد بهم؟

وهل اتَّحد كل المسيحيين على التحريف ولم يكن بينهم معارض لهذه الفكرة، أو مؤمن متمسك بكتابه فيحفظه لنا ويقاوم المبدعين المحرفين، فتنتشر هذه الأفكار وتَعلمُ بها المسكونة كلها ويُعرف الغَثُّ من السمين؟ كيف تم التحريف ونحن لم نسمع عن ذلك خلال سبعة قرون لم يظهر لنا فيها معترض أو كتاب مخالف أو بدعٍ تتبنى هذه الفكرة؟

من ؟!!!

من يحرِّف الكتاب؟ اليهود أم المسيحيون أم هما معاً؟!!!

إن قيل إن اليهود حرفوه، نقول: “هذا من رابع المستحيلات لعدة أسباب منها:

۱- اليهود يحبون كتابهم ويقدسونه، وقد رأينا طقوس كتابة المخطوطات[6] ونسخها والشروط الصعبة الدقيقة في هذه العملية مع تخصيص فئة متخصصة في الكتابة (هم الكتبة) للقيام بعملية تجديد المخطوطات القديمة كلما استدعى الأمر ذلك.

۲- وجود بعض الأخطاء الظاهرية في الأسفار حتى اليوم مثل:[7]

۲ صم ۱۰: ۱٨ أن داود قتل من آرام ٧۰۰ مركبة بينما يذكر في ۱أخ ۱٩: ۱٨ أنه قتل ٧۰۰۰ مركبة

الرد: “قد يبدو للوهلة الأولى أن هناك تضارباً في الأقوال، لكن بالرجوع إلى ذلك العصر ندرك أن المركبة الحربية كانت تسع عشرة جنود، وهكذا يكون المقصود في الأولى عدد المركبات، أما في الثانية فهو عدد الراكبين. كما أن كلمة مركبة الواردة في ۱أخ بمعنى راكب أو جندي للتفرقة بين المحاربين في مركبات والمحاربين الفرسان أو المشاة”.

۱مل ٧: ۲٦ يقول إن الحوض يسع ألفي بث، بينما في ۲أخ ٤: ٥ يقول إنه يأخذ ويسع ۳۰۰۰ بث

الرد: “الأولى تعبِّر عن الكمية وقت الاستعمال لترك مساحة للمياه المزاحة نتيجة حجم المستحم فيها حتى لا تفيض خارجه، أما الثانية فتعبر عن السعة الكاملة التي يمكن أن يأخذها الحوض في حالة ملئه إلى حافته”.

ج- ۱مل ٤: ۲٦ يقول إنه كان لسليمان ٤۰۰۰۰ مزود خيل، بينما يقول ۲أخ ٩: ۲٥ إنه كان له ٤۰۰۰ مزود.

الرد: “المزود به عشرة عيون لعشرة خيول، فيكون المقصود في الأولي عدد الخيول وفي الثانية عدد البلوكات ذات المزاود العشرة”.

ولو كان عند اليهودي إمكانية التبديل والتعديل لأصلح هذه التي يُظن أنها أخطاء لكنها في الظاهر فقط.

۳- ذكر خطايا للأنبياء في التوراة مثل كذب إبراهيم وقوله لامرأته:  “قولي إنك أختي”. وزِنَى داود الرجل الذي وُجد حسب قلب الرب، صاحب المملكة العظيمة الموعود لها بالاستمرار للأبد. فكان بالأولى أن يحذفوها ويغلقوا الباب الذي يأتي منه الريح حتى لا تشوب سيرة أنبيائهم أي شائبة. فوجودها حتى اليوم برهان قوي على عدم زيادتهم أو حذفهم من كتابهم.

٤- اليهود والمسيحيون ليسوا على وفاق، ويختلفون في العقيدة والإيمان في عقائد أساسية حول شخصية السيد المسيح والصليب والخلاص.

المسيحيون عندهم نفس توراة اليهود ويؤمنون بها ويعتبرونها مع الإنجيل “كتابهم المقدَّس” العهد القديم والعهد الجديد. فلو حاول اليهود تغيير أو تبديل أي آية أو كلمة أو حرف لسارع المسيحيون فوراً بالاعتراض وتقديم الدليل، فالكتاب الصحيح أيضاً معهم. فإن كانت عند اليهود إمكانية فِعل ذلك لعملوا ألف حساب قبل كل شئ للمسيحيين وللنسخة طبق الأصل لتوراتهم التي معهم.

٥- هناك وصية في تثنية ٤: ۲ “لاَ تَزِيدُوا عَلَى الْكَلاَمِ الَّذِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهِ وَلاَ تَنْقِصُوا مِنْهُ لِكَيْ تَحْفَظُوا وَصَايَا الرَّبِّ إِ~~لهِكُمُ” وبكل تأكيد كان بينهم من يحترم ويحفظ كتابه ويطيعه.

إن قيل إن المسيحيين هم الذين قاموا بالتحريف، قلنا:

۱- المسيحيون يحبون كتابهم أيضاً ويقدسونه ويملكون آلاف المخطوطات من قبل الميلاد بمئات السنين تطابق النسخ الموجودة والترجمات التي بين أيديهم تماماً.

۲- توجد أخطاء ظاهرية في العهد الجديد. ولو كان عند المسيحيين احتمال التحريف لقاموا بتعديل هذه الأخطاء وسد الباب الذي يأتي منه الريح.

۳- هناك ذكر لخطايا الرسل والمؤمنين والكنيسة (سفر أعمال الرسل  ۱٥: ۳٩ و٤۰ الرسالة إلى أهل كورنثوس ۱كو ٥: ۱، سفر الرؤيا الأصحاحات الثلاثة الأولى)، لو كان احتمال للتحريف لحذفوا فوراً هذه الخطايا.

٤- يوجد تحذير شديد اللهجة في سفر الرؤيا الأصحاح ۲۲: ۱٨-۱٩ “لأَنِي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالَ نُبُوَّةِ ~هـذَا الْكِتَابِ، إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَزِيدُ عَلَى ~هـذَا يَزِيدُ الله عَلَيْهِ الضَّرَبَاتِ الْمَكْتُوبَةَ فِي ~هـذَا الْكِتَابِ. وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْذِفُ مِنْ أَقْوَالِ كِتَابِ ~هـذِهِ النُّبُوَّةِ يَحْذِفُ الله نَصِيبَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاةِ وَمِنْ الْمَدِينَةِ المقدَّسةِ وَمِنْ الْمَكْتُوبِ فِي ~هـذَا الْكِتَابِ”.

٥- كلنا نعرف عنف الاضطهاد وقسوته الذي تعرض له المسيحيون عبر العصور المختلفة في القرون الأولى، وخاصة أيام دقلديانوس الذي أحرق المنازل وغلى الأجسام في الزيت. ومع ذلك كان المسيحيون يتمسكون بالكلمة ويبشرون بها بفرح حاسبين أنفسهم مستأهلين أن يُهانوا من أجل المسيح. فهل يمكن لأناس حرفوا كتابهم ويعرفون ذلك تماماً أن يُقدموا على الموت بفرح من أجل كذبة أو خدعة وكتاب حرفوه بأيديهم؟!!

لماذا؟

لماذا نحرف كتابنا؟!! واعترضوا قائلين نعم عندنا أسباب منها:

هناك آية في سورة الصف ٦۱: ٦ تقول إن السيد المسيح (عيسى ابن مريم قال: “يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدِّقاً لما بين يديَّ من التوراة، ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد”. فأين هذه الآية في الإنجيل اليوم؟ أليس هذا دليلاًً على تحريفكم بحذفها من الكتاب؟ نقول:

أولاً: لو أن السيد المسيح ذكر هذا الاسم لقال “يهوذا” وليس “أحمد” لأنه كان يتحدث العبرانية، وأحمد بالعبرانية هو “يهوذا” حسب ما جاء في سفر التكوين ۲٩: ۳٥ على لسان ليئة امرأة يعقوب “وَحَبَلَتْ أَيْضَاً وَوَلَدَتْ ابْنَاً وَقَالَتْ: ~هـذِهِ الْمَرَّةِ أَحْمَدُ الرَّبَّ. لِـ~ـذلِكَ دَعَتْ اسْمَهُ يَهُوذَا”.

وكل ما ذكره السيد المسيح عن هذا الاسم هو يهوذا الإسخريوطي مسَلِّمَهُ الذي أعلن للتلاميذ معرفته لكل خُطّته حتى من قبل تنفيذها، وحذَّره ليتوب ويرجع عن شر أعماله. لكنه رفض تبكيت الروح ونفَّذ ما اتفق عليه مع رؤساء اليهود وسلَّم يسوع بقُبْلَةٍ. وكل ما قاله الكتاب عن يهوذا هو “ابن الهلاك للهلاك يُدعى” فهل هذه هي النبوَّة التي تقصدونها؟!

ثانياً: لو افترضنا جدلاً أن السيد المسيح قالها، فالرسول اسمه محمد وليس أحمد!! فيكون الرد: الاسمان من مصدر واحد، فأحمد ومحمد ومحمود ومصطفي وممدوح وطه كلها تدل على ذات الاسم الذي للرسول “صلعم”.

ولو افترضنا جدلاً صحة هذا الكلام، فعندنا في بلادنا خمسون مليون مسلم على الأقل منهم ٤٥ مليوناً أسماؤهم أحمد ومحمد ومصطفي وممدوح ومحمود وطه، فإلي أي منهم كان يشير السيد المسيح؟! لأنه لم يقل لنا في بشارته الاسم ثلاثياً حتى نتعرف عليه ويكون المقصود به شخصاً بعينه، فتكون الرسالة واضحة ليؤمن الجميع. لكن هذا ليس وارداً في سورة الصف ٦۱: ٦.

لذلك لماذا نحذفه!! كان من الأسهل، لو أن افتراضنا مازال قائماً بالقول إن السيد المسيح بشر برسول اسمه أحمد، أن نقول كما قال اليهود للتلاميذ حينما أخبروهم أن توراتهم تبشر بالمسيا، وإنه هذا هو الذي “صلبتموه أنتم وقتلتموه” “ليس هذا بل نحن ننتظر المسيا” ومازالوا حتى الآن في انتظار من تنبأت عنه التوراة أنه يأتي، ولم يقوموا قط بحذف نبوات المسيا الموجودة في توراتهم مفسرين إياها بتفسيرات أخرى تواكب معتقداتهم.

۲ - ذُكر النبي في إنجيل يوحنا ۱ : ۲۱  معرفاً بألف لام التعريف مما يقصد به نبينا وإلا ما الداعي لقول اليهود ليوحنا المعمدان: “أنت المسيح، أنت إيليا، النبي أنت؟!”

فإذا قلنا إن النبي هنا والذي سأل عنه اليهود تحقيقاً للنبوة التي جاءت في سفر التثنية ۱٨: ۱٥-۱٨ بإرسال الله نبياً مثل موسى، قالوا: “نعم هذا صحيح، والنبي هو رسولنا فهو مثل موسى في وجوه كثيرة، فكلاهما نشأ في بيوت أعدائهما، وكلاهما ظهرا بين عبدة الأصنام، وكلاهما رفضه قومه أولاً ثم عادوا فقبلوه، والاثنان هربا من وجه أعدائهما. موسى هرب إلى مديان ومحمد هاجر إلى المدينة، ونزل كلاهما إلى ساحة القتال وحاربا الأعداء وعملا المعجزات وساعدا أتباعهما من بعد موتهما على امتلاك فلسطين”.

وبالعودة إلى نص تثنية ۱٨ : ۱٥-۱٨ نجد أنه يقول لموسى أقيم لك نبي من إخوتك، فإذا صح بناءً على قرابة إسماعيل وإسحاق الأخوية اعتبار بني إسماعيل وبني إسرائيل إخوة، فكم بالأولى كثيراً يكون أسباط إسرائيل الاثني عشر إخوة بعضهم لبعض؟

والدليل أن المقصود بالقول “من إخوتك” أنه من الأسباط الاثني عشر الوصية التي أوصى بها الله بني إسرائيل بعدم أخذهم ملكاً من غير إخوتهم (تثنية ۱٧: ۱٥) فبنو إسرائيل من أول تاريخهم إلى نهايته لم يتوجوا ملكاً أجنبياً عليهم من خارج الأسباط.

فإذا قيل لك إن أحد إخوتك سيتقلد منصباً عالياً، هل يُفهم من ذلك أنه يقصد جارك الذي يسكن معك في ذات المبنى، أم ساكن نفس الحيّ، أم المتكلم ذات اللغة؟! ومع ذلك فهناك آية صريحة يحذر الله فيها بني إسرائيل أن لا يقبلوا أي نبي من ذرية إسماعيل لأن عهد الله كان مع اسحق (تك ۱٧ : ۱٨-۲۱ و ۲۱ : ۱۰-۱۲)

أيضاً النبي الموعود به هنا في تثنية ۱٨ :۱٥-۱٨  هو مرسل إلى بني إسرائيل، أما محمد فقد أعلن رسالته إلى العرب وبلغة عربية، وهو أيضاً ليس مثل موسى فموسى عبراني والرسول عربي.

موسى

محمد

موسى طلب قتله في طفولته

محمد لم يكن كذلك

موسى تعلم الحكمة والثقافة المصرية

محمد كان نبياً أمياً

موسى صنع المعجزات

محمد لم يصنعها لعدم إيمان الأولين بها (الإسراء ٥٩)

موسى كان يكلم الله وجهاً لوجه،

ومحمد يقول إن جبريل كان يأتيه بالآيات من السماء الدنيا والمكتوبة في اللوح المحفوظ.

تربي في مصر

لم يرَ مصر قط!

عبراني من إسرائيل

عربي من نسل قحطان أو يقطان وليس من بني إسرائيل

وبغَضِّ النظر عن كل هذا فالآية العاشرة من تثنية ۳٤ تحسم لنا وجه التشابه بين موسى وبين النبي الموعود به في هذا السفر وهي تقول “وَلمْ يَقُمْ بَعْدُ نَبِيٌّ فِي إِسْرَائِيل مِثْلُ مُوسَى الذِي عَرَفَهُ الرَّبُّ وَجْهاً لِوَجْهٍ”. فلا يمكن أن يكون المقصود هو نبي الإسلام. فيا ترى من هو هذا النبي؟ إنه السيد المسيح الذي تشابه مع موسى حيث لم يكن يكلم الله فقط وجهاً لوجه فهو “اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ.” (يو ۱ : ۱٨) بل هو كلمة الله أيضاً باعتراف الجميع (أع ۳ : ۲۲-۲٦)

أما عن السيد المسيح فالجدول الآتي يحسم النقاش بين أوجه الشبه والاختلاف:[8]

موسى

المسيح

هدد فرعون بقتله عندما كان طفلاً

هدد هيرودس بقتله عندما كان طفلاً

لا ينال كل الناس حماية عند طفولتهم من أشخاص يعيِّنهم الله للقيام بذلك عندما يقع عليهم التهديد.

أثناء طفولته قدَّمت ابنة فرعون الحماية له

حماهُ يوسف النجار خطيب مريم

قضى طفولته في مصر

جاء مصر وهو طفل

تهذَّب بكل حكمة المصريين وكان مقتدراً في الأقوال والأعمال (أع ٧: ۱٨-۲۲)

كان يقرأ ويكتب ولم يكن أُميَّاً وهذا واضح لما دخل الهيكل وقرأ في سفر إشعياء

رُفض من شعبه

إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله

كلََّم الله وجهاً لوجه دون وسيط، فكان كليم الله

كلمة الله المتجسد

من بني إسرائيل

من نسل داود من بني إسرائيل

صنع الكثير من المعجزات

صانع المعجزات العظيم

حرَّر بني إسرائيل من عبودية المصريين

حرَّر أتباعه من أغلال الشر والموت

كان محباً! فقد شهدت عنه التوراة “أما الرجل موسى فكان حليماً جدا أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض”. فلم يطيح بسيفه برأس من اختلف معه

كان المحبة ذاتها، فالله محبَّة

“موسى مختار الرب) (مز ۱۰٦: ۲۳)

هذا هو ابني الحبيب الذي به سُرِرْت

۳- أن النبوة مذكورة في تثنية ۳۳ : ۲ “جَاءَ الرَّبُّ مِنْ سَيْنَاءَ وَأَشْرَقَ لَهُمْ مِنْ سَعِيرَ وَتَلأَلأَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ وَأَتَى مِنْ رِبْوَاتِ الْقُدْسِ وَعَنْ يَمِينِهِ نَارُ شَرِيعَةٍ لَهُمْ”. فقيل إن قوله “جَاءَ الرَّبُّ مِنْ سَيْنَاءَ” يشير إلى تنزيل الشريعة على موسى، وقوله “وَأَشْرَقَ لَهُمْ مِنْ سَعِيرَ” يشير إلى تنزيل الإنجيل على المسيح. أما قوله “وَتَلأَلأَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ” فيشير إلى تنزيل القرآن على محمد، لأن جبل فاران قريب من مكة؟!!

إن كاتب سفر التثنية هو موسى ولا يدل كلامه هنا على الإشارة إلى الإنجيل أو القرآن بل أراد أن يذكّر بني إسرائيل كيف أضاء مجد الله إلى مسافات بعيدة عندما كانوا ضاربين خيامهم عند جبل سيناء. والذي يفتش عن خريطة سيناء الجغرافية يجد أن جبل سيناء وسعير وفاران ثلاثة جبال واقعة كلها في شبه جزيرة سيناء وعلى بعد مئات الأميال من مكة. (راجع تكوين ۱٤: ٦ وعدد ۱۰: ۱۲ و۱۲: ۱٦ و۳: ۱۳ وتثنية ۱: ۱.

“لكِنِّي أَقُولُ لَكُمُ الْحَقَّ إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي وَلكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ. وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرٍّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ. أَمَّا عَلَى خَطِيَّةٍ فَلأَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِي. وَأَمَّا عَلَى بِرٍّ فَلأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي وَلاَ تَرَوْنَنِي أَيْضاً. وَأَمَّا عَلَى دَيْنُونَةٍ فَلأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ قَدْ دِينَ.” (يو ۱٦: ٧-۱۱).

٤- ان كلمة الباراقليط IIAPAKAHEOE وليس IIEPIKAHOTE المترجمة المعزي هي في الأصل paracletos وليست pericletos وأصل ترجمتها باراكليتس وليس بركلتُس. الأولى معناها “المُعزِّي” والثانية “المشهور والمحمود”. وأنتم قمتم بتحريفها لتكون الروح المعزي بدلاً من اسم نبينا. وللرد على هذه المزاعم نقرأ كلمات المسيح في بشارة يوحنا أصحاحات ۱٤-۱٦ عن صفات الروح القدس، الروح المعزي. فإذا كانت تنطبق على البركلتُس الذي هو الروح المحمود كان الادعاء صحيحاً، وإن لم يكن كذلك فالقول بالتحريف باطل. قال المسيح:

“وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّياً (باراكليتس) آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ. رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ وَامَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ” (يو ۱٤: ۱٦ و۱٧).

"وَمَتَى جَاءَ الْمُعَزِّي(باراكليتس) الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآبِ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ فَهُوَ يَشْهَدُ لِي" (يو ۱٥: ۲٦).

“لكِنِّي أَقُولُ لَكُمُ الْحَقَّ إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي (باراكليتس) وَ~لكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ. وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرٍّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ.” (يو ۱٦: ٧و٨).

“وَفِيمَا هُوَ (المسيح) مُجْتَمِعٌ مَعَهُمْ أَوْصَاهُمْ أَنْ لاَ يَبْرَحُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ بَلْ يَنْتَظِرُوا «مَوْعِدَ الآبِ الَّذِي سَمِعْتُمُوهُ مِنِّي. لأَنَّ يُوحَنَّا (يحيَى) عَمَّدَ بِالْمَاءِ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَسَتَتَعَمَّدُونَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ لَيْسَ بَعْدَ هذِهِ الأَيَّامِ بِكَثِيرٍ» (أع ۱: ٤و٥).

“وَلَمَّا حَضَرَ يَوْمُ الْخَمْسِينَ كَانَ الْجَمِيعُ مَعاً بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ. وَصَارَ بَغْتَةً مِنَ السَّمَاءِ صَوْتٌ كَمَا مِنْ هُبُوبِ رِيحٍ عَاصِفَةٍ وَمَلأَ كُلَّ الْبَيْتِ حَيْثُ كَانُوا جَالِسِينَ. وَظَهَرَتْ لَهُمْ أَلْسِنَةٌ مُنْقَسِمَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نَارٍ وَاسْتَقَرَّتْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ (المؤمنون والرُّسُل) مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا.” (أع ۲: ۱-٤).

ومن الآيات السالف ذكرها يتضح لنا الآتي:

۱٤: ۱٦ “يَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ”.

۱٤: ۱٧ “لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ”.

۱٤: ۲٦ “سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي” (إذاً هو رسول المسيح).

۱٤: ۲٥ “يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ”.

۱٥: ۲٦  “فَهُوَ يَشْهَدُ لِي”.

۱٦: ٨-۱۱ “ييُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرٍّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ. أَمَّا عَلَى خَطِيَّةٍ فَلأَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِي. وَأَمَّا عَلَى بِرٍّ فَلأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي وَلاَ تَرَوْنَنِي أَيْضاً. وَأَمَّا عَلَى دَيْنُونَةٍ فَلأَنَّ رَئِيسَ هَذَا الْعَالَمِ قَدْ دِينَ”.

فهل يمكن أن تنطبق كل هذه الصفات على الرسول؟! يمكث معنا إلى الأبد؟! لا يراه العالم ولا يعرفه؟ “رسول المسيح” فيكون المسيح هو الله (حسب قولهم إن محمداً رسول الله!). يعلمنا ويذكرنا بكل ما قاله السيد المسيح “أحبوا أعداءكم.. وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يُرفع ابن الإنسان.. أنا والأب واحد.. من يغضب على أخيه باطلاً يكون مستوجب الحكم.. من طلَّق امرأته إلا لعلة الزنى يجعلها تزني.. أنا هو الطريق والحق والحياة.. ليس بأحد غيره الخلاص (غير المسيح).. ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد.. إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل!

صحة الكتاب المقدس تاريخياً

إن قدم الكتاب المقدَّس -التوراة والإنجيل- وصحته أمرٌ لا يقبل الشك، وليس لكتاب آخر في الكون ما له من البراهين على إثبات ذلك، ولما كان التاريخ أعدل شاهد وأصدق دليل، قصدت أن أستشهده في بحثنا هذا، كي يكشف النقاب ويوضح الحقيقة بأجلى بيان.

لا يخفى أن الكتاب المقدس يشتمل على قسم كبير من النبوَّات التي تمّ أكثرها، والباقي لا بد من أن يتمّ في حينه، وقد سبق الله فأنبأ بفم أنبيائه الكرام بحصول حوادث متعددة من قيام ملوك وسقوط آخرين، وخراب مدن عظيمة، وانقراض أمم شادت لنفسها عزاً باذخاً، ولم تكن لتحلم بما حلَّ بها من الفناء قبل حصوله.

فناحوم النبي تنبَّأ بصراحة بخراب نينوى قصبة الأشوريين، المدينة العظيمة التي كان ارتفاع أسوارها مئة قدم، ومحيطها ستين ميلاً، وعليها ألف وخمس مئة برج، ارتفاع كل منها مئتا قدم في حالة عظمتها. وقد تم هذا حرفياً. وإشعياء وإرميا تنبأ بخراب بابل قصبة الكلدانيين، وهي في حال سموِّ مجدها وعظمة اقتدارها وزهوها، فلم يمضِ مئة وستون سنة من تاريخ النبوَّة حتى خربت بابل العظيمة حسب النبوءة. وقد ذكر هيرودتس وزنفون المؤرخان كيفية خرابها مما يطابق أشد المطابقة ما أنبأ به النبيان.

ومن النبوَّات الكتابية أيضاً نبؤة حزقيال عن مدينة صور حيث نرى الحقائق التالية التي أثبتها وشهد لها التاريخ.

في الأصحاح ۲٦ عدد (٨) يخرب نبوخذنصَّر هذه المدينة، وفي العدد (۳) يقول النبي تقوم دول كثيرة عليها وفي (٤) تصبح صخرة عارية وفي (۲٥) يبسط الصيادون شباكهم على موقعها وفي (۱۲) تلقى أنقاضها في البحر وفي (۱٤) ولن تقوم للأبد و(۲۱) تقرير وتأكيد زوالها.

وبعد نبوة حزقيال بثلاث سنوات حاصر ملك بابل صور مدة ۱۳ سنة حتى استسلمت له وقبلت شروطه  (٥٨٥ - ٥٧۳ ق.م) ولما اقتحمها اكتشف أن سكانها قد هجروها بالسفن إلى جزيرة جديدة في عرض البحر على بُعد نصف ميل من صور. فقام بتخريب صور كما أشار النبي حزقيال في ۲٦ :٨.

وجاء الإسكندر الكبير. فحاصر المدينة الجديدة العاصية مستخدماً أنقاض القديمة كممر بحري إلى الجديدة بعد ٦۰ متراً واستولى عليها. كما أشار حزقيال في ۲٦ :۳ و۱۲ وأضحت صخرة عارية كما تقول النبوة في عددي ٤ و٥.

ومع أن تاريخ صور لم يتوقف نهائياً بعد حملة الإسكندر الرهيبة، إلاَّ أن الهجمات المتتالية من أنتيخوس إبيفانوس (۳۱٤ ق.م) إلى بطليموس فلادلفوس (۲٨٥ ۲٤٧ – ق.م) الذي موَّت تجارتها وأهميتها البحرية حتى احتلها المسلمون وأخربوها تماماً سنة (۱۳۲۱م) وأضحت كما يقول الرحالة العربي ابن بطوطة “كانت مضرب الأمثال ... وهي الآن أثر بعد عين” تماماً كما تشير النبوَّة في ۲٦ :۱٤.

لقد نظر حزقيال النبي إلى صور في أيامه. فإذا هي عظيمة بالغة قمة العظمة... بحيث أن أقوال نبوَّته كانت كهذيان لسامعيه وهو يشهد غنى ومجد صور الجبارة. وحسب حكمة البشر تكون نسبة صحة نبوَّاته خلال سبع سنوات على صور، لو أنها كانت محض صدفة، فرصة واحدة من ٧٥۰ مليون فرصة! ولكن نبوَّاته كلها تحقَّقت بكل تفاصيلها.

“~هكَذَا قَالَ السَّيدُ الرَّب: ~هئَنَذَا عَلَيْكِ يَا صُورُ فَأُصْعِدُ عَلَيْكِ أُمَماً كَثِيرَةً كَمَا يُعَلِّي البَحْرُ أَمْوَاجَهُ. فَيَخْرِبُونَ أَسْوَارَ صُورَ وَيَهْدِمُونَ أَبْرَاجَهَا. وَأَسْحِي تُرَابَهَا عَنْهَا وَأُصَيِّرُهَا ضِحَّ الصَّخْرِ” (حزقيال ۲٦ :۳ ۲۱).

الإنجيل واحد أم أربعة؟

وجود أربعة أناجيل هو أكبر دليل على تحريفكم الكتاب الواحد.

وللرد نقول إن كلمة إنجيل في الأصل اليوناني معناها “خبر سار” أو “بشارة مفرحة”. وهذا الخبر السار أو تلك البشارة المفرحة رواها أربعة أشخاص مسوقين بالروح القدس (۱ بطرس ۱: ۲۱). كل واحد منهم كتب من زاوية حسب المكتوب إليهم ومفهومهم وخلفيتهم الدينية والاجتماعية. مثلما يُحكى لك عن حادث موت عشرة أشخاص صباح اليوم ويأتي آخر فيقول شاهدت سيارة ميكروباص تشتعل فيها النيران فتأتي عليها. ثم يحكي ثالث عن حادث مروع حدث بين سيارتين صباح اليوم، ويأتي رابع ويحكي عن رعونة سائق ميكروباص أدت إلى وفاة كثيرين. كل واحد يحكي قصة مختلفة، لكنها واحدة، فهناك سائق أرعن، يقود سيارة ميكروباص، نتج عن سوء سلوكه تصادم مع سيارة أخرى ملاكي، واشتعلت النار بهما، ومات عشرة أشخاص من الركاب. أما بخصوص إنجيل المسيح، فالمسيح لم يأت بكتاب منزل، بل جاءنا ببشارة مفرحة، والبشارة هنا هي شخص المسيح نفسه “المخلِّص” الذي جاء ليفدي البشر، كما قال عنه الملاك ليوسف في متى ۱: ۲۱ “سَتَلِدُ ابْنَاً وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ” وكما قال البشير يوحنا في بشارته ۳: ۱٦-۱٨ “لأَنَّهُ ~هـكَذَا أَحَبَّ الله الْعَالَمَ حَتَى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَةُ. لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ الله ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيُخَلِّصَ بِهِ الْعَالَمُ. الَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بـ/سْمِ ابْنِ الله الْوَحِيدِ”.

لقد تحرف كتابكم والدليل حذف أسفار بكاملها من كتابكم الأصلي، مثل: يشوع بن سيراخ، ويهوديت، وأستير، وطوبيا، ونشيد الفتيان الثلاثة، وسوسنة، وبال والتنين.

وللرد نقول: “إن هناك خطأ في العنوان (حذف أسفار بكاملها) وهو ما يقوله العامة عن هذه الكتب (الكتب المحذوفة). إلا أنها ليست كذلك، بل هي كتب مضافة اكتشفها القديس جيروم في القرن الرابع الميلادي وسماها (الأبوكريفا) ومعناها الكتب المخبأة. وهي من أصل يهودي، واعتبروها كتب قراءة، ورفضوا نسبتها إلى الكتب المقدَّسة للأسباب الآتية:

۱- لغتها ليست العبرية التي هي لغة أنبياء إسرائيل لكنها مكتوبة باليونانية.

۲ - لم تظهر إلا بعد انقطاع النبوة، وآخر الأنبياء ملاخي.

۳ - ورد في كتاب الحكمة أنه من كتابة سليمان، ولكن الكاتب استشهد ببعض أقوال إشعياء وإرميا مع أنهما كانا بعد سليمان بمدة طويلة، وقال أيضاً إن اليهود كانوا أذلاء بينما كانوا في أيام سليمان في غاية العز والمجد.

٤ - لم يذكر أي كتاب منها أنه وحي، ولا توجد فيها أية نبوة، بل اعتذر كاتب حكمة سيراخ عن السهو والخطأ، كما قال كاتب المكابيين الثاني (۱٥: ۳٦ - ٤۰ ) “فإن كنت أحسنت التأليف أصبت الغرض، فذلك ما كنت أتمنى. وإن كان قد لحقني الوهن والتقصير فإني قد بذلت وسعي. ثم كما أن شرب الخمر وحدها أو شرب الماء وحده مضر، إنما تطيب الخمر ممزوجة بالماء وتعقبها لذة وطرباً، كذلك تنميق الكلام على هذا الأسلوب يطرب مسامع مطالعي التأليف.”

٥ - لم يعتبرها اليهود منزلة ولم يستشهد بها السيد المسيح أو تلاميذه ولا الآباء الأولين ولا المؤرخين أمثال فيلو ويوسيفوس .

٦ - منافية لروح الوحي، فحكمة ابن سيراح يذكر تناسخ الأرواح، والتبرير بالأعمال، وجواز الانتحار وجواز الكذب (يهوديت ٩: ۱۰، ۱۳). ونجد الصلاة من أجل الموتى في ۲مكابيين  ۱۲: ٤٥-٤٦) وهذا يناقض لوقا ۱٦: ۲٥-۲٦ وعب ٩: ۲٧).

٧ - قال الأب متى المسكين في كتابه “الحكم الألفي” طبعة ۱٩٩٧ ص: “كتب الأبوكريفا العبرية المزيفة، التي جمعها وألفها أشخاص كانوا حقاً ضالعين في المعرفة ولكن لم يكونوا “مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (۲بطرس ۱: ۲۱) مثل كتب: رؤية عزرا  الثاني، وأخنوخ، ورؤية باروخ وموسى وغيرها. ثم قال في هامش الصفحة نفسها “تسمى هذه الكتب بالأبوكريفا المزيفة، وهي من وضع القرن الثاني قبل الميلاد وفيها تعاليم صحيحة وتعاليم خاطئة وبعض الضلالات  الخطيرة مختلطة بعضها ببعض. ولكنها ذات منفعة تاريخية كوثائق للدراسة”.

٨ - أسفار التوراة صارت قانونية أيام عزرا ونحميا سنة ٤۳٥ ق م وهي ذات الأسفار الموجودة بين أيدينا اليوم (۳٩ سفراً في العهد القديم).

٩ - مجمع >ـامنيا سنة ٩۰ م. يقرر قانونية الأسفار من تكوين إلى ملاخي وهي مثل التي بين أيدينا اليوم.

۱۰ -القديس جيروم (٤ ق م) فصل بين الأسفار القانونية وبين أسفار الأبوكريفا  واحتسبها صالحة لتعليم الأخلاق، لكنها لا تصلح لتكوين عقيدة.

شهادة مؤلفي القرون الأربعة الأولى لصحة الكتاب:

لنا في القرون الأربعة الأولى ما يزيد عن خمسين مؤلفاً شهد لصحة الحوادث التي ذُكرت في الأناجيل. وبقي من مصنفاتهم إما كتب كاملة أو أجزاء منها. وعدا ذلك فقد فُقِدَت كتب أكثر من خمسين مؤلفاً أشار إليهم إيرونيموس (عام ۳٩۲)، والسبب في ذلك يرجع إلى حرق مكتبة الإسكندرية! وهؤلاء الكُتَّاب والمؤلفين هم من أقطار مختلفة من العالم، من حدود الفرات إلى أقاصي أوربا، فكانوا يشيرون إلى الكتاب المقدَّس في مؤلفاتهم كما إلى كتاب معروف ومشهور ومقبول لديهم. وجانب كبير منهم كتبوا شروحاً وتفاسيراً إذ اعتبروه كتاباً إلهياً وشهدوا لصحة الحوادث المذكورة فيه.

وهذا الجدول يتضمن أشهر المؤلفين المسيحيين في القرون الأربعة الأولى الذين يتأيد من كتاباتهم صدق الكتاب وصدق نسبته. وأغلبهم من آباء الكنيسة الأولين، وقد ذُكِرَت معهم أشهر الهراطقة وأعداء الديانة المسيحية الذين شهدوا بصحة الإنجيل باتفاقهم معه في ذكر هذه الحوادث[9]

القرن الأول الميلادي

أشهر المؤلفين المسيحيين

مات عام

أشهر الشخصيات

مات عام

أكليمندوس الروماني

۱۰۱

بيلاطس البنطي

۲٦-۳٦

أغناطيوس

۱۱٦

يوسيفوس (مؤرخ يهودي)

٩٥

بوليكاريوس

۱٦٦

أفلينيوس

۱۱٨

 

تاسيتوس (مؤرخ وثني)

۱۲۰

سويتونيوس

۱۳۰

القرن الثاني الميلادي

أشهر المؤلفين المسيحيين

مات عام

أشهر الهراطقة

مات عام

الرسالة إلى ديوغنيتوس نشرت عام ۱۱٧م

باسيليدس الإسكندري

۱۳۰

الرسالة باسم برنابا نشرت عام ۱۳۰م

كربوكراتيس الإسكندري

۱۳۰

كوادراتوس

۱۳۰

ساتورنينوس الأنطاكي

۱۳٥

هرماس

۱٤۰

مركيون الروماني

۱٤٥

بابياس

۱٦۳

,ـالنتينيانوس الروماني

۱٦۰

يوستينوس الشهيد

۱٦٦

كلسوس

۱٧۰

أبوليناريوس أسقف هيرابوليس

۱٧٥

مونتانوس

۱٨۰

تاتيانوس

۱٧٦

براكسيوس

۱٩٥

ديونيسوس الكورنثي

۱٧٦

لوكيانوس المؤرخ

۲۰۰

مليتو

۱٧٧

ثاودوتوس

۲۰٨

رسالة كنيستي ليون و,ـينا في فرنسا كتبت نحو

۱٨۰

نويتوس

۲۱٥

هجيسبوس

۱٨۰

أرتيمون

۲۲۰

أثيناغورَس

۱٨۰

 

ثاوفيلوس (أسقف أنطاكية)

۱٨۱

إيريناوس

۲۰۲

         

القرن الثالث الميلادي

أشهر المؤلفين المسيحيين

مات عام

أشهر الهراطقة

مات عام

إكليمنضوس الاسكندري

۲۲۰

برلّوس

۲٦۰

مينوشيوس فيلكس

۲۲۰

نو,ــاتيانوس القرطاجني

۲٦٥

يوليوس أفريكانوس

۲۳۲

سابلّيوس في مصر

۲٧۰

ترتوليانوس

۲٤۰

بولس من سُميَساط

۲٧۳

هيبوليتوس

۲٤۰

منيكيانوس الفارسي

۲٧٧

أمونيوس

۲٤۳

فورفيريون الروماني

۳۰٤

أويجانوس

۲٥٤

هيروكليس

۳۱٥

كبريانوس

۲٥٨

دوناتوس

۳۲٥

نو,ـاتيانوس الروماني

۲٦۰

ميليتيوس المصري

۳۳۰

ديونيسيوس (أسقُف الإسكندرية)

۲٦٥

آريوس

۳۳٦

غرغوريوس (الملقب ثافموطرجوس)

۲٧۰

أوسابيوس (أسقف بيكوميديا)

۳٤۲

كوموديانوس

۲٧۰

ماكيدونيوس

۳٦۱

أرخيلاوس (أسقُف كسكار)

۲٨٥

يوليانوس (الامبراطور الملقب بالمرتد)

۳٦۳

,ـكتورينوس

۳۰۳

لوكيانوس الأنطاكي

۳۱۱

 

مثوديوس (أسقُف صور)

۳۱۲

أرنوبيوس

۳۲٥

لكتنتيوس

۳۲٥

           

القرن الرابع الميلادي

أشهر المؤلفين المسيحيين

مات عام

أشهر الهراطقة

مات عام

أوسابيوس المؤرخ (أسقف قيصرية)

۳٤۰

فوتينوس (اسقف سرميوم)

۳٧۲

هيلاريوس

۳٦٦

,ـالس

۳٨٧

أوسابيوس (أسقف ,ـرسلِّي)

۳٧۱

مركوس

۳٨۰

أثانسيوس (أسقف الإسكندرية)

۳٧۳

أبوليناريوس (أسقف اللاذقية في بر الأناضول

۳٨٨

إفرام السرياني

۳٧٩

باسيليوس الكبير (أسقف قيصرية)

۳٧٩

بريسكليان

۳٩۰

كيرلُّس الأورشليمي

۳٨٦

أونوميوس

۳٩٦

داماسوس الروماني

۳٨٨

مركلّوس

٤۱٥

غرغوريوس النازيانزي

۳٨٩

فيلسطرجيوس

٤۳٥

أمفيلوخيوس (أسقف أيقونية)

۳٩٥

ببلاجيوس

٤۳٦

أمبروسيوس (أسقف ميلان)

۳٩٦

نسطوريوس

٤۳٩

غرغوريوس النسّي

۳٩٦

أفتنـ<ـس

٤٦٥

أبيفانيوس (أسقف سلاميس)

٤۰۳

كيلستيوس

٤٨۰

يوحنا ذهبي الفم (أسقف قسطنطينية)

٤۰٧

 

روفينوس

٤۱۰

ثاوفيلوس (أسقف الإسكندرية)

٤۱۲

إيرونيموس

٤۲۰

ثاودوروس الموبسويستياني

٤۲٨

أوغسطينوس

٤۳۰

كيرلُّس (أسقف الإسكندرية)

٤٤٤

ثاودوريتوس المؤرخ

٤٥٧

           

متى؟!

۱- متى تم هذا التحريف المزعوم؟ الاحتمالات الموجودة أربعة لا خامس لهم. إما قبل السيد المسيح أو بعده أو قبل الإسلام أو بعده.

فإذا كان قبل المسيح قلنا: لا يمكن للأسباب الآتية:

۲- اقتبس السيد المسيح منها حين جُرب في البرية وكانت إجاباته كلها من التوراة مبتدأً بالقول “مكتوب”. فهل يمكن أن يقتبس من كتاب محرف؟!

۳ - قال السيد المسيح يو ٥: ۳٩ لليهود “فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي؟!!” فكيف يحيل اليهود ليفتشوا في كتاب محرف.

٤- قال لليهود (يو ٥: ٤٦) موسى كتب عني ذاكراً التوراة فهل يمكن أن يذكر كتاباً محرفاً؟

وإذا كان التحريف بعد المسيح أي في عصر التلاميذ، قلنا أيضاً لا يمكن:

لأن التلاميذ اقتبسوا من التوراة في سرد قصة حياة السيد المسيح مستشهدين بنبوات الكتاب “كما قيل بالنبي القائل، كما قال النبي” فكيف يستشهدون بكتاب محرف؟!!

هل يمكن قبل الإسلام؟ نقول: لا يمكن، لأن القرآن ذكر التوراة والإنجيل بخير الكلام وأحلى الصفات مُذكِّراً أهل الإنجيل بإقامة أحكامه، واصفاً من لم يقم بها “بالفاسقين” (مائدة ٥: ٤٧) كما أنه ينصح المؤمنين به بسؤال أهل الكتاب في حالة الشك فيما أنزل إليه (يونس ۱۰: ٩٤) والمؤمنين بسؤال أهل الذكر، إذا كانوا لا يعلمون (النحل ۱٦: ٤۳). ولم يذكر لنا شيئاً عن الكتاب المحرف ولا وصية بالبُعد والحذر منه وتنبيه المؤمنين من أهله حتى لا يختلط الأمر عليهم.

إذاً هل يمكن أن يكون تم التحريف بعد الإسلام؟

وبتلك الدعوى يكون النبي والمسلمون قد أخفقوا في تنفيذ أمر الله لهم والذي جاء في سورة المائدة ٥: ٤٨ مطالباً إياهم أن يحفظوا الكتاب (التوراة والإنجيل) من الضياع والتحريف فيُسألون عن ذلك.

كما لم يعلن أحد من الأئمة والمفسرين الأولين عن هذا ويحذرون من المحرف ويروجون السليم، أو قل أضعف الإيمان يحتفظون بالسليم لأنه كلمة الله ليكون شاهداً على أهل البدع والتحريف معلنين آيات التحريف أو الأجزاء التي تم تحريفها بكل وضوح وجلاء حتى لا يلتبس الأمر على المسلم الأمين بل يكون على علم يقين.

إنه الكتاب الفريد[10]

لا بد أن “وبستر” صاحب القاموس المعروف كان يفكر في كتاب الكتب عندما كتب تعريفاً لكلمة “فريد” جاء فيها:

۱ – الواحد، الوحيد، المنفرد.

۲ - المختلف عن كل ما عداه، الذي لا شبيه له.

والكتاب المقدَّس فريد يختلف عن كل الكتب الأخرى في المجالات التالية وكثير غيرها:

سأل السير والتر سكوت وهو يحتضر ابنه أن يقرأ له من الكتاب، فقال الابن مندهشاً: “أي كتاب تريد يا والدي؟” أجابه الوالد: “بينما أقول الكتاب بادئاً بألف لام التعريف فإني أقصد الكتاب المقدَّس، لأنه فريد. إذا وضعت كل الكتب التي أمامك في المكتبة في كفة ميزان والكتاب المقدَّس في الكفة الأخرى لرجحت كفة الكتاب المقدَّس، فهو الكتاب الفريد”[11].

فريد في ترابطه:

على الرغم من أن عدد الكُتّاب الذين كتبوه أربعون كاتباً، في زمن يناهز ۱٦۰۰ عاماً “بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (۱بطرس ۲: ۲۱).

كتبوه في أماكن مختلفة: فمنهم من كتب في السجن (بولس)، ومنهم من كتب في القصر (دانيال)، ومنهم من كتب في الصحراء (موسى)، ومنهم من كتب في عيادته (لوقا).

كتبوه في حالات نفسية مختلفة: منهم من كتب في أيام الحرب فكانت كلماته كلها تصب جام الغضب على الأعداء والدعاء لله بأن يفنيهم ويكسرهم، مثل داود في مزاميره الشهيرة. ومنهم من كتب في حالات السِلْم والرخاء فكانت كلماته رقيقة فيها حكمة وكأمثال سليمان الحكيم.

كتب بلغات مختلفة: العبرانية والآرامية واليونانية.

 

كُتب في قارات مختلفة: أوربا وآسيا وأفريقيا.

وعلى الرغم من ذلك نجده كتاباً مترابطاً من أول سفر فيه إلى آخره على الرغم من وجود مئات المواضيع الجدلية التي تحتمل الأخذ والعطاء. أسوق لك مثالاً ليقرب الفكرة:

في تصفيات كأس العالم لكرة القدم ۱٩٨٩ والتي اشترك فيها فريق مصر الأول بقيادة المدرب الجوهري، كان الحديث في الجرائد المصرية اليومية عن الفريق وإنجازاته موضوع جدلي واحد، اختلف فيه النقاد في جريدة واحدة مثل “الأهرام”، فقال ناقد رياضي “إن الجوهري أدخل الفريق إلى العالمية، وإن ما صنعه الفريق يُعَدُّ إعجازٌ”. في ذات الوقت وفي ذات الصفحة من نفس الجريدة، كتب ناقد آخر يقول: “ما هذا الذي فعله الجوهري؟ هل يمكن لفريق في كأس العالم أن يلعب بطريقة دفاع المنطقة كل الفريق في صندوق المرمى، بالطبع لن يدخل رماه أي هدف. إن ما قدمه الفريق لا يُحسب له بل عليه”.

موضوع جدلي واحد في ذات العصر من كاتبين في جريدة واحدة، لهما نفس المستوى الثقافي، ولكنهما اختلفا في الحكم في موضوع جدلي واحد.

الكتاب المقدَّس يحتوي على مواضيع جدلية كثيرة مثل موضوع الخلاص وطريقه. لم يكتب أحدهم أن الخلاص بسفك الدم، بينما كتب آخر إننا في عصر الكمبيوتر نضغط على زر فنحصل على الخلاص. بل على العكس نجد أن هناك خطاً قرمزياً عبر الكتاب كله من أول سفر التكوين إلى آخر سفر الرؤيا يقول “بِدُونِ سَفْكِ دَمِ لاَ تَحْصُل مَغْفِرَة” على الرغم من اختلاف الكُتَّاب، واختلاف زمن الكتابة، واختلاف اللغة والثقافة والمكان والحالة النفسية، وتباعُد القارات عن بعضها وعدم اتصالهم بعضهم البعض.

فريد في توزيعه:

أكثر كُتُب العالم توزيعاً بلا منافس، فقد احتاجت “دار الكتاب المقدَّس” منذ خمسين عاماً أن تطبع كل ۳ ثوان كتاباً أي حوالي ۲٨٨۰۰ كتاب يومياً لتكفي الطلب وتسد الاحتياج.

فريد في بقائه: على الرغم من:

۱- الزمن: لقد كُتب الكتاب على أوراق البردي، والحجارة، وجلود الحيوانات، وكلها مواد تبلى وتفنى. ومع ذلك فعندنا آلاف المخطوطات التي يرجع زمن كتابتها إلى ۲٥۰ق م

۲- النقد: أول وأكثر كتاب يقابل بموجات نقد عاتية عبر كل العصور:

* موجات نقد عالية Higher criticism قادها علماء ألمان في القرن ۱٩ وكان نقدهم مبنياً على أن ما بالكتاب يخالف ما هو موجود ومتعارف عليه في الحياة مثل:

* ما جاء في سفر يشوع عن سقوط سور أريحا في مكانه، فهذا مخالف للعُرف والطبيعة، فالسور يسقط إما إلى الداخل أو إلى الخارج.

* وصول إبراهيم أبو الأنبياء إلى مصر راكباً جملاً، فكيف حدث ذلك ولم تكن الجمال موجودة أثناء وجود إبراهيم في مصر؟ لا بد أن يكون هناك خطأ لأنه ينافي الواقع.

* الكتابة لم تكن موجودة في عصر موسى، فكيف يقول الكتاب إن موسى هو كاتب التوراة؟

* موجات نقد واطي Lower criticism وهو الذي يزعم بوجود اختلاف بين آيات الكتاب وبعضها في الأسفار المختلفة.

۳- الاضطهاد: الكتاب الوحيد الذي قوبل بالاضطهاد منذ عهد الرومان البعيد حتى الشيوعية القريبة، هو الكتاب المقدَّس، فقد أحرقوه وأحرقوا أصحابه، ووضعوهم في الزيت المغلي وأحرقوا بيوتهم ودور عبادتهم وأماكن تجمعهم وطاردوهم في كل مكان.

قال الملحد الفرنسي المعروف ,ـولتير سنة ۱٧٧٨م: “إن المسيحية والكتاب المقدَّس لن يبقيا لأكثر من خمسين عاماً!”. ولكن بعد خمسين عاماً أصبح فولتير في ذمة الله، وأخذت دار الكتاب المقدَّس منزله ومطبعته لتستخدمهما في طبع الكتاب المقدَّس وتوزيعه. بقي الكتاب عبر السنين، ومضى ,ـولتير إلى التراب الذي منه خُلق!

فريد في تعاليمه:

تعاليم نبوية: الكتاب الوحيد المليء بالنبوات المستقبلية عن مدن وشعوب وأفراد هو الكتاب المقدَّس. وهناك فرق بين الأسطورة والنبوة، فالأسطورة كلمات جميلة تحكي عن رؤية مستقبلية لا يمكن أن تتحقق بكاملها. أما النبوة فهي رؤية مستقبلية تتحقق كلها وبكاملها. وفي الكتاب نبوات عن مدن تحققت كلها كما قيلت بطريقة مذهلة ومعجزية خارقة للعادة وفوق الطبيعة. كما أن هناك أكثر من ۳۳۰ نبوة عن السيد المسيح ميلاده، حياته، تعاليمه، آخر أيامه على الأرض، صليبه وما تم فيه، قيامته وصعوده، كلها مكتوبة قبل مئات السنين وتحققت كلها في ملء الزمان.

 

تعاليم تاريخية: الكتاب الفريد الذي يحكي تاريخ شعب في حقبة تقدر بخمسمائة سنة هي تاريخ الشعب اليهودي من صموئيل إلى سفر الأخبار يحكي بكل تدقيق أنسابهم ورحلاتهم وأحوالهم وما حدث لهم بتفصيل يفوق كل التاريخ حتى التاريخ الفرعوني.

 

تعاليم شخصية: أي مؤرخ يكتب تاريخ حياة شخص ما، يسجل دائماً الجوانب المضيئة من حياته ويبتعد قدر المستطاع أو يكاد لا يذكر أي جوانب سيئة منها. إلاَّ الكتاب المقدَّس حينما يذكر أشخاصه كتب عنهم كل شيء، حلوهم ومرَّهم، مناطق القوة والضعف فيهم، الجوانب المضيئة والسيئة. فمثلاً إبراهيم الرجل الذي أطاع الله حتى قدم ابنه ذبيحة ومحرقة طاعة لأمر الله وحتى لُقب بأب المؤمنين، يذكر عنه الكتاب أنه كذب وقال إن امرأته سارة هي أخته. داود الرجل الذي وُجد حسب قلب الرب، كاتب المزامير الرائعة التي فيها ينادي بحبه لله وغيرته على شعبه، يذكر الكتاب أنه زنى مع بثشبع امرأة أوريا الحثي، بل وقتله أيضاً. وهذا ليوضح لنا إن “الجميع زاغوا وفسدوا وليس من يعمل صلاحاً” الجميع غير معصومين من الخطية ولم يمشِ على أرضنا أحد بدون خطية إلاَّ شخص واحد فريد هو الرب يسوع.

فريد في ترجمته:

عادة يُترجم الكتاب من اللغة الأصلية إلى لغة شعب آخر إذا كان محتواه صالحاً ونافعاً للبيئة المترجم إليها. وكلما زادت ترجمات الكتاب دلَّ هذا على صلاحيته لكثير من الشعوب مثلما حدث مع كاتبنا العظيم الأستاذ “نجيب محفوظ” حيث نال جائزة نوبل لكثرة ترجمات كتبه (ثلاث لغات).

الكتاب المقدَّس أول كتاب في التاريخ يترجَم من لغته الأصلية (العبرانية) إلى اللغة اليونانية ۲٥۰ ق م بما عُرِفَ بالترجمة السبعينية نسبة إلى ٧۲ شيخ يهودي قاموا بترجمته في الإسكندرية بأمر من بطليموس حسب نصيحة مدير مكتبة الإسكندرية اليهودي الذي بشَّره بالخير العظيم الذي يحل على البلاد إذا تُرجم الكتاب (التوراة) إلى اللغة اليونانية. وبالفعل أحضر بطليموس ٧۲ شيخاً من فلسطين، ووضع كل واحد منهم في حجرة منفصلة ليضمن سلامة الترجمة التي قارنها ببعضها في النهاية فكانت واحدة.

واليوم زادت ترجمة الكتاب المقدَّس ألفي لغة ولهجة، وما زال الاحتياج موجوداً والترجمات مستمرة، فهو الكتاب الوحيد الذي تحتاجه كل الشعوب لأنه إعلان الله عن نفسه لبني البشر.

فريد في تأثيره:

ما من شخص مُخْلص تصفَّح الكتاب بغرض البحث عن الله فيه، ومعرفة طريق العودة إلى الفردوس المفقود بالخلاص من الذنب، إلاَّ ووجده ونال الخلاص، فالكلمة حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين. كلام الله ينير ويعقل الجُهال “سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي”.

كان أحدهم أميراً لجماعة من جماعات “التكفير والهجرة” وكان المتعلم الوحيد في هذه المجموعة (ثانية هندسة)، طُلب منه البحث عن أخطاء الكتاب المقدَّس لمهاجمة أصحابه. وبعد رفض شديد لأنه وهو الأمير كيف يُمسك كتاباً محرفاً فينجس طهارته؟ قَبِلَ على مضض نتيجة الإلحاح. وبمجرد أن بدأ في القراءة وجد نفسه لا يستطيع المقاومة أو ترك الكتاب، فاستمر أسبوعين لا يتحرك إلا لقضاء الحاجة فقط حتى قرأ التوراة كلها، واكتشف الإله الحقيقي، والسلام الذي يفوق كل عقل وطريق الخلاص من الأوزار، فقرر أن يتبع صاحب هذا الكتاب الذي عزف على أوتار قلبه لحن الخلاص ورفع عن كاهله أثقال أعوام مضت فأصبح حراً من قيد فكري وجسدي منادياً باتِّباع هذا المخلص العظيم.

فريد في تاريخه:

من سفر صموئيل الأول إلى سفر أخبار الايام الثاني نجد تاريخ بني إسرائيل عبر نحو خمسة قرون، فقد كان اليهود عباقرة في تسجيل تاريخهم، كما أن العهد القديم هو أقدم وثيقة تاريخية. ويقول ولبر سميث: “تعلو الأمة اليهودية على سائر الأمم في تسجيل تاريخها بوضوح معطية سلسلة الأنساب. ونحن لا نجد في كتابات مصر أو بابل أو أشور أو فينيقية أو روما أو اليونان أي شيء مشابه، كما لا نجد ذلك في كتابات الألمان أو الهنود أو الصينيين. فإن هؤلاء جميعاً لا يعطون سلسلة نسب الملك قبل أن يتولى المملكة، ولا يذكرون أن جدوده كانوا رعاة أو من أهل البادية الرحّل. وقد ذكر الأشوريون أن حكامهم الأولين، الذين لم يوردوا أية تفصيلات عن أعمالهم أو عن حياتهم، كانوا من سكان الخيام، ولكنهم أغفلوا ذكر: من أين جاءوا!”.

فريد في تأثيره على الأدب:

قال أحد الأفاضل: “لو أن كل نسخة من الكتاب المقدَّس أبيدت، لأمكن استرداد كل الأجزاء الهامة من الكتاب المقدَّس من الاقتباسات المأخوذة منه في كتب مكتبة المدينة! وهناك كتب كثيرة توضح كيف تأثر أعظم الأدباء بالكتاب المقدَّس”.

قال المؤرخ فيليب شاف، يصف تفرد المسيح: “يسوع الناصري هذا، بدون سلاح ولا مال، هزم ملايين من الناس أكثر ممن هزمهم الإسكندر وقيصر ونابليون وغيرهم. وألقى ضوءاً على الأمور الأرضية والسماوية أكثر مما فعل كل الفلاسفة والمعلمين مجتمعين!”

وفي عبارات بسيطة تحدث بكلمات الحياة التي لم ينطق أحد بمثلها، لا قبله ولا بعده، وترك تأثيراً لا يدانيه فيه خطيب ولا شاعر. وبدون أن يكتب سطراً واحداً أوحى لكثيرين ليكتبوا، وأعطى أفكار آلاف المواعظ والخطب والمناقشات والمؤلفات وأعمال الفن والترانيم التي سطرها عظماء الرجال في الماضي والحاضر”

وقال كاتب آخر: “منذ عصر الرسل وحتى عصرنا الحاضر نرى نهراً متدفقاً من الأدب الذي أوحى به الكتاب المقدَّس، فهناك قواميس الكتاب وموسوعات الكتاب، وفهارس الكتاب، وأطالس الكتاب، ومعاجم الكتاب وجغرافية الكتاب. وهناك آلاف الكتب التي تدور حول اللاهوت والتربية المسيحية والترانيم والمرسليات ولغات الكتاب وتاريخ الكنيسة والشخصيات الدينية والكتابات التعبدية والتفاسير وفلسفة الدين. وغير ذلك من المؤلفات التي لا تُعد ولا تحُصى”[12]

وقال كنث لاتوريت المؤرخ المسيحي العظيم: “من براهين عظمة يسوع وتأثيره الخارق على البشر جميعاً، أن هذه الحياة التي لم يعش مثلها أحد على كوكبنا قد أنتجت مجلدات من الإنتاج الأدبي وسط كل الشعوب وبكل اللغات، ولا زال السيل ينهمر دون توقف”[13].

والخاتمة واضحة

إن ما قلناه هنا لا يبرهن صحة الكتاب المقدَّس، لكنه يبرهن تفرد الكتاب عن كل ما عداه من كتب. وقد قال لي أحد الأساتذة: “لو أنك ذكي أريب لقرأت الكتاب الواحد الذي جذب أعظم الانتباه، إن كنت تفتش عن الحق”.

ملحوظة:

كان الكتاب المقدَّس أول كتاب ديني يؤخذ إلى الفضاء الخارجي، مصوراً على الميكروفيلم. وهو أول كتاب قرئ هناك، فهو يصف مصدر الأرض. فقد قرأ رجال الفضاء تكوين ۱: ۱ “فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ”. ولكن تأمل كيف قال فولتير إنه لن يأتي عام ۱٨٥۰ إلا ويختفي الكتاب المقدَّس!

ويمكن أن تقول إن هذا أغلى كتاب، فقد بيعت النسخة من ترجمة الفولجاتا اللاتينية التي طبعها جوتنبرج بمبلغ مائة ألف جنيه إسترليني، وباع الروس نسخة قديمة من الكتاب المقدَّس ـ النسخة السينائية ـ لبريطانيا بمبلغ ٥۱۰ ألف دولار.

نعم إنه الكتاب الفريد! فهل قرأته؟!

إحصائيات عن إنتاج الكتاب المقدس

التاريخ

الكتاب كله

عهد جديد

أجزاء من الكتاب

منذ ۱٨۰٤ جمعية الكتاب المقدس البريطانية

٤۰٩ مليون

+

+

في ۱٩۲٨ الجدعونيون بأمريكا

٩٦٥ ألفا

+

+

جمعية الكتاب المقدس الوطنية بإسكتلندا

۱٩۲٨، ٨٨,۰٧۰ ۰٦٨

 

 

جمعية الكتاب المقدس بدبلن ۱٩۲٨

٩٦۱ر٩٨٧ر٦

 

 

جمعية الكتاب المقدس الالمانية ۱٩۲٧

۰۰۰ر٩۰۰

 

 

في ۱٩۳۰

۱۲ مليونا

 

 

منذ ۱٩۳۲

٨۱٥ر۲۱۳ر۳۳۰ر۱

 

 

في ۱٩٤٧

٤۳٦ر۱۰٨ر۱٤

 

 

في ۱٩٥۱

٦٦٦ر٩٥۲

۳۱٤ر٩۱۳

٦٥ر۱۳٥ر۱۳

في ۱٩٥٥

۱٦۱ر۳٩۳ر۲٥

 

 

من ۱٩٥۰-۱٩٦۰ سنوياً

٨٩٨ر۰۳٧ر۳

٩٨٦ر۲۲۳ر۳

٩٨٩ر٤۱٧ر۱٨

في ۱٩٦۳

٨۲۰ر۱۲۳ر٥٤

 

 

في ۱٩٦٤ جمعية الكتاب المقدس الامريكية

ـ ٥٥٩ر٦٦٥ر۱

 

 

هيئات أخرى

۳۳٧ر٧٥۲ر٦٩

۲٤٨ر٦۲۰ر۲

۲۰٧ر٨٥٦ر۳٩

في ۱٩٦٥

۳٦٩ر٩٥۳ر٧٦

 

 

في ۱٩٦٦

٩٦۱ر۳٩٨ر٨٧

 

 

في ۱٩٨٤ ـ جمعية الكتاب المتحدة

٨٥۲ر۰٧٧ر۱۲

۳۲٨ر۱٧٤ر۱۲

۳۱۰ر۳۰۰ر٤٩۱

بخلاف الهيئات الأخرى

 

 

 

نُسخ الكتاب المقدس وتاريخ اختراع الكتابة

منذ عصر أفلاطون (٤۲٩ق م) وبناء على ما ذكره هذا الفيلسوف في بعض مؤلفاته، أن ينسبوا اختراع الكتابة إلى المصريين القدماء. ولكن أوضح الدلائل المستفادة من أقدم المخطوطات نفسها مع شهادة المؤرخين القدماء الذي يعوَّل عليهم ويُوثقُ بكلامهم تشير إلى أن القبائل المستوطنة في غربي آسيا هُم مخترعوا صناعة الكتابة، ولهم يُنْسَب أقدم أشكال الخط.

لقد اختلفت الآراء من جهة القبيلة التي لها يُنسَب أصل هذا الاختراع، فمنهم من قال هي الآشورية، ومنهم من قال هي البابلية، وذهب بعضهم للآرامية، وآخرون الفينيقية ومنهم العبرية! وليس لنا برهانٌ قاطع يثبت صحة هذا الرأي أو ذاك، إلاَّ أن أصح الآراء تنسب هذا الاختراع إلى إحدى القبائل السامية الساكنة غربي آسيا، وهذا هو حد معرفتنا بهذا الأمر.

ولكن أصح الآراء هو أن أهل فينيقية استنبطوا خطَّاً دارجاً من خط المصريين القدماء الخاص بالكهنة، وذلك لاضطرارهم إليه لأنهم أهل تجارة. والخَط المصري المشار إليه صعب ومكلف لأنه يحتاج إلى قدرات فنية عالية لرسم الحروف، فاستنبطوا خطَّاً دارجاً سهلاً يُستَعْمَل في الكتابة الاعتيادية، ومنهم انتهى إلى بلاد اليونان.

قال المعترض: “لم تكن الكتابة معروفة في عهد موسى. فلا يكون موسى قد كتب الكتب الخمسة التي ينسبها اليهود إليه”[14].

وللرد نقول: (۱) قال جريبو في رسالته التي كتبها على رسالة شمبوليون الشهير (أول من قرأ اللغة الهيروغليفية) إن موسى النبي كان يكتب على البردي. ويوجد في متحف “تورين” بردية مكتوبة بالقلم المصري، تشتمل على وثيقة مكتوبة في عهد تحتمس الثالث الذي كان قبل موسى بقرنين. وهذا يبرهن أن الكتابة كانت معروفة قبل عصر موسى.

(۲) في المتحف البريطاني رسالة على البردي، كتبها كاهن مصري اسمه “أحميس” تاريخها ۳٤۰۰ ق م، وعنوانها “حل المشكلات” وهي مجموع مسائل حسابية وهندسية بالكسور والدوائر ومقاييس الهرم وبعض مثلثات وإشارات جبرية. وهذه الرسالة بخط اليد وتُلقَّب برسالة “رند”.

(۳) في سنة ۱٨٨٨م اكتشف المنقّبون في تل العمارنة (محافظة المنيا في مصر) أكثر من ثلثمائة قالب طوب، مكتوب عليها بالقلم المخروطي، نقلوا أكثرها إلى برلين، ونقلوا باقيها إلى لندن، وتاريخها قبل موسى بنحو ۱٥۰ سنة، مما يبرهن أن الكتابة كانت معروفة عند المصريين قبل النبي موسى. ويشهد الكتاب المقدَّس أن موسى تهذَّب في مدارس مصر الكبرى، وتعلَّم حكمة المصريين (أعمال ٧: ۲۲). وقال المؤرخ يوسيفوس إنه لما كان عمر موسى ٤۰ سنة قاد فرقة عسكرية إلى الحبشة، واستولى على مدينة سبأ. فلا بد أنه كان يعرف الكتابة. فليس الجهل إذاً جهل موسى ولكن الجهل جهل المعترض!

فالأمر واضح الآن وجلياً أن صناعة الخط والكتابة كانتا معروفتان عند العبرانيين قبل عصر موسى. ومن مجاورة العبرانيين والكنعانيين والفنيقيين مكاناً ولُغَةً فكل صناعة كانت معروفة عند إحدى هذه القبائل امتدت بسهولة إلى الآخرين. وإذ قد أنبأنا صاحب الأسفار الخمسة بأسماء مخترعي بعض الصناعات “وَعَرَفَ قَايِينُ امْرَأَتَهُ فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتْ حَنُوكَ. وَكَانَ يَبْنِي مَدِينَةً فَدَعَا اسْمَ الْمَدِينَةِ كَـ/سْمِ ابْنِهِ حَنُوكَ. ۲۱وَسْمُ أَخِيهِ يُوبَالُ الَّذِي كَانَ أَباً لِكُلِّ ضَارِبٍ بالْعُودِ وَالْمِزْمَارِ. ۲۲وَصِلَّةُ أَيْضاً وَلَدَتْ تُوبَالَ قَايِينَ الضَّارِبَ كُلَّ آلَةٍ مِنْ نُحَاسٍ وَحَدِيدٍ. وَأُخْتُ تُوبَالَ قَايِينَ نَعْمَةُ.” (تك٤: ۱٧،۲۱و۲۲). فنظن أنَّه لو عرف اسم مخترع الكتابة لأخبر عنه. ذُكر في قصة يهوذا وثمار (تك۳٨) أن يهوذا كان له خاتم، ونقش الخواتم صناعة كانت معروفة عند العبرانيين في البرية (خر ۲٨: ۱۱، ۲۱-۲۲) وحيثما كانت هذه الصناعة فلابد من وجود صناعة الكتابة أيضاً هناك. ولم تكن هذه الكتابة على هيئة صور وأشكال طبيعية كما هو الحال عند كتابة الكهنة المصريين، بل حروف هجائية كما يتضح من (عد ۲۳:٥) حيثُ يُؤْمَرُ بكتابة اللعنات في كتاب، ومن (لاويين ۱:۲٦ وعد٥۲:۳۳) حيثُ ينهي عن كتابة الإشارات والصور على حجارة لئلاَّ ينقادوا بها إلى العبادة الباطلة. والشريعة الموسوية نفسها كُتِبَت بأحرف هجائية وكانت هي أكبر واسطة لإشاعة تلك الحروف.

أمَّا المواد المستخدمة في الكتابة فتجدها بأكثر تفصيل في الفصل القادم، وإن كان الكتاب نفسه ذكر بعض تلك الأدوات مثل دواة الكاتب (المحبرة) في (حز ۳:٩). وفي (إر ۲۳:۳٦) ذُكرت مبراة الكاتب أي السكين أو الآلة الحادة المستخدمة لبري الأقلام. ومن هذه الدلائل نستنتج أن صناعة الكتابة في تلك الأيام لم تختلف كثيراً عن أيامنا الحاضرة إلاَّ بتبديل الرقوق والقراطيس بالورق.

النُسخ العبرية

أمَّا اليهود القاطنون في فلسطين وبابل فكانوا محافظين على النُّسح العبرية بغاية التدقيق والحرص، ولمَّا أكمل إيرونيموس (جيروم) ترجمته اللآتينية (الـ’ـلوجاتاـ) عن اليونانية السبعينية صحَّح بعض قراءتها على اللهجة العبرية الفلسطينية لزيادة اعتماده عليها كما يشهد هو نفسه في تفسيره لرسالة تيطس أصحاح۳، حيث أشار إلى النسخة العبرية التي اعتمد عليها أوريجانوس في عمله “الهكسابلاَّ”أي مجموع خمس ترجمات مع الأصل العبري في كتاب واحد. فالأمر ظاهر أنَّه في أيام المسيح أو قبل أيامه كانت عند اليهود في فلسطين وبابل نُسخ عبرية يُعَوَّل ويُعتَمد عليها في النسخ منها. ومن تلك الأيام ابتدئ بوضع الحركات على متن الكتب المقدَّسة لزيادة الضبط. وبجمع كتاب التلمود الدال على شدة الحرص في الاحتفاظ على كل نقطة من الكتب المقدَّسة انتهت إلينا النُّسخ التي طُبِعَت عنها التوراة العبرية المطبوعة الآن، والتي بُنِيَت عليها الترجمات في مختلف اللغات.

أمَّا ما بين القرن السادس والقرن العاشر الميلادي كان لليهود مدرستان شهيرتان إحداهما في بابل وسُمِّيت “الشرقية” والأخرى في طبرية وسُمِّيت “الغربية”. ومع تمادي الأجيال حدث اختلافات في بعض القراءات بين النُّسخ الشرقية والغربية، وفي أوائل القرن الحادي عشر أخذ ~هـرون بن أشير رئيس مدرسة طبرية يقابل النُّسخ الغربية، ويعقوب بن نفتالي رئيس مدرسة بابل أخذ يقابل النُّسخ الشرقية وكلاهما قيَّدا الاختلافات على حواشي نسختيهما. وكانت الاختلافات جميعها متعلِّقة بالحركات.

ثم حدث أن انتقل اليهود من الشرق إلى أوربا في القرن الحادي عشر الميلادي وأحضروا معهم نسخاً عديدة من الكتب المقدَّسة العبرية المضبوطة والمشكَّلة ونسخوا عنها عدة نُسَخ منها:

۱- نُسخة “حليل” وجدت في أسبانيا في القرن الثاني عشر.

۲- نُسخة “ابن أشير” المُشار إليها من قبل.

۳- نُسخة “ابن نفتالي” المُشار إليها من قبل.

٤- نُسخة “أريحا” وهي أصح نُسخ الشريعة الموسوية.

٥- نُسخة “السينائية”.

٦- نُسخة “الهندية” وجدت عند اليهود القاطنين في بلاد الهند، وأُحضِرت إلى أوربا في أواخر القرن الثامن عشر.

ونُسخ أخرى عديدة منها ٦٩٤ نُسخة بعضها كاملة وبعضها ناقصة، قابلها المعلم “كنيكوت” وطبع قراءتها بين عام ۱٧٧٦م وعام ۱٧٨۰م ونحو ۱٦۰ نسخة غير هذه قابلها المعلم “دي روسي” وأضاف قراءتها إلى قراءة كنيكوت وطبعها في مدينة بارما في إيطاليا عام ۱٧٨٤م ۱٧٨٨م وزاد عليها بعض الحواشي عام ۱٧٩٨م. وهذه النُّسخ محفوظة في متاحف أوربا وأقدمها يرجع إلى القرن الثامن. أمَّا النسخة العبرية المحفوظة في الهكسابلاَّ للعلاَّمة أوريجانوس المُشار إليها سابقاً ترجع إلى القرن الثاني الميلادي، والآيات المذكورة في كتاب التلمود هي أقدم الكل، فمن مقابلة هذه جميعها نرى أن نُسخ الكتاب المقدَّس العبرية قد حُفِظت بكل عناية وتدقيق، هذه عن النُّسخ العبرية.

أمَّا عن النُّسخ اليونانية فتجدها أكثر تفصيلاً في فصل مستقل بعنوان “مخطوطات الكتاب المقدَّس” الفصل السابع.

كيف كُتبَ الكتاب المقدس؟

يتساءل الكثيرون عن خلفية الكتاب المقدَّس وأقسامه والمواد التي استعملت في إنتاجه. ونقدم للقارئ هنا بعض المعلومات التي تساعد على فهم ذلك، ليزيد تقديره لكلمة الله[15].

أولا: المواد المستعملة في كتابة الكتاب المقدس:

۱ - مواد الكتابة:

(أ) ورق البردي: لم نستطع الحصول على كل المخطوطات القديمة من الكتاب المقدَّس، لأنها كانت مكتوبة على مواد تبلى، معظمها من ورق البردي المصنوع من نباتات البردي التي كانت تنمو في المياه المصرية الضحلة. وكانت السفن الكبيرة المحملة بالبردي تصل إلى ميناء بيبلوس السوري، ومنها جاءت الكلمة اليونانية بيبلوس بمعنى “كتب”. كما أن الكلمة الانكليزية Paper  التي تعني ورق تجيء من الكلمة اليونانية التي تعني البردي.

أما طريقة صنع ورق البردي فكانت بقَطْع شرائح طولية رفيعة من نبات البردي، ودقها ثم لصق طبقتين منها على بعضهما، طبقة بالطول والأخرى مستعرضة عليها، وتوضع في الشمس لتجف، ثم ينعّمون سطحها بحجر أو بغير ذلك من المواد. وكان ورق البردي من تخانات مختلفة، بعضها رقيق جداً. وترجع أقدم أنواع ورق البردي الموجودة الآن إلى سنة ۲٤۰۰ ق م ولا يمكن لمخطوطات الكتاب المقدَّس المصنوعة من ورق البردي أن تعمر طويلاً، إلا إذا كانت محفوظة في أماكن جافة، كصحاري مصر أو كهوف وادي قمران حيث اكتشفت مخطوطات البحر الميت. وقد استمر ورق البردي في الاستعمال حتى القرن الثالث بعد الميلاد.

(ب) الرقوق: وهي من جلود الماعز والأغنام والغزلان والحيوانات الأخرى، بعد نزع الشعر منها ومسحها لتصير صالحة للكتابة عليها. ويشتق أسم الرقوق في اللاتينية من مدينة برغامس في آسيا الصغرى، التي اشتهرت بعمل الرقوق.

(ج) الرق: وهو اسم جلد العجل الذي كانوا يصبغونه باللون الأرجواني ويكتب عليه باللون الفضي أو الذهبي. وتوجد اليوم مخطوطات قديمة منه ترجع إلى عام ۱٥۰۰ ق م

(د) وهناك مواد أخرى للكتابة مثل الفخار الذي كثر وجوده في مصر وفلسطين. وقد ترجمت الكلمة في الكتاب المقدَّس شقفة (أيوب ۲: ٨) كما كانوا يكتبون على الأحجار بقلم من حديد. كما كانوا يكتبون على اللوحات الطينية بأدوات حادة، ثم يجففونها لتظل سجلاً باقياً (إر۱٧: ۱۳) و(حز٤: ۱). وكانت هذه أرخص وسيلة، وأبقاها على الزمن. كما كانوا يكتبون بقلم معدني على ألواح خشبية مغطاة بالشمع.

۲ - أدوات الكتابة

أ- قلم من حديد للحفر على الحجر.

ب- قلم معدني مثلث الجوانب مسطح الرأس للكتابة على لوحات الطين أو الشمع.

ج- القلم المصنوع من الغاب وطوله من ست إلى ست عشرة بوصة له سن كالإزميل. وقد استعمله أهل ما بين النهرين. أما اليونانيون فقد استخدموا الريشة في القرن الثالث ق م أرميا ٨: ٨.

د- الحبر وكان يصنع من الفحم والصمغ والماء.

ثانياً: شروط وطقوس كتابة المخطوطات:

قال السير فريدريك كنيون: “يمكن للمسيحي أن يمسك بالكتاب المقدس كله في يده، ويقول بغير خوف أو تردد إنَّه يمسك بكلمة الله الحقيقية التي سُلِّمت عبر القرون من جيلٍ إلى جيل بدون أن يُفقَد أي شئ من قيمتها” وندرك قيمة شهادة هذا العالِم إذا عرفنا أنَّه من أكبر علماء المخطوطات المعروفين في العالم، وكان مديراً للمتحف البريطاني. وتظهر صحة  مخطوطات العهد القديم، لو عرفنا الاهتمام الزائد بنقل المخطوطات، والذي يتضح من الخطوات التي كان اليهود يتبعونها في كتابتها بحسب أوامر التلمود:[16]

۱- الدرج المستعمل للقراءة يجب أن يكون مكتوباً على جلد حيوان طاهر.

۲- يجب أن يجهزه يهودي لاستعماله في المجمع.

۳- تجمع الرقوق معاً بسيور مأخوذة من حيوان طاهر.

٤- يجب أن يحتوي كل رق على عدد ثابت من الأعمدة في كل مخطوطة.

٥- يجب أن يتراوح طول كل عمود ما بين ٤٨-٦۰ سطراً، وعرض العمود يحتوي على ۳۰ حرفاً.

٦- يجب أن تكون الكتابة على السطر، ولو كُتِبَت ثلاث كلمات على غير السطر تُرفَض المخطوطة كلها.

٧- يجب أن يكون حبر الكتابة أسود، لا أحمر ولا أخضر ولا أي لون آخر، ويتم تجهيزه طبق وصفة ثابتة.

٨- يتم النقل بكل دقة من مخطوطة صحيحة تماماً.

٩- لا يجب كتابة كلمة أو حرف أو نقطة من الذاكرة. يجب أن ينقل الكاتب كل شئ من المخطوطة النموذجية.

۱۰- يجب ترك مسافة شعرة أو خيط بين كل حرفين.

۱۱- يجب ترك مسافة تسع حروف بين كل فقرتين.

۱۲- يجب ترك مسافة ثلاث سطور بين كل سفرين.

۱۳- يجب إنهاء سفر موسى الخامس بانتهاء سطر. ولا داعي لمراعاة ذلك مع بقية الأسفار.

۱٤- يجب أن يلبس الناسخ ملابس يهودية كاملة.

۱٥- يجب أن يغسل جسده كله قبل الشروع في الكتابة.

۱٦- لابد من كتابة اسم الجلالة بقلم مغموس في الحبر حديثاً.

۱٧- لو أن مَلِكَاً خاطب الناسخ وهو يكتب اسم الجلالة فلا يجب أن يعيره أي اعتبار.

وكل مخطوطة لا تتبع هذه التعليمات تُدفن في الأرض أو تُحرق أو تُرسل للمدارس لتُقرَأ فيها ككتب مطالعة، ولا تُستعمل في المجامع ككتب مقدَّسة.

ويقول السير فريدريك إنَّهم أحصوا عدد الآيات والكلمات والحروف في كل سفر! كما حددوا الحروف الوسطى والكلمات الوسطى في كل سفر، وعرفوا الآيات التي تحتوي كلماتها على كل حروف الأبجدية أو عدد معين منها. ومع أن هذه الإحصاءات تافهة في نظرنا اليوم بعد تقدم علم الإحصاء والكمبيوتر بوسائل البحث وعد المفردات والحروف، إلاَّ أنها دليلٌ قوي على احترامهم للأسفار المقدَّسة، واهتمامهم البالغ بعدم سقوط حرف أو نقطة من النصوص المقدَّسة. ولهذا يستحقون كل ثناء وتقدير منَّا اليوم.

ثالثاً - أشكال الكتب القديمة:

أ- الدرج الذي يصنعونه من لصق صفحات من ورق البردي ببعضها ثم يطوونها على خشبة أو عصا. وكانوا يكتبون على جانب واحد من الورق. وكانوا أحياناً يكتبون على جانبي الورق (رؤ۱:٥). وكانت الأطوال تختلف. فقد وجد درج طوله ۱٤٤ قدماً. ولكن متوسط الطول كان من ۲۰-۳٥ قدماً. وقد قال كاليماخوس أمين مكتبة الاسكندرية إن الكتاب الكبير مجلبة للتعب.

ب- الكتاب - لتسهيل القراءة كانوا يضعون أوراق البردي على بعضها ويكتبون عليها من الجهتين. وقد قال جرينلي أن المسيحية كانت الدافع الأساسي لتطوير شكل الكتاب إلى الشكل الذي نراه اليوم. وقد ظل المؤلفون يكتبون على الدرج حتى القرن الثالث الميلادي.

رابعاً - أنواع الكتابة:

أ- الكتابة المنفصلة وفيها تكتب الحروف الكبيرة منفصلة عن بعضها. ومخطوطتا الكتاب المقدَّس المعروفتان بالفاتيكانية والسينائية من هذا النوع.

ب- الكتابة المشبّكة التي تكتب فيها الحروف صغيرة مترابطة. وقد بدأ استعمال الحروف المشبّكة في القرن التاسع الميلادي.

وقد كتبت المخطوطات العبرية واليونانية بدون فواصل بين الكلمات كما أن التشكيل في العبرية بدأ في القرن التاسع الميلادي. ولم يخلق هذا صعوبة بالنسبة للكتابة اليونانية، لأنها تنتهي عادة بحروف خاصة معروفة بالدفثنج. كما أن الناس كانوا معتادين على قراءة هذا النوع من الكتابة، وكانوا يقرأونه عادة بصوت عال حتى لو كانوا منفردين!

خامساً - أقسام الكتاب المقدس:

الأسفار: سيأتي الكلام عنها لاحقاً

أ- الاصحاحات - جرى أول تقسيم للأسفار الخمسة الأولى عام ٥٨٦ ق م، إذ قسمت إلى ۱٥٤ جزءاً لتسهيل قراءتها مرة كل ثلاث سنوات. وبعد ذلك بخمسين سنة قسمت إلى ٥٤ قسماً، كل قسم منها قسم إلى ٦٦٩ جزءاً لتسهيل الرجوع إلى الآيات.

أما اليونانيون فقد قسموا الكتاب إلى أجزاء عام ۲٥۰ م. وكانت أول محاولة لتقسيم الاسفار إلى أصحاحات عام ۳٥۰ م. على هامش النسخة الفاتيكانية، ولم تتغير هذه الاقسام حتى القرن الثالث عشر، عندما قسم الاسفار إلى أصحاحاتها المعروفة حالياً ستيفن لانجتن الاستاذ بجامعة باريس الذي أصبح فيما بعد رئيس أساقفة كنتربري.

ب- الاعداد - أول تقسيم مقبول في العالم كله حدث عام ٩۰۰ م تقريباً. وكانت الترجمة اللاتينية المعروفة بالـ’ـولجاتا أول مخطوطة يتم فيها التقسيم إلى أصحاحات وإلى أعداد في العهدين القديم والجديد.

 

مخطوطات الكتاب المقدس

هناك بعض الأشياء التي تساعدنا على تحديد عُمْرِ المخطوطة، هي:

۱ - مادتها.

۲ - حجم حرف الكتابة وشكله.

۳ - علامات الترقيم.

٤ - أقسام الناس.

٥ - الزخرفة.

٦ - لون الحبر.

٧ - نسيج الرقوق ولونها.

أما عن النُّسخ اليونانية فهي مقسمة إلى ثلاثة أقسام:

# القسم الأول: النسخ الحاوية للعهدين القديم والجديد.

# القسم الثاني: النُّسخ الحاوية للعهد القديم فقط.

# القسم الثالث: النُّسخ الحاوية للعهد الجديد فقط.

القسم الأول: النسخ الحاوية للعهدين القديم والجديد.

۱ - النسخة الإسكندرية Codex Alexandrinus ٤۰۰م دعيت بهذا الاسم نسبة إلى مدينة الإسكندرية التي خُطّت فيها، ولها المرتبة الأولى بين النسخ الثلثية، وقد أهداها كيرلس لوكارلوس بطريرك القسطنطينية إلى ملك إنجلترا شارل الأول ۱٦۲٨م، وكان قد أحضرها معه من الإسكندرية حيث كان بطريركاً سابقاً. وهي مكتوبة باليونانية، وتحوي كل أسفار الكتاب المقدَّس من العهدين القديم والجديد، وعلى أول صفحة منها حاشية مدوَّن فيها أن كل هذا الكتاب نُسخ بيد سيدة شريفة مصرية اسمها “تقلا” وذلك نحو ۳۲٥م. وقد علَّق البطريرك كيرلس على هذه الحاشية بخط يده أن هذا التاريخ حسب رأيه صحيح. والنسخة مكتوبة بالحرف الثلثي على ورق قسمت كل من صفحاته إلى حقلين، وفي كل حقل خمسون سطراً، ولم تزل هذه النسخة محفوظة بعناية في المتحف البريطاني بلندن.

۲ - النسخة السينائية Codex Sinaiticus وهي أعظم المخطوطات ويرجع تاريخها ۳٥۰م، وسنذكر تاريخ العثور هذه المخطوطة في مصر بأكثر تفصيل:

اكتشفها العالم تشندورف الألماني أثناء سياحته في مصر عام ۱٨٥٩م، وجد نحو مئة نسخة مخطوطة من الكتب المقدَّسة، بعضها كامل وبعضها ناقص. وقد طبِع من هذه المخطوطة نحو ۳۰۰ نسخة في مدينة ليْبسك بألمانيا عام ۱٨٦۲م على نفقة ملك روسيا في أربعة مجلدات طباعة فاخرة. وقد أهداها الملك إلى أصحابه وإلى بعض المكتبات الشهيرة في أوربا، وطُبِع منها العهد الجديد في مدينة ليبسك للبيع لعامة الشعب.

وتُسمى هذه المخطوطة بالسينائية نسبة إلى سيناء حيثُ وُجِدَت بدير “سانت كاترين”. أما مكتشفها كما قلنا هو العالم تشندورف الألماني من مدينة سكسونيا، حيث سافر إلى جبل سيناء أول مرة في شهر مايو ۱٨٤٤م، بينما هو يتفرَّس في الكتب الموجودة في الدير، هناك رأى بالقرب منه سلَّة مملؤة من قطع أوراق ورقوق عتيقة. فانعطف نحوها وأخذ يتأمل فيها، فأخبره وكيل المكتبة بأنهم من برهة أحرقوا بالنار سلَّتين مملؤتين من قطع نظير هذه، وهذه السَّلَّة أيضاً كانت مُعدَّة للحريق-مع أنها أثمن من الذهب!- بينما هو يفتِّش فيها ويتعجب من قدميتها وجد بعض قطع من التوراة باليونانية واستنتج من منظرها أنها من أقدم ما يوجد. فسمحوا له بثلث هذه وكانت ٤۳ قطعة من رِقّ. أما البقية فلم يسمحوا له بها، ولكنه قبل أن يتركها نسخ منها سفري إشعياء وإرمياء. فحرَّصهم على حفظ هذه الأوراق وما أشبهها. وعاد تشندورف إلى أوربا وطبع هذا الجزء من التوراة طباعة جميلة على هيئة أحرف أصلية في مطبعة الحجر. وفي هذه البرهة كتب إلى أصحابه في مصر من الحكومة والموظفين مستعيناً بهم في جلب الباقي، فأجابوه! فانتبه الرهبان من غفلتهم أو على الأصح جهلهم وعرفوا بأن كان لديهم كنزاً ثميناً ولذلك رفضوا تماماً أن يبيعوه.

وفي عام ۱٨٥۳م سافر مرة أخرى إلى هناك لهذا الغرض، وبعد التفتيش وجد أشياء ثمينة جداً ونظراً لكثرتها كانت أثمن من التي رآها من قبل. أما تلك القطع من التوراة فأخفوها عنه، إلاَّ أنَّه وهو يفتّش في كتابٍ ما عثر على قطعة صغيرة لم يرَها من قبل معلق عليها أحد عشر سطراً من سفر التكوين، فاستنتج أنَّه لابد من أن هذه الأوراق مقطوعة من نسخة كاملة من التوراة.

وفي فبراير عام ۱٨٥٩م عاد العالم تشندرف إلى مصر بأمر من قيصر روسيا، لذلك رحَّبوا به واستضافوه عدة أيام ولكنهم أخفوا عنه تلك المخطوطات. وقبل مغادرته للدير بوقت وجيز دعاه حارس الدير إلى حجرته وقدَّم له نسخة من التوراة ففتحها وإذ هي تلك التي رآها من قبل منضمة إلى النسخة الأصلية التي كانت قد قُطعت منها. وكانت تحتوي على جزء كبير من العهد القديم والعهد الجديد كله! ولكنهم لم يسمحوا له بها البتة، ولم يرتضوا بثمن مهما كان. فأخذ يستعمل كل الوسائط ليحصل على هذه النسخة مستعيناً بإمبراطور روسيا وبالبعض من أساقفة وبطاركة. وبعد مكابدة أموال وجهود طائلة حصل عليها في ۲٨ سبتمبر ۱٨٥٩م في مصر. وفي الأول من شهر أكتوبر سافر تشندورف إلى بطرس برج، وبعد أن مَثَلَ بحضرة الإمبراطور توجه إلى ليْسبك بألمانيا وشرع في طباعتها وانتهى من ذلك عام ۱٨٦۲م. وقد أهداها مكتشفها إلى الإسكندر ملك روسيا، وبقيت في روسيا إلى أن قامت الثورة البلشفية، فبيعت للمتحف البريطاني بمائة ألف جنيه استرليني يوم عيد الميلاد سنة ۱٩۳۳. وتحوي كل العهد الجديد ما عدا مرقس ۱٦: ٩-۲۰ يوحنا ٧: ٥۳-٨: ۱۱. وهذه تقف في وجه كل مدَّعي التحريف على الكتاب المقدَّس.

وعن تهمة التحريف يقول الدكتور القس منيس عبد النور: “مع أن هذه التهمة مزعجة، إلاَّ أني اعتدتُ عليها لكثرة ما سمعتُها من المسلمين الذين تحدَّثتُ معهم لسنوات طويلة في شمال أفريقيا، وظننت أنها ما عادت تزعجني ولكني كنت مخطئاً، فقد زرت المتحف البريطاني بلندن عام ۱٩٨۳ لأرى واحدةً من أقدم مخطوطات الكتاب المقدَّس وهي (السينائية) التي ترجع إلى عام ۳٥۰م وما أن رأيتُها حتي خُيّل لي أني أسمع أصوات من قالوا لي مئات المرات: “حرَّفتم كتابكم!” صارخين بذلك في وجهي مجتمعين، فانفجرتُ باكياً وإلى الآن وأنا أكتب هذه الكلمات تدمع عيناي! أردت أن أمد يدي من وراء الزجاج لألمس المخطوطة بيدي، كما تمنيت أن ألمس إخوتي الذين كتبوها منذ ۱٦۰۰ سنة، فقد شعرت بالوحدة معهم، رغم أنهم ماتوا منذ أمدٍ بعيد لقد كان أمامي برهان ملموس على أن الإنجيل باقٍ كما هو بغير تغيير وبالطبع لم يسمحوا لي أن ألمس المخطوطة، فاكتفيت بالتقاط صورة لها، وانصرفت” تراها في موضع آخر من هذا الكتاب.

ولكن السؤال الذي يؤرقني وأرقني كثيراً وهو: كيف ولماذا أحرق الرهبان ۳٤۰ مخطوطة من ٧۳۰ ولم يبقَ سوى ۳٩۰ مخطوطة؟! هل وصلت بهم حالة التردِّي إلى الدرجة التي بها لم يستطيعوا التمييز بين الغثّ والثمين؟! فهم رجال دين متخصصون ومكرسون لهذا، والكتاب ومخطوطاته وشروحه وتفاسيره كل هذا يقع داخل دائرة تخصصهم! فهل من سبب واضح مقنع يقف وراء ما حدث! بحثتُ عن إجابة لتلك الأسئلة لمدة سنوات طويلة وأخيراً وجدت الرد على كل هذه على لسان الراهب العظيم والعالم الجليل الأب متَّى المسكين إذ يقول في كتاب سيرة حياته الصادر عن ديره، دير أنبا مقار لعام ۲۰۰٦ صفحتي ٨ و٩ ما نصه:

“إنَّها عتمة العقول وضيقها وانحصارها في أفق ورؤيا ضيقة. إنها عُزلة فُرضت علينا نحن الأرثوذكس المصريين منذ مجمع خلقدونية عام ٤٥۱م بحصار ثقافي ولغوي وحضاري. فقد فقدنا نحن الأرثوذكس المصريين منذ مجمع خلقدونية كل صلة بالعالم الخارجي، فقدنا اللغة اليونانية وهي لغة اللاهوت والفلسفة والعلم، وفقدنا كل امتداد في الماضي والمستقبل، وفقدنا معها تراثنا الآبائي كله، ثم فرضنا على أنفسنا العزلة بأيدينا وأحكمناها كلما شاء الله ليخرجنا من هذا المأزق بتعصُّبنا، نتيجة الخوف والوحدة والعزلة الطائفية. ثم جاء غزو العرب ودخل الإسلام بعد مجمع خلقدونية بمائتي عام ليُحكِم هذه العُزلة ويُفقِدنا اللغة الثانية، اللغة الأم، اللغة القبطية. إذ خرج أمر من الخليفة بأن كل مَنْ يتكلم القبطية يُقطَع لسانه، فانقطع لساننا بدون قطع وانتهت اللغة القبطية، لغة الوطن والحضارة الأولى. واستيقظ الأقباط وإذا بهم قد نسوا لغتهم الأصلية. فباتت كل مخطوطاتهم التي ملأت خزانات الكتب في البيوت والكنائس والأديرة مئات الألوف المكتوبة باليونانية والقبطية بلا أي قيمة ولا معنى  ولا أثر، كحجر رشيد المُلقى على شاطئ البحر ينتظر من يترجمه لأولادها ولهذا كانوا يفرطون في بيعها لسارقي المخطوطات من الأجانب.

بلغ الأقباط أقصى غاية الضعف منذ القرن السابع فما بعده وحتى اليوم. فلا تعجب أيها القارئ حينما تسمع بأننا متعصِّبون، إنها العزلة والخوف والجهل معاً فرضت علينا هذا التعصُّب الفكري والإيماني الذميم، طغى علينا التعصُّب الذي هو في حقيقته عتمة رؤيا وانحصار فكري ليحكم ويشمل كل علاقاتنا” انتهى كلام الأب العالم اللاهوتي العظيم متَّى المسكين.

القسم الثاني: النسخ الحاوية للعهد القديم فقط.

۱- القطونية: وهي من أقدم النسخ في أيامنا هذه وأصحها، أحضرها من مدينة فيلبي أسقفان من أساقفة الروم على إنجلترا وأهداها إلى الملك هنريكوس الثامن عام ۱٧۳۱م. احترقت المكتبة التي كانت موضوعة فيها فاحترق جزء كبير من هذه النسخة الثمينة. خُطّت في أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس. وما بقي منها محفوظ في المتحف البريطاني بلندن.

۲ و۳- السروانية والكلبرتية: وهاتان النسختان محفوظتان في المكتبة الوطنية بباريس، فرنسا، خُطّتا في القرن السادس أو السابع. وهما حاويتان الأسفار الخمسة وسفري يشوع والقضاة.

٤- النسخة القيصرية: وسميت هذه النسخة بعدة أسماء مثل “الفضية” و”الفضية الأرجوانية” لأنها مكتوبة بأحرف فضية على رق من اللون الأرجواني، وهي محفوظة في المكتبة الملكية في ,ـيـينا بالنمسا. وهي ۲٦ صحيفة فقط ۲٤ حاوية بعض سفر التكوين واثنتان حاويتان قطعة من إنجيل لوقا. خُطّت في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس.

٥- النسخة الأمبروسية: محفوظة في المكتبة الأمبروسية في مدينة ميلانو بإيطاليا، خُطّت في القرن السابع.

٦- النسخة الكويسلية: خُطّت في القرن السادس أو السابع، وهي محفوظة بمتحف اللوفر بباريس، فرنسا.

 

٧ - النسخة الفاتيكانية Codex vaticanus ۳۲٥-۳٥۰ م موجودة بمكتبة الـ’ـاتيكان وتحوي كل الكتاب المقدَّس تقريباً، وهي من أثمن مخطوطات الكتاب المقدَّس اليونانية.

٨- النسخة التورية: وهي حاوية لسفر المزامير فقط، كُتبت على رق أرجواني بأحرف فضية، والحرف الأول من كل مزمور مذهب، خُطّت في القرن الحادي عشر، والبعض يظن أنها قبل ذلك.

القسم الثالث: النسخ الحاوية للعهد الجديد فقط.

۱ - النسخة الأفرامية Codex Ephrawmi ٤۰۰م موجودة في المكتبة الوطنية في باريس. وتقول الموسوعة البريطانية إنها ساعدت على التأكد من بعض قراءات العهد الجديد، وهي تحويه كله ما عدا رسالتي تسالونيكي الثانية ويوحنا الثانية.

۲ - النسخة البيزية Codex Bezae ٤٥۰م، أهداها العلاَّمة بيزا لمكتبة جامعة كامبريد؛ بإنجلترا عام ۱٥٨۱م، موجودة في مكتبة كامبريد؛ وتحوي الأناجيل وأعمال الرسل باللغتين اليونانية واللاتينية.

۳ - نسخة كلارومنت Codex Clarmontanus ٥۰۰م وتحتوي على رسائل بولس الرسول ـ في اللغتين اليونانية واللاتينية. محفوظة في دير كلارمونت بفرنسا.

٤- النسخة الباسيلية: خُطّت في أواخر القرن الثامن وهي تحتوي على الأناجيل الأربعة فقط.

 

٥- النسخة اللاودية: وهي تحتوي على سفر أعمال الرسل باليوناني واللاتيني وهي محفوظة في مكتبة جامعة أُوكسفورد، بإنجلترا.

٦- النسخة السنجرمانية: وهي تحتوي على رسائل الرسول بولس باليوناني واللاتيني وهي محفوظة في باريس.

٧- النسخة البوريلية: محفوظة بمكتبة أوترخت بهولندا وترجع للقرن التاسع.

 

٨- النسخة الأوجيية: وهي تحتوي على رسائل الرسول بولس باليوناني واللاتيني وهي محفوظة في مكتبة جامعة كامبريد؛ بإنجلترا.

٩- النسخة البرونرية: وهي تحتوي على رسائل الرسول بولس باليوناني واللاتيني وهي محفوظة في درسدن بألمانيا، وخُطّت بين القرنين الثامن والعاشر.

۱۰- النسخة الهرلانية أو الولفية الأولى: وهي حاوية قطعاً من الأناجيل الأربعة ومحفوظة بالمتحف البريطاني.

 

۱۱- النسخة أو الولفية الثانية: وهي حاوية قطعاً من الأناجيل الأربعة ومحفوظة في متحف مدينة هامبرج بألمانيا.

۱۲- النسخة القطونية: محفوظة في المتحف البريطاني، وهي مكتوبة بأحرف فضية على رق أرجواني، حاوية قطعاً من الأناجيل الأربعة، وخُطّت في أواخر القرن السادس.

۱۳- النسخة القبرسية: محفوظة في المكتبة الوطنية بباريس، وهي حاوية الأناجيل الأربعة. أُحضرت من جزيرة قبرس عام ۱٥۳٧م، وخُطّت في القرن التاسع.

۱٤- النسخة الملكية الباريسية رقم ٦۲: حاوية الأناجيل الأربعة، وخُطّت في القرن الثامن.

 

۱٥- النسخة الملكية الباريسية رقم ٤٨: حاوية الأناجيل الأربعة، وخُطّت في القرن التاسع.

 

۱٦- النسخة القيصرية: مكتوبة بأحرف فضية على رق من اللون الأرجواني، وهي محفوظة في المكتبة الملكية في ,ــينا بالنمسا. وهي ۲٦ صحيفة فقط ۲٤ حاوية بعض سفر التكوين واثنتان حاويتان قطعة من الأناجيل الأربعة. خُطّت في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس

هذه أشهر النُّسخ والمخطوطات الموجودة بمكتبات ومتاحف القارة الأوربية. أكثر من ٦۰۰ مخطوطة كاملة! أما الناقصة أو القصاصات في تفوق الحصر، وقد قَبِلَها العلماء وقيَّدوا قراءتها في عدة طبعات من الكتب المقدَّسة وأشهر هذه القراءات مذكورة في الحاشية السفلى من الكتاب المشَوْهَد المطبوع في بيروت.

مخطوطات أخرى:

۱ - مخطوطة >ـون رايلاند Ryland ۱۳۰ م في مكتبة مانشستر بإنجلترا وهي أقدم المخطوطات، وجدت في مصر. بها إنجيل يوحنا، مع أن المعروف أن هذا الإنجيل كُتب في آسيا الصغرى. وهي تؤكد لنا أن الإنجيل كُتب حوالي نهاية القرن الأول الميلادي.

وقد قضى اكتشاف هذه المخطوطة على الهجوم الذي كان يوجه إلى إنجيل يوحنا، باعتبار أنه كُتب نحو عام ۱٦۰ م

۲ - مخطوطات تشستربيتي Chester Beatty Papyri ۲۰۰ م موجودة في متحف بيتي في دبلن، وجزء منها في جامعة متشيجان. وهي من ورق البردي، وتحتوي ثلاثة منها على معظم العهد الجديد. وهي أقرب المخطوطات إلى النَّص الأصلي من جهة تاريخية. ويقول سير فردريك كنيون: “إن هذا الإكتشاف هو أعظم اكتشاف منذ اكتشاف النسخة السينائية، فهو يضيق الفجوة الزمنية بين تاريخ المخطوطات التي بين أيدينا وبين تاريخ كتابة أسفار العهد الجديد، فلا يعود هناك مجال للشك في صدقها، فليس لنصوص كتاب آخر مثل هذا السند من المخطوطات القديمة والكثيرة، ولا يمكن لأي عالم غير منحاز أن ينكر أن النَّص الذي وصل إلينا هو نص صحيح”.

۳ - بردية بُدْمر Bodmer الثانية ـ ۱٥۰-۲۰۰ م موجودة بمكتبة بُدْمر وتحوي معظم إنجيل يوحنا، وهي أهم مخطوطة بعد مخطوطات تشستربيتي، وكثيرون من العلماء يرجعون بتاريخها إلى منتصف القرن الثاني، إن لم يكن إلى النصف الأول منه.

٤ – الدياطسرون: ومعناه اتفاق الأجزاء الأربعة - وهو إظهار الاتفاق بين البشيرين الأربعة، كتبه تاتيان عام ۱٦۰ م وقد كتبه يوسابيوس في تاريخه: لقد قام قائدهم السابق تاتيان بكتابة جمع للأناجيل دعاه دياطسرون ولا زال هذا موجوداً الآن في بعض الأماكن أما تاتيان هذا فهو مسيحي أشوري، أول من كتب في اتفاق البشيرين، ويوجد اليوم لدينا جزء صغير فقط مما كتبه تاتيان.

٥ - الترجمة القبطية: تشير الوثائق التاريخية، إلى أن أهل مصر كانوا يقرأون الكتاب المقدَّس باللغة القبطية قبل النصف الأول من القرن الثالث بعد الميلاد. واللغة القبطية هي مركبة من اللغة المصرية القديمة واللغة اليونانية ويعتقد أن العهد القديم تُرْجِم إليها من الترجمة السبعينية في القرن الثاني والثالث بعد الميلاد.

هذا قليل القليل مما نعرفه عن الترجمات القديمة لهذا الكتاب الفريد. ومما لاشك فيه، أنه توجد ترجمات عديدة للكتاب المقدَّس لم يحدد بعد تاريخ ترجمتها. والدراسات لا تزال قائمة حول هذا الموضوع. إن الاكتشافات الحديثة وعلماء الآثار في كل مرة يطالعوننا بشيء جديد فيما يخص هذا الكتاب الذي يُعَدُّ من أقدم وأعرق الكتب التي عرفها العالم. ومع كل هذه الترجمات ظل الكتاب المقدَّس محافظاً على قوَّته الروحية ووضوح رسالته الموجهة لبني البشر عامة ودقة معانيه. ولم يكن صعباً على الرجل العادي استيعابه ولا على المتعلم أن يقلل من قيمته، بل هو لكل إنسان ولجميع المستويات البشرية.

٦ - نسخة واشنطن: أو نسخة الفريرية - من ٤٥۰-٥٥م وهي تحوي على الأناجيل الأربعة بالترتيب الآتي: متى، يوحنا، لوقا، مرقس.

مخطوطات البحر الميت:

سأل السير فردريك كنيون: هل النَّص المعروف بالمازوري المأخوذ من نسخة كانت موجودة عام ۱۰۰م، يمثل النَّص الأصلي الذي كتبه كتّاب العهد القديم؟

وقد جاءت مخطوطات البحر الميت لتقول: “نعم بالتأكيد!”

أما هذه المخطوطات فتتكون من أربعين ألف قطعة، أمكن تجميع خمسمائة كتاب منها بينها كتب عن قوانين الحياة في مجتمع قمران، وأصول التلمذة فيها، مع تفاسير لبعض الأسفار. أما قصة اكتشاف هذه المخطوطات فترجع إلى أن راعي أغنام بدوي اسمه محمد كان يبحث عن معزة ضائعة في مارس آذار ۱٩٤٧، فرمى حجراً في ثقب في تل على الجانب الغربي للبحر الميت، على بعد ثمانية أميال جنوب أريحا، واندهش وهو يسمع صوت تحطيم آنية فخارية فدخل ليستكشف الأمر، فوجد أواني فخارية كبيرة تحتوي لفائف من الجلد ملفوفة في أنسجة كِتَّانية. ولما كانت الأواني الفخارية مغلقة بإحكام، فقد بقيت المخطوطات في حالة ممتازة لمدة نحو ۱٩۰۰ سنة، فقد وضعت تلك المخطوطات داخل الأواني عام ٦٨م.

وقد اشترى رئيس دير السريان الأرثوذكسي بأورشليم خمساً من تلك المخطوطات، كما اشترى الأستاذ سكنك من الجامعة العبرية بأورشليم ثلاثاً، وكتب في مذكراته عنها يقول: “لعل هذا واحد من أعظم الاكتشافات في فلسطين، أكثر جداً مما توقعنا”.

وفي فبراير شباط سنة ۱٩٤٨ اتصل رئيس الدير السرياني بالمدرسة الأمريكية للبحوث الشرقية في أورشليم وأخبرهم عن المخطوطات. وكان المدير شاباً عالماً يهوى التصوير، اسمه >ـون تريـ’ـر، فقام بجهد خارق في تصوير كل عمود من مخطوطة سفر إشعياء وهي بطول ۲٤ قدماً وعرض عشر بوصات وحمَّض الأفلام بنفسه وأرسل بعض الصور منها إلى الدكتور أولبرايت من جامعة >ـون هوبكنز، الذي كان يُعتبر عميد علماء الحفريات الكتابية. فأرسل رده برجوع البريد يقول: “تهانيَّ القلبية على اكتشاف أعظم مخطوطة في عصرنا الحديث”. يا له من اكتشاف مذهل! ولا يمكن أن يوجد ظل شك في العالم كله في صحة هذه المخطوطة. وقال إنها ترجع لعام ۱۰۰ ق م

قيمة المخطوطات:

وإننا نتساءل: كيف نتأكد أن مخطوطة من عام ٩۰۰ م صحيحة وطبق الأصل من المخطوطات القديمة السابقة لميلاد المسيح؟ والإجابة: شكراً لمخطوطات البحر الميت، فإن مخطوطة إشعياء ترجع إلى ما قبل المخطوطات التي معنا بألف سنة، فالعلماء يرجعون بتاريخ نسخها إلى ۱۲٥ ق م! أما بقية المخطوطات في وادي قمران فيرجع تاريخها إلى ما بين ۲۰۰ ق م وحتى ٦٨م. ولقد وُجِدَ تطابق مذهل بين مخطوطة إشعياء القديمة ۱۲٥ ق م ومخطوطات الكتبة المازوريين ٩۱٦ م مما يدل على دِقَّةِ النسّاخ على مدى ألف عام. فمن ۱٦٦ كلمة في إشعياء أصحاح ٥۳ يوجد تساؤل حول ۱٧ حرفاً فقط، عشرة حروف منها في الهجاء، وأربعة عن طريقة الكتابة، والثلاثة الأخرى في الترجمة السبعينية. وعلى هذا ففي أصحاح يحوي ۱٦٦ كلمة توجد كلمة واحدة من ثلاثة أحرف موضع تساؤل. بعد ألف سنة من النقل بخط اليد، وهذه الكلمة لا تغير معنى النَّص مع المخطوطة الأولى، وأطلق عليها إشعياء “ب” تمييزاً لها عن الأولى، وهي تتفق بصورة أروع مع النَّص المازوري.

ويقول >ـليسن أركر عن مخطوطات إشعياء التي اكتشفت في كهوف قمران: “ثبت أنها تطابق النَّص العبري الذي بين أيدينا فيما يزيد ٩٥% منه، وإن ال٥% الباقية هي اختلافات نتيجة زلاَّت النَّسخ أو في هجاء الكلمات”.

وأن الإنسان ليستغرب كيف تثبت هذه الدقة المذهلة على مدى ألف عام، وهي شهادة رائعة لدِقَّةِ الكتبة المازوريين.

وهذه المخطوطات القديمة، وغيرها الكثير، تظهر:

أ - إن مخطوطات الكتاب المقدَّس أكثر جداً من مخطوطات أي كتاب قديم آخر.

ب - أن تاريخ المخطوطات الموجودة عندنا قريب جداً من تاريخ كتابة النَّص الأصلي، إذا قارنا ذلك بأي مخطوطة أخرى لأي كتاب قديم.

ويقول العلاَّمة ف. هورت الذي قضى ۲٨ سنة في دراسة نصوص العهد الجديد: “إن هذه الكثرة من مخطوطات العهد الجديد والتي يعود الكثير منها إلى العصور الأولى التي تكاد تتصل بتاريخ كتابة النَّص الأصلي، تجعل نص العهد الجديد يقف فريداً بين كل الكتابات الكلاسيكية القديمة، ولا تدانيه في ذلك أي كتابات أخرى.”

ويقول جرينلي: “لما كان العلماء يقبلون الكتابات الكلاسيكية اليونانية القديمة، رغم أن النسخة الموجودة عندنا منها كتبت بعد تأليف النسخة الأصلية بألف سنة، أو أكثر، فمن الواضح أننا نقدر أن نعتمد على ما عندنا من العهد الجديد اليوم بثقة كبيرة.”

ويقدم العالمان >ـيسلر ونيكس المقارنة التالية: “أكثر الكتب القديمة من جهة المخطوطات الموجودة عندنا اليوم هو العهد الجديد، ومن بعده الألياذة ٦۳٤ مخطوطة وكانت الألياذة والعهد الجديد تعتبران كتباً مقدسة. في العهد الجديد عشرون ألف سطر، وفي الألياذة ۱٥٦۰۰ سطر. من العهد الجديد ٤۰۰ كلمة أو أربعون سطراً موضع شك، بينما ٧٦٤ سطراً من الألياذة موضع شك - ٥% من الألياذة موضع شك، بينما أقل من نصف النصف في المائة من العهد الجديد موضع شك. ولكن المهابهاراتا الهندية لاقت فساداً أكثر، فمن أصل ۲٥۰ ألف سطر فيها ۲٦ ألف سطر موضع شك ـ أكثر من ۱۰%.”

صورة لوادي قمران



 

اشترى رئيس أساقفة دير السريان الأرثوذكس في أورشليم خمسة من هذه المخطوطات التي وجدت في الكهف الأول للبحر الميت

رئيس أساقفة الدير مع العالم جون تريفر

صورة للنسخة الإسكندرانية

الدكتور و.ف. ألبرايت في جامعة جونز هوبكنز، الذي كان يعتبر عميداً لعلماء الآثار الكتابية في أمريكا


 

جزء من المخطوطة السينائية

قسطنطين تشندورف، مكتشف المخطوطة السينائية

 


 

(إش٥۲: ۱۳-٥٤: ٤)

الأسفار القانونية

الأسفار القانونية هي الكتب التي نستقي منها قوانين إيماننا على حَدِّ تعريف العلاَّمة أوريجانوس وهي الأسفار التي قبلتها الكنيسة كالكتب الموحى بها من الله. وقانونية الأسفار لم تقررها الكنيسة ولكنها قبلتها واعترفت بها، لأن الله هو الذي أوحى بها وأعطاها.

أولا- مقياس قانونية السفر:

كانت هناك خمسة مقاييس لتقرير قبول أي سِفر، وهي:

۱ - هل بالسفر سلطان؟ هل جاء من الله وهل حوى عبارة هكذا قال الرب؟

۲ - هل السفر نبوي؟ كَتَبَهُ أحد رجال الله؟

۳ - هل السفر موثوق به؟ وقد قال الآباء: “لو خامرك الشك في سفر فالقهِ جانباً”

٤ - هل السفر قوي؟ هل فيه قوَّة إلهية قادرة على تغيير الحياة؟

٥ - هل قَبِلَ رجال الله السفر وجمعوه وقرأوه واستعملوه؟ مثلاً: اعترف بطرس بكتابات الرسول بولس باعتبارها مساوية لكتابات العهد القديم ۲بطرس ۳: ۱٥، ۱٦

ثانياً - قانونية العهد القديم:

انتهى نظام تقديم الذبائح اليهودية بتدمير الهيكل عام ٧۰ م وتشتت اليهود، فأصبحوا في حاجة إلى تحديد الأسفار الموحى بها من الله لكثرة الكتب التي كانت بين أيديهم، وهكذا صار اليهود أهل الكتاب الواحد الذي يجمعهم جميعاً.

وبدأت المسيحية تزدهر وتنتشر، فانتشرت معها كتابات مسيحية مختلفة أراد اليهود أن يستبعدوها من القراءة في مجامعهم. ولذلك قسَّم اليهود كتبهم إلى الأقسام التالية:

الشريعة ـ التوراة

۱- التكوين

۲- الخروج

۳- اللاويين

٤- العدد

٥- التثنية

الانبياء النبيئيم

(أ) الانبياء الأولون

۱- يشوع

۲- قضاة

۳- صموئيل

٤- الملوك

ب- الأنبياء المتأخرون

۱- إشعياء

۲- إرمياء

۳- حزقيال

٤- الاثنى عشر

الكتب (الكتوبيم)

أ- الكتابات الشعرية

۱- المزامير

۲- الأمثال

۳- أيوب

ب- المخطوطات الخمس

۱- نشيد الأنشاد

۲- راعوث

۳- المراثي

٤- أستير

٥- الجامعة 

ج- الكتب التاريخية

۱- دانيال

۲- عزرا – نحميا

۳- أخبار أيام

ومع أن هذه الأسفار هي بعينها التي لدى المسيحيين، إلا أن عدد الأسفار يختلف، فقد قسموا كلاً من صموئيل والملوك وأخبار الأيام إلى قسمين: كما أن اليهود يعتبرون الأنبياء الصغار سفراً واحداً. وترتيب الأسفار يختلف، فإن المسيحيين يقسمون الأسفار تقسيماً موضوعياً.

ثالثاً - قانونية أسفار العهد الجديد:

۱ - الأساس الذي بُني عليه قبول أسفار العهد الجديد كأسفار قانونية هو أنها من الرسل، وموحى بها من الله.

لقد تأسست الكنيسة على أَسَاسِ الرُّسُلِ والأَنْبِيَاءِ (أفسس ۲: ۲۰) الذين وعد المسيح بإرشادهم إلى جميع الحق بالروح القدس (يوحنا ۱٦: ۱۳) وقد واظبت كنيسة أورشليم على تعليم الرسل (أعمال ۲: ٤۲). وليس شرطاً أن يكون كتّاب الأسفار رسلاً، لكن أن تكون هذه الأسفار قد حظيت بموافقة الرسل. وسلطان الرسل لا يمكن فصله عن سلطان الرب، فإن الرسائل ترينا أن بالكنيسة سلطاناً واحداً مطلقاً هو سلطان الرب، وعندما يتحدث الرسل بسلطان يستمدونه من الرب نفسه. مثلاً عندما يدافع بولس عن دعوته الرسولية يقول إنه تلقاها مباشرة من الرب (غل ۱،۲). وعندما ينظم شؤن الكنيسة يعزو ذلك للرب، رغم عدم وجود توجيهات مباشرة (۱كورنثوس ۱٤: ۳٧). (۱كورنثوس ٧: ۱۰). فكل سلطان يجب أن يكون نابعاً من الرب وحده صاحب السلطان المطلق.

۲ - ثلاثة أسباب استلزمت تقرير الأسفار القانونية للعهد الجديد:

أ- هرطقة ماركيون ۱٤۰ م الذي كوَّن أسفاره القانونية وأخذ ينشرها، فرأت الكنيسة الحاجة إلى تحديد الأسفار القانونية لأنهاء تأثيره.

ب- استخدمت بعض الكنائس كتابات إضافية في العبادة، فلزم وضع حد لهذا.

ج- قرر دقلديانوس عام ۳۰۳ م أن يدمِّر الكتب المقدَّسة للمسيحيين فعزم المسيحيون أن يعرفوا أي الكتب تستحق أن يموتوا لأجلها!

۳ - ويقدم لنا القديس أثناسيوس الاسكندري ـ عام ۳٦٧م أول قائمة للأسفار القانونية للعهد الجديد، في رسالته للكنائس بمناسبة عيد الفصح وهي نفس القائمة التي عندنا تماماً وبعد ذلك قدم كل من القديسين أيرونيموس وأغسطينوس ذات القائمة التي تحوي أسماء ۲٧ سفراً.

واقتبس الآباء من العهدين القديم والجديد قائلين كما جاء في الكتب مثلما قال بوليكاربوس ۱۱٥ م وأكليمندس وغيرهما.

أما >ـستن مارتر فقد قال في دفاعه عن المسيحية، وهو يكتب عن العشاء الرباني: “في يوم الأحد يجتمع المسيحيون الساكنون بالمدينة أو القرى، في مكان واحد، يقرأون مذكرات الرسل وكتابات الأنبياء، حسب ما يسمح به الوقت. وعندما يتوقف القارئ يقدم القائد نصائح يدعو فيها إلى تطبيق هذه الكلمات الصالحة”. ويضيف >ـستن مارتر في مناقشته مع تريـ’ـو اقتباساً من الأناجيل يسبقها بقوله “مكتوب”. ولا بد أنه و تريـ’ـو كانا يعرفان المقصود بكلمة “مكتوب” هذه.

٤ - ونشير إلى كتابات القديس أيريناوس ۱٨۰م الذي كان متصلاً بالعصر الرسولي وبمعاصريه الكنسيّين في كل العالم، وكان قد تعلم في آسيا الصغرى عند قدمي بوليكاريوس تلميذ يوحنا البشير، ثم صار أسقفاً لليون في بلاد الغال فرنساـ عام ۱٨۰ م. وتظهر كتابات أيريناوس إيمانه بقانونية الأناجيل الأربعة والأعمال ورومية ورسالتي كورنثوس وغلاطية وأفسس وفيلبي وكولوسي ورسالتي تسالونيكي ورسالتي تيموثاوس وتيطس وبطرس الأولى ويوحنا الأولى والرؤيا. ويتضح من كتابه ضد الهرطقات أن فكرة الأناجيل الأربعة كانت حقيقية ثابتة معروفة ومقبولة في كل العالم المسيحي ومعتبرة أمراً طبيعياً بل ولازماً مثلها في ذلك مثل الجهات الأصلية الأربع.

٥ - وقد قبلت المجامع الكنسية قانونية أسفار العهد الجديد. وعندما انعقد مجمع هبّو عام ۳٩۳م وسجَّل أسفار العهد الجديد السبعة والعشرين كأسفار قانونية، لم يعط هذه الأسفار سلطاناً لم يكن لها من قبل، ولكنه اعترف بقانونيتها التي معترفاً بها. وقد أعاد مجمع قرطجنة الثالث إذاعة قرار مجمع هبو بعد أربع سنوات، ولم يعد هناك أي تساؤل حول صحة قانونية أسفار العهد الجديد.

٦ - أسفار أبوكريفا في العهد الجديد:

رسالة برنابا الزائفة ٧۰-٧٩ م.

الرسالة إلى أهل كورنثوس ٩٦ م.

رسالة أكليمندس الثانية ۱۲۰-۱٤۰ م.

راعي هرماس ۱۱٥-۱٤۰ م.

تعاليم الأثني عشر ۱۰۰-۱۲۰ م.

رؤيا بطرس ۱٥۰ م.

أعمال بولس وتكلا ۱٧۰ م.

الرسالة إلى أهل لاودكية القرن الرابع الميلادي.

الإنجيل للعبرانيين ٦٥-۱۰۰ م.

رسالة بوليكاريوس لأهل فيلبي ۱۰٨ م.

رسائل أغناطيوس السبع ۱۰۰ م.

وكتابات أخرى لم تقبلها الكنيسة كأسفار قانونية.

الأبوكريفا

أي الأسفار غير القانونية

كتب الأبوكريفا هي الكتب المشكوك في صحة نسبتها إلى من تُعزى إليهم من الأنبياء، قد حكم بالوحي بها المجمع التريدنتيني الباباوي الملتئم سنة ۱٥٤٥م أي قبل وقتنا الحاضر بنحو ٤٦٥ سنة. وبما أنهُ يوجد أدلَّة بيّنةٌ على أنها ليست من الأسفار المُوحَي بها وجدنا الآن أنهُ يناسب موضوع كتابنا هذا أن نتكلم عنها قليلاً.

أما أسماءُ هذه الكتب المشار إليها فهي سفر طوبيا، ويهوديت، وعزراس الأول والثاني، وتتمَّة أستير، ورسالة إرميا، ويشوع بن سيراخ، وباروخ، وحكمة سليمان، وصلاة عزريا، وتسبحة الثلاثة فتية، وقصة سوسنة والشيخين، وبل والتنين، وصلاة منسى، وكتابا المكابيين الأول والثاني.

ومع أن هذه الأسفار كانت ضمن الترجمة السبعينية للعهد القديم، إلا أن علماء بني إسرائيل لم يضعوها ضمن الكتب القانونية. وبما أن بني إسرائيل هم حفظة الكتب الإلهية، وعنهم أخذ الجميع، فكلامهم في مثل هذه القضية هو المعوّل عليه. وقد رفضوا هذه الكتب في مجمع جامينا (٩۰م) لأنها غير موحى بها، للأسباب الآتية:

(۱) إن لغتها ليست العبرية التي هي لغة أنبياء بني إسرائيل ولغة الكتب المنزلة، وقد تأكدوا أن بعض بني إسرائيل كتب هذه الكتب باللغة اليونانية.

(۲) لم تظهر هذه الكتب إلا بعد زمن انقطاع الأنبياء، فأجمع أئمة بني إسرائيل على أن آخر أنبيائهم هو ملاخي. وورد في كتاب الحكمة أنه من كتابة سليمان. ولكن هذا غير صحيح، لأن الكاتب يستشهد ببعض أقوال النبي إشعياء وإرميا، وهما بعد سليمان بمدة طويلة، فلا بد أن هذه الكتابة تمَّت بعد القرن السادس ق م. ويصف كتاب الحكمة بني إسرائيل بأنهم أذلاء مع أنهم كانوا في عصر سليمان في غاية العز والمجد.

(۳) لم يذكر أي كتاب منها أنها وحي، بل قال كاتب المكابيين الثاني (۱٥: ۳٦-٤۰) في نهاية سفره: «فإن كنت قد أحسنتُ التأليف وأصبتُ الغرض، فذلك ما كنتُ أتمنّى. وإن كان قد لحقني الوهَن والتقصير فإني قد بذلت وُسعي. ثم كما أن شرب الخمر وحدها أو شرب الماء وحده مضرٌّ، وإنما تطيب الخمر ممزوجة بالماء وتُعقب لذة وطرباً، كذلك تنميق الكلام على هذا الأسلوب يطرب مسامع مطالعي التأليف». ولو كان سفر المكابيين الثاني وحياً ما قال إن التقصير ربما لحقه!

(٤) في أسفار الأبوكريفا أخطاء عقائدية، فيبدأ سفر طوبيا قصته بأن طوبيا صاحَب في رحلته ملاكاً اسمه روفائيل، ومعهما كلب، وذكر خرافات مثل قوله إنك إن أحرقت كبد الحوت ينهزم الشيطان (طوبيا ٦: ۱٩). ونادى بتعاليم غريبة منها أن الصَّدقة تنجي من الموت وتمحو الخطايا (طوبيا ٤: ۱۱، ۱۲: ٩)، وأباح الطلعة (الخروج لزيارة القبور) وهي عادة وثنية الأصل، وهي أمور تخالف ما جاء في أسفار الكتاب المقدس القانونية. وجاء في ۲مكابيين ۱۲: ٤۳-٤٦ أن يهوذا المكابي جمع تقدمة مقدارها ألفا درهم من الفضة أرسلها إلى أورشليم ليقدَّم بها ذبيحة عن الخطية وكان ذلك من أحسن الصنيع وأتقاه، لاعتقاده قيامة الموتى.. وهو رأي مقدس تقَوي، ولهذا قدَّم الكفارة عن الموتى ليُحَلّوا من الخطية. مع أن الأسفار القانونية تعلِّم بعكس هذا.

(٥) في أسفار الأبوكريفا أخطاء تاريخية، منها أن نبو بلاسر دمَّر نينوى (طوبيا٦:۱٤) مع أن الذي دمرها هو نبوخذنصر، وقال إن سبط نفتالي سُبي وقت تغلث فلاسر في القرن الثامن ق م، بينما يقول التاريخ إن السبي حدث في القرن التاسع ق م، وقت شلمنأصر. وقال طوبيا إن سنحاريب ملك مكان أبيه شلمنأصر (طوبيا ۱:۱٨) مع أن والد سنحاريب هو سرجون. وجاء في يشوع بن سيراخ ٤٩: ۱٨ أن عظام يوسف بن يعقوب «افتُقدت، وبعد موته تنبأت».

(٦) لم يعتبر بنو إسرائيل هذه الكتب مُنزلة، ولم يستشهد بها المسيح المذخَّر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم (كولوسي ۲: ۳). ولا اقتبس منها تلاميذ المسيح، ولم يذكرها فيلو ولا يوسيفوس. مع أن المؤرخ يوسيفوس ذكر في تاريخه أسماء كتب بني إسرائيل المنزلة، وأوضح تعلّق بني إسرائيل بها، وأنه يهُون على كل يهودي أن يفديها بروحه.

لا يخفي أنهُ يوجد اتحاد جوهري بين العهدين القديم والجديد وإيضاحاً لذلك نقول. أنهُ يوجد في العهد الجديد أقل ما يكون ۲٥۰ اقتباسات صريحة من العهد القديم ۳٤٨ من الشواهد والإشارات إلى حقائق وحوادث وأشخاص مذكورة في العهد القديم ما خلا النبوات الكثيرة العدد التي فيهِ المذكور إتمامها في العهد الجديد. ومن هذه المراجعات والشواهد والإشارات ۲۳٧ من أسفار موسى الخمسة التي هي القسم الأول عند اليهود كما سبق آنفاً. و۲۱۳ من كتب الأنبياء التي هي القسم الثاني. و۱۰۳ من المزامير أو القسم الثالث. ومع ذلك لا يوجد اقتباسه أو مراجعة واحدةٌ من جميع أسفار الأبوكريفا ولا أدني إشارةٍ إلى أمرٍ ما فيها. ولا شك في أن هذا برهانٌ قاطعٌ على أنها ليست بقانونية. لأن المسيح بهذه الاقتباسات قد ختم على صحة الأسفار المقدسة العبرانية وأخرج الأبوكريفا.

(٧) سار الآباء المسيحيون الأولون (ما عدا قليلون منهم) على نهج علماء بني إسرائيل في نظرتهم إلى هذه الأسفار. ومع أنهم اقتبسوا بعض الأقوال الواردة فيها إلا أنهم لم يضعوها في نفس منزلة الكتب القانونية. وعندما قررت مجامع الكنيسة الأولى الكتب التي تدخل ضمن الكتب القانونية اعتبرت هذه الكتب إضافية أو غير قانونية، فلم يذكرها مليتو أسقف ساردس (في القرن الثاني المسيحي) من الكتب المقدسة، ولم يذكرها أوريجانوس الذي نبغ في القرن الثاني، ولا أثناسيوس ولا هيلاريوس ولا كيرلس أسقف أورشليم، ولا أبيفانيوس، ولا إيرونيموس (جيروم)، ولا روفينوس، ولا غيرهم من أئمة الدين الأعلام الذين نبغوا في القرن الرابع. وقد أصدر المجمع الديني الذي اجتمع في لاودكية في القرن الرابع جدولاً بأسماء الكتب المقدسة الواجب التمسك بها، دون أن يذكر هذه الكتب. ويرجع الكاثوليك إلى قرارات هذا المجمع. ولكن لما كانت هذه الكتب موجودة ضمن أسفار العهد القديم في الترجمات السبعينية واللاتينية، فقد أقرّ مجمع ترنت في القرن السادس عشر اعتبارها قانونية، فوُضعت ضمن التوراة الكاثوليكية، على أنها كتب قانونية ثانوية.. علماً بأن إيرونيموس (جيروم) مترجم «الفولجاتا» (من اليونانية إلى اللاتينية) وضع تلك الأسفار بعد نبوَّة ملاخي، فأُطلق عليها في ما بعد «أسفار ما بين العهدين». وهذه أمثلة من آباء الكنيسة الأولى:

يوستينوس الشهيد الذي هو من أشهر معلمي المسيحيين في الجيل الثاني وهو لم يورد آيةً واحدةً في كل تأليفهِ من أحد أسفار الأبوكريفا.

ميليتو الذي عاش في أواخر الجيل الثاني. وهو من أقدم الأساقفة في كنيسة ساردس أحدي الكنائس السبع المذكورة في سفر الرؤْيا ص ۱ وص ۳. وكان مؤَلّفاً شهيراً وكلامهُ ذا تأثيرٍ في المسيحيين الأولين وهو يعطينا جدول أسماءِ الأسفار المقدسة وهذا هو الجدول الذي وصل إلينا من الكَتَبة المسيحيين بعد أيام الرسل وهو لا يذكر شيئاً من كتب الأبوكريفا. وجدولهُ يتَّفق تماماً مع الجدول الذي أوردناهُ آنفاً من قول يوسيفوس سوى أنهُ كما يبان قد ضمَّ عزرا ونحميا واستير في كتابٍ واحدٍ.

أوريجانوس الذي كان بعد المسيح بنحو مائتي سنة وقد اشتهر جدّاً في معرفة الكتاب المقدس. وهو يقول لا يسوغ أن نجهل ان الكتب القانونية هي ذات الكتب التي سلَّمنا إياها العبرانيون وعددها يوافق عدد أحرف الهجاء في اللغة العبرانية. ثم يورد أسماءَ هذه الكتب على الترتيب في اليونانيّ والعبرانيّ وهي طبق الجدول المذكور آنفاً.

أثناسيوس الذي عاش في أوائل الجيل الرابع بعد المسيح وكان محسوباً من أشهر الآباء. وهو يقول إن أسفار العهد القديم هي اثنان وعشرون سفراً بحسب عدد أحرف الهجاءِ عند العبرانيين. ثم يقول لهم أنهُ ما خلا هذه يوجد كتب أخرى ولكنها لا تُعدُّ قانونيَّةً ثم يورد من هذه الأخيرة أسماءَ أكثر كتب الأبوكريفا.

غريغوريوس النرينزي الذي كان أسقفاً على القسطنطينية قرب ختام الجيل الرابع. وهو كان يحثُّ شعبهُ على درس الكتب المقدسة بالتمعُّن وأن يجتنبوا كل كتاب غير قانوني وبذكر أسماءَ أسفار العهد القديم ويقسمها إلى اثنين وعشرين كتاباً بحسب ترتيب اليهود.

كيرلس الأورشليمي الذي كان معاصراً لغريغوريوس المذكور آنفاً. وهو ينهي تلاميذهُ عن قراءَة أيّ كتابً غير قانوني ويحثهم على درس الأسفار المقدسة ويذكر أسفار العهد القديم الاثنين والعشرين.

يوحنا الذهب الذي أشتهر كثيراً في معرفة الكتب المقدس وهو يصرّح بأن كل أسفار العهد القديم الموحَي بها قد كُتِبت أصلاً باللغة العبرانية وأنهُ لم تُقبَل كتبٌ أخرى غيرها.

ارونيموس الذي ترجم الكتاب المقدس في بداية الجيل الخامس إلى اللغة اللاتينيَّة وقُبِلَت ترجمتهُ عند عامة الكنيسة البابوية وهي المعروفة عند الجميع بالدارجة. وهو يذكر في مقدمتهِ لهذه الترجمة الكتب التي ترجمها من العبرانيَّة إلى اللاتينيّة (وهي طبق جدول يوسيفوس) ويقول أن جميع الكتب غير هذه يجب أن تُحسَب غير قانونية.

 (٨) هذه الكتب منافية لروح الوحي الإلهي، فقد ذُكر في حكمة ابن سيراخ تناسخ الأرواح، والتبرير بالأعمال، وجواز الانتحار والتشجيع عليه، وجواز الكذب ( يهوديت ٩: ۱۰، ۱۳). ونجد الصلاة لأجل الموتى في ۲مكابيين ۱۲: ٤٥، ٤٦ وهذا يناقض ما جاء في لوقا ۱٦: ۲٥، ۲٦ وعبرانيين ٩: ۲٧.

(٩) قال الأب متى المسكين، في كتابه الحُكم الألفي ۱٩٩٧، ص۳): «كتب الأبوكريفا العبرية المزيَّفة، التي جمعها وألَّفها أشخاص كانوا حقاً ضالعين في المعرفة، ولكن لم يكونوا «مسوقين من الروح القدس»، (۲بطرس ۱: ۲۱) مثل كتب: رؤيا عزرا الثاني وأخنوخ، ورؤيا باروخ وموسى وغيرها». ثم قال في هامش الصفحة نفسها: «تُسمَّى هذه الكتب بالأبوكريفا المزيَّفة، وهي من وضع القرن الثاني قبل المسيح، وفيها تعاليم صحيحة وتعاليم خاطئة وبعض الضلالات الخطيرة مختلطة بعضها ببعض. ولكنها ذات منفعة تاريخية كوثائق للدراسة».

إن الأفضل بين كتب الأبوكريفا هو سفر يشوع بن سيراخ الذي يمكن أن يستفاد من قراءَتهِ كيفية تفسير اليهود لشريعتهم. وكذلك سفر المكابيين الأول الذي يتضمن تاريخ نجاة اليهود من استعبادهم لملوك سورية قبل المسيح بنحو جيلين. وهو يحتوي أيضاً على نماذج كثيرة في أمر الشجاعة بالإيمان ويسوغ أن يُقرَأَ برغبةٍ كسائر التواريخ الصحيحة ولكن ليس كأنهُ مكتوبٌ بالوحي.

وبما أن بني إسرائيل الذين أؤتُمنوا على الكتب الإلهية “أَمَّا أَوَّلاً فَلأَنَّهُمُ اسْتُؤْمِنُوا عَلَى أَقْوَالِ اللهِ” (رو ۳: ۲)، هم الحكَم الفصل في موضوع قانونية الأسفار المقدسة، وقد أجمع أئمتهم في العصور القديمة والمتأخرة على أنه لم يظهر بينهم نبي كتب هذه الكتب، فإنه من المؤكد أن أحد اليهود المقيمين في الشتات وضعها. ولو كانت معروفة عند بني إسرائيل لوُجد لها أثر في كتاب التلمود. أما الكتب المقدسة القانونية فهي مؤيَّدة بالروح القدس وبالآيات الباهرة. فالأنبياء الكرام وتلاميذ المسيح أيّدوا رسالتهم وتعاليمهم بالمعجزات الباهرة التي أسكتت من تصدّى لهم، فتأكد الجميع حتى المعارضون أن أقوالهم هي وحي إلهي، فقبلوا كتبهم بالاحترام الديني والتبجيل، وتمسكوا بها واتخذوها دستوراً، ولم يحصل أدنى خلاف بين أعضاء مجمع نيقية على صحة الكتب المقدسة لأنها في غنى عن ذلك

نتيجة ما تقدم

ومما تقدم ذكره في هذا الباب يتضح لنا بأجلى بيان أن الكتاب المقدَّس الذي بين أيدينا الآن صادق في كلمته ومعصوم من شبهة التحريف، والذين اتَّهموه بهذه التهمة الجزافية الباطلة شغلوا أنفسهم عن البحث في تاريخ كتابهم وتاريخ جمعه وعدد مخطوطاته والفجوة الزمنية بين كل مخطوطة وتاريخ كتابهم الأصلي!

ونحن نتحدى إن كان في إمكان أي باحث أن يخضع كتابه لكافة النقاط التالية كما فعلنا بكتابنا المقدَّس فيتضح له شموخ كتابه كما اتضح لنا:

۱- صدق نسبته.

۲- شهادة أعداء الديانة المسيحية له.

۳- شهادة الرُّسُل أجمعين.

٤- شهادة مؤلفي القرون الأربعة الأولى.

٥- الأدلة الداخلية إلى إشارات وأحداث وعادات وتقاليد واصطلاحات كانت جارية وقت كتابته.

٦- شهادة التاريخ العالمي القديم وتقاليد عديدة باقية إلى يومنا هذا (التواتر).

٧- وحدة المعنى مع التقدم في إيضاح المضمون.

٨- اتِّفاق الكتبة على كثرة عددهم واختلاف أزمنتهم وبيئة ثقافتهم، والمطابقة غير المقصودة في كتاباتهم.

٩- ما يتضمنه من التعاليم الروحية السامية.

۱۰- النجاح العظيم المرافق لانتشاره.

۱۱- نتائجه الروحية نظير أي كتاب ديني آخر!

۱۲- عدد مخطوطاته ومطابقته جميعاً.

۱۳- أدلة عصمته وعددها.

۱٤- صدق نبوَّاته (انظر الجزء الثالث من هذه السلسلة).

۱٥- المعجزات التي رافقت مولد المسيح.

الباب الثاني

الترجمات العربية للكتاب المقدس

 

معجزة الكتاب المقدَّس هي معجزة معنى ومحتوى رسالة، إنَّه إعلان محبة الله للبشر، كما أن امتيازه كامن في أنَّهُ لا يفقد قيمته إذا نُقِل إلى لغة أخرى. فالمسيح هو “الراوي الأعظم” صاحب الأسلوب السهل الممتنع، الذي لا يفقد طلاوته مهما نُقِل إلى مختلف اللغات أو انتشر في كل الحضارات، لأن المبادئ الروحية في تعليمه هي الأساس

د. القس منيس عبدالنور ميخائيل

راعي الكنيسة الإنجيلية بقصر الدوبارة

 

“دعوني أطلقها صرخة مدوية اليوم وعلى مسمع من قادة الرأي في الطائفة الإنجيلية تهيب بالإنجيليين على تنوعهم من لبنان ومصر والأردن وسوريا وأية بقعة أخرى يوجدون فيها، التنادي لاختيار مجلس يعني بتنقيح ترجمة “البستاني-,ــاندايك” في طبعة حديثة منقَّحة بليغة متينة تلبي حاجة الإنجيليين وغيرهم للقراءة والكرازة والتعليم والبحث والدرس وعلم اللاهوت.

إن مشروعاً كهذا لا يؤدي فقط إلى طبعة جديدة للكتاب المقدَّس، بل أيضاً إلى إشراك الإنجيليين معاً في مشروع موحد يربط بينهم ويوحِّد رؤيتهم ويكون مصدر انتعاش روحي ونهضة لاهوتية بينهم تنتشر إلى من حولهم فيتبارك العالم العربي بأسره.”

الدكتور القس غسان خلف

من قاعة دار الكنيسة الإنجيلية ببيروت التي أسسها المعلم بطرس البستاني

الترجمات العربية للكتاب المقدّس

في سنة ٩٦هـ الموافقة سنة ٧۱٨ ميلادية تغلَّب الغزو العربي على سوريا ومصر والجزء الشمالي لقارة افريقيا، وفُتحت مملكة أسبانيا فامتدت اللغة العربية إلى كل البلاد التي فُتحت. إذ خرج أمْرٌ من الخليفة بأن كل مَنْ يتكلم القبطية يُقطَع لسانه، فانقطع لساننا بدون قطع وانتهت اللغة الأم، لغة الوطن والحضارة الأولى، وهكذا ضاعت اللغة الأم من كل البلاد التي فُتحت عن طريق العرب! فاحتاج المسيحيون أن يُترجم الكتاب المقدَّس إلى اللغة العربية.

عرفت الجزيرة العربية قبل الإسلام، بجانب الوثنية، الديانتين اليهودية والمسيحية. فقد هاجر عدد كبير من اليهود إلى الجزيرة العربية بعد خراب أورشليم سنة ٧۰ م على يد القائد الروماني تيطس. فاستوطنوا في عدة جهات منها. كما كانت بيثرب (المدينة المنورة) جالية كبيرة منهم. فعمل هؤلاء على نشر تعاليم التوراة بين القبائل العربية، وانتشرت أفكار دينية وقصص مستوحاة من التوراة في المجتمع العربي، منها ما كان خرافي ومخالف للتوراة. كما أدخلت إلى اللغة العربية مصطلحات دينية جديدة لم تعرفها من قبل.[17]

جاء في تاريخ “آداب اللغة العربية” لـ<ـور>ـي زيدان في المجلد الثاني مفاده، أن التوراة ترجمت إلى اللغة العربية كلها أو بعضها قبل الإسلام وكانت شائعة بين أدباء العرب، إلاَّ أنَّها ضاعت في صدر الإسلام وهذا مما جعل البعض أن لا يصدقوا بوجود التوراة بالعربي قبل الإسلام.

وبجانب الديانة اليهودية في الجزيرة العربية، كانت بعض القبائل المسيحية العربية متواجدة هناك، وسفر أعمال الرسل يخبرنا بنشوء كنائس مسيحية نشيطة، كانت في الشام، وفي أنطاكية وفي مدن أخرى من القطر السوري، كما لا ننسى أنَّ بولس الرسول بعد اهتدائه إلى الدين المسيحي ذهب إلى العربية، وقضى هناك ثلاث سنوات، سهل عليه في أثنائها أن يبشر بالإنجيل، سيما وهو الرسول المتأجج بنار غيرة التبشير بإنجيل المسيح.

ومن القبائل العربية المسيحية المشهورة، بنو غسَّان الذين قطنوا الشام، والمناذرة، وقبائل تغلب، وبكر وتميم، وفريق من بني طي في العراق. وانتشرت المسيحية في الجزيرة العربية بواسطة وعظ النُّساك والرهبان الذين تواجدوا في قلب الصحراء واهتدى أهل نجران بأجمعهم.

وفي سنة ٧٥۰ م قام يوحنا أسقف إشبيلية في أسبانيا بترجمة الكتاب المقدَّس من اللاتينية إلى العربية لمساعدة المسيحيين المغاربة في الأندلس.

وجاء في بعض المصادر أن علماء اليهود في الإسكندرية ترجموا أسفار التوراة وقطع وفصول منقولة عن التوراة السريانية إلى العربية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر.

وترجم سفر المزامير إلى العربية عبد الله بن الفضل في القرن الثاني عشر للميلاد كما ذكر أن سعيد الفيومي –وهو يهودي من الطائفة الربَّانية– ترجم كتب موسى الخمسة، وسفر إشعياء وأيوب عن الأصل العبراني للتوراة إلى العربية. الحاخام سعد جدغاون المعلِّم الشهير بمدرسة بابل ترجم كل العهد القديم من العبرية إلى العربية في القرن التاسع لمنفعة اليهود الذين يتحدثون العربية. فطُبع جزء من هذه الترجمة وهو الأسفار الخمسة في القسطنطينية عام ۱٥٤٦م بالعبرية ثم طُبع في باريس ۱٦٤٥م ولندن ۱٦٥٧م بالعربية.

ثم أن رجلاً يهودياً من إفريقيا ترجم الأسفار الخمسة في القرن الــ ۱۳ وطُبِعت في أوربا عام ۱٦۲۲م. وطُبع في باريس ۱٦٤٥م وفي لندن ۱٦٥٧م ترجمة النبوَّات التي ترجمها من السبعينية رجلٌ يهودي إسكندري في القرن العاشر.

وقد تُرجِم سفر المزامير ترجمات عديدة. فقد ترجم هذا السفر عبدالله بن الفضل من اليونانية قبل القرن الثاني عشر، وطُبعت في حلب عام ۱٧۰٦م، وفي لندن عام ۱٧۲٥م. وطُبعت ترجمة أخرى في >ـنوا بإيطاليا عام ۱٥۱٦م، وفي رومية ۱٦۱٤م، وطُبع أيضاً ترجمة ثالثة مطابقة للسريانية في الشوير بلبنان عام ۱٦۱۰م.

إننا لا يمكننا أن نتحقق الزمان الذي فيه تُرجم العهد الجديد إلى العربية. ولعل الأناجل الأربعة تُرجمت منذ القرن السابع والبقية في القرنين الثامن والتاسع. ثم كانت هناك ترجمات عربية عديدة للعهد الجديد كله أو بعض منه، بعضهم ترجم من اللغة اليونانية وبعضها من السريانية والبعض الآخر من القبطية. فأول مرة طُبِعَت الأناجيل الأربعة كان في رومية عام ۱٥٩۱م، والعهد الجديد كله في هولندا ۱٦۱٦م، وباريس ۱٦٤٥م، ولندن ۱٦٥٧م. ومعظم الآراء تقول إن الأناجيل الأربعة في الطبعات الثلاثة الأخيرة قد نُقِلَت مباشرة من اليونانية، أما بقية العهد الجديد تُرْجِم من السريانية أو اليونانية.

وفي عام ۱٦۲۰م استأذن سركيس الرزي مطران دمشق البابا في إنتاج نسخة عربية مضبوطة، لأن النسخة التي كانت بحوزتهم كانت مشحونة بالأخطاء. فأذن له البابا بذلك، وشرع المطران سركيس مع عدد كبير من العلماء في جمع عدة نسخ عربية وقابلوها بالأصل العبري واليوناني ولا سيما مع النسخة اللاتينية المعروفة “بالدارجة” فنقَّحوا نسخة عربية طُبعت في رومية عام ۱٦٧۱م في ثلاثة مجلدات كبيرة مع الترجمة اللاتينية، وطُبعت عدة طبعات في لندن بدون الأسفار غير القانونية، قبل ظهور الترجمة الحديثة في مدينة بيروت.

وفي عام ۱٧۲٧م طُبع العهد الجديد في لندن على النسخة المذكورة أخيراً، وذلك بعد أن طابقها وحقَّقها سليمان نقري على اليونانية. وفي عام ۱٨۱٦م طُبع العهد الجديد كلّه في لندن طبعة جديدة ترجمها القس الإنجليزي هنري مارتن وناثنائيل ساباط في الهند. وقيل إن السلطان محمد الفاتح أمر أن تترجم التوراة من اليونانية إلى العربية لاستعماله الشخصي ونحن لا نعلم أي شئ عن هذه الترجمة.

أما المعلِّم الجليل فارس الشدياق فقد ترجم الكتاب المقدَّس كله وطُبع العهد الجديد عام ۱٨٥۱م والعهدان معاً ۱٨٥٧م في مدينة لندن، والذي تولى طباعة ترجمة فارس الشدياق هي “جمعية ترقية المعارف المسيحية Socity for Promoting Christian Knowledge  S.P.C.Kإحدى الإرساليات التي أسست النشاط الأسقفي في مصر والنشاط الإنجيلي البروتستانتي.

الشخصيات التي ساهمت في الترجمة العربية الحديثة

صعوبات خاصة في عالم الترجمة

قبل أن نسرد تاريخ أكبر ترجمتين عربيتين ونعلِّق على ترجمة ,ــاندايك، يليق بنا أن نلقي بعض الضوء على الصعوبات التي تواجه أي مترجم. فهناك صعوبات كثيرة تواجه المترجمين سواء كانوا مبتدئين أم ذي خبرة وباع طويل، وهذا الموضوع خارج عن نطاق بحثنا في هذا الكتاب ولكن إن أراد القاري أن يعرف أكثر عن هذا الموضوع فعليه أن يطالع كتاب “فنُّ الترجمة” للأستاذ الدكتور محمد عناني، رئيس قسم الأدب الإنجليزي بكلية الآداب جامعة القاهرة. ولكن هنا سأقوم بوضع عدة صعاب:

۱- مشكلة صعوبات النَّص.

۲- عدم الإلمام الكامل بالموضوع المراد ترجمته.

۳- اختلاف البيئة والثقافات والعادات والتقاليد.

٤- عدم التمكن من فن الترجمة مما يؤدي بالمترجم للتركيز على الألفاظ، وبالتالي الحصول على ترجمة ضعيفة وركيكة.

٥- مشكلة الصياغة واستخدام أساليب عصرية “العصْرِنَة”.

هذا بالإضافة إلى مشكلات خاصة بترجمة الكتاب المقدَّس، فلابد للمترجم أن يكون مُلِمَّاً بلغات كثيرة أهمها اللغات الأصلية كالعبرية والآرامية واليونانية، وإن كان ممكناً اللغة اللاتينية والقبطية حتى يتمكن المترجم من الرجوع إلى ترجمات مهمة مثل السبعينية والـ’ـلوجاتا وترجمة أبناء العسَّال القبطية. كما يتوقف الأمر على مدى تعمُّق المترجِم في حياته الروحية ومدى إلمامه بالنواحي اللآهوتية. وقد أفادت خبرة المصلح العظيم مارتن لوثر كل من أتى بعدهُ محاولاً ترجمة الكتاب إلى لغة قومه فقد قال: “ما أكثر ما ظللنا أسبوعين، كَلاَّ، بل ثلاثة بل أربعة نبحث عن كلمة واحدة. وبالرغم من ذلك فكثيراً ما كنا نفشل في العثور عليها. لم تكن الترجمة لعبة هيِّنة. لقد درست عِلْم الحيوان، حتى أتمكن من تقديم الأسماء الصحيحة في الكتاب. وطلبت من أحد القصابين أن يذبح لي ستة خراف ويوضح أسماء أجزائها المختلفة لأتمكَّن من تقديم ترجمة صحيحة للعبارات الخاصة بالذبائح. وطلبت من صديقي “واعظ البلاط” أن يرسل لي عينات من جواهر البلاط ويذكر أسماءها وألوانها حتى لا أخطئ في ذكر الجواهر المذكورة في سفر الرؤيا. وقمت بدراسة خاصة للنقود والموازين والمقاييس. وتحادثت مع اليهود في بعض كلمات العهد القديم وعاداته. كما كلَّفتُ زميلي وصديقي العالِم “فيليب ميلانكثون” أن يتصل برجال البحث في كل مكان ويستقصي عن معلومات تختص بالعهد الجديد بالنسبة لنَصِّه وترجمته!”[18].

كما أن الكتاب المقدَّس قد تُرْجِم إلى اللغة العربية بواسطة أناس عاشوا في عصور مختلفة وحضارات متباينة، وتأثرت ترجماتهم بهذه العصور والثقافات التي كانت تتناسب مع ذلك الوقت. لذلك نجد أنه من حق كل مفكِّر أن يعيد الترجمة في إطار العصر والحضارة التي يعيشها، وهنا يجد القارئ متعة في التنوع لا دافعاً للتشكيك. وهذا رأي الدكتور القس ثروت قادس والبروفسير الدكتور القس غسَّان خلف، ورأيي أنا شخصيًّا.

عالي سميث Eli Smith

كانت جهود سميث في هذا المضمار جهوداً متميزة، فقد جاء إلى سوريا عام ۱٨۲۳م بناء على طلب الإرسالية الأمريكية لتكليفه بترجمة الكتاب المقدَّس إلى العربية. فعمل مع بعض العلماء والأدباء العرب، وشكَّل لجنة خاصة أسماها “لجنة ترجمة الكتاب المقدَّس” وبعد موته أكمل كرنيليوس ,ــاندايك المسيرة، وأخذ على عاتقه إكمال ما بدأهُ سميث، وانضم إلى اللجنة التي تشكَّلت عام ۱٨۳٧م لترجمة الكتاب المقدَّس والتي بدأت العمل في عام ۱٨٤٨م وانتهت من عملها سنة ۱٨٥٧م. وقام ,ــاندايك  بعمله في الترجمة من سنة ۱٨٥٧– ۱٨٦م.

كرنيليوس فاندايك  Corneleus Van Dyck

هاجرت أسرته من هولاندا إلى أمريكا، وُلد عام ۱٨۱٩م بمدينة كيندرهوك بولاية نيويورك وتخرَّج من كلية الطب ۱٨٤۰ بفلادلفيا نيويورك. وقد أتقن اللغتين الإنجليزية والهولندية، ودرس اليونانية واللاتينية اللتين ساعدتاه كثيراً في ترجمة الكتاب المقدَّس. وفي الثاني من أبريل عام ۱٨٤۰ أرسلته الإرسالية الأمريكية إلى سوريا وبيروت، فتعلَّم اللغة العربية على يد الأستاذ بطرس البستاني الذي ارتبط معه بصداقة وثيقة، ثم أتقن اللغة على يد نصيف اليازجي والشيخ يوسف الأسير. وفي سنة ۱٨٤۰ تزوج ابنة القنصل الإنجليزي الذي ساعده على التحدث باللُّغة العامية، فاندمج في المجتمع.

كان ,ــاندايك قد أنهى دراسة الطب في أمريكا، وصار طبيباً ناجحاً مما جعله يخدم في مستشفيات الإرساليات، ويقوم بالعمل المرسلي كعلماني وليس لاهوتي.

وفي سنة ۱٨٥٧م وبعد موت عالي سميث أخذ ,ــاندايك  مسئولية إكمال ترجمة الكتاب المقدَّس وتنقيحها إلى اللغة العربية على عاتقه وانتهى منها سنة ۱٨٦٤م.

وفي سنة ۱٨٦٥م ذهب إلى أمريكا لفترة قصيرة، وراجع الترجمة بتروٍ، ورجع سنة ۱٨٦٧م إلى سوريا.

وقد حاز دكتور ,ــاندايك  القبول في كل ربوع سوريا كطبيب ومرسل، وكان محبوباً ومحترماً ليس فقط بين البروتستانت بل أيضاً بين الكاثوليك والأرثوذكس حتى أنَّه في سنة ۱٨٩۰م بمناسبة مضيّ خمسين عاماً على خدمته (اليوبيل الذهبي) أُقيم احتفالٌ كبيرٌ. ومات سنة ۱٨٩٥م بعد أن خدم ٥٧ عاماً كمرسل وطبيب ومترجم ولُغوي.

بطرس البستاني (۱٨۱٩-۱٨٨۳)

وُلد بطرس البستاني عام ۱٨۱٩م في بيروت، وتربى في أسرة لبنانية مشهورة بأنها تضم عدداً كبيراً من العلماء الذين نبغوا. فمنهم الأدباء والشعراء والأساقفة. نذكر منهم سليمان البستاني المشهور بترجمة كتاب إلياس ,ــون هومر Lias Von Homer. تعلَّم بطرس البستاني في مدرسة عين ورقة وأتقن اللغات العربية والسريانية واللاتينية والإيطالية والانجليزية. ثم درس الفلسفة واللاهوت والقانون. ومن سنة ۱٨٤۰م حتى سنة ۱٨٦۳م كان البستاني هو أشهر مترجم للغة الإنجليزية في الشرق الأوسط، وبالتالي صارت له علاقات وطيدة بالإرساليات الأمريكية، فقد قام بتعليم المرسلين اللغة العربية. وترجم الكثير من الإنجليزية إلى العربية.

وفي سنة ۱٨٤٦م ساعد عالي سميث و,ـاندايك في ترجمتهما للكتاب المقدَّس، واشترك معهما في تأسيس المدرسة الأمريكانية. وفي سنة ۱٨٦۰م أسس المدرسة الوطنية. وكان البستاني من أشهر وأعظم الأدباء معرفةً، إذ عمل على تطوير الأساليب المستخدمة في الكتابة باللغة العربية. وقد وصفه >ـور>ـي زيدان في مجلة الهلال، المجلد الرابع ص ۳٦۲ فقال: “بطرس البستاني هو أحد أركان النهضة العلمية الأخيرة في بلاد الشام”.

وفي سنة ۱٨٦٩م ألَّف معجمه الشهير “محيط المحيط” وهو أحد الأعمال العظيمة التي قام بها وساعده فيها ابنه سليم، وهذا يتفق مع ما قام به كذلك من تأليف دائرة معارف. وقد تميَّز البستاني بغزارة علمه ومعرفته الفذَّة. وكتب عنه أيضاً >ـور>ـي زيدان “لا أحد ينسينا فضل البستاني ونحن ما نزال نجني ثمار غرسه” ولذا نجد أن جميع أعماله ونتائجها محور مهم في دراستنا عن الكتاب المقدَّس في التاريخ العربي المعاصر.

ناصيف اليازجي (۱٨۰۰-۱٨٧۱)

وُلد ناصيف اليازجي في ۲٥ مارس عام ۱٨۰۰م في كفر شيما. وهو من أهم الشخصيات البارزة في حركة التنوير، فقد نشأ في أسرة اليازجي وهي من أشهر عائلات الشام التي كانت تُعرف بالورع والتقوى. وقد وُلد في وقت كان فيه التعليم في يد الإكليروس. وكان ناصيف اليازجي شاعراً وأديباً وعالِماً مرموقاً ساعد على تطور اللغة العربية وازدهارها في العصر الحديث، وكان خطيباً مفوَّهاً ذا أسلوب رفيع المستوى. وكانت علاقته بالكنيسة –وعلى الأخص وقت البطريرك أغناطيوس الخامس- علاقة وطيدة إذ أنَّه عمل معه قرابة عامين. وبعد ذلك في عام ۱٨٤٦م بدأ اتصالاته بالإرساليات الأمريكية، فقام بتنقيح وتصحيح ترجمة الكتاب المقدَّس، وفي عام ۱٨٤٧م أصبح الشيخ ناصيف اليازجي عضو الإرسالية الأمريكية في سوريا وأحد مؤسسي جمعية الكتاب المقدَّس بالتعاون مع عالي سميث المترجم المعروف الذي بدأ مشروع ترجمة الكتاب المقدَّس، وهي الترجمة العربية الشائعة الآن في جميع الكنائس. وفي عام ۱٨٦۳م طلب منه بطرس البستاني أن يعملا معاً

فارس الشدياق (۱٨۰٥-۱٨٨٧)

وهو فارس بن يوسف الشدياق، وُلِدَ بلبنان وكانت أسرته تنتمي للكنيسة المارونية، وعدد كبير من عائلته من قادة الكنيسة. كان عمره ستة عشر عاماً عندما مات والده، وأصبح بروتستانتياً ثم انضم إلى الإرسالية الأمريكية. وفي سنة ۱٨٤٨م ذهب إلى إنجلترا لكي يساهم في ترجمة العهد الجديد. وفي سنة ۱٨٥۱م أنهى ترجمة العهد الجديد بمساعدة صموئيل لي Samuel Lee وتوماس جيرث Thomas Garth الذين كانا في كامبرد؛.

وفي ۱٨٥٧م قام بطباعة الكتاب المقدَّس كله، وكانت ترجمته حتى سنة ۱٨٦٤م أفضل ترجمة في ذلك الوقت لأن ترجمة البستاني-,ـاندايك أخذت مكانها فيما بعد. وبعد إقامة طويلة في كامبرد؛ وأوكسفورد رحل إلى باريس وبقى هناك لعدة سنوات. وكان يتقن اللغتين الإنجليزية والفرنسية إلى جانب إلمامه الواسع باللغة العربية وآدابها. ومن أهم كتبه “الساق على الساق فيما هو الفارياق”. وفي عام ۱٨٦۰م ذهب إلى تونس وهناك اعتنق الإسلام وأصبح اسمه أحمد فارس الشدياق. وفي عام ۱٨٨٧م مات عن عمر يناهز الثمانين. ووصفه يوسف داغر بأنه “جاحظ” عصره، و”,ـولتير” جيله، و”خليل” القرن التاسع عشر.

إبراهيم اليازجي (۱٨٤٧-۱٩۰٦)

ولد إبراهيم اليازجي في ۲مارس عام ۱٨٤٧م وهو ابن ناصيف اليازجي، والذي يُعد مُعلِّمه أيضاً. وقد كان اهتمام إبراهيم اليازجي مُنْصَبَّاً بالدرجة الأولى على اللغتين العبرية والسريانية، وكان مثقَّفاً وناقدا مدركاً لطبيعة عمله تمام الإدراك. وكان إبراهيم اليازجي من أفضل علماء التحليل اللغوي في عصره، ومن أهم أعماله تصحيح وتنقيح الترجمة العربية اليسوعية للكتاب المقدَّس (۱٨٧۲-۱٨٨۲).

ويرى >ـو>ـي زيدان أن الترجمة اليسوعية للتوراة هي أفضل من ترجمة ,ــاندايك ويرجع الفضل في ذلك إلى إبراهيم اليازجي، كما أن ترجمة ,ــاندايك  تتميز بالحرفية ولذلك فقدت جاذبيتها مع أنها تفوق اليسوعية قوَّة أسلوبها وعذوبة ألفاظها.

لقد استفاد اليسوعيون استفادة كبيرة من ترجمة ,ــاندايك، إذ قد ظهرت قبلها بسبع سنوات، والنسخة التي نراها الآن هي نتاج التنقيح الثالث الذي استمر منذ عام ۱٩٦٩ حتى مشارف عام ۲۰۰۰م. فمن خلال التنقيح الدائم لهذه الطبعة جعلوا هذه النسخة سليمة ودقيقة ومواكبة للعصر.

يوسف الأسير (۱٨۱٥-۱٨٩۰)

وُلِدَ يوسف الأسير في بلدة صيدا في لبنان عام ۱٨۱٥م، وقد تربى تربية دينية، وحفظ القرآن وأتقنه وهو في السابعة من عمره. وفي سنة ۱٨٤٧م ذهب إلى دمشق وهناك دخل المدرسة المرادية، وعندما سمع بخبر وفاة والده عاد إلى صيدا مرة أخرى، ثم ذهب إلى مصر حيث مكث هناك لمدة سبع سنوات يدرس في الأزهر. ودرس اللغة العربية وفقه الحديث وتفسير القرآن، ثم رجع مرة أخرى إلى صيدا ومنها إلى طرابلس الشام وبقى هناك ثلاث سنوات ثم عاد إلى بيروت. حيث كانت له أنشطة كثيرة نذكر منها على سبيل المثال كان مديراً لتحرير جريدة “لسان الحال” ثم رئيس تحرير جريدة “ثمرات الفنون” ومات في بيروت عن عمر يناهز الخمسة والسبعين عاماً.

والشيخ يوسف الأسير له فضلٌ كبيرٌ في الترجمة العربية للكتاب المقدَّس، إذ أنه قام بتصحيح وتنقيح ترجمة ,ـانديك. ويمكن أن يؤخذ الشيخ يوسف الأسير قدوة حسنة للعلاقات المسيحية الإسلامية لمودته.

 

الترجمة العربية الحديثة “فاندايك”

تمهيد

أما الترجمة العربية الحديثة المعروفة باسم ترجمة “بيروت” و”,ـانديك” فنذكرها هنا بأكثر تفصيل لأسباب كثيرة منها:

۱- إن القس “سمعان كلهون” مؤلف كتاب “مرشد الطالبين” كان أحد الذين عملوا في هذه الترجمة كما كان على صلة مباشرة بالأشخاص الذين باشروها والوسائل التي استخدموها في إنجاز هذه الترجمة، فقدَّم لنا شهادة عيان على كل التفاصيل الدقيقة من الأحداث التي صاحبت هذه الترجمة، والوسائط التي استعملوها لإخراجها.

۲- عندما أصدر مركز “نداء الرجاء” بألمانيا أول طبعة منقَّحة بالكمبيوتر عام ۱٩٩۱م بها علامات الترقيم مع استبدال بعض الألفاظ التي عفى عليها الزمن باشر هذا العمل الدكتور القس منيس عبد النور وأتمَّه خير إتمام! وكنتُ أنا كاتب هذه السطور شاهد عيان لهذا الحدث لمعرفتي الوثيقة بهذا العالِم الجليل. وأمَّا طبعة “نداء الرجاء” المطبوعة في فنلندا قد استغرق نسخ النَّص وإعداده عشر سنوات بدأت منذ عام ۱٩٨۲م، وتم تصحيحه سبع مرات خلال هذه السنوات العشرة ومع ذلك فيوجد بها بعض الأخطاء الإملائية وتحتاج إلى إعادة تصحيح وتنقيح.

وليس ذلك فقط بل في عام ۱٩٩٩م أصدر دار الكتاب المقدَّس بمصر والشرق الأوسط أول طبعة عربية بالكمبيوتر بها علامات الترقيم مع تصحيح بعض الأخطاء النحوية التي كانت في النسخة القديمة. وقد أرسل الاستاذ “رامز عطالله” مدير دار الكتاب المقدَّس أول نسخة مطبوعة إلى الدكتور القس منيس عبد النور مع خطاب شكر وتقدير لمجهوداته في إخراج هذه الطبعة التي كانت على حدِّ تعبير الاستاذ رامز “كان هذا تتويجاً لجهود القس منيس خلال سنين” وقد اعتمد دار الكتاب المقدَّس في وضع علامات الترقيم على طبعة “نداء الرجاء”. وقد دبَّرت لي العناية الإلهية أن أحمل هذه النسخة المُهداة مع خطاب الشكر والتقدير للقس منيس عبد النور إلى مكتبه حيْثُ كنتُ أعمل وقتئذٍ سكرتيراً خاصاً له.

۳- عملتُ أنا شخصياً في نسخ وكتابة الطبعة العربية الحديثة بالكمبيوتر، فنسخته بالتشكيل الكامل من أجل إعداد برنامج للكتاب. وقابلتني عدة عقبات في إتمام هذا العمل منها إن برنامج ال “Microsoft Word” المستخدم في تحرير هذه الملفات غير كامل التشكيل، فلا توجد به همزة الوصل “ا، ـ/” كما لا يوجد به تشكيل مواضع الألف المحذوفة “ذ~ ، $،~هـ” وغيرها، فكان لابد لي من تصمصم أطقم خطوط بها هذه الحروف. حاولت الاستعانة بمن لهم الخبرة في إنتاج هذه الخطوط fonts. في أول الأمر أبدوا استعدادهم لهذا العمل مقابل مبلغ من المال، ولمَّا علموا أنه لإنتاج وتحرير ملفات للكتاب المقدَّس رفضوا الاستمرار في العمل وأعادوا إليَّ نقودي! فكان لابد لي تصميم هذه الأطقم شخصياً حتى ولو لم أكن ماهراً في الجرافيك، فأعانني الرَّب على هذا وأنتجت بدل الخط font الواحد عشرة خطوط! وبعد تصميم أطقم الخطوط استأنفت العمل الذي بدأته لإنتاج هذه الملفات بألمانيا وأكملته بمصر واستغرق هذا العمل منّي ست سنوات. وهذا العمل موجود بالإنترنت مع حقوق طبع وأطقم الخطوط تحت هذا موقع “الخدمة العربية للكرازة بالإنجيل”. http://www.arabicbible.com/bible/vandyke.htm

٤- إن هذه الترجمة هي الأكثر انتشاراً واستخداماً في جميع الكنائس، وأكثرها دِقَّة، ورُبَّ معترض يقول: “إن هناك ترجمة دقيقة ومترجمة من اللغات الأصلية أيضاً كالطبعة الكاثوليكية مثلاً”، ولكن حدثت عدة أمور جعلت من ترجمة ,ـاندَيْك الترجمة الأم وإن أي ترجمة تأتي بعدها ستكون أقل شأناً منها وهي جميع قواميس الكتاب المقدَّس والفهارس، وفهارس المواضيع الكتابية، وكل أدوات البحث والدراسة في الكتاب المقدَّس اعتمدت على هذه النسخة واعتمدها، وبهذا كُتِب لهذه الترجمة الخلود والبقاء على القمة إلى أن تندثر اللغة العربية أو يرث الله الأرض وما عليها! وخلاصة القول عزيزي القارئ، بأن تصنيف قواميس وفهارس ومعاجم كالتي أنتجتها الطائفة الإنجيلية المشيخية منذ قرنين مضيا أمرٌ عسير للغاية ويحتاج إلى لجنة من العمالقة الباحثين والعلماء المخضرمين، وإذا لم يستطع الأرثوذكس أو الكاثوليك أو حتى الإنجيليين عمل هذا في الوقت الحاضر مع وجود الكمبيوتر بوسائل البحث والعد للمفردات والحروف، فكيف نستطيع أن نتخيل بأن اللجنة التي أنتجت لنا هذه الفهارس والقواميس أنجزت هذا بالوسائل البدائية!!

الترجمة الحديثة:

إنَّه بعد الفحص والتدقيق وجدت جميع الترجمات العربية المذكورة في الفصل الأول من هذا الباب غير مضبوطة على الأصل وغير دقيقة وناقصة بل بعضها لم يكن مُترجمَاً من اللغات الأصلية للكتاب المقدَّس. لذلك استقرَّ الرأي على ترجمة الكتاب كله العهد القديم من العبرية والجديد من اليونانية. فشرع في هذا العمل القس عالي سميث المرسل الأمريكي عام ۱٨۳٧م. وقررت نقل المعلم بطرس البستاني من عبيه إلى بيروت ليكون تحت تصرف لجنة الترجمة. واستعانت بمواهب الشيخ نصيف اليازجي للغاية نفسها. فكان المعلم بطرس ينقل النَّص من العبرية أو اليونانية إلى العربية مستعيناً بالسريانية ثم يحيل ما يعرِّب إلى الشيخ نصيف لينقيه من كل صبغة أعجمية وكان الدكتور عالي سميث يعيد النظر بالمقابلة بين النَّص العربي والنص العبري أو اليوناني. وكانوا عند الانتهاء من هذه المراحل الثلاث يدفعون بما عرَّبوا إلى المطبعة لصف الأحرف وإعداد ثلاثين نسخة توزع على الثقاة في سوريا ومصر وألمانيا فتُعاد الى اللجنة مُنَقَّحة حاملة عدداً من الملاحظات وكان ابتداء عمله أنَّه صنع قوالب حروف عربية موافقة لذوق أفضل علماء العصر في شكلها وهيئتها وترتيبها، وأنشأ من ذلك مطبعة شهيرة ومكتبة كبيرة استعداداً لترجمة الكتاب المقدَّس وطبعه. واستغرق هذا العمل عدة سنوات. وفي سنة ۱٨٤٨م باشر القس سميث بمساعدة المعلم بطرس البستاني اللبناني الشهير وصاحب قاموس “المحيط” وبقيا معاً في هذا العمل إلى أن توفى القس سميث في ۱۱ يناير (كانون الثاني) ۱٨٥٧م. وكان قد أنجز في هذه البرهة ترجمة أسفار موسى الخمسة والعهد الجديد مع أجزاء مختلفة من أسفار الأنبياء وابتدأ في طبع العهد القديم. وبعد موت القس عالي سميث أخذ بإتمام هذا العمل القس كرنيليوس ,ــاندايك وهو أيضاً أحد المرسلين الأمريكان.

أولاً، راجع القس ,ـاندَيْك جميع الأسفار التي ترجمها القس سميث والمعلم بطرس البستاني ثم ترجم الباقي. وكان الانتهاء من ترجمة الكتاب كلّه في ۲۳ أغسطس (آب) ۱٨٦٤م، ومن الطبعة الأولى منه في ۲٩ مارس (آذار) ۱٨٦٥م. غير أن العهد الجديد قد أُكمل قبل ذلك وطُبِع عدة مرَّات وكانت الطبعة الأولى في مارس(آذار) عام ۱٨٦۰م.

وبما أنَّ المعوَّل عليهم في هذا العمل كان أولاً القس سميث ثم ,ــاندايك فهما اللذان قد كابدا في ذلك أشد العناء لأجل إتمام الترجمة وضبطها ومطابقتها على الأصل. ولأجل هذه الغاية كانا يرسلان نحو ۳۰ (ثلاثين) نسخة من كل كرَّاس قبل أن يُطبع إلى علماء مشهورين من مسلمين ومسيحيين، وطنيين وأجانب في جهات مختلفة من سوريا ومصر ولبنان وأحياناً ألمانيا من أجل انتقاد الترجمة واللغة وتقييد ما يفتح الله عليهم به من الآراء الحسنة على الحواشية، وبعد إرجاع هذه المسوَّدات أي النُّسخ الموزعة إلى بيروت مركز العمل. كانت تُراجع بكل دقة وكل الانتقادات والاستحسانات التي توجد أنها موافقة في محلِّها كانت تُقْبَل ويُعْمَل بموجبها. وهكذا ساهمت عقول كثيرة من وطنيين وأجانب في هذا العمل الشاق. وأشهر الثقاة الألمان الذين اشتركوا في هذا العمل الاساتذة فلايشر Fletischer في ليبزيغ ورويديغر Rodiger في هالي وفلويغل Flugel في درزدن وبرناور Behrnaver في ,ـيينا. ورأى البعض أن يأتي التعريب في أسلوب فصيح قرآني ولكن معظم البروتستانت الوطنيين آثروا عبارة “بسيطة صحيحة”.

ومن الذين كان الاعتماد عليهم بنوع خاص في ضبط قواعد اللغة العربية وفصاحتها الشيخ ناصيف اليازجي الشاعر اللبناني الشهير والشيخ يوسف الأسير الأزهري.

وحيث أن الأشخاص المار ذكرهم الذين قد أنشأوا هذه الترجمة عدلنا عن وصف أمانتهم وعلمهم لأن شهرتهم تغني عن ذلك. ولكن نقول باختصار لأجل إفادة من ليس له عِلْم بما نحن بصدده، إنهم من أشهر علماء عصرهم وقد كابدوا في إتمام هذا العمل أتعاباً جزيلة لسنيين عديدة، فالذلك لنا الاعتقاد بأن هذه الترجمة هي أصح الترجمات وأضبطها وهي المعوَّل عليها.

وبعد مضي سبع سنوات على ظهور الترجمة الإنجيلية “البروتستانتية” قام المرسلون اليسوعيون الكاثوليك بعمل مماثل لترجمة الكتاب المقدَّس عن الأصلين العبراني واليوناني، وكان رئيس اللجنة الأب أوغسطين روديه مشرفاً على العمل واستأنف العمل سنة ۱٨٧۲م. وقد اعتمد على الشيخ إبراهيم اليازجي في الترجمة العربية هذه، يعاونه الأب جمجع، وصدرت الترجمة في ثلاثة مجلدات: الأول سفر التكوين إلى سفر أستير من العهد القديم صدر عام ۱٨٧٦م، والمجلد الثاني من سفر أيوب حتى نهاية العهد القديم صدر عام ۱٨٨۰م، والمجلد الثالث في العهد الجديد بكامله صدر عام ۱٨٧٨م.

ليس من ينكر أن الترجمة اليسوعية تُعتَبر من أفصح الترجمات العربية على الإطلاق وأنها تفوق ترجمة ,ــاندايك بفصاحة اللفظ لاعتبار المترجمين هذه الناحية من الترجمة كل الاعتبار فحملهم ذلك أحياناً على إيضاح المبهم أو إبهام الواضح فجاءت ترجمتهم فصيحة اللفظ. لكنها في بعض الأماكن اختلفت نوعاً ما عن الأصل وظهر الكتاب المقدَّس من أوله إلى آخره كأنه لمؤلف واحد كتبه بنفس واحد مع أن كتبته كثيرون لكل منهم نفس خاص به وبعضهم قد تنوَّع نفسه بالنسبة إلى تنوع المواضيع التي كتب عنها.

إن من ميزات ترجمة ,ــاندايك محافظتها على نفس الكاتب وأسلوبه قدر ما يتسنى للمترجم مراعاته، وإنك لتكاد تعرف أن السِفر الفلاني لغير الكاتب الفلاني لمطالعتك بضع فقرات من كتاب هذا وسفر ذاك، بينما الترجمة اليسوعية سكبت أقوال الكاتبين معاً في قالب إنشائي واحد عربي يتعذر معه التمييز بين كاتب وآخر. فما كان في الأصل فصيح اللفظ بليغ المعنى سامي النفس ترجمه سميث و,ـاندايك هكذا إلى العربية وكذلك ما كان بسيطاً. وما كان في الأصل واضح المعنى ترجماه كذلك وما كان مبهماً أبقياه هكذا على إبهامه فجاءت الترجمة طبق الأصل”.[19]

والحق يقال إن هذه الملاحظة من جميل حنا طرانجان جاءت سديدة في وصفها لكلا الترجمتين اليسوعية والإنجيلية، وأعطت الإنجيلية ميزة التنوع في الأسلوب الإنشائي بين كاتب وكاتب، الأمر الذي لا يُلاحَظ في الترجمة اليسوعية.

وبهذا العمل العظيم أشرق على العالم كوكب جديد بظهور الكتاب المقدَّس بلغة الضاد، منيراً الكثيرين، وهادياً إلى السبيل المستقيم.

أضواء وتعليقات على ترجمة فاندايك والبستاني

دراسة بقلم الدكتور القس غسَّان خلف

 

لاقت هذه الترجمة للكتاب المقدَّس إلى العربية رواجاً كبيراً، فأصبح كتاب الكنائس الإنجيلية والكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وتستعمله بكثرة الكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية. كما يستعمل هذه الترجمة عددٌ لا يحصى من الجمهور الراغب في الإطلاع على محتوى الكتاب المقدَّس أو الاقتباس منه واستعماله من أدباء وشعراء وصحافيين وأساتذة ومحامين ومؤرخين وباحثين ولاهوتيين ورجال دين من مختلف المِلل والأديان.

والحق يُقال إنه لم تحظ ترجمة للكتاب المقدَّس الى العربية برواجٍ وقبولٍ قدر ما حظيت به ترجمتنا هذه على مدى تاريخ الكتاب المقدَّس المطبوع في اللغة العربية في مساحة الوطن العربي كلّه. كذلك يجدر بنا القول إنه لم تكابد ترجمة الإهمال الذي كابدته هذه الترجمة الثمينة من مثل واجب تنقيحها وتبويبها وإتقان طباعتها واستعمال مساعدات القراءة والشواهد. بارقة الأمل جاءت من مصر. فلولا الطبعة الجيدة التى قامت بها هناك جمعية الكتاب المقدَّس لهذه الترجمة في بضع السنوات الأخيرة لكانت بقيت على حالتها الهامدة لا تواكب العصر. وما قامت به جمعية دار الكتاب المقدَّس في مصر لم يتجاوز الشكل أي طباعة جيدة وحرف جديد واستعمال مساعدات القراءة ووضع عناوين للفقرات وقاموس ملحق بالكلمات العسرة. أما المضمون فلم يُمَس، فبقي نَصُّ الترجمة كما هو حرفاً لحرف. وهذا يعني أن ترجمة “البستاني – ,ــاندايك” التي مضى على صدورها ١٤٥ سنة لا تزال إلى اليوم من دون تصحيح أو تنقيح جامدة على حالها تكررها المطابع بلسان عربي جاف تعوزه الحيوية والسلاسة.

بالمقارنة قام اليسوعيون، الذين أصدروا الترجمة الكاثوليكية عام ١٨٧٥، خلال الثلاثين سنة الأخيرة منذ العام ١٩٦٩ بتنقيح العهد الجديد ثلاث مرات والعهد القديم مرة. فجعلوا الكتاب المقدَّس من خلال التنقيح الدائم سليماً دقيقاً مواكباً للعصر سلس اللغة والبيان. وجدير بالذكر أيضاً أن جمعية الكتاب المقدَّس في لبنان قامت خلال العشرين السنة الماضية بتنقيح ترجمتها المشتركة للعهد الجديد مرتين.

ويمكن البوح بأن جمعية الكتاب المقدَّس في لبنان ومصر في النصف الثاني من العقد الثامن من القرن الماضي حاولت بتشجيع من القس الدكتور عبد المسيح استفانوس “مدير دار الكتاب المقدَّس سابقاً وأستاذ بكلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة” والدكتور القس غسَّان خلف وضع كتاب مقدس للدرس يستخدم فيه نَصٌّ منقح لترجمة “البستاني-اندايك” فعهدت إليهما بتنقيح هذه الترجمة. إن نص الترجمة المنقحة الآن هو شبه كامل ينتظر بعض المراجعات الختامية.

ونحن كنا نرغب لو أنشأت الإرسالية المشيخية أو الكنائس المشيخية أو ربما جمعية الكتاب المقدَّس التي أصبحت الناشر لهذه الترجمة بعد صدورها مجلساً صغيراً من علماء الكتاب المقدَّس ولغاته الأصلية يجتمع لوقت كافٍ مرة في السنة ويقرر بشأن ما يرده من ملاحظات حول الترجمة في المعنى والمبنى. ثم يقوم هذا المجلس المكلَّف بالتنقيح بإجراء التعديلات اللازمة في نَصِّ الترجمة مما تجمع لديه من ملاحظات مرة في كل عشر سنين مع متعهد الطبع والنشر. ويمكن أن يحلّ محل أعضاء هذا المجلس المستقيلين أو المتوفين علماء آخرون من الأجيال الصاعدة، وهكذا كان يمكن الإبقاء على هذه الترجمة حيَّة وفعَّالة رغم مرور السنين وتقادم العهد.

بعد هذه المقدمة أود عزيزي القارئ أن أنقل إليك رغبتي في وضع بعض التعليقات على “ترجمة البستاني-,ـاندايك”. أتناول في هذا الفصل مسائل تتعلق بنَصِّ ترجمة “البستاني-,ـاندايك” من جهة تصحيح لغته وتقويم معانيه وذلك في ضوء لغات الكتاب المقدَّس الأساسية والاستخدام السليم للغة العربية.

لابد من التصريح في البداية أننا نقوم بهذا العمل بتوقير شديد للكتاب المقدَّس على أساس أنه كلمة الله الموحى بها، وباحترام كبير للذين عملوا في وضع هذه الترجمة. إن الغاية التي تدفعنا للقيام بهذا العمل هي تمجيد المسيح بفهم أعمق لكتابه. وإليكم الملاحظة الأولى:

۱- زوج يمام

يمكن أن نبدأ هذه الملاحظات التوضيحية والتصحيحية بالإشارة الى عبارة “زوج يمام” المذكورة في إنجيل لوقا ضمن الآية: “وَلِكَيْ يُقَدِّمُوا ذَبِيحَةً كَمَا قِيلَ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ زَوْجَ يَمَامٍ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ” (لو ۲: ۲٤) والصحيح أن يقال “زوجي يمام” لكي ينسجم المعنى مع “فَرْخَيْ حَمَامٍ” (لوقا ۲: ۲٤). لأن الزوج هو واحد من اثنين وليس اثنين. فنحن نقول جاء زوج المرأة ونقصد بذلك شخص واحد، أما إذا أردناهما كليهما فنقول جاء الزوجان ونقصد الزوج وامرأته ولا نقصد أربعة أي رجلين وامرأتين. قارن مادة “زوج” في قاموس محيط المحيط الذي وضعه المعلم بطرس البستاني وهو نفسه الذي قام بهذه الترجمة. وكذلك قاموس البستان للشيخ عبد الله البستاني وجاء فيه: “قال أبو البكر: العامة تخطئ فتظن أن الزوج اثنان وليس ذلك من مذاهب العرب إذ كانوا لا يتكلمون بالزوج موحداً في مثل قولهم زوج حمام لكنهم يثنونه فيقولون عندي زوجان من الحمام يعنون ذكراً وأنثى”. ونحن نجلّ بطرس البستاني وناصيف اليازجي ويوسف الأسير من أن يكون أحدهم كمترجم أم كمراجع غفل عنه موضوع كهذا، ونقول ربما أن الطابع أو مصحح المسودات سها عن الأمر، ونجلّ الذي لا يسهو.

أما من جهة النَّص اليوناني حيال هذه الكلمة فإن “زوج” هي Zeugos (لاحظ تشابه اللفظتين) وتعني “نير أو فدان” وتشير إلى آلة الحرث التي تقرن ثورين أو بقرتين ولا يقال لثور الحراثة الواحد فدان (محيط المحيط). وردت هذه الكلمة مرة أخرى فقط في لوقا ١٤: ۱٩ حيث ترجمت: “اشْتَرَيْتُ خَمْسَةَ أَزْوَاجِ بَقَرٍ” والمقصود عشرة، وفي الترجمة اليسوعية القديمة “اشتريت خمسة فدادين بقر”، وفي الجديدة “اشتريت خمسة فدادين”.

ونستدل من مراجعة النَّص المقتبس من العهد القديم على أن المراد يمامتان. يقول: “... ~هذِهِ شَرِيعَةُ الَّتِي تَلِدُ ذَكَراً أَوْ أُنْثَى. وَإِنْ لَمْ تَنَلْ يَدُهَا كِفَايَةً لِشَاةٍ تَأْخُذُ يَمَامَتَيْنِ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ الْوَاحِدَ مُحْرَقَةً وَالآخَرَ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ فَيُكَفِّرُ عَنْهَا الْكَاهِنُ فَتَطْهُرُ” لاويين ١٢: ٧و٨ وهذا يؤكد أن الترجمة يجب أن تفيد زوجين من اليمام. وهذا ما فعلته ترجمات الإنجيل إلى العربية كلها إذ ترد فيها العبارة “زوجي يمام” ما عدا ترجمة الشدياق-واطس والترجمة الدومنيكانية المطبوعة في الموصل العراق عام ۱٨٧٥ وإنه لأمر مستغرب أن تستند ترجمة الدومنيكان على الترجمة الشرقية القديمة المطبوعة في روميه عام ١٧٠٣م، ويغيِّر المترجم الخوري يوسف داود النَّص الوارد فيها من “زوجي يمام” إلى “زوج يمام”. راجع ترجمة الدومنيكان ونص الترجمة الشرقية في إزائية الأب مرمرجي ١٩٤٨، كما يمكن مراجعة النسخة المطبوعة في رومية عام ١٦٧١ ونشرها من جديدـ، رجارد واطس عام ١٨٢٢ فهي أيضاً تستعمل “زوجي يمام”.

وعندما قام الدكتور >ـون طومسون والدكتور بطرس عبد الملك بتنقيح ترجمة البستاني-,ـاندايك للعهد الجديد في أوائل الستينات من القرن العشرين، لم يصححا “زوج يمام” بل أبقيا عليها. صدر النَّص المنقح في أجزاء مصورة عام ١٩٧٣م.

ولاحت فرصة أخرى لتصحيح النَّص إلى “زوجي يمام” بينما كان العمل لا يزال جارياً لإصدار طبعة جديدة لترجمة البستاني-,ـاندايك في جمعية الكتاب المقدَّس في مصر منذ بضع سنوات، إذ حملت إليهم اقتراحاً بتصحيح النص، فصدرت الطبعة الجديدة عام ١٩٩٩ وطبعة ثانية منها ولا يزال النَّص كما هو. عندها راودني شعور أنه إذا كانت غلطة لغوية كهذه تستمر في ترجمة “البستاني-,ـاندايك” لأكثر من ۱٤٥ سنة دون أن يتصدى أحدٌ لتصحيحها، فكم من القرون إذن يتطلب تعديل لفظة لاهوتية من مثل “تعيَّن ابن الله بقوة” إلى “ثبت أنَّه ابن الله بقوة” (رو٤:۱)؟!

۲-  برنابا وبولس ... بواسطتهم

“فَسَكَتَ الْجُمْهُورُ كُلُّهُ. وَكَانُوا يَسْمَعُونَ بَرْنَابَا وَبُولُسَ يُحَدِّثَانِ بِجَمِيعِ مَا صَنَعَ اللهُ مِنَ الآيَاتِ وَالْعَجَائِبِ فِي الأُمَمِ بِوَاسِطَتِهِمْ” (أعمال ۱٥: ۱۲)

والأجدر هنا أن يُقال “بواسطتهما” لا “بواسطتهم” لأن الضمير يعود إلى شخصين محددين برنابا وبولس فينبغي أن يكون في صيغة المثّنى.

إن مصدر هذه الهفوة اللغوية ليس في عدم فهم النَّص اليوناني أو سوء ترجمته، لأن العبارة اليونانية di’autwn تعني حرفيا “بواسطتهم”. وكان يمكن عند اليونانيين قبل زمن العهد الجديد أن يستعملوا المثنى “بواسطتهما” في مثل هذه الحالة. غير أن صيغة المثنى كانت اختفت من الاستعمال في مرحلة لغة الكيني koiny وهي لغة العهد الجديد اليونانية وحل محلها صيغة الجمع التي أضحت تدل على كل ما هو أكثر من واحد. كان على المترجم في هذه الحالة أن ينتبه إلى عدد الأشخاص في السياق ويستعمل ضمير المثنى في العربية لتأتي الجملة سليمة، كما فعل في “فقولا الرب محتاج إليهما (حرفيا إليهم) فللوقت يرسلهما (حرفيا يرسلهم) وأتيا بالأتان والجحش ... فجلس عليهما كذلك (حرفيا عليهم)” متى ٢١: ۳و٧. وكذلك “فالتفت يسوع ونظرهما (حرفيا نظرهم) يتبعان فقال لهما (حرفيا لهم)” (يوحنا ۳٨:۱). والأمثلة كثيرة. تكفي نظرة على ما فعلته الترجمات العربية الأخرى هنا لنرى “هفوتنا” واضحة.

۳- ومخلصنا

تحتوي ترجمة البستاني-,ـاندايك على قراءتين مختلفتين لنص الآية ۳: ۱٨ من رسالة بطرس الثانية. فمثلا النسخة المطبوعة في بيروت عام ١٩٦٢ ورقمها ٤۰-Arabic تحوي القراءة التالية: “وَ~لكِنِ انْمُوا فِي النِّعْمَةِ وَفِي مَعْرِفَةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ”. لكن النسخة المطبوعة في ,ـيينا، النمسا عام ١٩٣٢ فتحوي القراءة: “وَ~لكِنِ انْمُوا فِي النِّعْمَةِ وَفِي مَعْرِفَةِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ”. إن الفارق بين القراءتين هو العبارة “ومخلِّصنا”.

إن النَّص اليوناني أكان في طبعة إستيفنز ١٥٥٠ التي استعملها البستاني و,ـاندايك أو في النَّص المحقق من أقدم المخطوطات اليونانية الذي وضعته جمعية الكتاب المقدَّس عام ١٩٧٥، يتَّفق في شأن القراءة “ومخلِّصنا” على أنها سليمة وجزء لا يتجزأ من النص، ولا ندري سبب سقوطها من نص ترجمتنا في بعض طبعاتها.

ولنا بشارة لمستعملي ترجمة البستاني-,ـاندايك وهي أن الطبعة الجديدة لهذه الترجمة التي ينشرها دار الكتاب المقدَّس في مصر تحوي القراءة السليمة لهذه الآية: “وَ~لكِنِ انْمُوا فِي النِّعْمَةِ وَفِي مَعْرِفَةِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ”.

٤- اخرج من سفينتي

لفتني الدكتور كينيث بايلي مرة إلى هذه العبارة الواردة في لوقا ٥: ٨ من ضمن الآية: “فَلَمَّا رَأَى سِمْعَانُ بُطْرُسُ ~ذلِكَ خَرَّ عِنْدَ رُكْبَتَيْ يَسُوعَ قَائِلاً: «اخْرُجْ مِنْ سَفِينَتِي يَارَبُّ لأَنِّي رَجُلٌ خَاطِئٌ” وأردف بالقول إنها تعبير “بستاني” (نسبة إلى المترجم بطرس البستاني) لأنها لا توجد في الأصل اليوناني.

والحق يُقال إن غرابة هذه العبارة يلاحظها كل من يقارن بين الترجمات أو بين الترجمة والنص اليوناني لأن هناك تبايناً في القراءة. فبدلاً من “اخرج من سفينتي” نجد:

“اخرج عنِّي” في الترجمة الكاثوليكية القديمة.

“تباعد عنِّي” في الشدياق- واطس والبولسية والترجمة الكاثوليكية الجديدة .

“ابعد عنِّي” في الدومنيكانية.

“ابتعد عنِّي” في المشتركة لجمعية الكتاب المقدَّس وترجمة الكسليك.

“امض من عندي” في القبطية-دار المعارف.

“التمس منك أن تنفصل عنِّي”الدياطسرّون (ف ٦) نقلا عن السريانية القرن ١١.

“أسألك أن تتباعد عنِّي” في ترجمة الخوري يوسف عون نقلا عن السريانية.

ملاحظة: إن العبارة “ألتمس منك” أو “أسألك” التي ترد أعلاه في الدياطسرون وترجمة عون نقلاً عن السريانية هي ترجمة لكلمة Parakalw اليونانية وترد في المخطوطة الغربية D كما ترد في بعض الترجمات اللآتينية وفي الفشيطتو السريانية، لكنها تغيب عن سائر المخطوطات اليونانية لنص العهد الجديد.

خلاصة الكلام إن ما من ترجمة عربية للإنجيل من الترجمات الواردة أعلاه أضافت لفظة “سفينة” الواردة في ترجمة البستاني-,ـاندايك. ثمة ترجمة واحدة تبعت البستاني-,ـاندايك هي “كتاب الحياة” الترجمة التفسيرية، التي تقول “اخرج من قاربي”.

والسؤال يطرح نفسه: من أين أتت لفظة “سفينة” ولماذا أدخلت في النص؟ جواباً عن ذلك يجب أن نبدأ من النَّص اليوناني الذي يقول exelthe ap’ emou إن هذه العبارة ثابتة في كل المخطوطات اليونانية والترجمات القديمة، لا جدل حول صحتها ولا توجد قراءات مختلفة حيالها، وترجمتها الحرفية “اخرج منّي”. يبدو أن المترجم أدخل كلمة “سفينة” بين حرف الجر “من” وضمير النسبة أو الملكية المتصل “ي” فأضحت العبارة “أخرج من سفينتي”. وبهذا توضحت العبارة المبهمة “اخرج مني”، لكن من طريق إضافة كلمة إلى النص، وهذا أمر مشروع إذا اقتضت الضرورة.

كان بإمكان المترجم أن يتجنب الحرفية المفرطة الناتجة من تمسّكه بلفظة “اخرج” ولا يتسبب بالتالي برمي يسوع بالبحر! فالسفينة كانت لا تزال بعيدة من الشاطئ عندما قال بطرس ذلك ليسوع.

إن الكلمة exelthe المترجمة “اخرج” هي فعل أمر في زمن الماضي من الفعل exerkhomai ومن معانيها “يمضي من”، “يذهب من”، “يخرج”. عليه يكون المعنى غير المتكلف لعبارة “اخرج مني” هو “ابعد عني”، أو بعبارة نقيضة “لا تدن مني”. والذين يترجمون “تباعد عني” فإنهم يقتربون أكثر إلى زمن الماضي في صيغة الأمر المستعملة في اليونانية.

إنَّ جلَّ ما أراد بطرس أن يقوله هو: “يا رب أنا لا أستحق أن تدنو مني، فأنا خاطئ. لم أؤمن أنه يمكن بإلقائنا الشبكة كما طلبت على الجانب الآخر من السفينة وسط النهار في وقت غير مناسب للصيد أن نحصل على شيء. ونحن كُنَّا تعبنا الليل كله في الوقت المناسب للصيد وما أمسكنا شيئاً. فأنا يا رب أعترف بأني شككت بقوَّتك، وما قولي: “ولكن على كلمتك ألقي الشبكة”، إلاَّ رفعاً لعتب، فأنا لم أشأ أن أرد لك طلباً وإن كنت لا أعتقد بصوابه. غير أن نتيجة الصيد الوافرة هذه أربكتني وجعلتني أخجل من نفسي في حضرتك فارجوك أن تتباعد عني فأنا لا أستحق أن أكون بالقرب منك” راجع الفقرة بكاملها (لوقا ٥: ۱-۱۱).

٥- وكان يحمل ما يلقى فيه

وردت هذه العبارة في إنجيل يوحنا ۱۲: ٦ في سياق يتحدث عن كرم مريم أخت لعازر في سكب الطيب على قدمي يسوع. رد يهوذا الإسخريوطي على ما حدث بالقول: لماذا لا يخُدم الفقراء بثمن هذا الطيب؟ فعلَّق يوحنا البشير على كلام يهوذا، قال: “قَالَ ~هذَا لَيْسَ لأَنَّهُ كَانَ يُبَالِي بِالْفُقَرَاءِ بَلْ لأَنَّهُ كَانَ سَارِقاً وَكَانَ الصُّنْدُوقُ عِنْدَهُ وَكَانَ يَحْمِلُ مَا يُلْقَى فِيهِ”.

إن الفعل “يحمل” هو بيت القصيد هنا هو في اليونانية  ebastazenمستعمل في زمن الماضي المستمر فجاءت ترجمته “كان يحمل”. ومن معاني هذه الكلمة إضافة إلى يحمل هي: يتناول “حجراً” أو يلتقط يو۳۱:۱۰، ينقل من مكان الى آخر يوحنا ۱٥:۲۰.

استعملت ترجمات القرن التاسع عشر المعنى “يحمل” للكلمة اليونانية الواردة هنا. وهذه الترجمات هي الشدياق-واطس، والبستاني - ,ــاندايك، والكاثوليكية القديمة، والدومنيكانية.

بعد هذه المرحلة ابتدأ علماء اللغة وتفسير الكتاب المقدَّس يلاحظون أن العبارة في يوحنا ٦:۱۲ تقول حرفياً إن يهوذا كان يحمل ما يُلقى في الصندوق. ترى هل كان يهوذا يحمل الصندوق (أي كيس النقود)، أم كان يحمل ما يُلقى فيه؟ حسب النَّص كان الصندوق عنده وكان يحمل ما يُلقى فيه. هذا يعني أنه كان يأخذ ما في الصندوق من مال. وحيث أن السياق يقول إنه كان سارقاً وكان الصندوق عنده فيمكن أن نستنتج معنى الاختلاس والسرقة في الفعل “يحمل”، وبخاصة أن معاني الالتقاط والنقل واردة في استعمال هذه الكلمة في قرائن أخرى.

بناء عليه اخذت ترجمات القرن العشرين للإنجيل تورد معنى الاختلاس هنا فتقول: “وكان يختلس ما يُلقى فيه”. كان الأب >ـور؛ فاخوري هو البادئ فاستعمل “يسرق” في الترجمة التي قام بها ونشرتها المكتبة البولسية عام ١٩٥٣، واستعملت الكاثوليكية الجديدة وجمعية الكتاب والتفسيرية والكسليك “يختلس”، والقبطية-دار المعارف “يستولي على”.

في الختام نورد فائدتين: الأولى، تؤخذ معاني الكلمات تحديداً لا من القاموس بل من السياق. والثانية، إن الذين يعتبرون يهوذا الإسخريوطي الذي خان يسوع بطلاً قومياً بسبب قراءة سطحية لما ورد في متى عنه (أي أنَّه باع المسيح بثلاثين من الفضة مت ٢٦: ۱٥) مبلغ زهيد جداً لا يغري بالخيانة، وراحوا يفتشون عن سبب جليل وطني وراء دافعه غير المال) عليهم أن يقرأوا يوحنا فعنده الخبر اليقين عن أخلاقه.

٦- ليعطي حياة أبدية لكل من أعطيته

يرد هذا التعبير في مطلع صلاة يسوع الشفاعية في إنجيل يوحنا في نَصِّ يقول:

«أَيُّهَا الآبُ قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ. مَجِّدِ ابْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابْنُكَ أَيْضاً إِذْ أَعْطَيْتَهُ سُلْطَاناً عَلَى كُلِّ جَسَدٍ لِيُعْطِيَ حَيَاةً أَبَدِيَّةً لِكُلِّ مَنْ أَعْطَيْتَهُ”.

يلفّ هذا التعبير كما هو وارد في ترجمتنا الكثير من الغموض إذ يُفهم منه لأول وهلة أن الآب أعطى الابن سلطانا ليعطي حياة أبدية لكل من أعطاه الآب حياة أبدية. غير أن هذا المعنى لا ينسجم مع ما يريد النَّص اليوناني أن يقوله، وكان يمكن أن يتلافى الغموض بترجمة سليمة لحالة الضمائر الواردة في هذه الجملة.

يترجم النَّص اليوناني حرفياً كما يلي: لكي كل ما أعطى له يعطي لهم حياة أبدية. والعبارة “ما أعطى له” تعني ما أعطى الآب للابن، وتشير إلى المؤمنين أو مجموعة الناس التي يقدمها الآب لابنه، وبالتالي الابن يعطي لهم حياة أبدية. وهذا يتوافق مع منطق السياق ذاته في يوحنا ٦:۱٧ حيث يرد: «أَنَا أَظْهَرْتُ اسْمَكَ لِلنَّاسِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي مِنَ الْعَالَمِ. كَانُوا لَكَ وَأَعْطَيْتَهُمْ لِي”. كذلك عدد ٩: “مِنْ أَجْلِهِمْ أَنَا أَسْأَلُ. لَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ الْعَالَمِ بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لأَنَّهُمْ لَكَ”، وعدد ٢٤ : “أَيُّهَا الآبُ أُرِيدُ أَنَّ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي”.

كان يمكن في سبيل وضوح المعنى أن تترجم هذه الجملة كما يلي: “ليعطي حياة أبدية لكل الذين أعطيتهم له”. وإليكم ما ورد في الترجمة القبطية-دار المعارف: “كي يعطي الحياة الأبدية لكل الذين أعطيته إياهم”، وفي هذا تسير الترجمة القبطية في إثر الدومنيكانية.

٧- أبا الآب

ترد هذه العبارة بالصيغة نفسها ثلاث مرات في العهد الجديد: مَرَّة على لسان الرب يسوع عندما كان يصلي في جثسيماني حينما قال: «يَا أَبَا الآبُ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لَكَ فَأَجِزْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِيَكُنْ لاَ مَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ مَا تُرِيدُ أَنْتَ» (مرقس۳٦:۱٤) وترد مرتين في رسائل الرسول بولس: “إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضاً لِلْخَوْفِ بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: «يَا أَبَا الآبُ!». (رومية۱٥:٨) كذلك: “ثُمَّ بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ، أَرْسَلَ اللهُ رُوحَ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخاً: «يَا أَبَا الآبُ» (غلاطية٦:٤)

هذه العبارة هي من أهم العبارات اللآهوتية التي تميِّز رسالة الرب يسوع في إعلانها لآب أباً له ولكل من يؤمن به. غير أن الغموض يلف هذه العبارة كما ترد في ترجمتنا بسبب صياغتها في العربية. ولا يدرك كثيرون معنى “أباً” وعلاقتها بكلمة “الآب” التي تليها، لكن في العودة الى نص العهد الجديد في اللغة الأصلية حل لهذا الغموض إذا أحسّنا إستخراج المعنى.

إن عبارة “يا أبا الآب” هي ترجمة حرفية للعبارة abba o patyr كما ترد في النَّص اليوناني فالكلمة الأولى abba ليست يونانية بل هي آرامية-سريانية وتحمل المعنى ذاته التي تحمله لفظة “يا بابا” العامية التي نستعملها اليوم عندما يخاطب الواحد منا بتحبب أباه. وبقيت رّنة هذه اللفظة التي نطق بها يسوع بالآرامية مخاطباً أباه السماوي في أذهان تلامذته إذ كان لها وقعها، فما من إنسان يخاطب الله هكذا، فدوَّنها مرقس في إنجيله. وغدت اللفظة مادة يستعملها الرسل في كرازتهم حول العلاقة الأبوية- البنوية بالله التي يتمتع بها المؤمنون بيسوع بحسب ما جاءت في رسالتي بولس لرومية وغلاطية.

أما اللفظة o patyr التي تأتي بعد abba فهي يونانية وتعني “أيها الأب” في العربية الفصحى و”يا بابا” في العامية. وأستعملها مرقس وبولس لترجمة لفظة abba الآرامية غير المفهومة من قارئيهم اليونانيين. فإذا رغبنا في ترجمة واضحة للعبارة الأصلية نقول: “يا أبا، أي، أيها الآب” وبالعامية: “يا بابا” وكفى. إن لفظة “أبا” الآرامية لا ترتبط بياء النسبة، أي أنها لا تعني “يا أبي”، لكنها تحوي شيئاً من التحبب والحميمية جعلت بعضهم يترجمها “يا أبي” لإظهار غنى مدلولها.

وفيما يلي عرض لتعريب abba o patyr في الترجمات العربية للكتاب المقدَّس:

استعمل الشدياق “أيها الآب” في مرقس، و”أبا أي أبانا” في رومية وغلاطية. واستعملت اليسوعية القديمة “أبا أيها الآب” في كل المواضع. وجاءت: “آبا أيها الآب” في مرقس، و”آبا الآب” في رومية، و”داعيا الآب يا أبا” في غلاطية في الدومنيكانية. وفي البولسية: “أبا! أبتاه!” في مرقس، و”أبا! أيها الآب” في رومية وغلاطية. و”أبا، أي يا أبتِ” في مرقس، و”أبا! أيها الآب!” في رومية وغلاطية: طومسون- عبد الملك. و”يا أبتا” في جميع المواضع في اليسوعية الجديدة ١٩٦٩. و”أبتِ، أيها الآب” في مرقس: القبطية. في المشتركة “أبي، يا أبي!” في مرقس وغلاطية، و”أيها الآب أبانا” في رومية. و”أبا، يا أبي” في مرقس، “أبا! أبانا!” في رومية، “أبا، يا أبانا” في غلاطية: في الحياة. و”أبا، أيها الآب” في مرقس ورومية، و”أبا أيها الأب!” في غلاطية: الكسليك. و”أبا، يا أبتِ” في مرقس ورومية، و”يا أبتِ” في غلاطية: اليسوعية الجديدة ٢٠٠٠.

إن مراجعة نقدية لتعريب abba o patyr في الترجمات العربية للإنجيل المذكورة أعلاه تبين أن معظم المترجمين لم ينتبهوا إلى حقيقة أن النَّص لم يستعمل لفظة “أب” مرتين ليترجموها: “أبا، يا أبتِ” أو “أبا، يا أبي” أو “أبتِ، أيها الآب” أو “أبا! ابتاه!” أو “آبا الآب” بل يستعمل لفظة “أب” مرة واحدة “أبَّا” وبعدها ترجمتها “الأب o patyr” لذلك في الترجمة يجب إظهار أن “الأب” الثانية هي ترجمة أو تفسير للأولى. بناء عليه اقترحنا: “أبا، أي، أيها الآب”.

أما إذا كانت اللفظة العربية المرادفة لأبا مفهومة ومعبرة فهي كافية ولا ضرورة لشفعها بمرادف توضيحي لها، على منوال: “يا أبتا” في الترجمة اليسوعية الجديدة ١٩٦٩، أو”يا أبتِ” في غلاطية: الترجمة اليسوعية الجديدة ٢٠٠٠.

٨- فاثنين اثنين أو على الأكثر ثلاثة ثلاثة

ترد هذه العبارة في ١كو ١٤: ۲٧ في سياق يتحدث عن ممارسة التكلُّم بألسنة في اجتماع الكنيسة: “إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ فَاثْنَيْنِ اثْنَيْنِ أَوْ عَلَى الأَكْثَرِ ثَلاَثَةً ثَلاَثَةً وَبِتَرْتِيبٍ وَلْيُتَرْجِمْ وَاحِدٌ”. إن التعبير “اثنين اثنين” أو “ثلاثة ثلاثة” يفيد المرافقة أي أن تمارس موهبة التكلم بألسنة من قِبَلِ اثنين أو ثلاثة دفعة واحدة وفي الوقت ذاته. لكن هذا يتعارض مع ما جاء في نهاية الآية: “وبترتيب وليترجم واحد”. فكيف يتوافق الترتيب أي “بالدور” مع الدفعة الواحدة، وكيف يتوافق أن يتكلم اثنان أو ثلاثة معاً ويترجم شخص واحد؟

إن المشكلة تكمن في فهم معنى حرف الجر اليوناني kata واصطلاح استعماله في القرائن المتعددة التي يرد فيها. فورود kata في مرقس ٦: ٤۰ جعل المترجم يكرر كلمة “مئة” وكلمة “خمسين”: “فاتكأوا صفوفاً صفوفاً مئة مئة وخمسين خمسين”. لكن في سياق ١كو ١٤: ۲٧ فالمعنى يختلف، فبدلاً من الاستعمال الترافقي لحرف الجر kata نجد الاستعمال التناوبي راجع معاني kata في قاموس Gingrich Danker. فيكون المعنى المراد: “إن كان أحد يتكلم بلسان فاثنين أو على الأكثر ثلاثة وبترتيب وليترجم واحد”. وهذا يتناغم مع ما جاء في العدد ٢٩ “أَمَّا الأَنْبِيَاءُ فَلْيَتَكَلَّمِ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ وَلْيَحْكُمِ الآخَرُونَ”، والعدد ٣١: “لأَنَّكُمْ تَقْدِرُونَ جَمِيعُكُمْ أَنْ تَتَنَبَّأُوا وَاحِداً وَاحِداً لِيَتَعَلَّمَ الْجَمِيعُ وَيَتَعَزَّى الْجَمِيعُ”. لاحظ استعمال kata التناوبي في هذا العدد الأخير، وتوضيحاً للتناوب يستعمل >ـور؛ فاخوري في البولسية: واحداً فواحداً.

وفي الختام نقول إن الترجمات العربية المتداولة جميعهاً، أي التي وضعت في القرنين التاسع عشر والعشرين تتفق على المعنى التناوبي لحرف الجر kata وتترجم الآية: “إن كان أحد يتكلم بلسان فاثنين أو على الأكثر ثلاثة وبترتيب (بالتناوب، على التوالي، واحداً بعد الآخر) وليترجم واحد”، ولم يشذ تابعًا ترجمة البستاني-,ـاندايك سوى الدومنيكانية.

٩- الحاكم . . . القاضي . . . الحاكم

وردت هذه الكلمات الألقاب في سياق يقول: “حِينَمَا تَذْهَبُ مَعَ خَصْمِكَ إِلَى الْحَاكِمِ ابْذُلِ الْجَهْدَ وَأَنْتَ فِي الطَّرِيقِ لِتَتَخَلَّصَ مِنْهُ لِئَلاَّ يَجُرَّكَ إِلَى الْقَاضِي وَيُسَلِّمَكَ الْقَاضِي إِلَى الْحَاكِمِ فَيُلْقِيَكَ الْحَاكِمُ فِي السِّجْنِ” لوقا ١٢: ٥٨.

إذا قمنا بمراجعة النَّص اليوناني نجد أن الكلمة الأولى هي arkhwn وتعني الحاكم، والثانية هي kritys وتعني القاضي، وأما الثالثة فهي praktwr وتعني الشرطي الذي هو بمثابة الحاجب في المحكمة لينفذ قرارات السلطة القضائية.

فإذا رغبنا بترجمة سليمة للنص اليوناني يجب أن تكون الآية على الوجه التالي: “حينما تذهب مع خصمك إلى الحاكم ابذل الجهد وأنت في الطريق لتتخلص منه، لئلاَّ يجرك إلى القاضي ويسلمك القاضي الى الشرطي فيلقيك الشرطي في السجن” (راجع مت ٥: ۲٥).

أما كيف دخلت لفظة الحاكم لتوضع هنا بدل الشرطي- فهذا ما لا ندريه؟

إن الترجمات التالية: الشدياق-واطس واليسوعية الجديدة والقبطية والكسليك والمشتركة استعملت “الشرطي” لتترجم praktwr بينما استعملت الدومنيكانية واليسوعية القديمة “المستخرج”، أما البولسية وطومسون-عبد الملك فاستعملتا “المنفِّذ”.

۱۰- دعوا إلي هذا

“وَضَرَبَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ فَقَطَعَ أُذْنَهُ الْيُمْنَى. فَقَالَ يَسُوعُ: «دَعُوا إِلَيَّ ~هذَا!» وَلَمَسَ أُذْنَهُ وَأَبْرَأَهَا” (لو ٢٢: ٥۰-٥۱).

كثيراً ما سببت هذه العبارة غير الواضحة ضياعاً في فهم معناها. ولأن معنى العبارة لا يُدرك بسهولة يقرأها كثيرون “دَعُوا إليَّ ~هذَا” أي “اجلبوه إليَّ”، وهذا خطأ. إن العبارة “دعوا إلى هذا” هي ترجمة حرفية للعبارة اليونانية

 eate ews toutou، وإن eate هي صيغة الأمر من الفعل eaw الذي يعني يدع أو يترك واستعمل بهذا المعنى في مت ٢٤: ٤۳،وأع ۱٤: ۱٦، ۲۳: ۳۲، و۲٧: ٤۰. ۱كو ۱۰: ۱۳ فيكون المراد بهذه العبارة أنْ “اتركوا إلى هذا الحد” أي لا تزيدوا.

بالنسبة لترجمات القرن التاسع عشر تقف اليسوعية القديمة وحيدة في تأدية المعنى الصحيح للعبارة اليونانية إذ ترجمتها كالتالي: “قِفوا لا تزيدوا”، بينما ترجمها الشدياق: “دعوني إلى هذا”، والدومنيكانية: “دعوا حتى هذا”. أما في القرن العشرين فتبعت الترجمات بشكل أو بآخر الترجمة البولسية: “قفوا عند هذا الحد”. نجد المشتركة مثلا تقول: “كفى. لا تزيدوا!” واليسوعية الجديدة ٢٠٠٠ “دعوهم! كفى!”

۱۱- جبل الله جبل باشان

“جَبَلُ اللهِ جَبَلُ بَاشَانَ. جَبَلُ أَسْنِمَةٍ جَبَلُ بَاشَانَ. لِمَاذَا أَيَّتُهَا الْجِبَالُ الْمُسَنَّمَةُ تَرْصُدْنَ الْجَبَلَ الَّذِي اشْتَهَاهُ اللهُ لِسَكَنِهِ؟ بَلِ الرَّبُّ يَسْكُنُ فِيهِ إِلَى الأَبَدِ” (مز ٦٨: ۱٥و۱٦)

إن العبارة “جبل الله” هي ترجمة حرفية للعبارة “هار إلوهيم” التي ترد في النَّص العبري. لكن السؤال هو: ماذا تعني كلمة إلوهيم هنا: “الله” أم تعني “الكبير”؟

نتج هذا السؤال من التناقض المنطقي الموجود في هاتين الآيتين. إن فكر العهد القديم يدل على أن الجبل الذي اشتهاه الله لسكنه هو جبل “صهيون” الذي تقع عليه مدينة أورشليم. فإذا كان “جبلُ باشان” جبلَ الله فكيف يترصَّدُ جبلَ صهيون ويحاول أن يوقع به؟ يبدو أن الكاتب عندما استعمل لفظة “إلوهيم” كان يريد بها وصف جبل باشان بأنه “الجبل الكبير” لا “جبل الله”. وهذا ينسجم مع استعمال “إلوهيم” أحياناً في الكتاب المقدَّس بمعنى الكبير والضخم والهائل والشامخ والكثير وجدَّاً. (راجع مادة “إلوهيم” في معجم Gesenius ومعجم Holladay للغة العبرية).

والآن لنلقِ نظرة على ترجمة هذه العبارة في ترجمات الكتاب المقدَّس إلى العربية. إن ترجمات القرن التاسع عشر جميعها تماثل البستاني- ,ــاندايك، أما في القرن العشرين فإن اليسوعية الجديدة وضعت تفسيراً في الحاشية للفظة “جبل الله” بمعنى الجبل الشامخ. وكانت المشتركة السبَّاقة في استعمال “جبل الشموخ” في النص، وتبعتها ترجمة الكتاب الشريف “جبل عظيم”.

ومن الآيات التي ترد فيها لفظة “إلوهيم” في حالة الإضافة والتي يجب أن تفهم من هذا المنظور، الآية: “أَمَّا نِينَوَى فَكَانَتْ مَدِينَةً عَظِيمَةً لِلَّهِ” والأجدر “عظيمة جداً” (يونان ٣:۳) والآية: “عَدْلُكَ مِثْلُ جِبَالِ اللهِ وَأَحْكَامُكَ لُجَّةٌ عَظِيمَةٌ.” والأجدر “مثل الجبال الشامخة” (مز ٣٦: ٦)، والآية: “غَطَّى الْجِبَالَ ظِلُّهَا وَأَغْصَانُهَا (غطت) أَرْزَ اللهِ” والأجدر “الأرز الشامخ” (مز ۱۰:٨۰) والآية: “سَوَاقِي اللهِ مَلآنَةٌ مَاءً” والأجدر “السواقي الكبيرة” (مز ٩:٦٥)، والآية “نَارُ اللهِ سَقَطَتْ مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتِ الْغَنَمَ وَالْغِلْمَانَ” والأجدر “نار هائلة” (أيوب ۱٦:۱)، والآية: “وَكَانَ خَوْفُ اللهِ عَلَى الْمُدُنِ الَّتِي حَوْلَهُمْ فَلَمْ يَسْعُوا وَرَاءَ بَنِي يَعْقُوبَ” والأجدر “خوف عظيم” (تك ٥:۳٥) والآية «اِسْمَعْنَا يَا سَيِّدِي أَنْتَ رَئِيسٌ مِنَ اللهِ بَيْنَنَا.” والأجدر “رئيس كبير” (تك٦:۲۳) بناء على هذه النماذج يمكن النسج على المنوال عينه عند ملاحظة استعمال لفظة “الله” في وضع المضاف إذا كان السياق يسمح بذلك.

وأحسنت ترجمة البستاني-,ـاندايك بترجمة “حردات إلوهيم” الى “ارتعاد عظيم” (١صم ۱٥:۱٤) وكذلك بترجمة kai yn asteios tw thew “وكان جميلاً لله” إلى “وَكَانَ جَمِيلاً جِدّاً” (أعمال ۲۰:٧ قارن مع يونان ۳:۳) اتبعت ترجمة البستاني- ,ــاندايك  في كلا الآيتين الأخيرتين الترجمة الإنكليزية للملك >ـيمس KJV.

۱۲- روح الله أم ريح عاصفة؟

إن العبارة “روح الله” التي يدور موضوع هذه الملاحظة حولها ترد في تكوين ۲:۱ سياق يقول: “وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ”. ونحن نثير هذا الموضوع استطراداً للملاحظة السابقة التي تؤكد معنى العظيم والكبير والشامخ في بعض الأحيان للفظة “إلوهيم” التي تعني الله. إن من الأمور الشيقة والمفيدة للبحث والفهم معرفة أن العبارة العبرانية “روح إلوهيم” أي “روح الله” الواردة في تك ۲:۱ يمكن أن تعني أيضا “ريح عاصفة أو شديدة”. أولاً: لأن إلوهيم يمكن أن تعني عظيم، وثانياً: لأن الروح والريح لفظة واحدة في اللغة العبرانية. وهذا المعنى “الريح” ينسجم مع سياق الفقرة ولكنه يتضارب مع كلمة “يرف” التي تصف نشاط روح إلوهيم”. وينقسم العلماء حيال هذه العبارة ومعناها بين مؤيد لروح الله، ومؤيد لريح عاصفة.

أما المشوق بالنسبة لهذا الموضوع فهو ما جرى بين الترجمتين المعروفتين في اللغة الإنكليزية The Revised Standard Version و The New English Bible  صدرت RSV عام ۱٩٥۲ ويرد في تكوين ۲:۱ “روح الله” بينما ظهرت NEB عام ۱٩٧۰ ويرد فيها “ريح عاصفة” وحدث أن اللجان القائمة على RSV أصدرت طبعة جديدة عام ١٩٨٩ باسم The New Revised Standard Version. واالجان القائمة على تنقيح NEB أصدرت طبعة جديدة في العام نفسه باسم The Revised English Bible. وكان الملفت والمثير أن هاتين الطبعتين المنقحتين اللتين صدرتا في السنة نفسها تبادلتا ترجمة هذه العبارة. فاستعملت NRSV هذه المرة “وكانت ريح من الله تعصف” واستعملت REB “وكان روح الله يرف”.

والحق يقال إن الجدل حول معنى العبارة هنا سوف يستمر قائماً رغم ترجيحنا “روح الله يرف”.

۱۳- ببر إلهنا والمخلص يسوع المسيح

“إِلَى الَّذِينَ نَالُوا مَعَنَا إِيمَاناً ثَمِيناً مُسَاوِياً لَنَا، بِبِرِّ إِ~لهِنَا وَالْمُخَلِّصِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. لِتَكْثُرْ لَكُمُ النِّعْمَةُ وَالسَّلاَمُ بِمَعْرِفَةِ اللهِ وَيَسُوعَ رَبِّنَا” (۲بط ۱: ۱و۲).

عندما يطالع القارئ العربي العبارة “بِبِرِّ إِ~لهِنَا وَالْمُخَلِّصِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ” لا يلاحظ أن الصفتين الإله والمخلص تخصان الشخص الواحد يسوع المسيح، وبخاصة إذا ربط العبارة بتلك التي تليها “بِمَعْرِفَةِ الله وَيَسُوعَ رَبِّنَا”.

والحق يُقال إن الترجمة الحرفية لهذه العبارة ضيَّعت المعنى المراد وحجبت صفة الألوهة عن المسيح ذلك لأن المترجم لم يراع العنصر البلاغي syntax في تحديد معنى العبارة، ولو فعل لترجم العبارة على المنوال التالي: “ببر إلهنا ومخلِّصنا يسوع المسيح”، أي أن يسوع المسيح هو إلهنا ومخلِّصنا.

ثمة سببان يدعواننا الى تبني هذا المعنى. الأول: إن واو العطف في اليونانية kia تعطف ضمير المتكلم الجمع في حالة الإضافة “نا” في “إلهنا” على كلمة “المخلِّص” فتصبح “مخلِّصنا”. والثاني: في الأصل اليوناني لا تتكرر “أل” التعريف التي تصاحب “إ~لهنا” مع “المخلص” en dikaiosuny tou theou ymwn kai swtyros Iysou khristou

وهذا يؤكد أن الصفتين هما للشخص الواحد أما في العبارة التالية: “بمعرفة الله ويسوع ربنا” فواضح أن المراد بها شخصان الله والمسيح، رغم وجود واو العطف، ذلك لأن “أل” التعريف تتكرر أمام الله وأمام الربen epignwsei tou theou kai Iysou tou kuriou ymwn

إن ترجمات القرن التاسع عشر ومنها ما سبق البستاني-,ـاندايك مثل الشدياق، ومنها ما أتى بعدها مثل الدومنيكانية واليسوعية القديمة، تعتمد الترجمة التي دافعنا عنها: “ببر إ~لهنا ومخلِّصنا يسوع المسيح”، ناهيك عن أن كل ترجمات القرن العشرين اتبعت الترجمة هذه نفسها.

أجل، إني أشعر بالأسف لما أرى أن ثمة برهانا في ٢بط ١:۱ في اللغة الأصلية يؤكد إلوهية يسوع المسيح ربنا قصَّرت ترجمة البستاني-,ـاندايك عن إبرازه، ولا يزال غامضاً بعد ۱٤۰ سنة من وضعها، ولا يحاول أحدٌ تنقيحها!

۱٤- لأنهم لم يكونوا بعد يعرفون الكتاب

وردت هذه العبارة في سياق يتحدث عن التلميذين بطرس ويوحنا عندما زارا قبر يسوع بعد القيامة:

“فَحِينَئِذٍ دَخَلَ أَيْضاً التِّلْمِيذُ الآخَرُ الَّذِي جَاءَ أَوَّلاً إِلَى الْقَبْرِ وَرَأَى فَآمَنَ لأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا بَعْدُ يَعْرِفُونَ الْكِتَابَ: أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَقُومَ مِنَ الأَمْوَاتِ” (يو ۲۰: ٨-۱۰).

إن النافر في هذه العبارة هو جمع الضمير العائد على المثني. فقبل هذه العبارة وبعدها يجري الحديث عن تلميذين اثنين، فلماذا ترد هذه العبارة في صيغة الجمع؟

جوابا نقول إن المترجم تبع النَّص اليوناني الذي يستعمل صيغة الجمع هنا، لكن كان يجب أن يتنبه إلى أن صيغة المثنى كانت تلاشت من لغة الكيني اليونانية التي كانت سائدة في زمن كتابة العهد الجديد، أي القرن الأول المسيحي، واستعيض عنها بصيغت الجمع، (كما نفعل نحن أحياناً في لغتنا العامية (راجع الملاحظة رقم ٢). لذلك كان ينبغي أن تترجم العبارة كما يلي: “لأنهما لم يكونا بعد يعرفان الكتاب”.

يبقى سؤال: ماذا لو كان الكاتب يقصد الرسل أجمعين لا بطرس ويوحنا وحدهما؟ هذا الأمر ممكن لكنه بعيد الاحتمال. لأن يوحنا لو أراد الرسل أجمعين لأضاف كلمة التلاميذ إلى نَص العبارة فقال: “لأن التلاميذ لم يكونوا بعد يعرفون الكتاب”، كما حاولت أن تفعل ترجمة الحياة وترجمة الشريف.

كان أول من تنبه إلى ضرورة استعمال صيغة المثنى هنا الترجمة البولسية عام ١٩٥٣ وتبعتها اليسوعية الجديدة ١٩٦٩ والمشتركة ١٩٧٩، وثم الكسليك ١٩٩٢.

۱٥- مقدماً للجميع إيماناً

“فَـ/للهُ الآنَ يَأْمُرُ جَمِيعَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا مُتَغَاضِياً عَنْ أَزْمِنَةِ الْجَهْلِ. لأَنَّهُ أَقَامَ يَوْماً هُوَ فِيهِ مُزْمِعٌ أَنْ يَدِينَ الْمَسْكُونَةَ بِالْعَدْلِ بِرَجُلٍ قَدْ عَيَّنَهُ مُقَدِّماً لِلْجَمِيعِ إِيمَاناً إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ» (أع ۱٧: ۳۰و۳۱)

إن الذي يجعل الآية الأخيرة مبهمة وبعيدة عن الإدراك هو ترجمة الكلمة اليونانية Pistis حرفياً إلى “إيمان”. الواقع أن كلمة Pistis اليونانية ترد نحو ٢٤٠ مرة في العهد الجديد وتُرجمت إلى “إيمان” في جميع الأماكن التي وردت فيها في ترجمة البستاني-,ـاندايك ما عدا رو ۳:۳، وتي ۱۰:۲ حيث ترجمت إلى “أمانة” و۲تس ۱۳:۲ حيث تُرجمت الى “تصديق” (راجع الفهرس العربي لكلمات العهد الجديد اليونانية، للمؤلف، دار النشر المعمدانية، بيروت، ۱٩٧٩، مادة Pistis إيمان ص ٦۱٨).

من البديهي القول إن معنى كل كلمة يستنتج من سياق الكلام. وهكذا فعل المترجمون عندما غيَّروا كلمة “إيمان” إلى “أمانة” و”تصديق” في الشواهد المذكورة أعلاه. وهذا ما كان يجب أن يفعلوه في هذه العبارة: “مقدماً للجميع إيماناً”. فلو وضعوا هنا كلمة “إثبات” أو “برهان” بدلاً من “إيمان” لاستقام المعنى وجاء خالياً من أي لبس: “مقدماً للجميع إثباتاً أو برهاناً إذ أقامه من بين الأموات”. وهذا الإثبات بالقيامة يؤكد أن الله مزمع أن يدين المسكونة بالعدل بالمسيح الذي عيَّنه ديَّاناً. لذلك فإن استعمال كلمة إيمان لتترجم Pistis هنا لم تصب المعنى الذي يريده المؤلف في الأصل. إن كل ترجمة هي تفسير، ويجب أن يأخذ المترجم بالاعتبار مبادئ التفسير ويلاحظ السياق ومضامين الكلام لكي يعبِّر عن المعنى الدقيق للنص المراد ترجمته. هذا ما فعله الشدياق ١٨٥٧ قبل البستاني-,ـاندايك ١٨٦٥ فاستعمل كلمة “ثقة”، ولا بد أنه استرشد بترجمة الملك >ـيمس الإنجليزية المشهورة التي ترجمت Pistis إلى Assurance التي تعني توكيد أو ثقة. فلماذا لم يقتفِ البستاني- ,ــاندايك  أثره وأثر ترجمة الملك >ـيمس والمعنى فيهما واضح؟ لا ندري! وبعد الشدياق جاءت الترجمة البولسية ١٩٥٣ واستعملت “ضمانة” واستعملت اليسوعية الجديدة ٢٠٠٠ “برهاناً”. غير أن ترجمة الكسليك ١٩٩٢ باستعمالها “إثباتا لإيماننا” فإنها جبرت المعنى من ناحية وكسرته من ناحية أخرى في آن بإضافتها “لإيماننا”، فالمراد ليس إثباتاً لإيماننا بل إثباتاً لتعيين الله المسيح ديَّاناً.

۱٦- باكورة الراقدين

“وَكِنِ الآنَ قَدْ قَامَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَصَارَ بَاكُورَةَ الرَّاقِدِينَ” (۱كو۲۰:۱٥).

تقع هذه العبارة لغوياً في اليونانية كما في العربية في باب حالة الإضافة. وعندما ترد الأسماء في حالة الإضافة دون فعل أو حرف جر يربط بينها ليوضح العلاقة تبقى مبهمة. فعلى سبيل المثال نقدم العبارة “سبي بابل” في متى ۱۱:۱ فلولا السياق والتاريخ كشاهد لما عرفنا إذا كانت بابل السابية أو المسبية. توضيحاً للعبارة تضيف بعض الترجمات حرف الجر فتترجمها: “السبي إلى بابل”.

وبالمماثلة فإن العبارة “باكورة الراقدين” تفيد عكس ما يريد المؤلف أن يقوله إذا لم يتم تأدية معناها جيداً في العربية. فهذه العبارة “باكورة الراقدين” يفيد معناها الحرفي أن يسوع المسيح كان أول الذين رقدوا أو ماتوا، على أساس أن الباكورة هي أول القطاف أو الحصاد. غفل المترجم عن المعنى المراد هنا وهو ينقل حرفياً كلمة كلمة هذه العبارة التي هي في حالة الإضافة إلى العربية. إن “الفصل” أو “الخروج من” أو “الصدور من” هو من المعاني البلاغية المهمة لحالة الإضافة. فعندما يقول الرسول بولس في أف٨:۲ عن عملية الخلاص بالنعمة وبالإيمان أنها “عطية الله” فإنه يعني “عطية من الله”، وعندما يتحدث عن “سلام الله” في فيلبي٧:٤ فإنه يقصد السلام الصادر من الله والآتي إلينا منه. وهنا، العبارة “باكورة الراقدين” تعني “باكورة من الراقدين”، أي “أول قيامة الأموات” لا “أول الذين ماتوا”. واستطرادا يقول الرسول عن القيامة من بين الأموات: “المسيح باكورة ثم الذين للمسيح في مجيئه” (١كو ۲۳:۱٥).

هناك شاهد مماثل ورد في الرؤيا٥:۱ “وَمِنْ يَسُوعَ الْمَسِيحِ الشَّاهِدِ الأَمِينِ، الْبِكْرِ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَرَئِيسِ مُلُوكِ الأَرْضِ”. إن العبارة “الْبِكْرِ مِنَ الأَمْوَاتِ” هي في اليونانية حرفيا “بِكْر الأموات”، وحيث أن الإبهام في المعنى حاصل كما في ١كو ١٥: ۲۰ فقد تطوع أحد النساخ والأرجح في بيزنطية في القرن السادس وأضاف حرف الجر “من” ليوضح المعنى، تماماً كما كان ينبغي أن يفعل مترجم النَّص اليوناني إلى العربية.

ومن نافل الكلام الإشارة إلى أن المسيح كان أول من قام بالجسد الممجد الذي لا يموت، وليس كالعازر مثلاً الذي اختبر قيامة من الموت قبل المسيح لكنه عاد إلى جسده الطبيعي ومات من جديد.

والجدير بالملاحظة أن ما من ترجمة في اللغة العربية من الترجمات المتداولة تنبهت إلى هذا المعنى سوى ترجمة جمعية الكتاب المقدَّس المشتركة التي صدر العهد الجديد منها عام ۱٩٧٩ فجاء فيها: “هو بكر من قام من رقاد الموت”.

۱٧- كان يكلمهم “بالكلمة”

“وَبِأَمْثَالٍ كَثِيرَةٍ مِثْلِ ~هـذِهِ كَانَ يُكَلِّمُهُمْ حَسْبَمَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَسْمَعُوا” (مرقس ٤: ۳۳).

تتفق نصوص المخطوطات اليونانية على إيراد العبارة “بالكلمة” التي سقطت من ترجمة البستاني- ,ــاندايك، ولا يوجد جدل حيال صحة قراءتها، ويبدو أنها سقطت سهواً بينما المترجم يقوم بعمله أو اختفت بيد الطابع أو مصحِّح المسودات.

إن قيمة وجود العبارة “كان يكلمهم بالكلمة” هي تأكيدها لا على الأمثال بل على مضمون الكلمة أي رسالة الإنجيل (مر ١: ۱٤و۱٥ لأن يسوع كان يستعمل الأمثال لا كغاية بل كوسيلة لتوضيح كلمة الله.

۱٨- رئيس الربع

ورد هذا اللقب “رئيس الربع” وفي اليونانية Tetraarkhys عدة مرات في العهد الجديد في مت۱:۱٤، لو۱:۳ ثلاث مرات مشتقة من الفعل Tetraarkhys و ۱٩:۳ و٧:٩ وأع۱:۱۳ ولصعوبة فهم ما المقصود بالربع قرأ بعضهم اللقب، خطأ، مفتوح الراء، أي رئيس الرَبع، على أساس أن الرَبع يعني المحلة أو جماعة الناس. وكنا نتمنى أن توضح الترجمة المراد بالربع لكي لا يتعثَّر القارئ.

أُطلِق هذا اللقب في البداية على رؤساء كل جزء من ولاية إذا قُسِمَّت إلى أربع مقاطعات، فينصب رئيس لكل ربع ولاية ويطلق عليه لقب Tetraarkhys أي “رئيس ربع ولاية”. وبمرور الزمن أصبح هذا اللقب يطلق على رؤساء المقاطعات بشكل عام وغدا زمن العهد الجديد يستعمل كالقب للحكام والولاة الذين هم أدنى رتبة من الملك. (راجع مادة Tetraarkhys في قاموس Walter Bauer الشهير للغة العهد الجديد اليونانية). وأطلق هذا اللقب في فلسطين على أولاد الملك هيرودس الكبير بعد تقسيمها الى ولايات.

استعمل “الشدياق” و”الدومنيكانية” و”اليسوعية القديمة” الترجمة ذاتها “رئيس الربع” الواردة في “البستاني- ,ــاندايك “، وهذه الترجمات ترجع إلى القرن التاسع عشر.

وفي القرن العشرين آثر الأب جورج فاخوري “البولسية” أن يبقي اللفظة Tetraarkhys كما هي “التترارخس”، فأدرجها هكذا في النَّص العربي. أمَّا “اليسوعية الجديدة” فترجمت اللقب “أمير الربع”، و”القبطية” الحاكم والملك، و”المشتركة” الوالي، و”الكسليك” رئيس الربع وأمير الربع.

۱٩- أناثيما

وردت الكلمة “أناثيما” Anathema كاسم ست مرات في العهد الجديد اليوناني: في أع۱٤:۲۳، رو۳:٩، ۱كو۳:۱۲، ۲۲:۱٦، غل۱: ٨-٩. ووردت كفعل Anathematizw أربع مرات مر٧۱:۱٤، أع ۲۳: ۱۲، ۱٤، ۲۱.

استحسن البستاني و,ـاندايك الإبقاء على اللفظ اليوناني “أناثيما” كما هو فأدرجاه دون ترجمة في أربعة مواضع ۱كو۳:۱۲، ۲۲:۱٦، غل۱: ٨-٩ ولا ندري سبباً لذلك حيث أنهما استعملا لفظة: الحِرم، واللعن في المواضع الأخرى، وكان بإمكانهما ترجمة “أناثيما” بشكل جيد باستعمال صيغة اسم المفعول مثل “محروم” و”ملعون” إشتقاقاً من هاتين اللفظتين في مواضعها.

ترجع أصول معنى Anathema الى العهد القديم. استعملت هذه الكلمة في الترجمة اليونانية السبعينية لتنقل معنى الكلمة العبرانية “حرم” المشابهة للعربية. كان “الحرام” كل ما هو مخصص للرب للمباركة أو للإبادة (راجع لا۲٨:۲٧، يش٦: ۱٦-۲۱، عد۳:۲۱). وترجمت “حرم” بلفظة “لعن” في العربية في زك ١٤: ۱۱”فيسكنون فيها ولا يكون بعد لعن فتعمر أورشليم بالأمن”.

ساد المعنى الثاني لكلمة “أناثيما” في العهد الجديد، ذاك المتعلق بالتحريم والإبادة واللعن. فلا يمكن أن يقول أحد بروح الله: “يسوع ملعون “أناثيما” أي تحت لعنة الله وغضبه” (١كو۳:۱۲). وغيرة على حق الإنجيل من الذين يفسدون تعليمه يقول بولس: “إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُبَشِّرُكُمْ بِغَيْرِ مَا قَبِلْتُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا» محروماً” أي عرضة لغضب الله (غل ٩:۱) بل هو، بولس، يتمنى أن يكون “محروماً” من المسيح من أجل خلاص قومه (رو٩: ۳) ويقصد بهذا لو أنه يفصل عن المسيح بوضعه تحت اللعنة والغضب الإلهي من أجل الآخرين، وهذا موقف فدائي يتمثل فيه بولس بالمسيح ويشرحه بقوله: “المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا لأنه مكتوب ملعون كل من عُلِّق على خشبة” (راجع غل ۳: ٩-۱٤). حيث يقول النَّص عن بطرس حين أنكر سيده: “فابتدأ يلعن ويحلف إني لا أعرف هذا الرجل”. وهذا لا يعني أنه كان يشتم، بل يعني أنه في إنكاره أقسم واضعاً نفسه تحت لعنة الله، أي كأنه يقول: “أقسم أني لا أعرفه، وليميتني الله إن كنت أعرفه”.

استعملت الترجمات العربية المتداولة الكلمات “حرم” و”لعن” ومشتقاتها مثل محروم وملعون لتترجم “أناثيما”، غير أن “اليسوعية القديمة” و”البولسية” فاستعملتا “الإبسال” أو “المبسل”، ومعناه “قرر لنفسه الموت فلا يتراجع”، ومن معانيها الحرام والتحريم.

كان يمكن تجنب استعمال اللفظ الأعجمي “أناثيما” وإبداله بعبارة عربية خالصة مثل: محروم وملعون في هذه المواضع الأربعة ١كو ۳:۱۲، ۲۲:۱٦، غل ۱: ٨-٩ من ترجمة “البستاني- ,ــاندايك “ فيزول الالتباس ونستغني عن القاموس.

۲۰- إستفانوس-إستفاناس

ورد في ترجمة البستاني-,ـاندايك في ١كو۱٦:۱ ما يلي: “وَعَمَّدْتُ أَيْضاً بَيْتَ اسْتِفَانُوسَ. عَدَا ذَلِكَ لَسْتُ أَعْلَمُ هَلْ عَمَّدْتُ أَحَداً آخَرَ”

كان ينبغي أن يكون الاسم إستفاناس لأن اللفظ اليوناني هو Stefanas وليس Stefanos لا تتعلق المسألة باختلاف بين المخطوطات فجميع النصوص اليونانية تتفق هنا. يبدو مرة أخرى أن تشابه الاسمين سبَّب هذا الخطأ في نَص الترجمة. ورد الأسم ذاته Stefanas مرتين أخريين للشخص نفسه في الرسالة نفسها في ١كو۱٦: ۱٥ و۱٧ ولم يرد اسم Stefanos إلاَّ في أعمال الرسل.

جميع الترجمات العربية الأخرى تستعمل اسطفانا أو اسطفاناس واستفانا أو استافاناس.

۲۱- الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح

“مُنْتَظِرِينَ الرَّجَاءَ الْمُبَارَكَ وَظُهُورَ مَجْدِ اللهِ الْعَظِيمِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، لِكَيْ يَفْدِيَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ” تيطس ۲: ۱۳-۱٤.

وهذه الترجمة التي ترد هنا تنقل بالحرف النَّص الوارد في اللغة اليونانية.

إن أول ما يلفتنا في هذه العبارة هو أن الواو الأولى kai تربط بين “الرجاء المبارك” و”ظهور مجد”، لأن الرجاء هو ظهور أو رجوع المخلِّص يسوع المسيح. وما يؤكد على ذلك عدم تكرار أل التعريف tyn أيضا أمام كلمة ظهور

tyn makarian elpida kai epifaneian

والأمر الثاني الذي يلفتنا، وهو شبيه بالأول، ورود الواو kai بين الإله والمخلص دون تكرار أل التعريف tou أمام كل منهما

tou megalou theou kai swtyros ymwn

الأمر الذي يؤكد بأن اللفظتين تصفان شخصاً واحداً هو يسوع المسيح.

والأمر الثالث هو أن الواو kai تعطف ضمير المتكلم الجمع نا ymwn المتصل بكلمة “مخلصنا” على كلمة “الله” فتصير “إلهنا”، وتعطف الواو kai الصفة “العظيم” معها فتكون الترجمة الصحيحة: “إلهنا ومخلصنا العظيم”.

والأمر الرابع الذي يجب أن ننتبه له في الترجمة هو عبارة “ظهور مجد إلهنا” وهي تركيب رباعي مكرر للمضاف والمضاف إليه. إن قرائن عديدة تؤكد ضرورة تحويل الاسم “مجد” إلى صفة “مجيد” في هذا النوع من الإضافة الرباعية ليستقيم المعنى، وعليه نترجم العبارة هنا: “الرجاء المبارك والظهور المجيد”.

بناء على ما سبق من أمور يجب الانتباه إليها بحسب المعانى البلاغية syntax للغة اليونانية تكون الترجمة السليمة لهذه الآية كما يلي: “منتظرين الرجاء المبارك والظهور المجيد لإ$ـهنا ومخلِّصنا العظيم يسوع المسيح”.

أما الترجمة الواردة في (البستاني-,ـاندايك) فتوحي بأننا ننتظر أمرين أو شيئين: مجد الله والمخلص يسوع، بينما الواقع أننا ننتظر شخصاً واحداً هو الظهور المجيد لإلهنا ومخلِّصنا العظيم يسوع المسيح.

بالإضافة إلى ذلك طمست الترجمة الحرفية في (البستاني-,ـاندايك) حجة قوية تدل على ألوهية ربنا يسوع المسيح. وكنا قد عالجنا في الحلقة الخامسة مسألة مشابهة لهذه في مطلع رسالة بطرس الثانية ١: ۱و۲.

وإذا قمنا بجولة بين الترجمات العربية المتداولة نجد أن الترجمات (الشدياق) و(البستاني-,ـاندايك) و(الدومنيكانية) في القرن التاسع عشر، تتشابه في أنها تترجم النَّص حرفياً كما يلي: “وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح”. ولا يستثنى منها غير الترجمة (اليسوعية القديمة) التي كانت السبَّاقة في الربط بين الإله والمخلِّص فجاء نصها كما يلي: “وتجلي مجد إلهنا العظيم ومخلصنا يسوع المسيح”. وبقي نص (اليسوعية القديمة) كما هو في الترجمات اليسوعية في القرن العشرين، أكان في (اليسوعية الجديدة ١٩٦٩) أو في تنقيحاتها المتتالية حتى العام ٢٠٠٠.

وفي القرن العشرين كان الأب >ـور؛ فاخوري أول من حاول أن يوضح مسألة الربط بين الإله والمخلص في ترجمته (البولسية) التي تبع بها نص (اليسوعية القديمة) مع توقيع خاص لمكان الفاصلة في الآية، كما يلي: في انتظار الرجاء السعيد، وتجلي مجد إلهنا العظيم ومخلصنا، يسوع المسيح. فعل الأب جورج فاخوري ذلك لتأكيد ألوهية الرب يسوع المسيح كما يتضح في النَّص اليوناني.

وتبعت الترجمات (طومسون-عبد الملك) و(المشتركة) و(الكتاب الشريف) بشكل أو بآخر نص (اليسوعية القديمة) دون تغيير، كما يلي: “وظهور مجد إلهنا العظيم ومخلصنا يسوع المسيح”.

أمَّا النقلة النوعية الثانية في ترجمة هذا النَّص فقامت به ترجمة (كتاب الحياة) إذ ربطت ليس فقط الإله بالمخلص بل ربطت الصفة “العظيم” باللقبين معاً على النحو التالي: “الظهور العلني لمجد إلهنا ومخلصنا العظيم يسوع المسيح”. وتبعت ترجمة (الكسليك) في هذا الأمر ترجمة (كتاب الحياة).

ومن يرغب في الإطلاع على النصوص التي تترجم (تي ٢: ۱۳) في ترجمات اللغة الإنجليزية فنشير الى أن الترجمات المعتمدة مثل RSV وتنقيحها NRSV و NEB وتنقيحها REB و NASB و NIV و GNB جميعها تحوي الخلاصة التي أشرنا اليها: “الظهور المجيد لإلهنا ومخلصنا العظيم يسوع المسيح”.

۲۲- تعين ابن الله

“عَنِ ابْنِهِ، الَّذِي صَارَ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ مِنْ جِهَةِ الْجَسَدِ وَتَعَيَّنَ ابْنَ اللهِ بِقُوَّةٍ مِنْ جِهَةِ رُوحِ الْقَدَاسَةِ بِالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ: يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا” (رو۱: ۳و٤)

إن المشكلة هنا تقع في الكلمة “تعَّين”، التي إذا ربطناها بالسياق يصبح المعنى أن يسوع المسيح تعيَّن ابن الله بالقيامة، وفي هذه الحالة يبرز السؤال: هل كان يسوع ابن الله منذ الأزل بولادته من الآب قبل كل الدهور (يو۱:۱) أم صار وتعيَّن ابن الله بالقيامة من بين الأموات؟ هذا هو السؤال الذي تطرحه الكلمة “تعيَّن” هنا.

إن الكلمة اليونانية المترجمة “تعيَّن” هي orizw واستعملت ترجمة (البستاني-,ـاندايك) المعاني التالية تفسيراً لها وفيما يلي جميع الشواهد التي وردت فيها كلمة orizw “وَابْنُ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَحْتُومٌ” (لو۲۲:۲۲)، “~هـذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّماً بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ” (أع۲۳:۲)، “وَنَشْهَدَ بِأَنَّ ~هـذَا هُوَ الْمُعَيَّنُ مِنَ اللهِ دَيَّاناً لِلأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ” (أع۲٤:۱۰)، “فَحَتَمَ التَّلاَمِيذُ حَسْبَمَا تَيَسَّرَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ أَنْ يُرْسِلَ كُلُّ وَاحِدٍ شَيْئاً خِدْمَةً إِلَى الإِخْوَةِ السَّاكِنِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ” (أع۲٩:۱۱)، “وَحَتَمَ بِـ/لأَوْقَاتِ الْمُعَيَّنَةِ وَبِحُدُودِ مَسْكَنِهِمْ” (أع۲٦:۱٧)، “مُزْمِعٌ أَنْ يَدِينَ الْمَسْكُونَةَ بِالْعَدْلِ بِرَجُلٍ قَدْ عَيَّنَهُ” (أع۳۱:۱٧)، “وَتَعَيَّنَ ابْنَ اللهِ بِقُوَّةٍ” (رو٤:۱)، “يُعَيِّنُ أَيْضاً يَوْماً” (عب٧:٤).

يترجم البستاني-فاندايك الفعل orizw بالفعلين: يعيِّن ويحتِّم، ويرادفهما الأفعال: يقرِّر ويثبِّت ويؤكد ويحدِّد. حاولْ أن تبادل بين هذه الأفعال والأفعال الواردة في الشواهد لكي يتأكد لك ذلك. وعلى هذا الأساس يحسن أن نقول “تثبَّت، أو تأكَّد أنه ابن الله ... بالقيامة”، بدلاً من تعيَّن.

وإذا ألقينا نظرة على الترجمات العربية للعهد الجديد نجد أن هذا ما فعلته الترجمة (المشتركة) بقولها: “ثَبَتَ أنه ابن الله”، والترجمة التفسيرية (كتاب الحياة) بقولها: “تبيَّن بقوَّة أنه ابن الله”، وترجمة (الكتاب الشريف) بقولها: “تبرهن ... أنه ابن الله”، وترجمة (طومسون- عبد الملك) بقولها: “وأعلن أنه ابن الله”. قارن هذه الترجمات مع الترجمات التالية في اللغة الإنكليزية التي جميعها تنسج على المنوال ذاته

KJV, NASB, NRSV, NEB, REB, NIV, GNB

۲۳- سأرسله أنا إليكم من الآب ... من عند الآب ينبثق

«وَمَتَى جَاءَ الْمُعَزِّي الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآبِ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ فَهُوَ يَشْهَدُ لِي” (يو۲٦:۱٥).

سهت ترجمة (البستاني-,ـاندايك) عن إيراد التعبير اللاهوتي بدقة هنا فقامت بترجمة حرف الجر اليوناني para إلى العربية مرة بمعنى “من الآب” ومرَّة بمعنى “من عند الآب”. إن حرف الجر para الذي يرد مرتين في هذا العدد مرتبطاً باسم الله في حالة الإضافة يعني “من عند” أو “من لدن”، والتشديد في المعنى هو على الـ”مِن”: “من عند”، أكثر منه على “العِند” “من عند”. من أجل ذلك ولكي يستقيم المعنى كان يجب أن ترد العبارة في الترجمة كما يلي: “المعزِّي الذي سأرسله أنا إليكم من عند الآب روح الحق الذي من الآب ينبثق”. أي أن نضع “من عند الآب” في المقطع الأول، و”من الآب” في المقطع الثاني. نفعل ذلك بسبب الفعل “ينبثق”، فالإنبثاق لا يكون “من عند الله”، بل “من الله” مباشرة.

ويؤكد الطرح الذي نقترحه الفعل ينبثق ekporeuomai في اليونانية. فهذا الفعل له بادئة هي حرف الجر ek الذي يعني “من” أي من المصدر مباشرة. إن الفعل poreuomai يعني “يذهب” أو “يمضي”، ولكن بزيادة حرف الجر ek في البداية يصبح المعنى “يخرج” وفي المصطلح اللاهوتي للروح القدس “ينبثق”.

إن الابن يولد من الآب، والروح القدس ينبثق من الآب، والابن والروح هما مع “عند” الله دائماً.

والآن لنلق نظرة على ما فعلته الترجمات العربية بهذا الشأن وقد رُصِفَت هنا بالتدرج الزمني من الأقدم في التداول إلى الأحدث:

في ترجمت (الشدياق) “الخارج من عند الآب”، و(الدومنيكانية) “من الآب ينبثق”، و(اليسوعية القديمة) “من الآب ينبثق”، و(البولسية) “ينبثق من الآب”، و(طومسون- عبد الملك) “ينبثق من عند الآب”، و(اليسوعية ١٩٧٩) “المنبثق من الآب”، و(المشتركة) “المنبثق من الآب”، و(القبطية) “المنبثق من الآب”، و(الكسليك) “الآتي من لدن الآب”.

وتعليقاً أقول إن الترجمات (الدومنيكانية) و(اليسوعية) و(البولسية) و(القبطية) و(المشتركة) أصابت بدقة معنى العبارة اليونانية “المنبثق من الآب” o para tou patros ekporeuetai

۲٤- عشاء الرب أم العشاء الرباني؟

“فَحِينَ تَجْتَمِعُونَ مَعاً لَيْسَ هُوَ لأَكْلِ عَشَاءِ الرَّبِّ. لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَسْبِقُ فَيَأْخُذُ عَشَاءَ نَفْسِهِ فِي الأَكْلِ فَالْوَاحِدُ يَجُوعُ وَالآخَرُ يَسْكَرُ” (۱كو۱۱: ۲۰و۲۱)

يرد هذا المصطلح عشاء الرب كوصف لخدمة كسر الخبز (أو الإفخارستيا، الشكر) مرة واحدة في العهد الجديد

إن الترجمة الحرفية لعبارة عشاء الرب هي “العشاء الرَّبَّاني”، باستعمال صفة النسبة في اليونانية kuriakos التي تعني “يخص الرب”. يبدو أن الرسول بولس استخدم صفة النسبة هنا، بدل حالة الإضافة (قارن مائدة الرب في ۱كو۲۱:۱۰) ليظهر التباين بين “العشاء الذي يخص الرب” (۱كو۲۰:۱۱) وبين “عشاء (الآكِل) نفسه” الخاص به (۱كو۲۱:۱۱). كان المسيحيون يأتون إلى اجتماع العبادة مساء في البيوت ويجلب كل واحد طعامه معه ليتعشوا معاً بعد العبادة في ما كان يُسمَّى “مائدة محبَّة”. وكان يحصل أن بعضاً يجوع “فيأخذ عشاء نفسه في الأكل قبل غيره”، مما كان يسبب الفوضى التي لامهم بولس عليها ورتب هنا أمر مائدة الرب.

ما من ترجمة عربية استعملت صفة النسبة “ربَّاني” في هذا النص، لكن نَص ترجمة الفشيطتو السريانية الذي نقله إلى العربية الخوري يوسف عون، يقرأ: “لا كما يليق بيوم ربنا” بدلاً من: “ليس هو لأكل عشاء الرب”. كذلك نجد النَّص نفسه: “ليس كما ينبغي ليوم ربنا”، في الترجمة العربية المخطوطة ١٥١ الموجودة في دير القديسة كاترين في جبل سيناء، وقد حررها الدكتور هار,ـي ستال وساعده الدكتور جبرائيل جبور ونشرها عام ١٩٨٥.

يبدو أن العبارة اليونانية kuriakos الرَّبَّاني والتي وردت في سفر الرؤيا ۱۰:۱ “كُنْتُ فِي الرُّوحِ فِي يَوْمِ الرَّبِّ” ويراد به يوم الأحد، هي وراء نَصِّ ترجمة الفشيطتو “يوم ربنا”. وورود النَّص ذاته في العربية في مخطوطة سيناء نقلاً عن السريانية دليل يؤكد القول الشائع إن الترجمات العربية القديمة كانت إجمالاً نقلاً عن السريانية.

بعد تقديم هذه الأدلة أصبحنا أكثر وعياً لقيمة استعمال “العشاء الرَّبَّاني” في هذا السياق.

۲٥- بإيمان لإيمان

“لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ: لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ. لأَنْ فِيهِ مُعْلَنٌ بِرُّ اللهِ بِإِيمَانٍ لإِيمَانٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ «أَمَّا الْبَارُّ فَبالإِيمَانِ يَحْيَا»“ (رو۱: ۱٦و۱٧

إن هذه العبارة “بإيمان لإيمان” ليست من العبارات السهلة التفسير، بل هي أجهدت فكر العلماء في مصاعد فهم مرماها، حتى ولو كانوا من المتضلعين من اللغة اليونانية، فكيف بالذين لا يعرفونها؟ وهذا نراه واضحاً في محاولات تفسيرها منذ القرون الأولى للمسيحية. فمنذ القرن الخامس اعتبر المفسِّر Theodoret الأنطاكي أن العبارة يراد بها أن بِرَّ الله مُعلنٌ في إيمان العهد القديم ومنه ينتقل أو يكمل في إيمان العهد الجديد. وفسَّرها >ـون كالـ’ـين في القرن السادس عشر على أنها تعني الانتقال من درجة في الإيمان إلى درجة أعلى. وبعضهم اعتبرها تعني إيمان الشاهد للمسيح وتلبية المستمع لهذه الشهادة بالإيمان و Barth وManson اعتبراها تعني الإعلان النابع من أمانة الله الذي يخاطب إيمان الإنسان. ويفسِّرها آخرون على أنها تعني أن تبرير الله للبشر يتم عند التقاء إيمان يسوع بإيمان الإنسان، وذلك بالاستناد إلى (رو۲۲:۳) وفي هذا المجال يمكن الإطلاع على كتب شرح . Murrayو Morris وHodge  

ويزيد في غموض معناها في العربية عدم الدقة في الترجمة التي يجب أن تكون “من إيمان لإيمان”، لأن النَّص اليوناني يقول ek pistews eis pistin. إن حرف الجر ek ومعناه “من” يشير إلى المصدر أو البداية، وحرف الجر eis ومعناه “إلى” يشير إلى المصبّ أو النهاية. وهذا يدل على أن الرسول بولس يريد أن يقول: “إن بِرَّ الله مُعْلَنٌ بالإنجيل ويناله الإنسان بطريقة من أوَّلِها إلى آخرها إيمان بإيمان ولا شيء غير الإيمان، أي بالإيمان فقط من بدايتها إلى نهايتها ولا يتخللها أي شيء يتعلق بالناموس أو بحفظ الشريعة الطقسية والشعائرية”.

وثمة شواهد من رسائل بولس تلقي ضوءاً على تفسير حَرْفَيِّ الجر “من ... إلى”، مثل “رَائِحَةُ مَوْتٍ لِمَوْتٍ، وَلأُو~لئِكَ رَائِحَةُ حَيَاةٍ لِحَيَاةٍ” (۲كو۱٦:۲)، كما ترد حرفيا في اليونانية. إن هاتين العبارتين تعنيان: رائحة كلها موت ورائحة كلها حياة. والعبارة التالية: “لأَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ” (رو۳٦:۱۱) التي يفيد حرف الجر “مِن” فيها الى المصدر وحرف الجر “إلى” يدل على الهدف.

أما في ترجمات العهد الجديد المتداولة فتبعت (البولسية) في قولها: “بإيمان إلى إيمان” ترجمة (البستاني-,ـاندايك)، وكذلك فعلت (طومسون-عبد الملك) في قولها: “بإيمان إلى إيمان”، واستعملت (اليسوعية الجديدة ٢٠٠٠) التعبير نفسه مُعَرَّفاً: “بالإيمان وللإيمان”. وهذا المعنى يشبه التفسير الذي أدرجته ترجمة (كتاب الحياة) على الشكل التالي: “على أساس الإيمان والذي يؤدي إلى الإيمان”.

غير أن ترجمات (الشدياق) و(الدومنيكانية) و(اليسوعية القديمة) و(اليسوعية الجديدة ۱٩٦٩) و(الكسليك) فأوردت العبارة موضوع البحث كما هي الأصل: “من إيمان إلى إيمان”، ناقلين بالحرف من اليونانية إلى العربية، وكنت أتمنى أن تفعل ترجمة (البستاني- ,ــاندايك ) الشيء نفسه مما يسهِّل الوصول إلى المعنى الصحيح للعبارة.

وحاولت الترجمة (المشتركة) تسهيلاً للقارئ أن تقدم المعنى مباشرة في نصها العربي: “بالإيمان أوَّلاً وأخيراً”، وفي رأيي أنها أصابت بؤبؤ المعنى.

۲٦- أن لا يكون زمان بعد

“وَالْمَلاَكُ الَّذِي رَأَيْتُهُ وَاقِفاً عَلَى الْبَحْرِ وَعَلَى الأَرْضِ، رَفَعَ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَأَقْسَمَ بِالْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ، الَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَمَا فِيهَا وَالأَرْضَ وَمَا فِيهَا وَالْبَحْرَ وَمَا فِيهِ، أَنْ لاَ يَكُونُ زَمَانٌ بَعْدُ، بَلْ فِي أَيَّامِ صَوْتِ الْمَلاَكِ السَّابِعِ مَتَى أَزْمَعَ أَنْ يُبَوِّقَ يَتِمُّ أَيْضاً سِرُّ اللهِ، كَمَا بَشَّرَ عَبِيدَهُ الأَنْبِيَاءَ” (رؤ۱۰" ٥-٧).

إن من يقرأ عبارة “أَنْ لاَ يَكُونُ زَمَانٌ بَعْدُ” يشعر وكأن المراد أن الزمان انتهى وابتدأت الأبدية، وبخاصة إذا ربط القارئ بين العبارة والقول: “يتم سر الله” وكأن في الأمر حدث جلل. ولكن ما جاء في الفصل نفسه رؤ ۱۱:۱۰ “فَقَالَ لِي: «يَجِبُ أَنَّكَ تَتَنَبَّأُ أَيْضاً عَلَى شُعُوبٍ وَأُمَمٍ وَأَلْسِنَةٍ وَمُلُوكٍ كَثِيرِينَ» يدل أن الأمر لا يعني انتهاء الزمان، بل يعني أن لا إمهال بعد، وإن الزمان قصير، أو أن لا مدى زمنياً بعد طويلاً.

وإذا قمنا بمراجعة الترجمات العربية للعهد الجديد نجد أن الترجمات التالية: (الشدياق)، (البستاني- ,ــاندايك )، (الدومنيكانية)، (اليسوعية القديمة)، (البولسية)، (الكسليك)، استعملت الترجمة التقليدية: “أَنْ لاَ يَكُونُ زَمَانٌ بَعْدُ”، ولكن مع ظهور ترجمة (اليسوعية الجديدة ١٩٦٩) وفيها: “لا مهلة من بعد”، ابتدأنا نلاحظ تدقيقاً أكثر في الترجمة تطبيقاً للمبدأ أن معنى الكلمة يجب أن يؤخذ من السياق لا من القاموس وحده. وعليه قالت (المشتركة): “لا يكون إبطاء بعد”، و(كتاب الحياة): “لن تكون مهلة بعد”، و(طومسون-عبد الملك): “لا يتأخر الإنجاز بعد”.

۲٧- يسوع أم يشوع المدعو يسطس

“وَيَسُوعُ الْمَدْعُوُّ يُسْطُسَ، الَّذِينَ هُمْ مِنَ الْخِتَانِ. هَؤُلاَءِ هُمْ وَحْدَهُمُ الْعَامِلُونَ مَعِي لِمَلَكُوتِ اللهِ، الَّذِينَ صَارُوا لِي تَسْلِيَةً” (كو۱۱:٤).

يرد هذا الاسم “يسوع” في رسالة كولوسي ويخص المدعو يسطس ويصفه الرسول بولس بأنه “من الختان”، أي كان يهودياً وصار مسيحياً.

إن الاسم “يسوع” هو تعريب الاسم العبراني “يشوع” الذي حمله خليفة موسى، والذي لفظه في اليونانية “يسوس” Iysous لغياب العين والشين من الأبجدية اليونانية. وسمي ابن الله المتجسد “يسوع” لأنه سيخلِّص شعبه من خطاياهم (مت۲۱:۱) وفي ذلك تفسير لاسم “يسوع” (ياه شوع) الذي يعنى “الله يخلِّص”.

واستعمل المسيحيون في اللغة العربية لفظة “يسوع” لاسم المسيح الشخصي تعريباً لها من لفظة “يشوع” كما تنطق في العبرانية والأرامية- السريانية. وانقلاب الشين سيناً في لسان العبرانية والعربية أمر شائع، مثل: المشيح إلى المسيح، وشلومو إلى سليمان، وشِمش إلى شمس، وشِم الى اسم، وشالوم إلى سلام.

وميَّز المسيحيون في العربية بين “يشوع” العهد القديم و”يسوع” العهد الجديد بالإبقاء على الفارق اللفظي بين الاسمين، وهكذا نجد ترجمات الكتاب المقدَّس بما فيها (البستاني-,ـاندايك) تستعمل في العهد الجديد للفظة Iysous اليونانية لفظة “يشوع” عند الحديث عن خليفة موسى (أع٤٥:٧ وعب٨:٤) ولفظة “يسوع” عند الحديث عن المسيح.

وقياساً على ذلك كنت أودُّ أن تستعمل ترجمة (البستاني- ,ــاندايك) أو غيرها لفظة “يشوع” اسما للمدعو يسطس، لأن أهله لا بد أسموه بهذا الاسم تيمُّنَاً باسم “يشوع” في العهد القديم، وبذلك تبقى “سياسة” الترجمة بالتمييز بين الأسماء واضحة.

لم تستعمل أية من الترجمات العربية اسم “يشوع” ليسطس إلاَّ الترجمة (المشتركة) الخاصة بجمعية الكتاب المقدَّس باقتراح أبديناه خلال تنقيحها فظهر في طبعتها الرابعة، وكذلك ظهر اسم “يشوع” ليسطس (العادل، أو الصديق) في ترجمة (الكتاب الشريف) بالطريقة نفسها. وأدرج الأب يوسف عون اسم “يشوع الملقب بالعادل” في ترجمته لهذه العبارة في ترجمته التي نقلها عن النَّص السرياني المعروف بالفشيطتو.

الترجمات العربية المتداولة

للدكتور القس غسان خلف

كان عام ١٩٨٢ غزير الإنتاج على صعيد ترجمة الإنجيل، العهد الجديد، إلى اللغة العربية. ففي بدايته صدر “كتاب الحياة” في مصر، وهو ترجمة مفسرة للعهد الجديد بكامله. وفي أواسطه صدرت الترجمة الكاثوليكية في طبعة ثامنة “أعيد النظر فيها بناء على أحداث الدراسات الكتابية”. وفي أواخر العام صدرت ترجمة الخوري يوسف عون عن السريانية للعهد الجديد بكامله.

إن صدور ثلاث ترجمات للعهد الجديد في اللغة العربية في عام واحد أمر ذو دلالة بالنسبة إلى الكنائس في المشرق العربي. هذا يعني أن العمل على ترجمة العهد الجديد إلى العربية جار باجتهاد في مختلف الطوائف والمؤسسات الكنسية. ولا شك في أن اجتهاد كهذا في حقل العلوم الكتابية يبشِّر بيقظة لاهوتية وروحية سيكون لها أثرها في إنهاض الكنائس المشرقية على مختلف الأصعدة. ذلك لأن الإنجيل كان ويبقى الينبوع الذي تنهل منه الكنيسة، وفي العودة إليه إنعاش لها، إن على صعيد الإيمان والحياة التقوية، أو على صعيد الإدارة والتنظيم والفهم السليم لواجبات الكنيسة ومسؤولياتها في خدمة الإنسان والعالم.

ثم أن يكون للبنانيين حصة كبيرة في العمل على هذه الترجمات يدل على أن الدور الرائد للبنان من جهة ترجمة الكتاب المقدَّس الذي ابتدأ في منتصف القرن الماضي لا يزال له، وإنه لا يزال الأكثر ضلوعاً فيه، رغم دخول كل من حلب والقاهرة في الشوط بداية الستينات من هذا القرن.

إن الوقوف على المدى الذي وصلت إليه ترجمات الإنجيل إلى العربية وعددها ودور كل من اللبنانيين وغيرهم في هذا الجهاد ومقدار مساهمة كل طائفة من الطوائف المسيحية الشرقية في هذا المجال، يتوجب إلقاء نظرة تاريخية استعراضية على ترجمات العهد الجديد وبخاصة المتداولة منها أي التي ابتدأت تظهر منذ العام ١٨٦٢ إلى اليوم، على مدى ١٢٠ سنة. واستعرض كهذا ضروري لمتابعة تطور عمل الترجمة وارتقائه إلى الحال الذي وصل إليه في عصرنا الحاضر.

وفي ما يلي عرض لترجمات الإنجيل العربية المتداولة بحسب تتابعها التاريخي:

۱- ترجمة البستاني فاندايك:

صدرت هذه الترجمة للعهد الجديد في العام ١٨٦٠ وتلاها الكتاب المقدَّس بكامله في العام ١٨٦٥، وتعتبر بحق نقطة تحوُّل وريادة بين الترجمات القديمة والحديثة.

قام بالترجمة المعلم الأول بطرس البستاني، وعمل على مقارنتها بالنص اليوناني وضبط عبارتها اللاهوتية كل من عالي سميث وكرنيليوس ,ــاندايك المرسلين الأميركيين الشهيرين وهذب عبارتها ناصيف اليازجي وراجعها الشيخ يوسف الأسير.

اشتهرت هذه الترجمة بدقتها وحرفيتها وبساطتها وبعلوِّ عِلْم القائمين بها وكلهم من جهابذة العلم والأدب واللغة، فلا عجب أن تغدو الترجمة الأكثر رواجاً وانتشارًا في العالم العربي وبين الناطقين بالعربية في العالم وأن يستعملها الإنجيليون والأرثوذكسيون على السواء.

بيد أن هذه الترجمة تحتاج بعد مرور ١٢٠ سنة على صدورها إلى تنقيح ومراجعة على ضوء المخطوطات اليونانية القديمة الثمينة التي تم اكتشافها بعد الترجمة كالسينائية والـ’ـاتيكانية والبرديات المصرية. كما وأن فقه اللغة اليونانية ونحوها قد أحرزا تقدماً كبيراً منذ ذلك الحين، بالإضافة إلى تطور أساليب الترجمة وضرورة الأخذ بأصول الإنشاء العربي.

في سبيل تحقيق ذلك، ورغبة في أن تبقى هذه الترجمة مواكبة للعصر ووافية بحاجات الكنائس، انتدبت جمعية الكتاب المقدَّس في العام ١٩٨٠ الدكتور عبد المسيح إستفانوس من مصر والبروفسير الدكتور القس غسَّان خلف) للقيام بتبويب جديد لهذه الترجمة وأجراء بعض التنقيحات التي هي في منتهى الضرورة مع إضافة هامش يحوي ملاحظات تاريخية وجغرافية والشواهد والقراءات التي قد تختلف في النسخ الأصيلة اليونانية.

توزع هذه الترجمة جمعيات الكتاب المقدَّس.

۲- الترجمة الدومنيكانية:

صدرت هذه الترجمة في العراق عام ١٨٧٥ “بعناية مبعثنا الدومنكي في الموصل، وعلى يد العلامة السيد يوسف داود زبوني أشهر مطارنة السريان الكاثوليك” والكلام للأب مرمرجي.

ويقول متى عقراوي إن نسخة العهد الجديد كُتِبَ عليها: “بحسب الترجمة الشرقية المطبوعة في رومية سنة ١٧٠٣ وقد صححت على الأصل اليوناني والترجمات المقبولة في الكنيسة على يد الخوري يوسف داود”.

كانت الغاية من هذه الترجمة فائدة المسيحيين السريان العرب في العراق. ويقول الدكتور كينيث بايلي: “إن طبعات هذه الترجمة توالت حتى إلى هذا القرن، والنسخ الباقية منها إلى الآن نادرة”. غير أن البشائر الأربع من هذه الترجمة لا تزال متداولة من خلال “الإزائية الإنجيلية” التي وضعها الأب مرمرجي الدومنيكاني وصدرت عن مطبعة المرسلين اللبنانيين في جونية عام ١٩٤٨ وتوزعها المطبعة البولسية.

۳- الترجمة الكاثوليكية:

صدرت هذه الترجمة في العام ١٨٧٨ وكان الحافز على وضعها نجاح ترجمة البستاني ,ــاندايك وانتشارها الواسع. أشرف على القيام بهذه الترجمة الأب روديت بمساعدة الأب جعجع والأديب المعروف إبراهيم بن ناصيف اليازجي. ليس من الواضح إن كان إبراهيم اليازجي قد صاغ عبارة العهد الجديد كما العتيق، فمن المرجح أنه انقطع عن العمل عند انتهائه من العهد العتيق وأكمل المعلم رشيد الشرتوني صياغة عبارة العهد الجديد. وصدرت هذه الترجمة بالعهدين مع كتب الأبوكريفا عام ١٨٨٠.

اشتهرت هذه الترجمة ببلاغتها وأناقة طبعها وزخرفته غير أنها لم تتبع النصوص العبرانية واليونانية تماماً، كان المترجمون يرجعون إلى الترجمة اللاتينية الـ’ـولجاتا فيما يتعلق بعقائد الكنيسة ووصاياها.

ينطبق على هذه الترجمة ما على ترجمة البستاني ,ــاندايك من ضرورة التنقيح والمراجعة وبخاصة من جهة علم تحقيق النصوص، ولقد قام ناشروها بذلك في “الترجمة الكاثوليكية الجديدة” وإن لم يكن على نطاق شامل.

وضعت هذه الترجمة مع ترجمة البستاني ,ــاندايك الأساس المتين لما أتى بعدهما من ترجمات كما كانتا نقطتي تحوُّل بين الترجمات الركيكة السابقة والترجمات اللاحقة الآخذة في الارتقاء نحو الكمال.

توزع هذه الترجمة المطبعة الكاثوليكية في بيروت.

٤- الترجمة البولسية

صدرت هذه الترجمة عام ١٩٥٣ فكانت الترجمة العربية الرابعة بين الترجمات المتداولة. والأولى بعد خمسة وسبعين عاماً من الثالثة.

وضع هذه الترجمة الأب >ـور؛ فاخوري البولسي، وقد أفاد من حصيلة علوم الغرب حتى يومذاك في حقول تحقيق النصوص ونحو اللغة اليونانية وأناقة التبويب ومساعدات القراءة أو الترقيم. فكانت ترجمته رائدة الترجمات المعاصرة في أخذها بكل من هذه الحقول.

ترجم الأب فاخوري عن اليونانية لكنه حافظ على سياسة الترجمة الكاثوليكية القاضية بالرجوع إلى الترجمة اللاتينية الـ’ـولجاتا في ما يتعلق بعقائد الكنيسة ووصاياها. أو هذا ما نلاحظه من مقارنة الترجمتين.

أن القراءة في ترجمة الأب فاخوري تعتبر متعة أدبية وروحية وحواشيها تختزن الكثير من المعلومات التاريخية والجغرافية والتفسيرية القيمة.

توزع هذه الترجمة المطبعة البولسية.

٥- الترجمة الكاثوليكية الجديدة:

صدرت هذه الترجمة في العام ١٩٦٩ وجاء في مقدمتها ما يلي: “إن المطبعة الكاثوليكية وقد أصدرت من مئة سنة ترجمتها العربية للكتاب المقدَّس. رأت اليوم أن تعيد النظر فيها لتفيدها مما وصلت إليه دراسات الكتاب المقدَّس الترجمة الصحيحة وأوضاع اللغة العربية وفنون الإخراج والطباعة.

كان انطلاق العمل من أسفار العهد الجديد، وقام بترجمتها عن الأصل اليوناني الأبوان “صبحي حموي” و”يوسف قوشاقجي”، وهذَّب عبارتها الأستاذ بطرس البستاني. والأبوان حموي وقوشاقجي هما من مدينة حلب.

توخت هذه الترجمة البلاغة والفصاحة على أعلى مستوياتهما استجابة للتحدي الذي اطلقه عميد الأدب العربي المصري الدكتور “طه حسين” وأدرجه الأب يوسف قوشاقجي أحد المترجمين، في صدر مقدمة كتابه “تعريب الإنجيل وأعمال الرسل”، ونجحت في ذلك، إذ قدمت للمثقفين العرب ترجمة متقنة في إنشائها العربي. وأذكر للدكتور فؤاد أفرم البستاني قوله، عندما أطلع على هذه الترجمة: “إن الرسول بولس يتكلم لأول مرة لغة عربية سليمة”. غير أن الفصاحة العالية البالغة حد التطرف في بعض المواضع جعلت هذه الترجمة في منأى عن العامة من الناس.

حافظت هذه الترجمة على الخط اللاهوتي الكاثوليكي فيما يتعلق بعقائد الكنيسة ووصاياها نسجاً على منوال الترجمات الكاثوليكية السابقة لكنها كانت أكثر انفتاحاً.

بيد أنه في أواسط عام ۱٩٨۳ ظهرت الطبعة الثامنة لهذه الترجمة الكاثوليكية الجديدة وقد أجرى عليها تعديلات ثلاثة، كما جاء في مقدمتها:

أ- تعديل من جهة الترجمة: أدخل المترجمان في نص البشائر وأعمال الرسل طائفة من التحسينات ريثما يتناول عملهما سائر أسفار العهد الجديد، اقتبسا بعضها من البحوث والترجمات الحديثة وبعضها الآخر من استعمالهما المتواصل لهذه الترجمة بالإضافة إلى اقتراحات القُرَّاء.

ب - تعديل من جهة الأسلوب: إن كون الإنجيل كتاباً موجَّهاً إلى جميع طبقات الشعب حمل المترجمين إلى تبديل الألفاظ التي تستغربها العامة أو يعسر عليها فهمها، فبسطا العبارة في الأماكن الموغلة في فصاحتها.

ج- تعديل من جهة اللاهوت: جاء في المقدمة: “وتمتاز أيضا هذه الطبعة بالطابع المسكوني فقد أخذت بعين الاعتبار ما بين الكاثوليك وغيرهم من المسيحيين من اختلاف في الترجمة والتفسير لبعض آيات العهد الجديد فاعتمدا الترجمة والتفسير اللذين تم الاتفاق عليهما بين جميع الكنائس المسيحية”.

وضعت الطبعة الثامنة هذه الترجمة الكاثوليكية الجديدة في مقدمة الترجمات المتداولة للإنجيل، ولا يمكن القول أكثر من ذلك الآن بانتظار صدور تنقيح بقية كتب العهد الجديد.

توزع هذه الترجمة المكتبة الشرقية في بيروت.

٦- الترجمة القبطية الأرثوذكسية:

بدأ العمل على هذه الترجمة أثر قيام البابا كيرلس السادس بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية في كل أفريقيا والشرق تشكيل لجنة مكونة من الأنبا غريغوريوس والأستاذة زكي شنوده كامل، وباهور لبيب، وحلمي مراد للاضطلاع بترجمة العهد الجديد إلى العربية بأسلوب يساير اللغة في العصر الحديث مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بالدقة التامة في الترجمة، مع اهتمام خاص بالنص القبطي لأنه يحتل مكاناً ممتازاً بين جميع الترجمات، على حد تعبير المقدمة التي وضعتها اللجنة. والمقصود “بجميع الترجمات” الترجمات الباكرة للإنجيل التي وضعت في القرون الخمسة الأولى كالسريانية واللاتينية والأرمنية.

صدر من هذه الترجمة إلى الآن ثلاث بشائر: متى عام ١٩٧٥، مرقس ١٩٧٥، لوقا ۱٩٧٨ كما أن اللجنة انتهت من العمل في بشارة يوحنا والكتاب الآن قيد الطبع (كُتِبَ هذا المقال في فبراير عام ۱٩٨٤ ولا أعرف ما صدر منها حتى الآن-المؤلف).

تصدر هذه البشائر مزينة بأيقونات ملونة مع مقدمة تاريخية لكل بشارة مع تفسير وافٍ لكل فصل من فصولها. تصدر دار المعارف في مصر كتب هذه الترجمة وتوزعها.

٧- ترجمة طومسون عبد الملك:

صدرت هذه الترجمة في نشرات مصورة ووضعت في مجلد واحد عام ١٩٧٣ قام بهذه الترجمة الدكتور >ـون طومسون والدكتور بطرس عبد الملك في مصر. كانت الغاية من هذه الترجمة تنقيح ترجمة البستاني ,ــاندايك المعروفة أيضاً بالإنجيلية التي مضى على صدورها أكثر من مئة سنة. بقيت هذه الطبقة ضيقة الانتشار قليلة الاستعمال لأنها لم تصدر في كتاب رسمي، لكنها تنقيح جيد لترجمة البستاني ,ــاندايك.

توزع هذه الترجمة جمعيات الكتاب المقدَّس.

٨- ترجمة جمعية الكتاب المقدَّس:

صدرت هذه الترجمة أول عام ١٩٧٩، ونسج واضعوها على منوال ترجمات جمعيات الكتاب المقدَّس في الغرب وفي أنحاء أخرى من العالم من جهة تبسيط العبارة اللاهوتية واستعمال لغة سهلة يفهمها العامة من الناس الذين لا يؤمون الكنائس.

يقول الدكتور كينيث بايلي: “هذه الترجمة الجديدة هي نتاج عمل قام به فريق من طوائف متعددة بإشراف الدكتور وليم ريبون مستشار الترجمة الخاص بجمعيات الكتاب المقدَّس في الشرق الأوسط. تألف فريق العمل من الشاعر يوسف الخال الذي كان يضع المسودة الأولى للترجمة ويصوغ عبارتها. والأب أنطونيوس نجيب (مطران الآن)، كاثوليكي، كان مسؤولاً عن صحة الترجمة لجهة المعنى وتوافقه مع النَّص اليوناني. والدكتور القس فهيم عزيز[20]، والدكتور موريس تادرس قبطي أرثوذكسي، اللذان عملا على مراجعة الترجمة. والثلاثة الأخيرون من مصر.

صدرت الطبعة الأولى من هذه الترجمة وفيها أخطاء لاهوتية آثارت انتقادات شديدة. وتعود هذه الأخطاء إلى غياب التدقيق في مراجعة هذه الترجمة على صعيد اللغة اليونانية وعلى صعيد اللاهوت، كما إلى قلة الاتصال بين العاملين فيها بسبب حرب لبنان والعجلة التي دفعت بها إلى المطبعة. غير أن جمعية الكتاب المقدَّس عادت فصححت هذه الترجمة في طبعتها الثانية التي صدرت عام ١٩٨٠ وتعمل الجمعية حاليا على القيام بالترتيبات اللازمة لتنقيح هذه الترجمة بشكل دقيق وشامل.

نجح الأديب يوسف الخال في صياغة عبارة هذه الترجمة الآسرة في طلاوتها وسلاستها ولكنها وقعت في أسر ذوقه الواحد فأتت خالية خلواً مطلقاً من أدوات مثل: لم، ليس، قد.

ومن ناحية ثانية وبسبب الرغبة في التبسيط سيطر التفسير في مواضع كثيرة، ومن مساوئ نسج التفسير مع النَّص قفل باب الاجتهاد واعتبار التفسير الرأي الصائب النهائي.

كلمة أخرى تُقال وهي أن هذه الترجمة أفادت كثيراً من الترجمة الكاثوليكية الجديدة الصادرة عام ١٩٦٩ حتى ليشعر القارىء بأنها في كثير من المواضع مجرد تبسيط لها. ولا ضير في ذلك لأن الترجمة الكاثوليكية شقت طريقاً جديدة من جهة الأسلوب لا يمكن أن تتجاهله أية ترجمة جديدة أو مترجمون لاحقون.

أخيراً تحتاج هذه الترجمة إلى مراجعة دقيقة إذا أرادت جمعية الكتاب المقدَّس لها الوقوف إلى جانب الترجمات المتقنة للإنجيل في اللغة العربية وتحقيق الغاية من إصدارها.

٩- ترجمة “كتاب الحياة”

صدرت هذه الترجمة للعهد الجديد عام ١٩٨٢ في القاهرة، مصر، وقام بها الأستاذ سعيد باز مع عدد من المتخصصين بإشراف الأستاذ >ـور؛ حصني، وكلاهما من لبنان. هذه الترجمة ليست ترجمة بالمعنى التقليدي للكلمة بل هي ترجمة حُرَّة، وأحسن واضعوها بالتعريف عنها بأنها ترجمة تفسيرية.

كان الدافع من القيام بترجمة مثل هذه إلى العربية النجاح الكبير الذي لاقته الترجمة الإنجليزية للكتاب المقدَّس المعروفة بـ The Living Bible التي بيع منها عشرات الملايين من النسخ في أعوام قليلة.

أما الفائدة من هذه الترجمة فهي أنها تبسط المعنى وتشرحه للعامة من الناس بالإضافة إلى أنها تشكِّل رفيقاً تفسيرياً لدارسي الترجمات الحرفية المعروفة. توزع هذه الترجمة دار الثقافة في القاهرة.

۱۰- ترجمة الخوري يوسف عون:

صدرت البشائر الأربع من هذه الترجمة عام ١٩٧٨ وصدر العهد الجديد بكامله في أواخر عام ١٩٨٢ أثارت ترجمة البشائر الأربع الصادرة في ١٩٧٨ جدلاً حولها وحول الترجمة الكاثوليكية الجديدة في آنٍ. فقد أتَّهم الخوري يوسف عون في مقدمة ترجمته الترجمة الكاثوليكية الجديدة بأنها تحوي هرطقة أريوسية. وما عتمت هذه الضجة أن هدأت لأن أتِّهام الخوري عون لم يكن موضوعياً. أمَّا من جهة ترجمة الخوري عون فالاعتراض عليها أنها ليست عن اليونانية بل عن الترجمات السريانية والفرنسية والعربية (راجع مقدمة الترجمة ذاتها)، ومن نافلة الكلام القول أن الترجمة عن ترجمة لا يؤدي المعنى بالدقة المطلوبة وبخاصة في ترجمة كتاب الإنجيل.

من المرجح أنه من أجل هذا السبب ودفعاً للاعتراضات الوجيهة أصدر الخوري عون ترجمته الكاملة للعهد الجديد عام ١٩٨٢ وهي تحمل العنوان التالي “الإنجيل بحسب الكتاب السرياني فشيطتو”. وفشيطتو تعني البسيطة. ويقول المترجم في مقدمة هذه الطبعة إنه أكمل ترجمة كتب العهد الجديد عن السريانية ثم ضبط البشائر الأربع الصادرة عام ١٩٧٨ على النَّص نفسه وأصدر الترجمة كاملة نقلاً عن النَّص السرياني فشيطتو وحده.

قدم لنا الأب يوسف عون بهذه المحاولة الناجحة لنقل الكتاب السرياني فشيطتو إلى العربية ترجمة جيدة وتحفة أدبية وأطلعنا على كنز مخبوء كان في متناول عارفي السريانية فقط.

فتح الأب عون بترجمته هذه نافذة تطل منها على مشهدين:

الأول: إمكانية الإطلاع على النَّص السرياني فشيطو، وهذا يساعد على تحديد بعض القراءات المختلف عليها في النَّص اليوناني وتحقيقها. ومن المعروف أن النَّص السرياني فشيطتو يعود تاريخه إلى القرن الخامس والسادس الميلادي.

الثاني: الاطلاع على الكيفية التي فهم بها المترجمون السريان النَّص اليوناني للعهد الجديد في ذلك العصر. وهذا إسهام مهم في حقل التفسير وتاريخه، ولفهم لاهوت ذلك العصر، ولإدراك جوانب جديدة لمعنى بعض الكلمات والمصطلحات اليونانية التي يصعب فهمها.

أما من جهة قيمة النَّص السرياني فيجنح المترجم عن الصواب كلياً باعتباره، كما ورد في مقدمته، النَّص السرياني أكثر دقة وصحة ووضوحاً من اليوناني. إن موقفه هذا نوع من التقديس للتراث أكثر منه للحقيقة. فشتان ما بين الظل والأصل. إذا كان المترجمون السريان حاولوا سربلة الحقيقة فترجموا بعض آيات الإنجيل الغامضة ترجمة مفسرة موضحة، فذلك لا يغني عن نشدان الحقيقة العارية والإقرار بأفضلية البديهية للنص اليوناني.

محاولات أخرى:

ثمة ترجمة للعهد الجديد كاملة باللهجة العامية المغربية صدرت في أوائل هذا القرن ولا تزال متداولة في بلدان المغرب العربي.

وفي العام ١٩٣٥ قامت الكلية الإكليريكية للأقباط الأرثوذكس بترجمة البشائر الأربع. وهذه الترجمة ما عادت قيد التداول.

وفي خلال السبعينات قام الدكتور موريس سيل بترجمة العهد الجديد إلى العامية اللبنانية السورية لفائدة القرويين البسطاء.

وفي عام ١٩٦٩ صدر في سلسلة “أجمل كتب العالم” ترجمة لإنجيل مار يوحنا باللهجة اللبنانية والحرف اللاتيني أعده كمال شرابي وقدم له الشاعر سعيد عقل.

إن نظرة تقويمية شاملة لهذه الترجمات العشر تبين الحقائق التالية:

۱- إن خمساً من هذه الترجمات عمل عليها لبنانيون، وواحدة مشتركة لبنانيون ومصريون، وإثنتين عمل عليهما مصريون، وواحدة سوريون، وواحدة عراقيون.

۲- إن أربعاً من هذه الترجمات اشترك في الإعداد لها أو العمل بها مرسلون غربيون أو مستشرقون: البستاني-,ـاندايك، الكاثوليكية القديمة، طومسون-عبد الملك، جمعية الكتاب المقدَّس.

۳- صدرت سبع من هذه الترجمات في بيروت، واثنتان في القاهرة، وواحدة في الموصل.

٤- إن خمساً من هذه الترجمات كاثوليكية من ضمنها ترجمة يوسف داود زبوني السريانية الكاثوليكية الدومنيكانية، ويوسف عون المارونية، وثلاث إنجيلية، وواحدة أرثوذكسية، وواحدة مشتركة بين مختلف هذه الطوائف.

٥- سبع من هذه الترجمات تحوى العهد الجديد بكامله وطبعت بشكل رسمي. أما الدومينكانية فلا يوجد قيد التداول سوى البشائر الأربع، والقبطية الأرثوذكسية لا تزال تصدر تباعاً، وطومسون عبد الملك لم تطبع في كتاب رسمي.

٦- ثلاث من الترجمات العشر تفسيرية، أي تُرجمت بتصرف، وهي: جمعية الكتاب المقدَّس، الإنجيل كتاب الحياة، وترجمة يوسف عون. وتندرج هذه الأخيرة مع الترجمات التفسيرية لأنها عن السريانية.

٧- ترجمة البستاني ,ــاندايك، رغم حاجتها إلى تنقيح هي الأكثر دقة وحرفية بين الترجمات العشر، يليها الترجمة الكاثوليكية القديمة. ولا بد من الإشادة بترجمة الأب >ـور؛ فاخوري البوليسية، وبالترجمة القبطية الأرثوذكسية التي تبشر بإنجاز متقن.

أما الترجمة الكاثوليكية الجديدة فستتبوَّأ مركز الصدارة بين جميع هذه الترجمات على الإطلاق إذا أكمل واضعوها تنقيح بقية كتب العهد الجديد متبعين المنهاج نفسه الذي ساروا فيه خلال تنقيحهم متى أعمال الرسل.

أن التطور الذي بلغت إليه الترجمات العربية للعهد الجديد، وبخاصة الأخيرة منها، يبرهن المستوى العلمي المتقدم الذي وصلت إليه العلوم الكتابية في شرقنا وبخاصة في لبنان. وما أن تنقضي الثمانينات حتى يكون قيد التداول نخبة ممتازة من أفضل الترجمات في كل من الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية. إن تعدد ترجمات الإنجيل دليل عافية في الكنائس الشرقية ومصدر إغناء لها ويحافظ على حيويتها، كما أن تعدد الترجمات يمنع وقوع كلمة الله النابضة بالحياة في أسر حرف ترجمة واحدة يجمِّدها ويعوق فيض ما تختزن من معان روحية.

لدينا اليوم عشر ترجمات للعهد الجديد وسيضيف المستقبل أخرى إليها. لكن لن يدوم من بين كل هذه الترجمات سوى الترجمات المتقنة، لأن العمل المتقن وحده الذي يدوم. وكل ترجمة متقنة تبقى مرجعاً لاهوتياً وتفسيرياً ولغوياً حياً، شاهدة على المرحلة التي وضعت فيها مهما تقادم الزمان.

ويستمر المسيح في مخاطبة الأجيال من خلال كل ترجمة جديدة لأن “الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة”.

ترجمة فاندايك بين الاستعمال والإهمال

دور الإنجيليين في ترجمة الكتاب المقدس:

وبعد هذا العرض المسهب لتاريخ ترجمات الكتاب المقدَّس إلى العربية من بداياته إلى يومنا الحاضر نأتي إلى تقويم دور الإنجيليين في ترجمة الكتاب المقدَّس.

كان للإنجيليين الدور الأبرز في القرنين الماضيين في ترجمة الكتاب المقدَّس إلى العربية. طبعاً كانت الريادة للبنان في ترجمة الكتاب المقدَّس إلى العربية نظراً للنهضة الأدبية والعلمية التي شهدتها البلاد آنذاك على يد المرسلين. ثم نشطت روما بمساعدة الموارنة في وضع ترجمة البروباغندا أواخر القرن السابع عشر. بعد البروباغندا بقي الكاثوليك في الشرق مدة قرنين ونيّف بلا أي نشاط بالنسبة إلى الترجمة حتى صدرت الطبعة الكاثوليكية العربية الشهيرة عام ١٨٨١.

في هذه المرحلة التي همد فيها الكاثوليك نشط الإنجيليون في عمل الترجمة وكان للترجمات التي قاموا بها أكبر الأثر في النهضة الروحية والعلمية اللاهوتية في العالم العربي.

عندما ابتدأت طلائع المرسلين الإنجيليين في الوصول إلى هذه البلاد في أواسط النصف الأول من القرن التاسع عشر، لم يجدوا ترجمة عربية للكتاب المقدَّس متداولة ليستعملوها في التبشير أو التعليم. كانت البروباغندا ثلاثة مجلدات كبيرة فاخرة يقتنيها فقط الأديرة والكنائس والميسورون، أما عامة الشعب فلم تكن تعرف الكتاب المقدَّس لا محتواه ولا مَلْمَسَهُ.

دفع هذا الفراغ الكبير الإرساليات الإنجيلية للشروع في ترجمة الكتاب المقدَّس إلى العربية لفائدة شعوب هذه المنطقة المحرومة من معرفة كلمة الله المكتوبة.

ترجمة جمعية المعارف المسيحية:

كان السباق بين الإنجيليين في ترجمة الكتاب المقدَّس إلى العربية جمعية نشر المعارف التي أصدرت ترجمة عربية للعهد الجديد في مدينة لندن عام ١٧٢٧(S.P.C.K.)  المسيحية تلا ذلك صدور الكتاب المقدَّس بكامله في مدينة لندن عام ١٨٢٢، وكان العهد الجديد في هذه الترجمة من وضع المرسل هنري مارتن الذي عمل بين الهند وإيران.

ويبدو أن هاتين الترجمتين وغيرهما لم تلق عهدئذ استحسان المثقفين من أهل هذه البلاد أو المرسلين الإنجيليين الذين احتكوا بهم ووقفوا على آرائهم بها.

ترجمة البستاني- سميث - فاندايك :

أجمع الرأي بين المرسلين المشيخيين في الأربعينات من القرن االتاسع عشر، وحالة الترجمات الموجودة هي ما هي عليه من ركاكة، على المضي قدماً في وضع ترجمة عربية سليمة لغوياً ولاهوتياً تلبِّي حاجة الناس والكنائس. فاستعانوا للقيام بهذه المهمة بالمعلم بطرس البستاني، الذي كان يعرف العبرانية واليونانية والسريانية، للقيام بهذا المشروع الخطير. وأشرف على العمل في بدايته المرسل عالي سميث وتلاه المُرْسَل كرنيليوس ,ــاندايك، وكان الأديب الشاعر الشيخ ناصيف اليازجي يهذِّب العبارة العربية بعد البستاني، وكذلك الشيخ يوسف الأسير في مرحلة لاحقة. وكان المرسلان عالي سميث وكرنيليوس ,ــاندايك، كل في عهده، يشرف على الناحية اللاهوتية وانسجام المفردات العربية مع معاني الكلمات العبرانية أو اليونانية.

غلب على هذه الترجمة اسم ترجمة “,ــاندايك” إذ ساد الاعتقاد زمناً بأنه العامل الرئيسي فيها، لكن بعد اكتشاف المسوّدات الأساسية لهذه الترجمة في سنوات الحرب في لبنان (۱٩٧٥-۱٩٩۱) في صناديق في مخازن تابعة لمدرسة لاهوت الشرق الأدنى، وتبين دور المعلم بطرس البستاني في النقل من اللغات الأصلية للكتاب المقدَّس إلى العربية، حتى صححت التسمية في الدوائر العلمية وأُعطي البستاني حَقّه بتسمية هذه الترجمة: ترجمة البستاني- ,ــاندايك. وإذا رغبنا أن لا نغمط عالي سميث حقه أيضًا يجب أن نسميها “ترجمة البستاني – سميث – ,ــاندايك”.

اُبتدأ العمل في هذه الترجمة عام ١٨٤٨، وصدر العهد الجديد في العام ١٨٦٠، ثم صدرت هذه الترجمة كاملة بعهدين عام ١٨٦٥، فاكتسبت في الحال شهرة واسعة لسعة عِلْمِ القائمين بها واحترامهم في الأوساط الدينية والأدبية والعلمية.

تبنَّت الكنائس الإنجيلية في لبنان وبلاد الشام والعراق ومصر والسودان هذه الترجمة واعتمدتها في الكرازة والتعليم والعبادة. كذلك فعلت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر والسودان، ولا تزال ترجمة البستاني-,ـاندايك هي الترجمة التي تعتمدها هذه الكنيسة العريقة والكبيرة. كذلك فعل الأرثوذكسيون الإنطاكيون، فإن معظمهم يستعمل ترجمة البستاني- ,ــاندايك. ويبدو أن الأرثوذكس في أنطاكية ومصر ارتضوا هذه الترجمة الإنجيلية لصحتها وحيادها ولتمثيلها بشكل دقيق المخطوطات البيزنطية في قراءاتها. هذه العوامل كلّها ساعدت على أن تصبح ترجمة البستاني-,ــاندايك الإنجيلية مشاعاً لجميع كنائس البلاد العربية ما عدا الكنائس الكاوثوليكية. ولا تزال هذه الترجمة الترجمة الوحيدة المعتمدة لدى جميع هذه الكنائس.

ترجمة الشدياق - واطس:

في العام ١٨٤٨، في الوقت الذي عهد فيه إلى عالي سميث الشروع بترجمة الكتاب المقدَّس في بيروت، عهد، قبيل هذا التاريخ أو بعده بقليل، إلى الدكتور صموئيل لي في لندن من قبل جمعية دينية بترجمة الكتاب المقدَّس إلى العربية. فأرسل في طلب العلامة فارس الشدياق اللغوي القدير، الذي أسماه مارون عبود “صقر لبنان”، وكان يقيم آنذاك في جزيرة مالطة، يعمل فيها على تنقيح كتب المطبعة العربية التابعة للإرسالية الإنجيلية هناك. سافر فارس الشدياق إلى لندن وابتدأ يعمل مع صموئيل لي وطوماس جاريث على نقل الكتاب المقدَّس إلى العربية. عمل هؤلاء معاً في هذه الترجمة وفارس الشدياق يترجم ويهذب العبارة. فطبع العهد القديم في العام ١٨٥٧، والعهد الجديد في ١٨٥٩، على ما جاء في الطبعة التي صورها ونشرها الأب إبراهيم سروج عام ١٩٨٣.

وبعد أن صدرت ترجمة البستاني- ,ــاندايك في العام ١٨٦٥ والترجمة الكاثوليكية في العام ۱٨٨۱ وانتشرت بكثرة بين الناس، ما عادت صدرت ترجمة الشدياق- واطس، ولا الترجمة الدومينيكانية الكاثوليكية، فتناساهما الناس.

يلف الغموض دور وليم واطس وعمله في هذه الترجمة المعروفة باسم الشدياق-واطس، أهو صاحب الفكرة، أم المموِّل، أم الناشر؟ هل ساعد في أعمال الترجمة؟ إن كشف هوية وليم واطس ودوره مهمة واعدة لمن يرغب القيام بها.

لا بد من كلمة شكر توجه للأب إبراهيم سروج على قيامه بنشر هذه الترجمة مجدداً في عام ١٩٨٣، فأتاح لهذا الجيل أن يطلع على رائعة من روائع ترجمة الكتاب المقدَّس. ولا بد من أمنية نطلقها علَّ أحدهم يعيد طبع الترجمة الدومينيكانية التي صدرت في الموصل، العراق عام ١٨٧٨، فيبقى هذا الأثر النفيس حياً لأجيال لاحقة.

التنافس وازدهار الترجمات:

يسلِّم المؤرخون أن النهضة الأدبية والعلمية التي اختبرها لبنان وجواره في القرن الماضي والحاضر، كانت نتيجة للمنافسة بين الإرساليات الإنجيلية والكاثوليكية. فكلما قام الإنجيليون بمشروع ديني أو أدبي أو علمي كرَّره الكاثوليك. وهذا ما حدث لترجمة الكتاب المقدَّس. إن النشاط في حقل الترجمة الذي قام به الإنجيليون دفع الكاثوليك إلى القيام بترجمة للكتاب المقدَّس خاصة بهم. ومن طريق نشاطهم إيجاباً وسلباً جعل الإنجيليون القرن الماضي قرن الكتاب المقدَّس.

تقدم الإنجيليون على غيرهم في ترجمة الكتاب المقدَّس إلى العربية في القرن التاسع عشر إذ صدر لهم ثلاث ترجمات كاملة للكتاب المقدَّس بينما صدر للكاثوليك ترجمتان كاملتان، لكن مع دخول القرن العشرين وخلال نصفه الأول تساوى الفريقان، لأنه لم يبقَ في التداول سوى ترجمتين: واحدة إنجيلية: البستاني- ,ــاندايك، وواحدة كاثوليكية: اليازجي – اليسوعيون. غير أن استعمال الترجمة الإنجيلية فاق بما لا يُقاس استعمال الترجمة الكاثوليكية، لانحصار هذه ضمن الدوائر الكاثوليكية وشيوع تلك بين الإنجيليين والأرثوذكسيين في الوطن وبلاد الاغتراب.

أما في القرن العشرين فقد قام الإنجيليون بأعمال مميزة في نشاط ترجمة الكتاب المقدَّس، لكنه اقتصر على النَّص فقط، فيما نشط الكاثوليك على ترجمة النَّص وشرحه، وإصدار طبعات علمية للكتاب المقدَّس. وآمل في الوقت الحاضر ونحن في الألف الثالث أن تتحول روح التنافس في ترجمة الكتاب المقدَّس من السلبية إلى الإيجابية وتتجه نحو التكامل.

نشاط الإنجيليين في الترجمة في القرن العشرين:

هنا عرض لأعمال ترجمة قام بها ويقوم بها إنجيليون في القرن العشرين:

۱٩۲۳ ترجمة العهد الجديد. قام بها القس نجيب خلف والمطران بولس أبي عضل. المخطوطة كاملة. تحتاج إلى بعض تحرير. لم تنشر.

۱٩٧۳ صدر العهد الجديد في طبعة مصورة. وهو تنقيح لترجمة البستاني- ,ــاندايك قام به >ـون طومسون وبطرس عبد الملك في مصر، وطبعته جمعية الكتاب المقدَّس في بيروت. لم يلق الرواج الذي يستحقه لأنه لم يطبع في كتاب مرجع، بل في كتيبات مصورة.

۱٩٨٨ صدر “كتاب الحياة”، وهو ترجمة تفسيرية للكتاب المقدَّس بكامله. عمل على نقله إلى العربية سعيد باز و>ـور؛ حصني وصموئيل عبد الشهيد. ويرافق هذه الترجمة الآن شرح تطبيقي يجعل قراءة الكتاب المقدَّس ودراسته متعة وفائدة.

۱٩٩۱ صدر “الإنجيل” الترجمة القدسية للأناجيل السنية في مدينة القدس وهو ترجمة للأناجيل الأربعة بلغة قرآنية سجعية.

۱٩٩۳ صدر “الإنجيل الشريف” وهو ترجمة للعهد الجديد وضعت لفائدة العرب في شمال إفريقيا. تستعمل هذه الطبعة الأرقام العربية التي يستعملها الغرب في فصولها وإعدادها. وتستعمل اسم عيسى بدل يسوع، وتراعي الألفاظ المستعملة في تلك البلاد. قام بالترجمة صبحي ملك. والعمل جار على العهد القديم.

والعمل جار الآن على ترجمة تكون تنقيحاً لترجمة البستاني- ,ــاندايك يقوم بها الدكتور القس عبد المسيح إستفانوس والدكتور القس غسَّان خلف.

هذا واشترك إنجيليون في العمل في الترجمة الجديدة لجمعية الكتاب المقدَّس التي صدرت عام ١٩٩٣ وتحوي الكتاب المقدَّس بكامله. وهذه الترجمة هي الرائدة في جمع اختصاصيين من الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية والإنجيلية ليعملوا معاً في ترجمة الكتاب المقدَّس.

تقويم لدور الإنجيليين في عمل الترجمة:

إن عرضاً لعمل الترجمة في النصف الثاني من القرن العشرين يؤكد أن الإنجيليين لا يزالوا السباقين في هذا المضمار لجهة تنوع أساليب الترجمة وتنوع الاهتمام بالبقع الجغرافية في العالم العربي. وكانوا أيضاً السباقين في القرن الماضي لجهة إصدار الكتب العلمية المرافقة للكتاب المقدَّس كقواميس وفهارس ومعاجم الكتاب. غير أنهم تراجعوا أمام الكاثوليك الذين نشطوا في علوم الكتاب المقدَّس في النصف الثاني من القرن العشرين. فلقد أصدر الكاثوليك ترجمات للكتاب المقدَّس بليغة ومتينة ودقيقة، وهذه الترجمات هي ترجمة العهد الجديد لـ<ـور؛ فاخوري الصادرة عام ١٩٥٣ وترجمة العهد الجديد لصبحي حموي ويوسف قوشاقجي الصادرة عام ١٩٦٩، وترجمة العهد الجديد التي أصدرتها جامعة الكسليك عام ١٩٩٢ للأب يوحنا قمير وغيره ممن سبق ذكرهم، والكتاب المقدَّس بكامله الذي أصدرته دار المشرق عام ١٩٨٧، وعمل فيه أنطوان أودو، وصبحي حموي، ورونيه لافنان.

هذه الطبعات الكاثوليكية دفعت بالكتاب المقدَّس وعمله أشواطاً إلى الأمام وخلفت الإنجيلين وراءهم مع مسافة. هذا الكلام أقوله تأكيداً لواقع، ولكي أشد من همم الإنجيليين لكي يعودوا إلى سابق عهدهم فيهتموا بالعلوم الكتابية.

الواقع والمرتجى

نحن اليوم في الألف الثالث بعد المسيح، والعالم الإنجيلي خارج بلادنا في مقدمة العاملين في ترجمات الكتاب المقدَّس عِلْمَاً وإخراجاً، فلماذا التخلف عن الركب في بلادنا؟ أيجوز لنا نحن الذين نعتمد ترجمة البستاني- ,ــاندايك  في قراءاتنا التعبدية الفردية والجماعية، وفي دراستنا وتدريسنا العلوم اللاهوتية، أن نقبل الاستمرار في طبع هذه الترجمة كما هي عليه الآن ونحن على مشارف الألفية الثالثة؟

أليس هو امتهانا للفكر الرضا بطبعة لكتابنا المقدَّس خالية من مساعدات القراءة، لا يرد فيها فواصل، أو أهلة، أو علامات استفهام، أو علامات تعجب، أو أقواس مزدوجة أو معقوفة لمدة ۱۳٤ عاماً؟

شكرا لدار الكتاب القدس في مصر الذي عمل الآن على نشر طبعة جديدة لترجمة البستاني-,ـاندايك حاوية لهذه جميعها عام ۱٩٩٩.

أليس هو تقصيراً مروَّعاً الرضا بأن تستمر ترجمة معتمدة كترجمة البستاني- فــاندايك في الاستعمال مدة ۱۳٤ سنة دون النظر فيها مجدداً من الجهات التالية:

۱- جهة شكل الكتابة كالحياة والصلاة “حيوة وصلوة”.

۲- جهة الإخراج وتبويب الفقرات على ضوء العلوم الحديثة للنص اليوناني.

۳- جهة سلاسة اللغة العربية وتركيباتها النحوية والبلاغية.

٤- جهة الترتيب العمودي للمقاطع الشعرية.

٥- جهة مطابقة النَّص العربي للنص العبراني والنص اليوناني في معناه. الأمر الذي يقصر فيه هذه الترجمة في مواضع كثيرة.

٦- جهة تنقيح النَّص العربي وعصْرَنَته ليطابق النَّص اليوناني المحقق على ضوء اقدم المخطوطات العبرانية واليونانية، وهذه تم اكتشافها والعمل بها بعد أن طُبعت ترجمة البستاني-,ـاندايك التي اعتمدت على نصوص عبرانية ويونانية متأخرة، تحوي إضافات وعبارات استحسنها النساخ لتوضيح النَّص فأحسنوا مرة وأساءوا أخرى.

٧- جهة إضافة حاشية تذكر فيها التوضيحات والشروحات المهمة للنص، تجسر الفجوة الحضارية والتاريخية والجغرافية والثقافية بين قارئ اليوم وزمن كتابة النص.

٨- جهة إضافة عناوين وشواهد للفقرات في الكتاب المقدَّس تساعد القارئ والدارس للوصول إلى مبتغاه بيسر. فكم من مرة نقرأ اقتباساً في العهد الجديد من القديم ولا نجد إشارة تساعدنا على الرجوع إليه.

٩- أضف جهة رصف الفقرات بطريقة مريحة على صفحات الكتاب فيستريح نظر القارئ في المطالعة، كذلك الاكتفاء بالضروري من الحركات على الحروف لإزالة الالتباس، لأن رصف الحركات بكثرة تربك البصر وتعيق القراءة.

أما كان يجدر بنا تكوين لجنة من العلماء في هذا المضمار، ولم يعوز مرة الطائفة الإنجيلية وكنائسها المتعددة هؤلاء، لجنة دائمة يضاف إليها بقدر ما يغادرها، تعنى بالملاحظات المقدمة لتحسين الترجمة ونَصِّها، وتُدْخِل ما توافق عليه من التنقيحات والاقتراحات، وتعدِّل ما يجب تعديله في النَّص كل عشر من السنين، بحيث تبقى هذه الترجمة التي نحبها جميعا ترجمة معاصرة دائماً تستعملها الكنيسة جيلاً بعد جيل؟ لو فعلنا ذلك لما وقعنا في النضوب الذي نعاني منه اليوم.

طبعة نداء الرجاء:

صدرت طبعة دار “نداء الرجاء” بألمانيا عام ۱٩٩۱م وتم طباعة الكتاب في فنلندا. لا أعلم الكثير عن هذه الطبعة إذ حاولت مراسلة الدار ومن كانوا قائمين على طباعة الكتاب كالمدير السابق وابنه لتزويدي بمعلومات تخص هذه الطبعة، ولكن لم أستلم أي رد أو مساعدة فاكتفيت بما عرفته من أحد القائمين على إنجاز هذه الترجمة وما تيسر لي من معلومات عنها.

تعتبر هذه الطبعة هي تنقيح لنسخة البستاني-,ـاندايك ومعصرنة. وقد قام بوضع علامات الترقيم لهذه الطبعة الدكتور القس منيس عبد النور.

استغرقت عملية كتابة النص عشر سنوات. وتم تصحيح الأخطاء الإملائية التي وقعت أثناء كتابة النص سبع مرات ومع ذلك توجد بهذه الطبعة أخطاء إملائية كثيرة على الرغم من الحذر والدقَّة التي توخَّاها الناسخون. وفي تقديري الشخصي أن هذه الطبعة هي من أجمل الطبعات من حيث إخراجها فنياً، وطريقة رصف التشكيل على الحروف، شكل حروف الكتابة جميلة ومريحة للنظر ولا تربك القارئ. وأنا شخصياً أستخدم هذه الطبعة.

تم تصميم برنامج للنشر خصيصاً لطباعة الكتاب المقدس بواسطة دار النشر اسمه    "Byblos" وقد صمم هذا البرنامج الدكتور كريستوف أحد المرسلين في هذا الدار. تتميز هذه الطبعة بـ:

ضبط الهجاء والإملاء حسب قواعد اللغة العربية الحديثة مثل كلمة “صلوة” و”حيوة” تم كتابتهما بما هو شائع اليوم.

استبدال بعض الألفاظ التي عفى عليها الزمن لندرة استخدامها بألفاظ عصرية مثل:

# كلمة “مجاري” تعطي أكثر من معنى فهي جمع لكلمة مجرى مياه عذب وهذا هو المعني الذي ورد في الكتاب المقدس، ولكن بعد تطور الحضارة البشرية وتمدنها جاء معنى آخر لهذه الكلمة وهو الأكثر استخداماً وشيوعاً في الصحف اليومية والإعلام هو “مياه الصرف الصحي”. وعلية راعت هذه الطبعة ذلك في التعامل مع هذه الكلمة في نَصِّ الكتاب. فتم استبدال كلمة “مجاري” (خر ۱٥: ٨) بكلمة “المياه الجارية”، ولكن عندما جاءت في (مز ۱: ۳) تم استبدالها بكلمة “جداول”. ولكن القائمين على تنقيح وعصرنة النَّص أبقوا هذه الكلمة سبع مرَّات كما هي في طبعتها القديمة دون أي تغيير على الرغم من أنَّها لا تختلف عن مثيلاتها في المعنى في سفري الخروج و المزمور الأول وهي واردة في (مز ٧٨: ۱٦، ٤٤)، (مز ۱۰٧: ۳۳)، (نش ٥: ۱۲)، (إش ٨: ٧)، (إش ۳۰: ۲٥) و(إش ٤٤: ٤).

# استبدال كلمة “خراعيب” بكلمة “أغصان” وهي واردة في (أي ٨: ۱٦، ۱٤: ٧، ۱٥: ۳۰). ولكن أبقت هذه الطبعة كلمة “خراعيب” كما هي دون عصْرَنة أو استبدال في (حز ۱٧: ٤، ۲۲، هو ۱٤: ٦).

# استبدال كلمة “غِبَّ” بكلمة “بَعْدَ” وهي وردت مرتين في العهد القديم (يش ۱:۲۳) و(۲صم ٤:۲۳).

# استبدال كلمة “مَنْسَك” بكلمة “قاعة” وجاءت مرة واحدة في العهد القديم (۱صم ٩: ۲۲).

# استبدال كلمة “المراغمة” بكلمة “الإذلال” في (۱صم ۱: ٦)

حذف تكرار التشكيل لنفس الحرف. فترجمة ,ـاندايك المطبوعة في بيروت كانت تحوي أكثر من تشكيل لنفس الحرف على أساس أنَّه يمكن قراءة الكلمة بأكثر من طريقة. ولكن هذه الطبعة اكتفت بتشكيل واحد للحرف وهو الشائع والمستخدم.

تم وضع علامات الترقيم للكتاب المقدّس كله.

يمكن مشاهدة هذه النسخة على الموقع www. call-of-hope.com/ems/ams/ara/bible/index-pdf.html

نداء

دعونا نطلقها صرخة مدوية اليوم وعلى مسمع قادة الرأي في الطائفة الإنجيلية، تهيب بالإنجيليين على تنوعهم من هنا ومن مصر ومن الأردن ومن سوريا ومن أية بقعة أخرى يوجدون فيها، التنادي لاختيار مجلس يعنى بتنقيح ترجمة البستاني - ,ــاندايك وإصدارها طبعة حديثة منقحة بليغة متينة تلبي حاجة الإنجيليين وغيرهم للقراءة والكرازة والتعليم والبحث والدرس وعلم اللاهوت.

إن مشروعا كهذا لا يؤدي فقط إلى طبعة جديدة للكتاب المقدَّس، بل أيضاً إلى إشراك الإنجيليين معاً في مشروع موحد يربط بينهم ويوحِّد رؤيتهم ويكون مصدر انتعاش روحي ونهضة لاهوتية بينهم تنتشر إلى من حولهم فيتبارك العالم العربي بأسره.

بيان بالترجمات العربية المتداولة للكتاب المقدس

 

۱- ترجمة فارس الشدياق ووليم واطس، ١٨٥٧ (العهدان القديم والجديد).

۲- ترجمة بطرس البستاني وكرنيليوس ,ــاندايك، ١٨٦٥ (العهدان القديم والجديد).

۳- الترجمة الدومنيكانية، للخوري يوسف داود، ١٨٧٦ (العهدان القديم والجديد).

٤- الترجمة اليسوعية القديمة، وضعها الأب أوغسطينس روده وابراهيم اليازجي، ١٨٨١، (العهدان القديم والجديد).

٥- الترجمة البولسية، وضعها الأب >ـور؛ فاخوري، ١٩٥٣ صدرت منقحة بطبعة جديدة عام ٢٠٠٠ (العهد الجديد).

٦- الترجمة اليسوعية الجديدة، وضعها الأبوان صبحي حموي ويوسف قوشاقجي وهذب عبارتها الأستاذ بطرس البستاني، ١٩٦٩ (العهد الجديد).

٧- الترجمة العربية المنقحة، تنقيح ترجمة البستاني-,ـاندايك، وضعها ون طومسون وبطرس عبد الملك، ١٩٧٣ (العهد الجديد).

٨- طبعة نداء الرجاء، ترجمة البستاني-,ـاندايك، طبعة منقحة ومعصْرَنة، صادرة عن مركز “نداء الرجاء” ألمانيا عام ۱٩٩۱.

٩- ترجمة العربية من الفشيطتو السريانية، قام بها الخوري يوسف عون، ١٩٨٢ (العهد الجديد).

۱۰- الترجمة اليسوعية الجديدة، العهد القديم، وضعها الآباء انطوان أودو ورونيه لافلان وصبحي حموي، والعهد الجديد، وضعها الأبوان صبحي حموي ويوسف قوشاقجي ونقحها الأب ادوار مرقده ١٩٨٨،  وصدر العهدان عام ١٩٨٩ ليشكلا معاً الترجمة اليسوعية الجديدة. صدر العهد الجديد التنقيح الثالث عام ٢٠٠٠

۱۱- الترجمة القبطية: الناشر دار المعارف في مصر، الأناجيل الأربعة، وضعها الأنبا غريغوريوس والأساتذة زكي شنوده ومراد كامل وباهور لبيب وحلمي مراد. صدرت على التوالي: متى ١٩٧٢، مرقس ١٩٧٥، لوقا ١٩٧٨، يوحنا ١٩٨٦

۱۲- كتاب الحياة، ترجمة تفسيرية، وضع العهد الجديد الأستاذان سعيد باز و>ـور؛ حصني، والعهد القديم الدكتور صموئيل عبد الشهيد ۱٩٨٨ (العهدان القديم والجديد).

۱۳- ترجمة الكسليك، وضعها الآباء يوحنا قمير وروفائيل مطر وبطرس القزي ويوحنا الخوند وأسعد جوهر، ١٩٩٢ (العهد الجديد).

۱٤- ترجمة جمعية الكتاب المقدَّس المشتركة، وضع مسوداتها الأولى وهذب عبارتها الأستاذ يوسف الخال في كلا العهدين وعمل معه في العهد الجديد الأب أنطونيوس نجيب والقس فهيم عزيز والأستاذ موريس تاوضروس، وفي العهد القديم الأب بولس الفغالي والدكتور يان ده فار والدكتور مانويل جنباشيان. صدر العهد الجديد ١٩٧٩، والكتاب الكامل ۱٩٩۳(العهدان القديم والجديد).

۱٥- ترجمة الكتاب الشريف، وضعت لمنفعة المغرب العربي، قام بها الدكتور صبحي ملك، صدر العهد الجديد ١٩٩٠، والكتاب الكامل ٢٠٠٠ (العهدان).

الباب الثالث

دراسة الكتاب المقدَّس

* “فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي. ولاَ تُرِيدُونَ أَنْ تَأْتُوا إِلَيَّ لِتَكُونَ لَكُمْ حَيَاةٌ يسوع المسيح بحسب يوحنا۳٩:٥

* “كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحىً بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ” بولس الرسول إلى ۲تيموثاوس ۱٦:۳

* “عَالِمِينَ ~هـذَا أَوَّلاً: أَنَّ كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ، لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” بطرس الرسول الثانية ۱: ۲۰-۲۱

* “الكتابُ المقدَّس لَيْسَ تحُفَةً أَثَرِيَّة، بَلْ هُوَ كِتَابٌ خَالِدٌ” مارتن لوثر زعيم الإصلاح الإنجيلي

* “إلى أين تفرُّن يا من تهملون الكتب المقدَّسة وتجدّفون على الروح المتكلم فيها؟ ماذا تفعلون في تلك الساعة الرهيبة عندما يجلس الديَّان العادل على منبر القضاء وتُفْتَح المصاحف والكتب التي أنتم تزدرون بها؟” القديس يوحنا ذهبي الفم

 

دراسة الكتاب المقدس

“فَضَعُوا كَلِمَاتِي هذِهِ عَلى قُلُوبِكُمْ وَنُفُوسِكُمْ وَارْبُطُوهَا عَلامَةً عَلى أَيْدِيكُمْ وَلتَكُنْ عَصَائِبَ بَيْنَ عُيُونِكُمْ وَعَلِّمُوهَا أَوْلادَكُمْ مُتَكَلِّمِينَ بِهَا حِينَ تَجْلِسُونَ فِي بُيُوتِكُمْ وَحِينَ تَمْشُونَ فِي الطَّرِيقِ وَحِينَ تَنَامُونَ وَحِينَ تَقُومُونَ. وَاكْتُبْهَا عَلى قَوَائِمِ أَبْوَابِ بَيْتِكَ وَعَلى أَبْوَابِكَ» (تث۱۱: ۱٨-۲۰) «لِتَسْكُنْ فِيكُمْ كَلِمَةُ الْمَسِيحِ بِغِنىً، وَأَنْتُمْ بِكُل حِكْمَةٍ مُعَلِّمُونَ وَمُنْذِرُونَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، بِنِعْمَةٍ، مُتَرَنِّمِينَ فيِ قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ» (كو۱٦:۳).

يدعونا الله في العهدين القديم والجديد للالتصاق بالكلمة المقدَّسة بما يتماشى مع قداستها وأهميتها. ولكن مع تأثير البيئة المحيطة وكثرة المشاغل وضغوط العمل وازدحام الخدمة، تحولت العلاقة مع الكلمة المقدَّسة إلى مجرد كلمة تقرأ في بعض الأحيان، أو على سبيل عادة مسيحية، أو لتحضير خدمات وعظية وتحوَّل الكتاب المقدَّس إلى مرجع للآيات. لذلك وجدنا من الضروري أن نكتب بعض القوانين التي يجب القاريء اتباعها في مطالعته للكتاب المقدس، وهي:

۱- يجب أن تكون القراءة بهيبة وخشوع وصلاة إلى الله من أجل أن يجعله الله مستعداً لقبول ما في الكتاب من البركات والفوائد الروحية، وكذلك يجب أن نمثُل أمام الكتاب باحترام.

۲- يجب أن نقبل تعاليم الكتاب بكل خضوع ووداعة كقول الكتاب: “يُدَرِّبُ الْوُدَعَاءَ فِي الْحَقِّ، وَيُعَلِّمُ الْوُدَعَاءَ طُرُقَهُ. سِرُّ الرَّبِّ لِخَائِفِيهِ، وَعَهْدُهُ لِتَعْلِيمِهِمْ” (مز ۲٥: ٩،۱٤). وأن نعمل بنصيحة الرسول يعقوب “لِذلِكَ اطْرَحُوا كُلَّ نَجَاسَةٍ وَكَثْرَةَ شَرّ، فَاقْبَلُوا بِوَدَاعَةٍ الْكَلِمَةَ الْمَغْرُوسَةَ الْقَادِرَةَ أَنْ تُخَلِّصَ نُفُوسَكُمْ” (يع ۱: ۲۱).

۳- يجب على قارئ الكتاب المقدس الاعتماد على قوَّة وتأثير الروح القدس. فمهما كان القارئ ذكياً ونبيهاً، ولكن بدون صلاة لا يستطيع أن يستفيد من الكتاب المقدس، لأنه في هذه الحالة “لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ، وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيًّا” (۱كو ۲: ۱٤). لذلك قال الرسول يعقوب: “وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ، فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللهِ الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلاَ يُعَيِّرُ، فَسَيُعْطَى لَهُ” (يع ۱: ٥).

٤- يجب أن تكون قراءة الكتاب المقدس بحرارة وشوق لنيْل البركات وطاعة أوامره.

كيف تدرس الكتاب المقدس؟

۱- المواظبة يومياً على قراءة الكتاب المقدس بحسب الاستطاعة.

۲ مراعاة عوامل وخصائص اللغة العربية مثل:

# - ضرورة القراءة بالتشكيل

ولا يُقْصَد بها تعقيدات اللغة بل قراءة الكلمة بنفس المعنى الذي قصده الكاتب الأصلي، لأن اللغة العربية مبنية على التشكيل إلى حدٍ كبير. وبتغيير تشكيل الكلمة تصبح لها معاني مختلفة وبالتالي فعندما تُقرأ بتشكيل مغاير ستعطي معنى مغايرًا لما قصده الكاتب. والتشكيل الصحيح يُظهر المعنى الدقيق للآية. وهناك أمثلة عديدة تدل على خطورة عدم الانتباه للقراءة بالتشكيل. ونذكر منها:

أ – (غلاطية ۳:۳) “أَهكَذَا أَنْتُمْ أَغْبِيَاءُ! أَبَعْدَمَا ابْتَدَأْتُمْ بِالرُّوحِ تُكَمَّلُونَ الآنَ بِالْجَسَدِ؟” إذا كانت كلمة “تكملون” بدون تشكيل فمن الممكن أن تُقرأ بطريقتين: الأولى “تُكْمِلون” يفيد التكملة أي تتمة المشوار ويصبح معنى العدد: “بعد أن ابتدأتم بالروح تريدون أن تكملوا حياتكم بالجسد”. ومن الممكن بناء على ذلك أن نعظ عن أهمية السلوك بالروح وليس السلوك بالجسد، وأيضًا كلمة الجسد هنا تفهم على أنها عكس الروح أي كل ما هو جسدي.

القراءة الثانية: «تُكَمَّلونَ» يفيد الكمال فيصبح معنى العدد بعد أن تكملتم أمام الله بعمل الروح تريدون أن تتكملوا أمام الله بأعمال الجسد وهنا يكون المقصود أن عمل المسيح الذي أتمَّهُ لا يحتاج إلى شيء يكمله حتى لو كان هذا الشيء هو أعمال الجسد والمقصود هنا الختان.

وهكذا نلاحظ اختلاف المعنيين تمامًا. ولكن إن راعينا التشكيل الواضح في العدد نجد الضم في أولها والتشديد على حرف الميم وضم اللام وبالتالي تقرأ “تُكمَّلون” وهذا يعني أن القراءة الثانية هي الصحيحة.

ب – (۲ تيموثاوس ۳: ٤) «... مُحِبِّينَ لِلَّذَّاتِ...» فكلمة “للذات” في هذا العدد هل هي بمعنى النفس (الأنا) أم هي بمعنى المسرات والمتع المختلفة؟ بالانتباه إلى الشدة الموضوعة على حرف اللام الثاني فإنها ستعطي معنى المسرات والمتع المختلفة وهذا هو المقصود.

ج – (أعمال ۲٤: ۲٧) «وَإِذْ كَانَ فِيلِكْسُ يُرِيدُ أَنْ يُودِعَ الْيَهُودَ مِنَّةً تَرَكَ بُولُسَ مُقَيَّداً.» يمكن أن تقرأ كلمتا “يودع” و “منه” بدون تشكيل وستعطي معنى أن فيلكس يريد “الوداع” وبالتالي فإن كلمة “منه” لا معنى لها في حين أن المعنى يتغير عند وضع التشكيل الصحيح وهو أن فيلكس يريد أن “يترك” لليهود “مِنَّة” أي هدية أو هبة، وبالتالي أعطى التشكيل للعدد معنى واضحًا.

د – (رومية ۱۰:۱۰) “لأَنَّ الْقَلْبَ يُؤْمَنُ بِهِ لِلْبِرِّ وَالْفَمَ يُعْتَرَفُ بِهِ لِلْخَلاَصِ.” من الممكن أن يُفهم هذا العدد بحيث تعود كلمة “به” على المسيح، فالقلب يؤمن به أي بالمسيح والفم يعترف به أي بالمسيح. ولكن إذا لاحظنا التشكيل الصحيح الموجود على كلمتي “يؤمَنُ” “يُعترف” نكتشف أن كلمة “به” تعود على القلب والفم إذ هي وسيلة الإيمان ووسيلة الاعتراف فيكون المقصود بالعدد “لأن القلب هو وسيلة الإيمان للبر والفم هو وسيلة الاعتراف لإظهار الخلاص”.

وهكذا فإن العديد من الأمثلة تُظهر أهمية القراءة بتشكيل صحيح وهذا يستوجب التركيز الشديد أثناء القراءة لأننا أمام الكتاب المقدَّس الذي يعلن عن شخص الله. وكم يعتقد الكثيرون أن هذا الأمر ليس بهذه الدرجة من الأهمية وأن هذا نوع من أنواع المظهرية إلاَّ أن الكتاب المقدَّس قد كُتب في الواقع لكي يُفهم.

# - القراءة مع ملاحظة علامات الترقيم

ما هي علامات الترقيم وما أهميتها؟

ملاحظة هامة: في الطبعة الموجودة بين أيدينا لا توجد علامات ترقيم. ولكن في الطبعة الجديدة للكتاب المقدَّس فهي تحتوي على علامات الترقيم كما هي موجودة في الأصل

علامات الترقيم كثيرة ومنها الآتي:

النقطة (.) - الفصلة (،) - علامة الاستفهام (؟) - علامة التعجب (!) - علامة التنصيص (““) الأقواس ( ) وهكذا. فكل علامة تدل على شيء في القراءة وبالتالي على فهم المعنى وهناك أمثلة على أهمية استخدامها في الكتاب المقدَّس. وبالعودة إلى تاريخية الكتاب المقدَّس نعرف أن الأسفار والأناجيل والرسائل لم تُكتب في بداية تدوينها مقسمة إلى إصحاحات وأعداد وفقرات منتهية بنقاط. بل كتبت كقطعة واحدة وبعدها بزمن بعيد جاء من قسَّم الأسفار إلى إصحاحات وأعداد لتسهيل القراءة والبحث والدراسة، وأصبح الكتاب في وضعه الحالي.

فمن المعروف أن نهاية الجملة تقع بعدها نقطة (.) لذلك يجب أن نلاحظ عند قراءة الكتاب أنه ليس بالضرورة أن تكون نهاية الأصحاح هي نهاية الفكرة ولا بداية الأصحاح هي بداية لفكرة جديدة، بل قد تستمر الفكرة على مدار أصحاحين ونصف. وفي ترجمة (البستاني - ,ــاندايك) للكتاب المقدَّس التي بين أيدينا نجد تصحيحًا لبعض التقسيمات. ففي سفر إشعياء نجد الأصحاح الثالث والخمسين يبدأ بآخر فقرة من الأصحاح الثاني والخمسين التي تبدأ مع۱۳ لأن أصحاح ٥۳ هو امتداد للفكرة التي بدأت في أصحاح ٥۲.

* ومثال آخر في إنجيل مرقس، فإن الأصحاح التاسع يبدأ من آخر عدد في الأصحاح الثامن كي يظهر معنى الآية: «إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ~ههُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فيِ مَلَكُوتِهِ». لأن في إنجيل متى ۱٦ :۲٨ ومرقس ٩ :۱ ولوقا ٩ :۲٧ نجد أن حادثة التجلي تلي هذه الآية مباشرة وبذلك يُفهم القصد من هذه الآية بالتحديد.

وسوف نتحدث هنا عن أهمية كل علامة من علامات الترقيم مع بعض الأمثلة.

أ - أهمية علامة الفصلة (،) وكيف يتغير المعنى إذا وضعنا الفصلة قبل كلمة أو بعدها مما يجعلنا ندقق جدًا في قراءتنا للكتاب المقدَّس.

* فمثلاً نجد في يوحنا الأولى ۳:۳ أن وضع فصلة في منتصف العدد يغير من المعنى فإذا وضعنا فصلة بعد كلمة “الرجاء” ستعود كلمة “به” على الرجاء أما إذا وضعنا فصلة بعد كلمة “به” فسوف تعود على الشخص الذي يُعطي الرجاء.

القراءة الأولى: «وَكُلُّ مَنْ عِنْدَهُ هـذَا الرَّجَاءُ، بِهِ يُطَهِّرُ نَفْسَهُ كَمَا هُوَ طَاهِرٌ».

القراءة الثانية: «وَكُلُّ مَنْ عِنْدَهُ هـذَا الرَّجَاءُ بِهِ، يُطَهِّرُ نَفْسَهُ كَمَا هُوَ طَاهِرٌ».

* ومثال آخر في مزمور ٩٤ :۱٩ أيضًا من الممكن أن يكون لها معنيان حسب وضع الفصلة. فالقراءة الأولى هي: «عِنْدَ كَثْرَةِ هُمُومِي فيِ دَاخِلِي، تَعْزِيَاتُكَ تُلَذذُ نَفْسِي». أي أن الهموم هي التي بالداخل.

أما القراءة الثانية هي: «عِنْدَ كَثْرَةِ هُمُومِي، فيِ دَاخِلِي تَعْزِيَاتُكَ تُلَذذُ نَفْسِي». أي أن التعزيات هي التي بداخلي.

فمن الواضح أن الفصلة علامة هامة جدًا تغير من المعنى لذلك يجب الانتباه إليها. فالتركيز أثناء قراءة الكتاب المقدَّس أمر مطلوب لأنه ليس كتابًا عاديًا بل هو كتاب يعلن عن شخص الله. لذلك فهو يحتاج إلى كل جهد وتركيز واحترام في قراءته.

ب - أهمية علامة الاستفهام (؟) فمعنى الآية يتغير إذا كانت الجملة استفهامية أو خبرية. فأحيانًا نقرأ الآيات على أنها جمل خبرية بالرغم من كونها استفهامية أي بصيغة السؤال وبذلك يختلف المعنى.

* مثال ذلك الآية الموجودة في يوحنا ۱۲ :۲٧ «اَلآنَ نَفْسِي قَدِ اضْطَرَبَتْ. وَمَاذَا أَقُولُ: أَيُّهَا الآبُ نَجِّنِي مِنْ ~هـذِهِ السَّاعَةِ؟ وَ~لكِنْ لأَجْلِ ~هـذَا أَتَيْتُ إِلَى ~هـذِهِ السَّاعَةِ».

ويبدو لأول وهلة أن السيد المسيح يريد أن ينجيه الآب من هذه الساعة. ولكن الآية في الأصل تنتهي بعلامة استفهام فيصبح المعنى: إنه رغم نفسي المضطربة فإني لا أقول أيها الآب نجني من هذه الساعة لأني لأجل هذه قد أتيت. أي أن المسيح يستنكر أن يطلب من الآب الإنقاذ من هذه الساعة.

* وأيضًا في إشعياء ٤٥ :۱۱ «هـكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ وَجَابِلُهُ:» اِسْأَلُونِي عَنِ الآتِيَاتِ! مِنْ جِهَةِ بَنِيَّ وَمِنْ جِهَةِ عَمَلِ يَدِي أَوْصُونِي!». يبدو أن الرب يدعونا أن نطلب منه أن نوصيه على بنيه وعلى عمله كي يعمل. ولكن بوجود علامة الاستفهام فالمعنى يدل على أن الرب يستنكر أن نوصيه على عمله وبنيه ويصبح المعنى أتسألونني عن الآتيات؟ أتوصونني على عمل يدي؟ وهذا واضح ابتداء من ع ۱۲ إذ يقول الرب: أنا صنعت الأرض وخلقت الإنسان عليها وهو بذلك يريد القول لا توصوني على عمل يدي فأنا أعرف ما يجب عمله لأني خلقت الإنسان وصنعت الأرض.

ج - وتوجد علامة أخرى وهي “ “ وتسمى علامة التنصيص أي وضع النَّص بين قوسين ويبدو للوهلة الأولى أنها ليست لها أهمية كبيرة، ولكن على سبيل المثال توجد أجزاء كثيرة في أسفار الأنبياء يصعب معرفة معناها بسبب عدم وضوح متى ينتهي كلام الله إلى النبي ومتى يبدأ كلام النبي إلى الشعب.

* ففي سفر حبقوق الأصحاح الأول من ۱-۱٧ غير واضح أين كلام الله إلى النبي وأين كلام النبي. ولكن بملاحظة علامات التنصيص على كلام الله إلى النبي نستطيع أن نعرف أن من ع ۲-٤ كلام النبي إلى الله. ع٥ «اُنْظُرُوا بَيْنَ الأُمَمِ،....... ~هـذِهِ قُوَّتُهَا إِ$ـهُهَا» كلام الله إلى النبي ع ۱۲-۱٧ كلام النبي وهكذا فوجود علامات التنصيص شيء هام جدًا.

* وتستخدم علامات التنصيص أيضًا في فهم هل هذا الكلام اقتباس من قول سابق أم من الكاتب نفسه على غرار ما جاء في كورنثوس الأولى٦ :۱۲ «كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي»، ~لكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تُوافِقُ. نعرف من ذلك أن الجزء الأول “كل الأشياء تحل لي” ما هو إلاَّ اقتباس من البيئة الوثنية المحيطة بالكنيسة وكان المؤمنون في الكنيسة يتبعون هذا القول، لكن بولس الرسول قال لهم أنتم تقولون “كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي” والرب يقول “لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تُوافِقُ”.

۳- مطالعة كل سفر بتمامه. لأن قراءة أجزاء متفرقة من أسفار مختلفة غير متتابعة لا تفيد القارئ إفادة تامة ولا تعطي روح الكتاب.

مثال: هناك أسفار في الكتاب المقدس مثل (التكوين، الأناجيل الأربعة، الأعمال، رومية، والعبرانيين) لا تُفهَم جيداً بقراءة أجزاء منها، بل يجب أن يُقرأ كل واحدٍ منها بأكمله قبل الانتقال إلى غيره، لكي يُفهم المقصود منه.

٤- يجب أن يُراعى مقصد كل سفر. لأنه أحياناً كثيرة تُفهم أجزاء وفقرات من الكتاب عن طريق الخطأ وتُفسَّر بغير المعنى المقصود بها. فلابد أن ننتبه بأن لا نُخرِج النص أو الفقرة من السياق أو كما تُسمى “القرينة”.

مثال: عند النظر في رسالتي بولس الرسول إلى رومية والعبرانيين، فكل رسالة منها تحوي ما تحويه الأخرى من تعاليم إ~لهية عن الخلاص، إلاَّ أن كيفية توضيحه متباينة جداً! فالرسالة إلى رومية كُتِبت لتعليم المؤمنين عامة، أما الرسالة إلى العبرانيين فقد كُتِبت لليهود خاصة. إذ كان المراد بها إظهار القوانين والطقوس التي رسمها موسى وُضِعَت لزمن معين وأن خدمة الكهنوت والذبائح كانت رمزاً لكهنوت المسيح وكفَّارته التي اعتمدنا عليها.

٥- يجب أن يُعتبر الكتاب المقدس كامل متكامل لا نقص فيه ولا تناقض، مؤمناً بأنه “لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (۲بط ۱: ۲۱).

٦- الإلمام بجميع النبوَّات التي تشير إلى المسيح في العهد القديم، لأن السيد المسيح نفسه قال: “فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي” (يو ٥: ۳٩).

٧- تفسير الكتاب المقدس بالكتاب نفسه. أي مقابلة أجزائه بعضها ببعض كما قال الرسول بولس: “قَارِنِينَ الرُّوحِيَّاتِ بِالرُّوحِيَّاتِ” (۱كو ۲: ۱۳).

٨- لا بد للقارئ أن يعرف أنه يوجد أشياء وأشخاص في العهد القديم أراد الله أن تكون رموزاً إلى السيد المسيح وكنيسته. فقد قال الرسول بولس إن الناموس كان ظل الخيرات العتيدة لا نفس صورة الأشياء.

٩- القراء في ضوء القرينة text and context (سياق النص)

في فهم النَّص الكتابي يكون المقصود هو الجزء المصاحب للآية أو ما يسمى سياق النص. وهناك الكثير من الكلمات والجُمل التي تُعطي معاني مختلفة باختلاف القرينة المرافقة. وهذا يعود إلى موضع الكلمة في الجملة وموقع الجملة من الفقرة بالإضافة إلى تأثير بعض العادات والتقاليد على مفهوم الكلمة. وينطبق هذا على قراءة الكتاب المقدَّس فإن كلمات وآيات كثيرة ستعطي معنى مختلفًا وبعيدًا عن ذاك الذي ستوضحه القرينة الخاصة بها فيما لو فهمت من خلالها. فهناك الكثير من الكلمات التي تُعطي بُعداً ومعنى مختلف يختلف باختلاف سياق النَّص مثل كلمة “الناموس”مستعملة لمعانٍ كثيرة في الكتاب المقدس، ففي العهد القديم تدل على قوانين اللاويين التي كان جزءٌ منها سياسياً وجزءٌ أدبياً وجزءٌ دينياً. أما المؤمنون بالمسيح فقد خلصوا منها جميعها، وتعني في العهد الجديد “قاعدة” وواجب علينا نحو الله والناس.

۱۰- أن يكون للقارئ معرفة بوظائف العبرانيين وأعيادهم.

(يوجد باب كامل عن هذا وجدول يبيّن أهم أعيادهم ومواسمهم في نهاية الجزء الأول)

۱۱- أن يكون للقارئ معرفة بجغرافية الكتاب المقدَّس: بحيث تتصور مواقع المدن العظيمة والأقاليم المذكورة وأماكن وقوع الأحداث. (يوجد باب كامل عن جغرافية الكتاب المقدَّس في نهاية الجزء الأول، الرابع).

۱۲- أن يكون القارئ على عِلم بتواريخ الأحداث المذكورة في الكتاب: لابد للقارئ أن يعرف بعض تواريخ الأزمنة المشهورة مثل:

۱- خلق العالم

٤۰۰٤ق م

٥- بناء هيكل سليمان

۱۰۱۲ق م

۲- الطوفان

۲۳٤٨ق م

٦- أسر يهوذا

٥٨٨ق م

۳- دعوة إبراهيم

۱٩۲۱ق م

٧- ختام العهد القديم

٤۰۰ق م

٤- خروج بني إسرائيل

۱٤٩۱ق م

٨-خراب أورشليم

٧۰م

 

 

٩- ختام العهد الجديد

۱۰۰م

(يجد القاري جدولاً تاريخياً مسلسلاً بكل أحداث الكتاب المقدَّس في الجزء الرابع، مع شرح كيفية استدلالنا على هذه التواريخ تبدأ من سنة ٤۰۰٤ ق م وحتى عام ٩٥م)

ملاحظة

عزيزي القارئ، يجب ألاَّ تتوقَّع في نهاية دراستك لأي سفر في الكتاب المقدَّس أن تصل إلى حلّ وتفسير كل الآيات والأجزاء لأن أجزاء كثيرة ستبقى دون إجابة، وأخرى لها أكثر من إجابة. لذا ليس من الصواب أن نحبس الآية أو الجزء في تفسير معين بل علينا أن نتعلَّم الخضوع أمام شخص الله الذي يرشدنا بروحه القدوس.

ملحق الكتب المساعدة

كتب أخرى

۱- قاموس الكتاب المقدَّس

۲- فهرس الكتاب المقدَّس

۳- معجم الألفاظ العسرة

٤- دائرة المعارف الكتابية

٥- فهرس الموضوعات الكتابية

٦- دليل عربي يوناني

وهي مجموعة الكتب التي تغطي مدخل دراسة أسفار الكتاب ولا تقوم بالتفسير:

۱ المدخل إلى العهد الجديد.

۲ المدخل إلى العهد القديم.

۳- شُبُهاتٌ وهمية حول الكتاب المقدَّس

٤- اتفاق البشيرين.

قواعد علم تفسير الكتاب المقدس

بعض قصص الإنجيل واضحة جداً للغاية بحيث يستطيع أي إنسان أن يفهمها. ولكن بعض أجزاء الكتاب المقدَّس الأخرى يصعب إدراك معانيها بسهولة مماثلة. فالكتاب المقدَّس كتاب قديم مؤلف من أجزاء عديدة، وقد دوَّنهُ كُتَّابٌ عديدون ومتنوّعون، ووُجِّه إلى قُرَّاء عديدين ومتنوعين، بأساليب كتابية ولُغوية مختلفة. فمن المفيد عند قراءتنا مقطعاً من الكتاب المقدَّس أن نطرح ثلاثة أسئلة:

ماذا يقول المقطع فعلاً؟ ماذا يعني المقطع؟ ماذا يعني لنا المقطع اليوم؟

ماذا يقول المقطع فعلا؟

لفهم ما يقوله المقطع، ينبغي لنا أن نطرح مزيداً من الأسئلة الأكثر تفصيلاً. فمن المهم مثلاً أن نسأل: متى وأين كُتِب هذا السِفر أو المقطع؟

قبل ولادة المسيح أم بعدها؟

قبل الخروج أم بعده؟

عندما كان إسرائيل تحت حُكم ملوكها أم تحت الاحتلال؟

أين كُتِبَ هذا السِفر أو المقطع؟

خلال السبي في بابل؟

في زنزانة سجن روما؟

في البلاط الملكي كسجل رسمي؟

فإذا استطعنا الإجابة عن هذه الأسئلة تتوضح لنا الخلفية التاريخية للمقطع المدروس. وهذا الأمر يساعدنا على فِهْم ما قصده الكاتب.

سؤال مفيد آخر، لماذا كُتِبَ هذا المقطع. وإذا تمكنا من فهم ما قصده الكتاب، نبدأ نفهم بصورة أفضل بعض ما يقوله. فمثلاً كتب بولس بعض رسائله لإصلاح أخطاء تعليمية شاعت بين بعض الجماعات المسيحية. فهو يفضح الضلال ويبيِّن للمؤمنين طريق الحق ليسلكوا فيه. على هذا النحو أيضاً يفيدنا أن نعرف أن كاتب سفر الرؤيا أراد أن يشجِّع قُرَّاءَه الذين كانوا يعانون الاضطهاد لأجل الإيمان.

ومن النافع أيضاً أن نسأل: ما هو موضوع هذا السفر، فالجواب على هذا السؤال يساعدنا على قراءة السفر بالطريقة الصحيحة.

هل السفر سرد للأحداث المتعلقة بسيرة المسيح وموته؟ هل هو قائمة بالفرائض الدينية للشعب العبراني؟ هل هو مجموعة قصائد دينية؟

من المهم أحياناً أن نسأل عن معاني كلمات معينة. ففي الكتاب مفاهيم خاصة مثل “الكفَّارة” أو “الخطية” فمهم أن نفهم معاني هذه الاصطلاحات إذا أردنا الوقوف على رسالة الكتاب.

ينبغي أن نسأل أيضاً: أي نوع من الكتابة هذا؟ وفي أي شكل كُتِب؟ أهو تاريخ؟ أم شعر؟ أم رسالة؟

ومن ثم نستطيع أن نتابع طرح الأسئلة المتعلقة بذلك النوع من الكتابة. فإن كنا نقرأ سفراً تاريخياً يمكن أن نسأل: أي أحداث مهمة أخرى كانت جارية في الفترة نفسها؟ ولماذا اختار الكاتب سرد هذه الأحداث؟ ولماذا سردها على هذا النحو؟

ولكن إذا كان السفر شعرياً فعلينا أن ننظر في استعمال الكاتب لغة التصوير الشعري. ماذا يعني استعماله لهذه الصورة الشعرية؟ وكيف كانت هذه القصيدة أو الترنيمة تُستخدم في العبادة؟ ويجدر بنا أن ننظر في بعض أشكال الكتابة التي يحتوي عليها الكتاب المقدَّس:

التاريخ والسيرة:

في العهد القديم عدة أسفار تاريخية، مثل سفري صموئيل والملوك. ونجد في العهد الجديد تاريخاً في الأناجيل والأعمال. فإذا كنا نقرأ تاريخاً ينبغي أن نطرح أسئلة تتعلق بخلفية الأحداث.

ماذا كان يجري في العالم الخارجي آنذاك؟ أية شئون مهمة كانت تجري؟

ثم ينبغي أن ندقق في المقطع ونجيب على هذه الأسئلة: ماذا يحدث فعلاً؟ من هم الأشخاص الرئيسيون؟ أين حدث هذا كله؟

ولمَّا كانت الأحداث التاريخية تُكتب أحياناً لإثبات فكرة معينة أو لإيضاح وجهة نظر خاصة، فمن المهم أن نسأل عمَّا يحاول الكاتب إظهاره.

الشريعة:

إن أسفار الشريعة في الكتاب المقدس هي الخروج واللاويين والتثنية. وهي تتضمن مقاطع طويلة تسرد شرائع وقوانين. فمن المهم أن نسأل:

على أي ناحية من نواحي الحياة ينطبق هذا القانون أو ذاك؟

هل يتناول القانون قضايا السلوك والأخلاق؟

هل القوانين حكومية أم اجتماعية؟

هل تتعلق بالصحة وحياة الأسرة؟

هل هي قوانين دينية تتعلق بالعبادة والذبائح والطقوس؟

وحين نقرأ فصولاً من أسفار الشريعة، فمن المهم أن نربطها بفترات معينة تنطبق عليها من تاريخ بني إسرائيل. وعندما نصل إلى العهد الجديد، ينبغي أن نفهم مدى تفوُّق تعاليم المسيح على الشريعة الموسوية. فرسالتا غلاطية والعبرانيين مثلاً، تبيّنان أن المسيحيين الأوائل اعتقدوا أن غاية الشريعة تحققت في المسيح.

الشعر:

في العهد القديم أسفار يغلب عليها الشعر. وخير أمثلة على هذا أيوب والمزامير ونشيد الأنشاد. وتوجد أيضاً مقاطع شعرية في أسفار الأنبياء وأخرى أقصر منها في العهد الجديد، نشيد العذراء التسبيحي، هذه المقاطع ينبغي أن نقرأها شعراً لا نثراً.

هل السفر مكتوب أشبه بمسرحية لها أشخاص مثل أيوب وأستير؟ أهي مشاعر الكاتب الشخصية التي قد نشاركه فيها أحياناً؟ (مثل بعض المزامير). ويجب أن نعرف الخلفية التاريخية لقصيدة معينة، مثل مرثاة داود لصديقه يوناثان. وفي الشعر العبري تكرار تأكيدي، حيث يكثر أن نجد الشاعر يكرر نفس الفكرة في بيتين متتاليين بطريقتين مختلفتين.

الأمثال والحكم

في العهد القديم سفران مختصان للأمثال والحكم، وهما الأمثال والجامعة. وهذه مرتبة أحياناً حسب موضوع يجمعها، وأحياناً كأقوال مستقلة بعضها عن بعض. من هذه الأمثال ما يحدد مبادئ عامة في الحياة الإنسانية، ومنها ما يصور الحياة بعيداً عن الله، وبعضها عن مصدر السعادة الحقيقي.

النبوة

تشغل الأسفار النبوية حيزاً كبيراً من العهد القديم. وهذا لا يعني بالضرورة أن هذه الأسفار تُنبئ عن أحداث في المستقبل. فقد كان الأنبياء الذين كتبوها معنيين بفضح الشرور والفساد والخطية وما رأوه في المجتمع حولهم من لامبالاة بالله وإهمال لوصاياه. إلاَّ أنهم تطلَّعوا بين الحين والآخر إلى ما يخفيه الله في المستقبل.

وعند قراءتنا لأسفار الأنبياء، ينبغي أن نحيط بخلفيتها التاريخية، وهناك أيضاً بعض الأسئلة النافعة:

هل يستعمل الكاتب لغة مجازية؟ هل يكتب نوعاً من الشعر؟ ماذا تعني صوره الكلامية؟ ماذا كان قصده؟ هل فهم كاتبوا العهد الجديد هذه النبوَّة على نوعٍ خاص؟

الأمثال أو القصص:

نجد في الأناجيل كثيراً من أمثال المسيح، كذلك نجد أمثالاً في بعض أسفار العهد القديم التاريخية والنبوية. وهنا علينا أن نفهم الفكرة الرئيسية للمَثَل، ثم نسأل: هل لتفاصيل المثَل معاني خاصة أم أنها واردة لإكمال مشهد القصة؟ فكثيراً من أمثال المسيح رواها ليسهل على الناس العاديين أن يفهموا صورة ملكوت الله وكيف يتعامل الله مع البشر.

فيجب أن نعرف المناسبة التي فيها رُوِي المَثَل فنفسِّره في ضوء القصد الرئيسي. فمناسبة المَثَل تساعدنا على إدراك المعنى الرئيسي. ليس لكل تفاصيل المَثَل معاني روحية فلا يجب أن نحمِّل النَّص أكثر من جوهر التعليم ولا أن نستقي منه أية استنتاجات فرعية لا ترتبط بالقرينة، ولا أن نستخرج من كل تفاصيل المَثَل دروسا ًوقد نصحنا القديس يوحنا ذهبي الفم أن نأخذ المعنى الرئيسي من المَثَل “وألاَّ نشغل نفوسنا كثيراً بالبقية” ففي مثل السامري الصالح يكفي أن نرى أن قريبي هو المحتاج لمساعدتي مهما اختلف عنِّي في الدين والجنسية، دون داعي لأن نتسائل عن المقصود بالحمار أو صاحب الفندق أو الدينارين![21]

الرسائل:

معظم الأسفار الأخيرة من العهد الجديد رسائل كتبها رسل المسيح إلى جماعات مسيحية في أماكن شتى. فعندما نقرأ الرسائل يجب أن نسأل: من كتب هذه الرسالة؟ إلى من؟ ماذا كان قصده من الكتابة؟ ما موضوع الرسالة الرئيسي؟

كيف فهم الآباء الأولون هذا المقطع؟

ماذا يعني لنا المقطع اليوم؟

هل يوجد في عصرنا اليوم وضعٌ مشابه لما كان فيه القارئ الأصلي؟ أي تعليم محدد في هذا المقطع؟ أفي المقطع شئ نتعلَّمه: عن الله؟ عن الإنسان؟ عن العالم؟ عن الكنيسة؟ عن أي موضوع آخر؟

 

الباب الرابع

جغرافية الكتاب المقدس

 

“الجغرافيا هي العامل الثابت في صُنْعِ التاريخ”

شارل ديجول في رسالة خطية للرئيس جمال عبدالناصر

“خريف الغضب” محمد حسنين هيكل

 

جغرافية الكتاب المقدس

 

إن البلاد المذكورة في العهد القديم ماعدا مصر تقع في الجزء الغربي لقارة آسيا. وفي هذا الجزء من العالم خُلِقَ الإنسان وفيه سكن الآباء الأولون الذين كانت أعمارهم طويلة. وكذلك سلالات نوح إلى زمن طويل بعد الطوفان. وفيه تأسست وزهت ممالك مثل أشور وبابل وفارس. وفيه أيضاً توجد آثار وأطلال القصور العظيمة والحصون التي لا تزال لها أثرٌ في بلاد الممالك الآشورية، والبابلية، والفارسية والسورية! وهي تشهد شهادة صريحة لكثرة تعداد سكانها قديماً وغنائهم.

أما جنة عدن فقد كانت في العراق يحدها نهر الفرات الشهير ونهر دجلة[22]. أمَّا البلاد الكبيرة المذكورة في العهد القديم هي

فلسطين: أو أرض اليهودية، والشام ومن داخلها فينيقية.

وآسيا الصغرى: وهي تدعى الآن الأناضول أو تركيا.

وبلاد ما بين النهرين: بابل أو كلدية أو أرض الكلدانيين.

أشور: وهي شمال العراق ولا يزال الأشوريون موجودين حتى اليوم

وبلاد العرب.

مصر: وهي في الجزء الشمالي الشرقي لقارة أفريقيا، ما عدا شبه جزيرة سيناء تقع في قارة آسيا.

أما قارة آسيا فهي معروفة بأنها أفضل من قارة أفريقيا بصفاء هوائها وجودة تربة أرضها، ولكن الكتاب المقدَّس يذكر أغلب الحوادث التي جرت في فلسطين لأن فيها زهت مملكة إسرائيل ويهوذا، وفيها بنى سليمان هيكل الله وفيها كُتِبَ جزء كبير من الكتاب المقدَّس، وفيها أتَمَّ يسوع المسيح خلاص الجنس البشري، ومنها انطلق رُسُل المسيح حسب أمره لكي يكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها.

ودُعيت هذه الأرض “كنعان” نسبة إلى كنعان بن حام بن نوح الذي سكنها أولاً هو ونسله. ويحدها من الشمال جبل لبنان، ومن الشرق نهر الأردن والبحر الميت، ومن الجنوب برية صين ومن الغرب بحر الروم أو البحر الأبيض المتوسط وكانت بلاد حوران تدخل ضمن نطاقها وهي تقع في الشرق وفيها سكن سبطان ونصف من أسباط بني إسرائيل، طولها ۱٥۰ ميل وعرضها من البحر المتوسط إلى الحد الشرقي ٥۰ ميلاً. وسُميت هذه الأرض عدة أسماء ذات معانٍ، فدُعِيَت “أرض الميعاد” لأن الله وعد بها إبراهيم ونسله، و”فلسطين” من الفلسطينيين الذين سكنوا ساحل البحر إلى الجنوب من مدينة يافا. و”اليهودية” لأن سبط يهوذا امتلك أكبر قسم فيها، وتدعى أيضاً “الأرض المقدَّسة” بسبب الأمور المذكورة عنها في الكتاب المقدَّس ولا سيما أنها كانت مكان ميلاد وخدمة وموت وقيامة ربنا ومخلِّصنا يسوع المسيح له المجد. أما الآن فتُدعى “إسرائيل” وقد رفض العرب أن يدرجوا هذه التسمية في خرائط الكتب الدراسية المقررة على المدارس والجامعات منذ عام ۱٩٤٨م، وحتى بعد نكسة ۱٩٦٧ وكذلك حرب أكتوبر Yom Kippur حتى بعد معاهدة السلام التي عقدتها مصر مع إسرائيل عام ۱٩٧٩ وبذلك تكون مصر أول دولة عربية اعترفت رسمياً للعالم العربي والعالم أجمع بدولة إسرائيل وقد دفع الرئيس أنور السادات حياته ثمناً لهذا!

تقسيم كنعان بين أسباط بني إسرائيل

وقد انقسمت هذه الأرض بين أسباط إسرائيل الاثنى عشر. فامتلك رأوبين وجاد ونصف منسى الجزء الواقع إلى شرقي الأردن وهو يمتد من البحر الميت جنوباً إلى جبل الشيخ شمالاً. وبقية الأسباط واقعة غرب نهر الأردن، وكان نصيب يهوذا الجزء الجنوبي منها، وهو يمتد من بئر سبع إلى مدينة أورشليم طولاً، ومن بحر الروم (البحر المتوسط) إلى بحر لوط (البحر الميت) عرضاً. وإلى الشمال منه سبط بنيامين. وإلى الشمال من بنيامين سبط أفرايم ويُعرف الآن بجبل نابلس. وإلى الشمال من أفرايم كان نصف منسى ويساكر والأرض المعروفة الآن بمرج ابن عامر. وعلى الطرف الشمالي من الأرض كان أشير وتسمى الآن ببلاد بشارة. وإلى الشرق منه نفتالي وتسمى الآن بلاد صفد ومرج عيون. وبينه وبين يساكر كان زبلون وتعرف الآن ببلاد الناصرة. أما سبط شمعون فكان متفرقاً في سبط يهوذا. وسبط دان قسم منه سكن في يافا ونواحيها وقسم في الحولة ونواحيها.

التعريف ببعض المدن الهامة في العهد القديم

المدن مرتبة حسب الترتيب الأبجدي

أدوم

ومعني أدوم “الأحمر”. أمَّا حدودها، يمكن معرفة حدود أدوم على نوع من الدقة، ففي شرقي العربة كانت تمتد الحدود الشمالية من البحر الميت، يحف بها وادي القوارحي أو وادي الحسا. أما من الشرق فتحف بها الصحراء. أما الحدود الجنوبية فكانت تمر بأيلة وعصيون جابـــــــر (تث ۲: ٨). أما في غربي العربة فكانت الحدود الشمالية لأدوم هي نفسها الحدود الجنوبية لإسرائيل (عدد ۳٤: ۳ و٤) حيث نقرأ “تَكُونُ لكُمْ نَاحِيَةُ الجَنُوبِ مِنْ بَرِّيَّةِ صِينَ عَلى جَانِبِ أَدُومَ. وَيَكُونُ لكُمْ تُخُمُ الجَنُوبِ مِنْ طَرَفِ بَحْرِ المِلحِ إِلى الشَّرْقِ ٤وَيَدُورُ لكُمُ التُّخُمُ مِنْ جَنُوبِ عَقَبَةِ عَقْرِبِّيمَ وَيَعْبُرُ إِلى صِينَ وَتَكُونُ مَخَارِجُهُ مِنْ جَنُوبِ قَادِشَ بَرْنِيع وهذه الأخيرة تقع في أطراف تخــــوم أدوم (عد ۲۰: ۱٦) ويمكن بوجه عام، اعتبار هذه الحدود هي “وادي الفكرة”. وليس من الميسور تحديد المرتفعات شرقي العربة جنوبي خليج العقبة والتي كانت تدخل في حدود أدوم.

أريحا

ومعناها “مدينة القمر” أو “مكان الروائح العطرية”. وهي تقع بحسب ما جاء في سفر التثنية (۳۲: ٤٩) مقابل جبل نبو، وتدعي أيضاً “مدينة النخل” (تث۳٤: ۳).

ويتفق الثقاة على وجه العموم، على تحديد موقع المدينة القديمة عند “تل السلطان” على بعد ميل ونصف إلى الشمال الغربي من أريحا الحديثة حيث توجد أكمة تبلغ ۱۲۰۰ قدماً طولاً وخمسين قدماً ارتفاعاً، وتعلوها أربع أكمات أصغر منها بيلغ أعلاها ٩۰ قدماً فوق مستوى قاعدة الأكمة الرئيسية.

وفي ۱٩۰٧ - ۱٩۰٩ م قام “سلين ووارنجر” بالتنقيب عن آثار أريحا حيث اكتشفا مدينة كنعانية يعتقد أنها تلك التي دمَّرها يشوع، إلاَّ أنه لم توجد أسوار للمدينة فوق الأرض. أما كونها مدينة كنعانية، فهذا ما لا مجال للشك فيه، ولكن “فنسنت” ألقى بعض الشك فيما يختص بتاريخ تلك المدينة، ويشاركه في ذلك “ألبرايت”. أما القحط والجفاف الشديد في هذه المنطقة في الوقت الحاضر، فإنما يعزى إلى حدٍّ بعيد إلى التخريب الذي حدث للقنوات التي كانت تغذي السهل قبلاً بالمياه المنحدرة إلى الوديان من جبال اليهودية. إن الكثير من هذه الأطلال تشهد في صمت عن سر اضمحلالها، فقد كانت هناك اثنتا عشرة قناة في مستويات مختلفة، تتفرع من وادي القلت لتروي السهل شمالاً وجنوباً، وقد تم ترميمها في العصور الوسطى حتى أمكن زراعة محاصيل وفيرة ومتنوعة من القمح والشعير والذرة والتين والعنب والقصب.

أشقلون

مدينة قديمة على ساحل فلسطين بين يافا وغَزَّة. أصبحت معقلاً رئيسياً من معاقل الفلسطينيين. أغار شمشون عليها وقتل ثلاثين رجلاً لدفع ما ترتب عليه من جراء مراهنة. وقد توالى على حكمها في العصور اللاحقة الأشوريون والبابليون والصوريون. وفي زمان العهد القديم وُلِدَ هيرودس الكبير في أشقلون.

(قض ۱: ۱٨، ۱٤: ۱٩ و۱صم٦: ۱٧، وإر٤٧: ٥-٧)

أشور

الجزء الشمالي من العراق اليوم، وعلى طول نهر دجلة نحو الشرق حتى سفوح جبال زاغروس.

أور

مدينة شهيرة على ضفاف نهر الفرات في بابل الجنوبية (العراق اليوم)، موطن أسرة إبراهيم قبل ارتحاله شمالاً إلى حاران. ظل موقع أور عامراً آلاف السنين قبل خرابه كلِّياً نحو عام ۳۰۰ ق م وقد كشفت التنقيبات عن آلاف الألواح الطينية التي تحوي نقوشاً تصف تاريخ المدينة وحياتها. ووُجِدَ في القبور الملكية (التي تعود إلى ۲٦۰۰ق م تقريباً) كنوز عديدة هي آياتٌ في الفن الرفيع: أسلحة من ذهب، مائدة قمار من الموزاييك المُطَعَّم، لوحات فسيفسائية تصوِّر مشاهد الحرب والسِلْم، وتُحف أخرى كثيرة. (تك۱۱: ۲٨-۳۱)

أورشليم “القدس”

عاصمة ملوك إسرائيل الأولين، وفي ما بعد عاصمة مملكة يهوذا الجنوبية. وهي من أشهر مدن العالم وتُدعى أيضاً “الأرض المقدَّسة”. تقع على قمة أحد جبال اليهودية (٧٧۰ متراً) ولا سبيل إليها بحرياً أو نهرياً. تنحدر الأرض منها بشدة من جميع الجهات ماعدا الشمال. ويقع وادي “قدرون” إلى الشرق، بين أورشليم (وهيكلها) وجبل الزيتون، فيما ينعطف وادي “هنوم” حول المدينة من جهتي الجنوب والغرب. وهناك وادٍ ثالث، أوسط، يخترق نصف المدينة فيفصل ديار الهيكل ومدينة داود عن الجزء الغربي (الأعلى).

يُرجَّح أنها “ساليم” التي كان ملكي صادق مَلِكَاً لها في أيام إبراهيم. ومن المؤكد أنها كانت موجودة نحو عام ۱٨۰۰ق م فقد كانت حصناً يبوسيًّا (يُدعى “يبوس”) عندما استولى عليها الملك داود وجعلها عاصمته. وقد اشترى داود موقع الهيكل وأتى بتابوت العهد إلى أورشليم. وبنى سليمان هيكل الله. ومن تلك اللحظة صارت أورشليم هي “المدينة المقدَّسة” عند اليهود كما هي عند المسيحيين والمسلمين من بعد. وقد أضاف سليمان إليها قصوراً جميلة ومباني عامة. وكانت مركزاً سياسياً ودينياً يؤمّه الناس في الأعياد السنوية الكبيرة.

وقد أصاب المدينة بعد سليمان وانقسام المملكة انحطاط إلى حدٍّ ما. وفي زمن الملك حزقيا والنبي إشعياء حاصرها الأشوريين. فبنى الملك قناة “سلوام” لتأمين المياه. وقد حاصر البابليون أورشليم عام ٥٩٧ ق م، وفي ٥٨٦ ق م استولوا على المدينة ودمَّروها مع الهيكل وساقوا الشعب اليهودي أسرى إلى بابل.

وفي عام ٥۳٨ ق م أُذِنَ لهم بالعودة، فبُنِي الهيكل من جديد بقيادة زربَّابل، ورُمِّمت أسوار المدينة بمسعى نحميا. وفي سنة ۱٩٨ ق م سيطر الملوك السلوقيُّون على أورشليم كجزء من الإمبراطورية اليونانية. وقد تم نهب الهيكل وتدنيسه على يد واحد من هؤلاء الملوك السلوقيين وهو “أنطيوخس الرابع أبيفانس” وتزعَّم يهوذا المكابيّ ثورة يهودية أدت إلى تحرير الهيكل وتطهيره (۱٦٤ ق م).

وقد ظلت أورشليم حُرَّة زمناً. وفي منتصف القرن الأول ق م استولى عليها الرومان. وقد اضطلع هيرودس الكبير الذي ملَّكه الرومان بإصلاح أورشليم وقام بأعمال عمرانية ضخمة منها بناء هيكل جديد وفخم.

إلى هذا الهيكل جاءت القديسة العذراء مريم بيسوع وهو طفل. وإليه جاء به أبواه أيضاً وهو في الثانية عشرة لحضور عيد الفصح السنوي. ولما كبر يسوع زار أورشليم دوريَّاً بمناسبة عدة أعياد دينية لكي يبشِّر ويشفي. وقد جرى القبض عليه ومحاكمته وصلبه وقيامته في أورشليم.

وبعد عدة أسابيع كان أتباع المسيح مازالوا في أورشليم إلى أن نزل عليهم الروح القدس في يوم الخمسين وجعلهم شهوداً للمسيح. وهكذا بدأت حياة الكنيسة المسيحية في أورشليم، ومنها انطلقت في أنحاء العالم القديم. وقد قام المسيحيون في أورشليم بدور أساسي في السنين الأولى. ففي أورشليم عُقِدَ المجمع الأول الذي نظر في وضع المسيحيين غير اليهودي الأصل.

وفي عام ٦٦م ثار اليهود على الرومان. وفي عام ٧۰م بقيادة تيطس استرجع الرومان أورشليم، فهدموا أسوارها ودمَّروا هيكلها. وفي القرن الرابع تنصَّرت المدينة على يد قسطنطين وبُنِيَت فيها كنائس كثيرة.

وفي سنة ٦۳٧م فتح المسلمون المدينة وظلَّت أورشليم تحت سيطرتهم تقريباً حتى عام ۱٩٤٨م حين تأسست دولة إسرائيل الحديثة أثر حرب ضروس هزمت فيها إسرائيل جميع الدول العربية المؤازرة لفلسطين (شارك في هذه الحرب الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر وهو برتبة بكباشي، والضابط سعد الدين الشاذلي الذي أصبح الفريق الشاذلي رئيس أركان الجيش المصري في حرب ۱٩٧۳ وهو الرأس المدبر لهذا التخطيط والهجوم كما سنبين في الجزء الثالث). وبعد هزيمة العرب عام ۱٩٤٨ قُسِّمَت المدينة بين اليهود والعرب، وفي ٥ يونية ۱٩٦٧م احتلت إسرائيل من مرتفعات الجولان في سوريا شمالاً وحتى شبه جزيرة سيناء بأكملها بحدود قناة السويس جنوباً ومروراً بالأردن وفيما أطلقنا نحن العرب عليها “بنكسة ۱٩٦٧).

(تك۱٨:۱٤، يش٦۳:۱٥، ۲صم٥، ۱مل٦، مز ٤٨، ۱۲۲، ۱۲٥، ۱مل۱٤: ۲٥، ۲٦، ۲مل ۱۲: ۱٧-۱٨، ۱٨: ۱۳، ۱٩: ۳٦، ۲۰: ۲۰و۲٥، عز٥، نح ۳-٦، لو ۲، ۱٩: ۲٨و ۲٤: ٤٩ إلخ، يو۲: ۲۳، ۳: ۲۱، ٥، ٧: ۱۰، ۱۰: ٤۲، أع ۲ و ۱٥).

أون

مدينة قديمة في مصر، اشتهرت بعبادة الإ~له “رع” (الشمس). تزوَّج يوسف بابنة كاهن أون، ورُزقا ابنين هما منسَّى وأفرايم. وقد ورد ذكر أون لاحقاً في كتب الأنبياء، كما ذُكرت باسمها اليوناني “مدينة الشمس” أو “بيت الشمس” (هليوبوليس).

(تك٤۱: ٤٥و٥۰، ٤٦: ۲۰، حز۱٧:۳۰، إش۱٨:۱٩، إر۱۳:٤۳)

بابل

مدينة على نهر الفرات تبعد عن بغداد الحديثة ٨۰ كم جنوباً، أسَّس بابل “الصياد الجبار” نمرود، وفيما بعد صارت عاصمة بلاد بابل والإمبراطورية البابلية. وفي عام ۱٧٥۰ ق م كتب حمورابي –أحد ملوك بابل الأولين- على حجر ضخم شريعة شاملة تضم مجموعة كبيرة من القوانين تشبه شريعة موسى إلى حدٍ كبير.

وبعد هزيمة أشور سنة ٦۱۲ ق م صارت بابل عاصمة لمملكة قوية تمتد من الخليج العربي إلى البحر المتوسط. وفي سنة ٥٩٧ و ٥٨٦ ق م غزا نبوخذنصَّر أورشليم المتمردة، وفي الغزوتين سبى شعب يهوذا إلى بابل وبينهم النبيَّان حزقيال ودانيال.

انتشرت المدينة فوق رقعة واسعة على كلتا ضفتيّ نهر الفرات. وكانت المدينتان الداخلية والخارجية محصَّنة بأسوار مزدوجة عرضها ما بين ثلاثة إلى سبعة أمتار، وكانت للمدينة الداخلية ثمانية أبواب ضخمة وفيها خمسون هيكلاً. أما “الحدائق المعلقة” إحدى عجائب  الدنيا السبع هي في بابل أيضاً، وهي مصاطب متفاوتة المستوى مغروسة بالنخيل والأشجار والنباتات المختلفة وفَّرت الظل واللون في أرض منبسطة.

استولى الفُرْس على المدينة بقيادة كورش عام ٥۳٩ ق م. ويقول هيرودوتس المؤرخ اليوناني الشهير إنَّهم حوَّلوا مجرى الفرات وزحفوا عبر المجرى الجاف فدخلوا المدينة! ومنذئذٍ أخذت بابل في الأنحدار ولم يبق منها اليوم إلاَّ تلال من الخرائب المنتشرة فوق مساحة واسعة توفِّر مجالاً خصباً لعلماء الآثار.

(تك۱۰:۱۰، ۲مل۱:۲٤، ۲٥: ٧-۱۳، إش۱٤: ۱-۲۳، دا۱-٦)

باشان

منطقة خصبة شرق بحيرة الجليل، اشتهرت بمواشيها وسنديانها القوي. عندما كان بنو إسرائيل متجهين إلى أرض الموعد من مصر هزموا جوعاً ملك باشان، وأُعطيت أرضه لسبط منسَّى. (تث۳، مز۱۲:۲۲، إش۱۳:۲)

بحر سُوف

أو البحر الأحمر، ومعنى الاسم بالعبرية “بحر القصب”. وفي أخبار الخروج يشير إلى منطقة البحيرات والمستنقعات بين رأس خليج السويس والبحر المتوسط (منطقة قناة السويس) ويُطلق الاسم أيضاً على خليج السويس، وخليج العقبة (لسان البحر الأحمر من منطقة الشمال).

(خر۱۳، عد۱۰:۳۳، تث٤۰:۱)

البحر الكبير

غالباً ما يستخدم الكتاب المقدَّس هذا الاسم للدلالة على البحر المتوسط.

بحر الملح

اسم البحر الميت في العهد القديم، وأطلق عليه هذا الاسم لأن مياههة تحتوي على رواسب كثيرة جداً من الملح. يُطلق عليه أيضاً “بحر لوط”.

بيت إيل

مكان يبعد عن أورشليم ۱٩ كم شمالاً، فيه حلِمَ يعقوب بسلِّم منصوب من السماء للأرض. وقد وعده الله بأن يحرسه ووعده أنَّه سيعطي ذريته الأرض. دعا يعقوب المكان بيت إيل “بيت الله” وعندما فتح بنو إسرائيل أرض كنعان، وبعد مضي قرون استولوا على بيت إيل واستقرُّا فيها.

ولما انفصلت مملكتا يهوذا وإسرائيل، أقام يربعام ملك إسرائيل مذبحاً وعِجْل ذهب في بيت إيل، كي يتمكن الناس من العبادة هناك بدلاً من التوجه إلى أورشليم وقد ندَّد الأنبياء بهذا العمل. ولما سُبِي الإسرائيليون استوطن الأشوريون في بيت إيل. وبعدما عاد المسبيُّون استقر بعضهم في بيت إيل.

(تك۲٨: ۱۰-۲۲، قض۱: ۲۲-۲٦ و۱٨:۲۰، ۱مل۱۲: ۲٦-۳۳، ۲مل ۲ و۲٨:۱٧، نح۳۱:۱۱)

بيت حورون

مدينتان سيطرتا على وادي أيّلون والطريق التجاري القديم. وهذا الطريق سلكت فيه جيوش كثيرة في أزمنة الكتاب المقدَّس. وهناك طارد يشوع ملوك الأموريين الذين هاجموا مدينة جبعون. وقد توالى على هذه البقعة الفلسطينيون والمصريون السوريون.

(يش۱٦: ۳-۱٥، ۱۰:۱۰، ۱صم۱٨:۱۳)

بيت شان

مدينة قديمة جداً في شمال فلسطين، حيث ينحدر وادي يزرعيل نحو ضفة الأردن الغربية، لم يفلح الإسرائيليون في طرد الكنعانيين من هذه المنطقة. وبعد قتل شاول ويوناثان على أيدي الفلسطينيين في جبل جلبوع، عُلِّق جسدهما على أسوار بيت شان، ولكن أهل يابيش جلعاد أتوا بهما فيما بعد ودفنوهما. أما في العهد الجديد فقد عُرِفت بيت شان باسمها اليوناني “اسكيثوبوليس” وكانت في عداد المدن العشر “ديكابوليس” وهي الوحيدة الواقعة غرب الأردن.

(يش۱٧: ۱۱ و۱٦، قض۲٧:۱، ۱صم۳۱: ۱۰-۱۳، ۲صم۱۲:۲۱، ۱مل۱۲:٤)

بيت شمس

مدينة تبعد ۱٩كم غربي أورشليم، أُعطيت للكهنة، كانت قريبة من الحدود مع الفلسطينيين. ولما أعاد الفلسطينيون تابوت العهد جاء إلى بيت شمس. وفي بيت شمس انتصر يهوآش ملك مملكة إسرائيل الشمالية على أمصيا ملك يهوذا وأسَرَهُ.

(يش۱٦:۲۱، ۱صم٦: ٩-۲۱، ۱مل٩:٤، ۲مل۱٤: ۱۱-۱۳).

بيت صور

إحدى مدن يهوذا، تبعد ٦كم إلى الشمال من حبرون. حلَّت فيها أسرة كالب، وأصبحت فيما بعد واحدة من خمسة عشر مدينة حصَّنها الملك رحبعام. وساعد رجالٌ منها في ترميم أورشليم بقيادة نحميا. وتقع على واحدٍ من أعلى قمم الجبال في البلد، وكانت مسرحاً شهد واحداً من أعظم الانتصارات في أثناء الثورة المكابية.

(يش٥٨:۱٥، ۱أخ٤٥:۲، ۲أخ٧:۱۱، نح۱٦:۳).

بيت لحم

مدينة داود، تبعد عن أورشليم ٨كم جنوب غرب. وتقع في جبال اليهودية. دُفِنت راحيل زوجة يعقوب بالقرب منها، وفيها استقرت راعوث ونُعمى. كانت بيت لحم مسقط رأس داود النبي، والمكان الذي فيه اختارهُ صموئيل ليكون ملك المستقبل خلفاً لشاول. وقد تنبأ النبي ميخا بولادة المسيح في بيت لحم مع أنَّها لم تكن إلاَّ مدينة صغيرة.

وبعد مضي عدة قرون، أتى الإحصاء الروماني بمريم العذراء ويوسف إلى بيت لحم، وجاء الرعاة ومن بعدهم المجوس وسجدوا ليسوع الطفل الذي وُلِدَ في مذود “بمدينة داود” وبعد مدة قصيرة أصدر الملك هيرودس فرماناً بقتل جميع أطفال بيت لحم من ابن سنتين فما دون. (تك۱٩:۳٥، راعوث، ۱صم۱٦، ميخا۲:٥، مت۲، لو۲).

بئر سبع

آخر مدينة لبني إسرائيل في أقصى الجنوب على طرف صحراء النقب، وعلى الطريق التجاري إلى مصر، وتنسب المدينة حفر البئر الذي فيها إلى إبراهيم. كادت هاجر أن تموت في برية بئر سبع، ومن هذا المكان انطلق إبراهيم ليقدِّم إسحاق ابنه ذبيحة. وهناك كان يعيش إسحاق لما انطلق يعقوب إلى حاران. وتُذكر بئر سبع فيما يتعلَّق بإيليا وعاموس. أما العبارة “من دان إلى بئر سبع” فقد أصبحت تُستعمل للإشارة إلى البلد كله من الشمال إلى الجنوب.

(تك۲۱: ۱٤، ۳۰-۳۳، ۲٦: ۲۳-۳۳، ۱مل۳:۱٩، عا٥:٥).

ترشيش

البلد البعيد الذي أبحر يونان نحوه لما عصى أمر الرب بالذهاب إلى نينوى. والبلد مصدر للفضة والقصدير والحديد والرصاص. ولعلها ترتيسُّوس بأسبانيا. (يون۳:۱، إش٦:۲۳، إر٩:۱۰، حز۱۲:۲٧).

ترصة:

مدينة في شمال فلسطين اشتهرت بجمالها. كانت أحد المواقع التي استولى عليها يشوع. أصبحت فيما بعد موطن يربعام الأول، وأول عاصمة للمملكة الشمالية، فقد نقل الملك عُمري مقر حكمه لاحقاً إلى مدينة السامرة الجديدة. وموقع ترصة هو مدينة تل الفارعة على بُعد نحة ۱۱كم من شكيم (نابلس).

(يش۲٤:۱۲، ۱مل۱٤-۱٦، ۲مل۱٥: ۱٤و۱٦، نش٤:٦).

جبعة

ومعنى الاسم “تل أهم أكمة”، وقد وردت في موضعين كاسم مكان، وهناك لبس بين الكلمات العبرية “جبعا، جبعة، وجبعون” وذلك لتشابهها في اللفظ وفي المعنى لآبائهم مشتقة من أصل واحد. وجبعة اسم:

۱- مدينة غير محددة في نصيب سبط يهوذا (يش ۱٥: ٥٧) وهي مذكورة مع مجموعة من المدن تشمل الكرمل وزيف والقاين، ولذلك فهي على الأرثوذكسية، كانت تقع إلى الجنوب الشرقي من حبرون، وربما كانت إحدى القريتين اللتين ذكرهما يوسابيوس وهما جبع وجبعة في الشرق من “داروما” ومن المحتمل آمنين تكون هي جبعة المذكورة في أخبار الأولى الثاني (۱۳: ۲).

۲- مدينة في نصيب بني بنيامين (يش ۱٨: ۲٨، قض ۱٩: ۱٤)، وتسمى “جبعة بنيامين” (۱ صم ۱۳: ۲ و۱٥ و۱٤: ۱٦)، و”جبعة بني بنيامين” (۲صم ۲۳: ۲٩ )، و”جبعة شاول (۱صم ۱۱: ٤، أش ۱۰: ۲٩)، ولعلها هي أيضاً “جبعة الله” (۱صم ۱۰: ٥).

أ- تاريخها: القصة التي ورد فيها اسم جبعة في سفر القضاة هي مأساة بالغة الأهداف، فهي تلقى ضوءًا قوياً على الأحوال التي كانت سائدة في تلك الأولى حين “لَمْ يَكُنْ مَلِكٌ في إِسْرَائِيل” (قض ۱٩: ۱). كان رجل لاوي متغرباً في عقاب جبل أفرايم، وهربت منه سريته عائدة إلى بيت أبيها في بيت لحم يهوذا، فذهب أليها ليعيدها إليه، فاستقبله أبوها بحفاوة، واستضافه حتى مالت شمس اليوم الخامس للمغيب، فذهب هو وسريته حتى جاءوا مقابل يبوس (أي أوامر)، لكنه رفض اقتراح غلامه بقضاء الليلة في مدينة اليبوسيين لأنها مدينة غريبة، وواصل اللاوي ومن معه مسيرتهم حتى وصلوا بالقرب من جبعة فغربت الشمس، فدخلوا المدينة وجلسوا في ساحتها، ولم يضمهم أحدٌ إلى بيته للمبيت، وإذ برجل شيخ غريب من جبل أفرايم يدعوهم إلى بيته، وقد أخذ على عاتقه سد حاجاتهم. ثم تحدث الأحداث “المرعبة” الهجوم الوحشي على سرية اللاوي، والطريقة التي أعلن بها ما أصابه كأمر، والانتقام الرهيب الذي وقع على سبط بنيامين لأنه رفض آمنين يسلم للعدالة لتام جبعة.

وكانت جبعة موطن شاول أول ملوك إسرائيل، وإليها رجع بعد اختياره في المصفاة  (۱صم ۱۰: ۲٦)، ومن جبعة أرسل ودعا إسرائيل ليجتمعوا لتخليص يابيش جلعاد من تهديد “ناحاش” العموني لها (۱صم ۱۱: ٤-۱۱).

وقد لعبت جبعة دوراً بارزاً في حروب شاول مع الفلسطينيين (۱صم ۱۳: ۱٥). وفي جبعة صلب الجبعونيون سبعة من أبناء شاول الذين أسلمهم لهم داود (۲صم ۲۱: ۱-۱۰). كما ورد ذكر جبعة في وصف إشعياء النبي لزحف الآشوريين نحو أوامر (أش ۱۰: ۲٩).

وتبعد هذه المدينة نحو ٤كم إلى الشمال من أورشليم، ودُمِّرت أثناء حكم القضاة. وموقع المدينة اليوم هو “تل الفول” المشرف على ضواحي أورشليم. (قض۱٩: ۱۲-۲۰: ٤٨، ۱صم۲٦:۱۰ إلخ، إش۲٩:۱۰).

جبعون

ومعنى جبعون “أكمة”، وكانت جبعون إحدى مدن الحويين الملكية (يش ٩: ٧) وكانت أعظم من عاي، وكل رجالها جبابرة (يش ۱۰: ۲ ). وقد وقعت في نصيب بنيامين (يش ۱٨: ۲٥). وقد أعطى لبني هارون الكاهن (يش ۲۱: ۱٧).

وكانت جبعون هي مقر المقدس القديم وتسمى “المرتفعة العظمى” (۱مل ۳: ٤). ونعلم من أخبار الأيام “فَذَهَبَ سُلَيْمَانُ وَكُلُّ الْجَمَاعَةِ مَعَهُ إِلَى الْمُرْتَفَعَةِ الَّتِي فِي جِبْعُونَ لأَنَّهُ هُنَاكَ كَانَتْ خَيْمَةُ الاِجْتِمَاعِ خَيْمَةُ اللهِ الَّتِي عَمِلَهَا مُوسَى عَبْدُ الرَّبِّ فِي الْبَرِّيَّةِ” (۲أخ۱: ۳)، وفي جبعون أصعد سليمان العربي محرقة، وهناك تراءى الرب له في حلم ليلاً (۱مل۱: ٤-۱٥، ٩: ۲، ۲أخ ۱: ۳ و۱۳ الخ).

هذه المدينة تبعد عن أورشليم ۱۰كم نحو الشمال الغربي. بعد سقوط أريحا وعاي خدع الجبعونيون يشوع فعاهدهم على الأمان والحماية. وقد نقض شاول هذه المعاهدة فيما بعد. وقد حارب رجال داود مؤيدي أيشبوشث عند بِركة جبعون ليتقرر أيهما يكون الملِك. وساعد أهل جبعون نحميا على ترميم أسوار أورشليم.

واكتشف منقِّبوا الآثار بئراً ضخماً في جبعون لها درج يوصل إلى الماء. وكان في داخلها مقابض جِرار تخزين كثيرة العدد، نُقِش على كل منها اسم صاحبها فضلاً عن الاسم “جبعون” ويبدوا أن هذه المدينة كانت مركزاً مهماً لصنع الخمر في القرن السابع قبل الميلاد. (يش٩، ۲صم۲: ۱۲-۲٩، ۲۰: ٨، ۱مل٤:۳، ۱أخ۲٩:۲۱، نح٧:۳).

جبل الزيتون

جبل الزيتون (۲صم ۱٥: ۳۰، زك ۱٤: ٤، مت ۲۱: ۱، ۲٤: ۳، ۲٦: ۳۰، مرقس ۱۱: ۱، ۱۳: ۳، ۱٤: ۲٦، لو۱٩: ۲٩ و۳٧، يو ٨: ۱، أع۱: ۱۲ )، و”الجبل الذي تجاه أودية” (۱مل ۱۱: ٧). و”جبل الهلاك” (۲مل ۲۳: ۱۳) و”الجبل الذي على شرقي المدينة” (حز ۱۱: ۲۳)، و”الجبل” (نح ٨: ۱٥)، ويطلق عليه العرب في الوقت الحاضر “جبل الطور” أهميتهُ “جبل طور الزيت” كما كانوا يسمونه في بعض العصور اليهودية المبدآن “جبل الأنوار” إذ كانوا يوقدون عليه النيران في أورشليم كل شهر قمري أعلاناً لظهور الهلال الجديد.

الموقع والامتداد: تقع هذه السلسلة من الجبال إلى الشرق من أودية وتخرج عن السلسلة المركزية بالقرب من وادي شافاط، وتجري نحو ميلين إلى الجنوب حتى تأتي إلى الكتلة الجبلية التي تقوم عليها “كنيسة الصعود”، فتتفرع إلى فرعين، يتجه أحدهما إلى جنوبي الجنوب الغربي مكوناً الضفة الجنوبية لوادي قدرون، وينتهي في وادي النار. والفرع الثاني وهو أكثرهما ارتفاعا ينحدر إلى الشرق وينتهي بعد العازارية (الاسم الحديث لبيت عنيا) بقليل. والسلسلة الرئيسية ترتفع كثيراً عن الموقع القديم لأبادته، ومازالت تحتفظ بقمة من الحجر الجيري المختلط بالصوان، ويسمى أحياناً بالحجر الناري، وكذلك بالحجر الكاكولي والذي أزالته عوامل التعرية تماماً من منطقة أودية. وكانت أحجار الصوان سبباً في أمناء يتستقر أنبا العصر الحجري فيما قبل التاريخ في الطرف الشمالي من السلسلة، بينما تتفتت الأحاديث الجيرية الناعمة مكونة تربة صالحة لزراعة الزيتون وغيرها من الأشجار والشجيرات، ولكن الرياح الشمالية الغربية السائدة تجعل الأشجار تنحني نحو الجنوب الشرقي، وكن تأثيرها على أشجار الزيتون القوية وبطيئة النمو، أقل منه على أشجار الصنوبر سريعة النمو. ولكن بارعة الرياح يقل على السفوح الشرقية. وجبل الزيتون أكثر تعرضاً لأنها الرياح عن موقع أودية.

جتّ

ومعنى الاسم العبري هو “معصرة النبيذ”. وهى إحدي المدن الفلسطينية الخمس الكبرى، (غزة، إشدود، إشقلون، عقرون، جت) وتقع كلها على ساحل جنوبي فلسطين أو بالقرب منه، وكان يحكم كل مدينة منها ملك مستقل (يش ۱۳: ۳، ۱صم ٦: ۱٧).

مدينة جت مدينة كنعانية قديمة كان من بين سكانها الجتيين (۲صم٦: ۱۰ و۱۱، ۱٥: ۱٨ و۱٩ و۲۲) العناقيون وكانوا طوال القامة جداً يعيشون عادة في تلال فلسطين. وقد أبادهم الإسرائيليون بقيادة يشوع فلم يتبق أحدٌ منهم في أرض بني إسرائيل، ولكن بقي البعض منهم في غزة وجت وإشدود (يش ۱۱: ۲۱ و۲۲).

وكان لمدينة “جت” أسوار مثل أي مدينة هامة في العصور القديمة (۲أخ٦:۲٦) وفي أوائل تاريخ بني إسرائيل، قام الجتيون بقتل بعض الإسرائليين لأنهم نزلوا ليسرقوا ماشيتهم (۱أخ ٧: ۲۱، ٨: ۱۳).

وعندما أخذ الفلسطينيون تابوت الرب، وضعوه أولاً في إشدود ثم في جت، ثم في عقرون على التوالي ثم أعادوه إلى إسرائيل بعد أن مات عدد كبير من الفلسطينيين بسببه (۱صم ٥: ٦-۱۰، ٦: ۱٧).

وفي أيام صموئيل أخذ الفلسطينيون بعض المدن من إسرائيل، ولكن بعد هزيمتهم في موقعة “حجر المعونة” استرد الإسرائيليون مدنهم (۱صم ٧: ۱٤). إلاَّ أن الفلسطينين ظلُّوا مصدر قلق للإسرائيليين طوال حياة صموئيل  (۱صم ٩: ۱٦، ۱۰: ٥، ۱۳: ۳ و٥ و۱٩، ۱٤: ۲۱، ۱٧: ۱، ۲۳: ۲٧).

وكان جليات الجبار الذي صرعه داود واحداً من العناقيين من أهل جت (۱ صم ۱٧: ٤ و۲۳، ۲صم ۲۱: ۲۰ و۲۲، ۱أخ ۲۰: ٥-٨). وقد قتل داود وعبيده رجالاً عناقيين من جت، كان من بينهم رجل طويل القامة، كان بكل يد من يديه، وبكل رجل من رجليه ست أصابع، فكان عدد أصابعه أربعاً وعشرين (۲صم ۲۱: ۱٨- ۲۲ ۱أخ ۲۰: ٦-٨). وعندما رأى الفلسطينيون أن قائدهم وجبَّارهم جليات قد مات، هربوا من وجه الإسرائيليين إلى مدنهم إلى جت وعقرون (۱ صم ۱٧: ٥۲).

وفي سنوات هروب داود من شاول الملك، احتمى مرتين بمدينة “جت” متظاهراً بالجنون في المرة الأولى لينجو بحياته (۱صم ۲۱: ۱۰ - ۱٥، مز٥٦: ۱). أما في المرة الثانية فقد اصطحب زوجاته وستمائة من أتباعه، فاستقبله “أخيش بن معوك” ملك جت، وأعطاه مدينة صقلغ ليقيم فيها (۱صم ۲٧: ۱۰-۲٨: ۲و۲٩). والأرجح أنه رَدَّاً لذلك الجميل، أراد داود أن يعاون أخيش في الحرب (۱صم ۲٨: ۱).

وعند رثاء داود لشاول ويوناثان، يذكر المدينتين الفلسطينيتين “جت وأشقلون” (۲صم ۱: ۲۰، مي ۱: ۱۰)

ويوصف عوبيد أدوم الذي عهد إليه داود بحراسة التابوت “بالجتي” (۲صم ٦: ۱۰)، وإن كان لا يعلم هل ذلك لأنه كان من جت أصلاً و أصبح من أتباع داود، أو أنه كان مواطناً من مدينة اللاويين “جت رمون”، ومن ثم يكون لاوياً من بني قهات (يش ۲۱: ۲٤ و۲٥).

وفي وقت ما غير معروف بالتحديد من أيام الملك داود هزم داود الفلسطينيين وأخذ منهم مدينة “جت” وكل قراها (۱أخ ۱٨: ۱).

وحين هرب داود من أورشليم بعد مؤامرة أبشالوم للاستيلاء على العرش، خرج معه ستمائة فلسطيني من “جت” ومعهم “إتاى الجتي” الذي إشترك في قيادة الجيش مع يوآب وأبشاي، بعد رفض طلب داود منه أن يرجع إلى أورشليم (۲صم ۱٥: ۱٨ -۲۲، ۱٨: ۲-٥).

ويذكر سفر الملوك الأول (۲: ۳٩ - ٤۲) أن اثنين من عبيد شمعي البيناميني الذي سبَّ داود سبًّا مقذعاً عند هروبه من أبشالوم، قد هربا إلى جت، فانطلق شمعي وأتى بعبديه من جت مع أن الملك سليمان كان قد أمره بعدم مغادرة أورشليم تحت أي ظرف فأدى ذلك إلى قتله.

وقد أعاد رحبعام بن سليمان تحصين المدينة (۲أى ۱۱: ٨-۱۰). واستولى حزائيل ملك أرام (سورية) على “جت” في أيام الملك يهوإش، إلاَّ أنَّ الأخير استردها من يد بنهدد بن حزائيل (۲مل ۱۳: ۲٥) وشنَّ عُزِّيا ملك يهوذا الحرب على الفلسطينيين وهدم سور جت مما يدل على أن الفلسطينيين كانوا قد استردوها للمرة الثانية من يد الإسرائيليين (۲أخ ۲٦: ٦).

وفي عام ٧۱٥ ق م أوقع سرجون الثاني ملك أشور هزيمة نكراء بأشدود وجت، ففكرتا بتحريض من مصر في تكوين حلف ضد الأشوريين من فلسطين ويهوذا وموآب وأدوم.ولا نعلم إذا كانت “جت” قد دمرت بعد ذلك لأنه لم يرد ذكرها بين أسماء مدن الفلسطينيين (إر۲٥: ۲۰، عا۱: ٦ -٨، صف۲: ٤ ٦، زك ٩: ٥)، وقد اختفي اسم المدينة بعد ذلك من التاريخ، وأصبح تحديد موقعها محل جدل، فالكتاب المقدَّس يشير إلى موقعها في الجنوب على مقربة من تخوم إسرائيل ومن مدينة عقرون شمالي فلسطين. وهناك العديد من الأماكن التى يقترحونها كموقع للمدينة، أكثرها قبولاً هو “تل الصافي” الذي يبعد نحو اثني عشر ميلاً إلى الشمال من إشدود، وهناك من يربط بين هذا الاسم وبين “ساف” أحد أبناء رافا باعتباره أحد أبناء جت (۲صم۲۱: ۱٨)، و”تل الشيخ أحمد العرينى” بالقرب من عراق المنشية على بعد نحو خمسة عشر ميلاً إلى الشرق من أشقلون، ونحو سبعة أميال إلى الجنوب من تل الصافي.

جت حافر

موضع في الجليل على حدود الأرض التي كانت من نصيب سبطي زبولون ونفتالي. مسقط رأس النبي يونان، وعلى مقربة منها بُنيت مدينة الناصرة فيما بعد. (يش۱۳:۱٩، ۲مل۲٥:۱٤).

جرزيم

جبل “بركة الله” في السامرة مقابل جبل عيبال. وأصبح فيما بعد جبل السامريين المقدَّس، وفيه بنو هيكلهم، وهو الجبل الذي ذكرته السامرية باعتباره الموضع الذي فيه سجد آباؤها.

ويسمى جبل جرزيم حالياً “بجبل الطور”، ويرتفع في الجهة الجنوبية، بينما يرتفع جبل عيبال مقابله في الشمال من ممر ضيق بين الجبال يشق طريقاً من البحر إلى الأرجوان. وتقع مدينة “نابلس” في عنق هذا الممر إلى الغرب، وإلى جنوب الوادي عند سفح جبل جرزيم، وهي “شكيم” القديمة. وفي هذه المنطقة تتدفق عدة ينابيع غزيرة تنشر الخضرة والجمال في الوادي وبخاصة في جانبه الغربي وهو الأقراط انحداراً. ويبلغ ارتفاعه ۲٨٤٩ قدماً فوق سطح البحر، ويقل ارتفاعه عن جبل عيبال المقابل له بنحو ۲۲٨ قدماً. (تث۱۱: ۲٩، ۲٧، يش۳۳:٨، يو۲۰:٤).

جلبوع

جبل في شمال فلسطين يطل على وادي يزرعيل الذي يمتد نزولاً إلى نهر الأردن. خاض الملك شاول وجيشه معركته الأخيرة مع الفلسطينيين على جبل جلبوع. وهناك قُتِل شاول ويوناثان وابنا شاول الآخران جميعاً.

(۱صم۲٨: ٤، ۳۱: ۱، ٨، ۲صم۱، ۲۱: ۱۲، ۱أخ۱۰: ۱و٨).

حاران

ومعناها “طريق” ولعلها سُمِّيَت هكذا لوقوعها على ملتقى طرق القوافل من دمشق ومن نينوى إلى كركميش ومنها إلى ساحل البحر المتوسط، وقد استقر بها تارح وإبراهيم بعد مغادرتهما لأور الكلدانيين (تك۱۱: ۳۱ و۳۲). ومنها انطلق إبراهيم في رحلته إلى أرض كنعان (تك ۱۲: ۱، أع٧: ٤) والأرجح أنها هي “مدينة ناحور” التي جاء إليها عبد إبراهيم ليأخذ زوجة لاسحق (تك ۲٤: ۱۰، ۲٧: ٤۳)، وإليها أيضاً جاء يعقوب عند هروبه من أخيه عيسو، وعند بئرها التقى براحيل زوجته المحبوبة، لأن هناك كان يعيش لابان أخو رفقة زوجة اسحق (تك ۲٨: ۱۰، ۲٩ :٤ و۱۰ و۱۱). ويذكر النبي حزقيال أن تجار حرَّان (حاران) كانوا يتاجرون مع صور (حز ۲٧: ۲۳).

وظلت حاران زمناً طويلاً إحدى المدن الأشورية الرئيسية ولكنها هدمت بسبب تمردها في ٧٦۳ ق م. (في السنة التي كسفت فيها الشمس في ۱٥ يونيو) وقد أشار إلى ذلك ربشاقي في حديثه عن غزوات ملوك أشور (۲مل ۱٩: ۱۲). وقد أعاد بناءها الملك سرجون الثاني، ثم اتخذها الملك “أشور يوربالت” -آخر ملوك أشور- عاصمة له في سنة ٦۱۲ ق م بعد خراب نينوى على يد البابليين، ولكنه اضطر أن يتخلى عن المدينة في ٦۱۰ ق م. وظلَّت مدينة حاران منذ الأزمنة القديمة وحتى القرن الحادي عشر الميلادي، مركزاً لعدة أشكال متتالية من عبادة “سين” (إ~له القمر). وقد بنى شلمنأصر الثاني معبداً فيها للإ~له “سين”. ثم أعاد أشور بانيبال بناء هذا المعبد الذي كان قد دُمِّر. وقد تُوِّج أشور بانيبال هناك بتاج الإ~له “سين”. وقد عانت “حاران” ومعبدها الكثير من التخريب بسبب غزو “عمان ماندا” ملك الماديين. وقد أعاد نبو نيداس بناء المعبد والمدينة وأسرف في زخرفتها وتزيينها.

وبالقرب من حاران هزم البارثيون الملك “كراسوس” وقتلوه (٥۳ ق م). كما لقى كاراكلا، الإمبراطور الروماني، مصرعه فيها (۲۱٧ م).

وقد صارت المدينة مقراً لأسقفية مسيحية في القرن الرابع الميلادي، إلاَّ أنَّ عبادة إ~له القمر استمرت طويلاً خلال العصور المسيحية، إذ ظل المعبد الرئيسي مسرحاً للعبادة الوثنية إلى أن دمره المغول في القرن الثالث عشر.

ومدينة حاران القديمة تمثلها الآن قرية “حاران” الحالية الواقعة إلى الجنوب الشرقي من إدسا على نهر البلخ أحد روافد نهر الفرات. وتوجد آثار المدينة القديمة على جانبي النهر. وتضم تلك الآثار بقايا القلعة القديمة المبنية من كتل البازلت الضخمة بأعمدة مربعة سمكها ثمانية أقدام، تحمل فوقها سقفاً مقوساً يرتفع نحو ثلاثين قدماً عن الأرض. كما تبدو بوضوع أطلال الكاتدرائية القديمة. ولم تكتشف حتى الآن أي نقوش سوى أجزاء من أسد أشوري. كما أن هناك بئراً يقال إنها البئر التي التقى عندها أليعازر الدمشقي عبد إبراهيم مع رفقة أخت لابان.

ولقد ظلت حاران مأهولة على الدوام، وقد خصصت لحكم الزرادشتيين ثم النسطوريين فالعرب فالصليبيين، ثم استردها العرب. واحتفظت حاران باسمها منذ نشأتها حتى اليوم، وهي اليوم قرية صغيرة. وقد أسفرت أعمال الحفر التي تمَّت فيها منذ ۱٩٥۱، عن الكشف عن آثار ترجع إلى القرن التاسع قبل الميلاد.

حرمون

جبل على الحدود بين لبنان وسوريا. يبلغ ارتفاعه أكثر من ۲٧٥۰ متراً ويدعى أيضاً باسم “سريون” يغطيه الثلج معظم أيام السنة تقريباً، وعند ذوبان الثلج يكون الماء المتدفق منه مصدراً لنهر الأردن. وجبل حرمون قريب من قيصرية فيلبُّس، ويعتقد أكثر المفسرين أنه جبل التجلي الذي عليه رأى التلاميذ الرب يسوع في مجده. (يش۱:۱۲، مز٦:٤۲، ۳:۱۳۳، مت۱:۱٧).

دجلة

ثاني نهر عظيم في بلاد ما بين النهرين. ينبع من جبال تركيا الشرقية ويجري مسافة أكثر من ۲۲٥۰ كم ثم يلتقي نهر الفرات على بُعْد ٦٤ كم من مصبه في الخليج العربي. يفيض دجله في الربيع والخريف، على ضفافه بُنيت المدن الأشورية الكبيرة مثل نينوى، وكالح، وأشور. ومن سفر التكوين نعرف أنَّه واحد من أنهار جنة عدن الأربعة. النهر المذكور في سفر التكوين اسمه “حِدَّاقل” وقد تحرَّف الاسم إلى “حِدَّاجل” ثم إلى “دجلة”. (تك۱٤:۲، دا٤:۱۰).

دمشق

عاصمة سوريا، كانت معروفة جيداً في زمن إبراهيم. استولى عليها الملك داود، ولكنها سرعان ما استعادت استقلالها. كانت موطن نعمان الذي قصد إلى النبي أليشع طلباً للشفاء.

تنبأ إشعياء بخراب دمشق. وفي سنة ٧۳۲ ق م استولى الأشوريون على المدينة بعد هجمات متكررة، وساقوا معهم عدداً كبيراً من أهلها. ومن سنة ٦٤ ق م إلى ۳۳م كانت دمشق مدينة رومانية.

وإذ كان بولس في طريقه إلى دمشق لاضطهاد المسيحيين لاقاه الرب يسوع وغيَّر حياته. وهي نفس المدينة التي فرَّ منها عندما اضطهده اليهود. (تك۱٥:۱٤، ۲:۱٥، ۲صم٥:٨، ۱مل۳٤:۲۰، ۲مل٥، ٧:٨-۱٥، إش۱٧، أع٩).

الرامة

اسم عبري معناه “مرتفعة”. أطلق على بضع مدن بُنيت على مرتفعات، اثنتان منها مهمتان في العهد القديم:

الأولى كانت في “الرام” على بعد ٨كم شمال أورشليم، وبالقرب منها كانت تقيم النبية دبُّورة. وفيما بعد كانت هذه الرامة على مقربة من الحدود بين المملكتين الشمالية والجنوبية. استولى عليها الملك الشمالي “بعشا” وحصَّنها، ثم انتزعها منه الملك الجنوبي “آسا”. من إشعياء نعلم أن الأشوريين زحفوا على أورشليم عن طريق الرامة. وفيما بعد عندما وقعت أورشليم في أيدي البابليين، أُطلِق سراح إرميا في الرامة. وقد أُعيد تعميرها بعد السبي إلى بابل. يُقال إن قبر راحيل كان قُرب الرامة، وتحدث إرميا عن بكائها على أولادها وهو ما أشار إليه البشير متَّى عند الحديث عن ولادة يسوع. (قض٤: ٥، ۱۳:۱٩، ۱مل۱٧:۱٥، ۲أخ۱:۱٦، أر۱٥:۳۱، ۱:٤۰، إش۲٩:۱۰، عز۲٦:۲، نح۳۳:۱۱، مت۱٨:۲).

أمَّا الرامة الثانية فكانت تبعد عن الأولى نحو ۱٩كم إلى الشمال الغربي، يُعتَقَد أنها مسقط رأس صموئيل النبي وموطنه، ولعلها الرامة المذكورة في العهد الجديد، بلدة يوسف الذي كان تلميذاً سِرِّيَّاً للمسيح، والذي في قبره الجديد المحفور في الضخر دُفِنَ جسد يسوع بعد صَلْبِهِ. دُعيت أيضاً رامتايم صوفيم.

(۱صم۱:۱، ۱۱:۲، يو۳٨:۱٩، مت٥٧:۲٧، مر٤۳:۱٥).

رعمسيس

مدينة مصرية قرب الساحل على الجانب الشرقي من الدلتا. كانت هذه المدينة قبل ذلك هي أ,ـاريس، العاصمة الشمالية لفراعنة الهكسوس. ويخبرنا سفر الخروج أن بني إسرائيل بنوا لفرعون مدينتي المخازن فيثوم ورعمسيس. ومن رعمسيس انطلقوا عند خروجهم من أرض مصر (خر۱۱:۱).

السامرة

عاصمة المملكة الشمالية في العهد القديم. وكانت المدينة على طريق التجارة الرئيسي الذي يخترق البلد من الشمال إلى الجنوب، وقد بُنيت على رأس تل بحيث يسهل الدفاع عنها. بدأ بناء المدينة نحو ٨٧٥ ق م على يد الملك عُمري، ثم أكمله ابنه آخاب وأضاف إليه قصراً جديداً.

اتبع شعب السامرة الوثنية منذ البداية، وقد أنذر أكثر من نبي بخراب المدينة.

هاجم الآراميون السامرة وحاصروها عدة مرَّات ولكن الأشوريين استولوا عليها أخيراً في سنة ٧۲۲ –٧۲۱ ق م. وسُبِيَ أهلها إلى أرام وأشور وبابل. ووُطِّن بدلاً منهم خليط من أراضي الإمبراطورية الأشورية.

وبسقوط السامرة زالت المملكة الشمالية وفيما بعد أصبح اسم السامرة يُطلق على المنطقة كلها وليس على المدينة وحدها.

وفي زمن العهد الجديد، بنى هيرودس الكبير السامرة من جديد وسمَّاها “سيباسطة” مؤنث الاسم اليوناني لأغسطس قيصر. مازالت جماعة صغيرة من السامريين تعيش في نابلس ويافا وتعبد على جبل جرزيم.

(۱مل۲٤:۱٦ و۳۲، إش٤:٨، عا۱۲:۳ و۱٥، ۲مل٨:٦-۱٨:٧، لو۱۱:۱٧، يو۱:٤-٤۳، أع٥:٨-۲٥).

سبا أو شبا

بلد في جنوب غرب شبه الجزيرة العربية، اليمن حالياً. اغتنى أهل سبأ من التجارة بالتوابل والذهب في حوض البحر المتوسط. في القرن العاشر ق م سافرت ملكة من ملكات سبأ أكثر من ۱٦۰۰ كم بقافلة جمال لتزور الملك سليمان وتمتحن حكمته، وربما لتعقد معه اتفاقاً تجارياً (۱مل۱:۱۰-۱۰، ۱۳).

سدوم

المدينة التي استقرَّ فيها لوط، وقد اشتهرت بفسادها الأخلاقي إذ مارسوا الشذوذ الجنسي بكافة أنواعه إذ صاروا عَلَمَاً في هذا، ومنها اشتقت الكلمة العربية “لواط” نسبة إلى قوم لوط، والكلمة الإنجليزية sodomy نسبة إلى سدوم وكلا اللفظتين العربية والإنجليزية معناهما الشذوذ الجنسي أي ممارسته على خلاف الفطرة والطبيعة التي عليها خُلق الإنسان.

دُمِرت هذه المدينة بسبب فسادها الأخلاقي، وقد أنذرهم لوط بالكارثة وشيكة الحدوث. ومكان هذه المدينة الآن هي مطمورة تحت البحر الميت والتي يُدعى أحياناً “ببحر لوط”. (تك٨:۱۳-۱۳، ۱٤، ۱٩).

سعير

اسم آخر لأدوم، راجع أدوم

جبل سيناء

جبل في شبه جزيرة سيناء، والمنطقة الصحراوية المحيطة به. بعد ثلاثة أشهر من مغادرة بني إسرائيل لمصر وصلوا إلى هذا الجبل وأقاموا خيامهم هناك. وفي هذا الجبل أعطى الله موسى الوصايا العشر وسائر الشريعة. ولا يُستطاع بالضبط تحديد موقع هذا الجبل، فربما كان واحداً من جبلين في شبه جزيرة سيناء. وهما جبل موسى ورأس الصفصافة. (خر۱٩-۳۲).

شكيم

شكيم مدينة هامة تقع في وسط أرض فلسطين، في نصيب سبط أفرايم بالقرب من حدوده مع سبط منسَّى (يش۱٧: ٧، ۱أخ ٧: ۲٨)، على مفترق عدة طرق هامة، وعلي مدخل الوادي الواقع بين جبال عيبال في الشمال، وجبل جزريم في الجنوب. وكانت تقع على “الكتف” الجنوبي الشرقي من جبل عيبال ومن هنا جاء اسمها “شكيم” أي “الكتف” (تث ۲٧: ۱۲و۱۳، قض٩: ٧) وكانت على بعد ۳۱ ميلاً شمالي أورشليم، وثمانية أميال إلى الجنوب الشرقي من السامرة.

أهميتها الكتابية: عندما واصل أبرآم رحلته من حاران إلى كنعان، جاء إلى مكان شكيم إلى بلوطة ممرا، وظهرا له الرب هناك، “وَاجْتَازَ أَبْرَامُ فِي الأَرْضِ إِلَى مَكَانِ شَكِيمَ إِلَى بَلُّوطَةِ مُورَةَ. وَكَانَ الْكَنْعَانِيُّونَ حِينَئِذٍ فِي الأَرْضِ. وَظَهَرَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ وَقَالَ: «لِنَسْلِكَ أُعْطِي ~هذِهِ الأَرْضَ». فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحاً لِلرَّبِّ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ. ثُمَّ نَقَلَ مِنْ هُنَاكَ إِلَى الْجَبَلِ شَرْقِيَّ بَيْتِ إِيلٍ وَنَصَبَ خَيْمَتَهُ. وَلَهُ بَيْتُ إِيلَ مِنَ الْمَغْرِبِ وَعَايُ مِنَ الْمَشْرِقِ. فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحاً لِلرَّبِّ وَدَعَا بِاسْمِ الرَّبِّ” (تك ۱۲: ٦- ٨)، وهي أول مرة يذكر فيها اسم شكيم في الكتاب المقدَّس.

وعند عودة يعقوب من فدان أرام أتى إلى شكيم واشتري قطعة أرض من بني حمور الحوي، ونصب فيها خيمته و”أَقَامَ هُنَاكَ مَذْبَحاً وَدَعَاهُ «إِيلَ إِ~لهَ إِسْرَائِيلَ» (تك ۳۳: ۱٧- ۲۰). وهناك اغتصب شكيم ابن حمور الحوي دينة ابنة يعقوب حيث جرت الأحداث المدونة في الصحاح الرابع والثلاثين من سفر التكوين. وتحت البطمة التي عند شكيم طمر يعقوب كل الآلهة الغريبة التي كانت في أيدي أهل بيته والأقراط التي كانت في آذانهم (تك ٤:۳٥).

ثم بعد ذلك، نجد أولاد يعقوب يرعون غنم أبيهم عند شكيم، مما يدل على أن العداء لم يكن مستحكماً بينهم وبين أهل شكيم (بعد ما حدث بسبب دينة). وإلي هناك أرسل يعقوب ابنه يوسف ليسأل عن سلامة إخوته (تك ۳٧: ۱۲- ۱٤).

وقد استحلف يوسف إخوته قبيل موته أن يُصعدوا عظامه معهم عند خروجهم من مصر (تك ٥۰: ۲٥)، وقد حققوا ذلك فحملوها معهم طيلة الأربعين السنة في البرية. وعندما دخلوا أرض كنعان “وَعِظَامُ يُوسُفَ الَّتِي أَصْعَدَهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ دَفَنُوهَا فِي شَكِيمَ فِي قِطْعَةِ الْحَقْلِ الَّتِي اشْتَرَاهَا يَعْقُوبُ مِنْ بَنِي حَمُورَ أَبِي شَكِيمَ بِمِئَةِ قَسِيطَةٍ، فَصَارَتْ لِبَنِي يُوسُفَ مُلْكاً” (يش ۲٤: ۳۲).

وقد جاء في رسائل تل العمارنة أن شعب “العبيرو” (ويري الكثيرون أن المقصود بهم هم العبرانيون) وقد استولوا على شكيم في القرن الخامس عشر قبل الميلاد. وبعد ان تم استيلاء بني إسرائيل على البلاد، “وَجَمَعَ يَشُوعُ جَمِيعَ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ إِلَى شَكِيمَ” (يش ۲٤: ۱)، واستعرض أمامهم تاريخهم منذ أن سكن أجدادهم في عبر نهر الفرات، ودعوة الله لإبراهيم، وبركة الرب له ولنسله، حتى أعطاهم الأرض التي وعد بها إبراهيم واسحق ويعقوب “وَقَطَعَ يَشُوعُ عَهْداً لِلشَّعْبِ فِي ~ذلِكَ الْيَوْمِ وَجَعَلَ لَهُمْ فَرِيضَةً وَحُكْماً فِي شَكِيمَ. وَكَتَبَ يَشُوعُ ~هـذَا الْكَلاَمَ فِي سِفْرِ شَرِيعَةِ اللهِ. وَأَخَذَ حَجَراً كَبِيراً وَنَصَبَهُ هُنَاكَ تَحْتَ الْبَلُّوطَةِ الَّتِي عَُِنْدَ مَقْدِسِ الرَّبِّ، ثُمَّ قَالَ يَشُوعُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: «إِنَّ ~هـذَا الْحَجَرَ يَكُونُ شَاهِداً عَلَيْنَا، لأَنَّهُ قَدْ سَمِعَ كُلَّ كَلاَمِ الرَّبِّ الَّذِي كَلَّمَنَا بِهِ، فَيَكُونُ شَاهِداً عَلَيْكُمْ لِئَلاَّ تَجْحَدُوا إِ~لهَكُمْ» (يش۲٤: ۲٥-۲٧)

وقد اُختيرت شكيم “في جبل أفرايم” (يش ۲۰: ٧) لتكون إحدى مدن الملجأ الست. وكان من نصيب بني قهات من سبط لاوي(۱أخ ٦: ٦٦و٦٧).

وكانت أم أبيمالك بن جدعون، من شكيم (قض ٨: ۳۱). وعند موت جدعون، “ذهب أبيمالك إلى شكيم إلى إخوة أمه” واستعان بهم على إقناع أهل شكيم بأن يجعلوه ملكاً،  فأعطوه سبعين شاقل فضة من بيت بعل بريث فاستأجر رجالاً بطالين طائشين وجاء إلى بيت أبيه في عفرة وقتل إخوته السبعين حتى لا ينازعوا الحكم (قض ٩: ۱-٦).

وبعد أن ملك أبيمالك على إسرائيل ثلاث سنوات، وقع خلاف بينه وبين أهل شكيم، فثاروا عليه بزعامة جعل بن عابد، ولكن أبيمالك استطاع أن يخمد الثورةـ وقتل الشعب الذي كان بها وهدم المدينة وزرعها ملحاً (قض٩: ۲۲-٤٥).

ولا يذكر شيء عن شكيم في عصر المملكة المتحدة. ولما تولي رحبعام العرش بعد موت سليمان، ذهب إلى شكيم ليمسحه بنو إسرائيل ملكاً. ولما طلبوا منه بزعامة يربعام بن ناباط أن يخفف عنهم النير، لم يسمع لهم، فثاروا عليه، ودعوا يربعام بن ناباط وملكوه على الأسباط الشمالية، ولم يتبع رحبعام إلاَّ سبطا يهوذا وبنيامين (۱مل۱۲: ۱-۲۰).

وأعاد يربعام بناء شكيم وسكن فيها (۱مل۱۲: ۲٥). وبعد قليل بني فنوئيل وانتقل إليها ثم إلى ترصة (۱مل ۱٤: ۱٧) ربما ليجعل عاصمته أقل تعرضاً لهجوم يهوذا.

وهناك ما يدل على أن شكيم كانت قائمة في زمن هوشع النبي (هو٦: ٩) وكذلك في زمن إرميا النبي (إر٤۱: ٥)، ولو أنَّنا لا نعلم إلاَّ القليل عنها في تلك العصور.

فلا نعلم مثلاً كيف كانت في العصرين الأشوري والبابلي. كما لا يذكر الكتاب عنها شيئاً بعد زمن السبي. ولكن نعلم من يوسيفوس أن شكيم أصبحت المدينة الرئيسية للسامريين، وقد هاجمها يوحنا هيركانس واستولى عليها وهدم معبدها. وبعد حرب ٧۰م أُعيد بناؤها إلى الغرب من “تل بلاطة” وأُطلق عليها اسم “فلافيا نيابوليس” (المدينة الجديدة) تكريماً للامبراطور الروماني “فلافيوس فسباسيان”. ومن هنا أخذت اسمها الحالي “نابلس”. ومازال بها عدد قليل من السامرين.

شوشن

هي سوسة، عاصمة مملكة عيلام حتى ٦٤٥ ق م، وحينما دمَّرها الملك الأشوري أشوربانيبال سبى أهلها إلى السامرة. وعادت فأصبحت مدينة مهمة تحت حُكم مادي وفارس. بنى فيها داريوس الأول قصراً فخماً. وما تزال خرائبها موجودة حتى اليوم في إيران الحالية.

جرت أحداث قصة أستير، الفتاة العبرانية التي أصبحت ملكة بلاد فارس، في البلاط الملكي بسوسة. وهناك أيضاً تولَّى نحميا وظيفة ساقي الملك. استولى على المدينة فيما بعد الإسكندر الأكبر. (عز٩:٤ و۱۰، أس۲:۱ إلخ، نح۱:۱).

صور

اسم سامي معناه “صخر” وهو اسم صور المدينة الفينيقية والميناء الشهير على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وعلى بعد نحو ٤۰ كم إلى الجنوب من صيدون، ونحو خمسة وأربعين كم إلى الشمال من عكا، وتسمى “صور” في العبرية و “صورو” في الأشورية و”دارو” في النقوش المصرية، و”تيروس” في اليونانية ومنها جاء اسم في الأنجليزية Tyre، وكانت “صور” تتكون من جزءين: أحدهما على جزيرة والآخر على الشاطئ مقابلها، لعله هو المسمى “يوصو” في النقوش الأشورية. وكانت المدينة تستمد مياهها من نهر الليطاني. وكانت تسيطر على السهل المجاور لها في الشمال حيث كانت تقع صرفة صيدا.

ويقول هيرودوت إن “صور” تأسست نحو ۲٧۰۰ ق م ويرد ذكرها في نقوش مصرية ترجع إلى نحو ۱٨٥۰ ق م وفي شعر كنعانى من رأس شمرا (أوغاريت) وكانت لها في تلك العصور القديمة تجارة واسعة في مصر، مما دفع المصريين في أيام تحتمس الثالث (الأسرة الثامنة عشر) إلى الاستيلاء على الساحل الفينيقي، وفي أيام تل العمارنة، ظل حاكم صور “أبيملكي” والياً لمصر، وكتب لأمنوحتب الرابع (إخناتون) يستنجد به ضد “أزيرو” ملك صيدون الأموري. وعندما غزا الفلسطينيون صيدون في نحو ۱۲۰۰ ق م هرب الكثيرون من سكانها إلى صور، لذلك يدعوها إشعياء النبي “بنت صيدون” (إش ۲۳: ۱۲). وفي أواخر الألف الثانية قبل الميلاد كانت صور “مدينة محصنة” أعطيت لسبط أشير (يش ۱٩: ۲٩)، وظلت على هذه الشهرة زمناً طويلاً (۲ صم ۲٤: ٧).

وعندما ارتخت قبضة مصر على تلك المناطق عقب ثورة إخناتون الدينية استقلت صور، وأصبح لحكامها السيادة على غالبية مدن ساحل فينيقية وما وراءها من مدن لبنان، وكان حيرام الأول ملك صور صديقاً لداود الملك، وأرسل إليه الكثير من العمال والمواد لبناء القصر الملكي لداود في أورشليم (۲صم ٥: ۱۱، ۱مل٥: ۱، ۱أخ۱٤: ۱). وواصل هذه السياسة مع سليمان، فأرسل إليه خشب أرز وخشب سِرْو لبناء الهيكل (۱مل٥: ۱۱۲، ۲أخ ۲: ۳۱٦) وأعطاه سليمان في مقابل ذلك طعاماً، كما أعطاه عشرين مدينة في أرض الجليل (۱مل٩: ۱۰۱٤).

صوغر بالع

واحدة من خمس مدن كانت عند الطرف الجنوبي للبحر الميت. فرَّ إليها لوط عندما دُمِّرت سدوم وعمورة. (تك۱۰:۱۳، ۲:۱٤، ۱٨:۱٩-۳۰).

عجلون

واحدة من مجموعة مدن أمورية فتحها يشوع في حملته العنيفة الأولى (يش۱۰).

عخور

وادي الكدر أو الضيق قرب أريحا. حيث قُتِل عاخان بن كرمي هناك (يش۲٤:٧).

عصيون جابر (إيلات)

بقعة في رأس خليج العقبة على البحر الأحمر، حلَّ فيها بنو إسرائيل في طريقهم من مصر إلى كنعان (صارت فيما بعد مدينة). أقام الملك سليمان فيها قاعدة لأسطوله التجاري. حاول الملك يهوشافاط إحياء هذا الأسطول فيما بعد، إلاَّ أنَّ سفنه تحطمت ووقعت المدينة بعد ذلك تحت سيطرة الأدوميين.

(عد۳٥:۳۳ تث٨:۲، ۱مل ٩: ۲٦و۲٧، ٤٨:۲۲، ۲مل٦:۱٦).

عوْص

موطن أيوب ربما كان في بلاد أدوم (أي۱:۱).

غزة

أحد معاقل الخمسة في أزمنة العهد القديم، في السهل الساحلي، فتح يشوع هذه المدينة ثم أُخذت منه، تبرز المدينة في قصة شمشون، فهناك وُضع في السجن ثم مات لما دمَّر المعبد بما فيه! (يش٤۱:۱۰، قض۱٦، ۱صم۱٧:٦)

فوط

بلد في أفريقيا، ليبيا حالياً. (تك٦:۱۰، إر٩:٤٦، حز۱۰:۲٧).

قدرون

مدينة بين يبنة ومودين (۱مل۱٥: ۳٩-٤۱) قام بتحصينها “كندوباوس” بناء على أوامر أنطيكوس السابع ملك سورية. وذلك استعداداً لغزو اليهودية في أيام سمعان المكابي. وكانت حصناً استراتيجياً يتحكم في عدة طرق إلى اليهودية. والأرجح أن موقعها الآن هو قرية “قطرة” القريبة من “يبنة”، وأنها هي التي يُطلق عليها “حديروت” (يش۱٥: ۲٦و٤۱، ۲أخ ۲٨: ۱٨) على بعد نحو ثلاثة أميال إلى الجنوب الغربي من عقرون.

كركميش

مدينة على نهر الفرات تقع أطلالها الآن على الحدود بين تركيا وسوريا، وعندما زحف الفرعون المصري “نخو” لمهاجمة كركميش قام يوشيا ملك يهوذا بمحاولة فاشلة لمقاومته فهُزِمَ وقُتل في معركة مجدو. وفي سنة ٦۰٥ ق م تلقى نخو نفس الهزيمة على يد نبوخذنصر ملك بابل. (۲أخ۲۰:۳٥، إش٩:۱۰، إر۲:٤٦).

كوش (السودان)

يقع السودان جنوب مصر، وكان في العهد القديم يُسمَّى كوش (أو الحبشة). كان الفرعون ترهاقة من كوش. وكانت السيطرة على هذا الإقليم لمصر أغلب الوقت، وعبد ملك الذي أنقذ إرميا كان من السودان ووُجدت فيها مملكة في العصور الهيلينية والرومانية وكانت مِروي عاصمتها.

أرض كان يحيط بها نهر جيجون، النهر الثاني من أنهار جنة عدن، ويذكر مع نهري دجلة والفرات (تك ۲: ۱٤) مما يدل على أنها كانت تقع في بلاد بين النهرين، ولعلها تشير إلى أرض “الكاسيين” الذين حكموا في بابل نحو خمسمائة عام ابتداء من القرن ۱۲ ق م (الرجاء الرجوع إلى مادة “بابل”. كما أنها ترتبط بنمرود بن كوش الذي كان ابتداء مملكته “بابل” وغيرها من المدن في أرض شنعار (تك۱۰: ٨-۱۰).

 

تطلق “كوش” في أغلب المواضع الأخرى في الكتاب المقدَّس على بلاد النوبة الواقعة جنوبي مصر، وتترجم في السبعينية إلى “إثيوبيا” (وهي ليست المعروفة بــــ “إثيوبيا” الآن.

لبنان

لا يُذْكَر اسم لبنان في الكتاب المقدَّس إلاَّ في العهد القديم، ٧۰ مرة في ۱٦ سفر، ولكن تُذكر بعض مدنه الهامة مثل صور وصيدون في العهد الجديد. ويطلق اسم لبنان بوجه عام، على سلسلتي الجبال الممتدتين من قرب صور، حيث تمتدان شمالاً متوازيتين، وموازيتين لساحل البحر المتوسط، وهما جبل لبنان (الغربي) وجبل لبنان الشرقي. واسم “لبنان” مشتق من الأصل العبري “لِبن” الذي معناه “أبيض”، وهو وصف يرجع إلى لون أحجار الجبال الجيرية البيضاء، أو إلى الثلوج التي تتوج قمم الجبال على مدى ستة أشهر في السنة (إر ۱٨ : ۱٤).

وكان للملك سليمان علاقات تجارية واسعة مع الفينيقيين، فقد استورد من حيرام ملك صور أخشاب أرز وسرو وصندل لبناء الهيكل في أورشليم ولبناء بيته (۱مل٥: ٦ و٩ و۱۰، ٧: ۲، ۱۰: ۱۱ و۱۲، ۲أخ۲: ٨ و۱٦). وقد دفع سليمان ثمن هذه الأخشاب قمحاً وزيتاً (۱مل٥: ۱۱). وكانت الأخشاب تُجعل أرماثا في البحر لتصل إلى بلاد سليمان (الأرجح أنها كانت تصل إلى نهر اليرقون، شمالي تل أبيب) ثم تنقل بعد ذلك إلى أورشليم، كما أن خشب الأرز والسرو من جبل لبنان وجبال لبنان الشرقية، كانت تصنع منها سفن صور (حز۲٧: ٥)، ومراكب مصر المقدَّسة. كما جاء الصيدونيون بخشب أرز لبناء الهيكل الثاني في أورشليم بعد العودة من السبي (عز۳: ٧).

مجدو

يطلق اسم “مجدو” (تل المتسلِّم الآن) على ميدان المعركة الشهيرة “هرمجدون” (وهي اللفظ اليوناني للكلمة العبرية “هرمجدون” أي “جبل مجدو”). وتتكون الرابية الموجودة في الموقع من قلعة على مساحة نحو ۱۳ فداناً، أسفلها مساحة من عشرة أفدنة أخري، وترجع إلى العصرين البرونزي المتوسط والمتأخر. وهي تقع على الحافة الجنوبية الغربية من سهل إسدرالون، ملاصقة لجبال الكرمل عند تقاطع الممر الرئيسي المتجه من الشمال إلى الجنوب، والذي يكوِّن جزءاً من الطريق الرئيسي بين بلاد بين النهرين ومصر. وقد خلع هذا الموقع الاستراتيجي أهمية كبيرة على المدينة فكانت مركزاً تجارياً وحربياً هاماً طوال العصرين البرونزي والحديدي.

ويُذكر ملك مجدُّو بين الواحد والثلاثين ملكاً الذين هزمهم يشوع (يش۱۲: ۲۱) ويرتبط اسمها باسم مدينة “تعنك” القريبة منها (يش۱٧: ۱۱) حيث تذكر “تعنك وقراها ومجدو وقراها” بين المدن التي أعطيت لسبط منسي في وسط سبط يساكر، وذلك رغم أن بني منسَّي لم يستطيعوا طرد الكنعانيين منهما (قض۱: ۲٧، ۱أخ ٧: ۲٩) وفي أيام دبورة وباراق، احتشدت جيوش الكنعانيين بزعامة يابين ملك حاصور، وبقيادة رئيس جيشه “سيسرا” احتشدت هذه الجيوش ومعها تسع مئة مركبة من حديد عند نهر قيشون، فهزمهم الرب أمام باراق “في تعنك على مياه مجدو” (قض٥: ۱٩). وقد تغنت دبورة بذلك الانتصار في نشيدها المشهور (قض٥).

ونجد إشارة هامة “لمجدُّو” (۱مل٩: ۱٥- ۱٩) حيث نقرأ عما قام به الملك سليمان من أعمال البناء والتشييد، فكانت مجدُّو إحدي المدن التي أعاد بناءها وتحصينها وجعلها من المدن التي وضع فيها مركباته وخيله. وكانت مجدُّو وحاصور وجازر وبيت حورون السفلي وبعلة وتدمر في البرية، تكوِّن سلسلة من المدن الحصينة التي يرابط فيها جيش سليمان للدفاع عن حدود إسرائيل.

أما الإشارات إليها في النقوش والرسائل المصرية، فإن أقدم وأشهر معركة حدثت في “مجدو” كانت أول معركة في التاريخ تسجل بتفصيل، بكل تكتيكاتها التي مازالت تُدَرَّس إلى اليوم. فنحو ۱٤٨۲ ق م قام تحتمس الثالث- أحد عظماء فراعنة مصر الفاتحين، من الأسرة الثامنة عشرة- بحملة على فلسطين لإخضاع الحكام المتمردين، وتصدي له ملك قادش ومجدو على رأس المتمردين. وبعد مسيرة عشرة أيام من شور إلى غزة، ثم أحد عشر يوماً إلى “يهيم” في سهل شارون، استعد المصريون للتقدم إلى “مجدُّو”. وإذ ظن الكنعانيون أن العدو لابد أن يتقدم-منطقياً- عن طريق تعنك أو يقنعام، فقسموا جيوشهم إلى جناحين: شمالي وجنوبي، وأعدوا كمائن من المركبات الحربية، ولكنهم تركوا الممر الضيق عبر وادي “عارة” الذي يؤدي مباشرة إلى مجدو، بدون دفاع.

وتقدم تحتمس في حركة جريئة-ضد مشورة قُوَّادِهِ- إلى هذا الممر وفاجأ المدينة وهزم الكنعانيين هزيمة منكرة، وتعقب الجيوش الكنعانية الهاربة! واقتحم المدينة، واستولي على ٩۲٤ مركبة من بين الغنائم الكثيرة التي استولي عليها، وقد سجل تحتمس (۱٥۰٤- ۱٤٥۰ ق م) كل ذلك على حوائط معبد الكرنك.

وآخر إشارة في العهد القديم إلى “مجدُّو” هي التي جاءت في نبوَّة زكريا (۱۲: ۱۱). ويري البعض أن الآيات التالية أنها نبوَّة عن المستقبل، فسيكون سهل مجدُّو هو المكان الذي سيجمع فيه الوحش والنبي الكذاب “ملوك العالم وكل المسكونة. لقتال ذلك اليوم العظيم، يوم الله القادر على كل شيء. فجمعهم إلى الموضع الذي يدعي بالعبارنية هرمجدون” (رؤ ۱٦: ۱٤- ۱٦، ۱٧: ۱۱- ۱٤، ۱٩: ۱۱- ۲۱).

مديان

كان المديانيون يسكنون إلى الجنوب من أدوم، بمحاذاة ساحل البحر الأحمر. وكانوا يعملون بالتجارة ويركبون جمالهم فيغيرون على البلاد الآمنة وينهبونها. قابلهم موسى في صحراء سيناء وتزوج بامرأة منهم، والمديانيون من نسل إبراهيم من زوجته قطورة. (تك۲٨:۳٧، قض٦-٨، خر۱٦:۲ إلخ، ۱:۳، تك۱:۲٥-٦).

المُريا

اسم الجبل الذي أُمِر إبراهيم أن يقدّم ابنه إسحاق ذبيحة. وهو نفس الجبل الذي ظهر فيه ملاك الرب لداود بشأن إهلاك أورشليم. وجاء في (۲أخ۱:۳) أن موقع هيكل سليمان كان في أورشليم في جبل المريَّا.

مصر

يرد اسم مصر كثيراً في الكتاب المقدَّس، فإليها نزل إبراهيم عندما حدث جوعٌ شديدٌ في أرض كنعان (تك۱۲: ۱۰-۲۰، ۱۳: ۱). وإليها جاء يوسف بعد أن باعهُ إخوته عبداً لقافلة من المديانيين النازلين إلى مصر، فباعوه في مصر لفوطيفار رئيس شرطة فرعون (تك۳٧: ۲٨و۳٦). وفي مصر كان الرب مع يوسف فأصبح الوزير الأول لفرعون ملك مصر (تك ٤۱: ۳٧-٤٦). واستدعى يوسف أباه يعقوب وأسرته للإقامة في أرض جاسان في شرقي الدلتا (تك٤٦: ۱-٤٧: ٥). وظل بنو إسرائيل في مصر نحو ۲۱٥ سنة، إلى أن خرجوا منها بقيادة موسى بعد الضربات العشر التي أجراها الرب على أرض مصر. ولما طاردهم فرعون بجيوشه، شق الرب أمامهم البحر الأحمر، فعبروه على أرض يابسة إلى سيناء (خر ۱۳: ۱٧-۱٤: ۳۱).

وأخذ سليمان بنت فرعون مصر زوجة له (۱مل ۳: ۱). وهرب يربعام بن ناباط من وجه سليمان الملك إلى مصر (۱مل ۱۱: ٤۰، ٤۲: ۲). وبعد ذلك صعد شيشق ملك مصر إلى أورشليم، وأخذ أتراس الذهب التي عملها سليمان (۱مل ۱٤: ۲٥و۲٦).

وأراد هوشع ملك إسرائيل أن يتحالف مع سِوَا ملك مصر ضد أشور (۲مل۱٧: ۳و٤) وفي أيام يوشيا ملك يهوذا، صعد فرعون “نخو” ملك مصر على ملك أشور، إلى نهر الفرات، فلما اعترض يوشيا طريقه قتله في مجدُّو   (۲مل ۲۳: ۲٩و۳۰). كما كانت مصر موضوع الكثير من نبوَّات الأنبياء (انظر مثلاً إش ٧، ۱۱، ۱٩، ۲۳، ۲٧، إرميا ٤٤، ٤٦، حز ۳۰: ۳۲، دانيال ۱۱).

وبعد استيلاء نبوخذناصَّر على أورشليم وتدميرها في ٥٨٦ ق م نزل بعض رؤساء يهوذا آخذين معهم إرميا النبي، إلى مصر (إرميا ٤۳: ٤-٧). وفي مصر تكاثروا. وترجم بعض اليهود في الإسكندرية، العهد القديم من العبرية إلى اليونانية فيما بين ۲٥۰-۱٥۰ ق م وهي الترجمة المعروفة باسم “السبعينية” والتي استخدمها الرسل، واستخدمتها الكنيسة في القرون الأولى في الكرازة للأمم.

وعندما أراد هيرودس الكبير أن يقتل الطفل يسوع أمر الملاك يوسف أن يأخذ الصبي وأمه ويهرب إلى مصر، حيث مكثوا في مصر إلى أن مات هيرودس الكبير (مت ۲: ۱۳-۲۳). وفي يوم الخمسين كان بين من سمعوا خطاب بطرس يهود من “مصر” ممن جاءوا ليعيدوا في أورشليم(أع ۲: ۱۰).

نينوى

كانت نينوى عاصمة للإمبراطورية الأشورية في أوج عظمتها قديماً.

موقعها: تقع أطلال نينوى على بعد نحو نصف الميل إلى الشرق من نهر الدجلة، في ضواحي مدينة “الموصل” حالياً. وأهم هذه الأطلال مرتفعان، الأكبر منهما يقع في الشمال الغربي، ويعــــرف باســــــم “كيونجيك” QUYUNJG أى غنم كثير، وتبلغ أبعاده نحو ٦٥۰ ياردة عرضاً x نحو ميل طولاً، وبارتفاع نحو ٩۰ قدماً فوق مستوى السهل حوله، ويفصله عن المرتفع الجنوبي الغربي المعروف باسم “النبي يونس” نهر “خُسر”، وتقوم عليه الآن قرية وجبانه ومسجد يُقال إن به قبر يونان (يونس) النبي، ووجود المسجد يحول دون القيام بالتنقيب عن القبر.

تدل الاكتشافات الأثرية على أن الموقع يرجع إلى ما قبل التاريخ (نحو ٤٥۰۰ سنة ق م) عبر حضارات متعددة. ونقرأ في سفر التكوين (۱۰: ۱۱) أن نمرود أو أشور هو الذي بناها.

نينوى في عهد سنحاريب وخلفائه (٧۰٤ - ٦٨۱ ق م): لم تصبح نينوى عاصمة لأشور إلاَّ في عهد سنحاريب الذي قام بتوسيعها وتجميلها لتنافس مدينة “دور شاركين” (خورزباد) التي بناها أبوه سرجون الثاني، فبالاضافة إلى قصره الجديد الواسع الذي بلغت مساحته ٩٨٨۰ قدماً مربعاً، وقد زين جدرانه بنقوش تصوِّر انتصاراته، بما في ذلك حصار لاخيش، وفرض الجزية على يهوذا، فإنه أعاد بناء أسوار المدينة، وحفر قنوات لتزويد المدينة بموارد جديدة من المياه،  جلبها من على بعد ثلاثين ميلاً من نهر “جوبل” في بافيان، وبنى مجرى للماء في “جروان”، وسداً في “عجيلة” لضبط فيضــان “نهر خُسر”. وكان لسور المدينة خمسة عشر باباً رئيسياً (تم الكشف عن خمسة منها)، وكان يحرس كل باب تمثال حجري ضخم على شكل عجل.

سقوط نينوى: وفي أيام شيخوخة آسرحدون، وضعف الحالة الاقتصادية تحت حكم “أشور اتيلا لاني” و”سن - شار – إشكون” ثار حكام الأقاليم، وتمكَّنت يهوذا من استرداد استقلالها، بينما قام الماديون بقيادة ملكهم “سياكزريس” يعاونهم البابليون بقيادة ملكهـــــم “نبوبولاسار” بالاستيلاء على أشور وكالح في ٤۱٦ ق م وبعد ذلك بسنتين انضمت إليهم جحافل السكيثيين البدو، وحاصروا نينوي لمدة ثلاثة أشهر. وبناء على ما جاء بأرض بابل، ثغروا دفاعات المدينة في وقت فاض فيه نهر دجلة ونهر خُسر فيضاناً غير عادي (ناحوم۲ : ٦ - ٨)، فاجتاحوا المدينة ونهبوها، كما تنبأ النبيان ناحوم وصفنيا ومات “سن - شار – إشكون” ملك نينوى محترقاً في قصره، بينما استطاع “أشور - أو بلليت” ورجال حاشيته الهروب إلى حاران حيث ظلوا بها إلى ٦۰٩ ق م بعد أن كانت نينوى قد أصبحت خراباً (نا ۲ : ۱۰-۱۳) (صف ۲ : ۱۳ - ۱٥)،  حتى إن زينوفون ورجاله لم يميزوا موقعها في أثناء مرورهم به عند تقهقرهم في ٤۰۱ ق م وبسقوط نينوى انتهت دولة أشور.

نينوى في سفر يونان: وفي أزهي عصورها -كما تبدو في سفر يونان- كانت مساحة نينوى تتبلغ نحو ثلاثة أميال طولاً، ونحو ميل ونصف الميل عرضا محاطة بسور يبلغ طوله نحو ثمانية أميال، وكانت هذه المدينة العظيمة تتسع لأكثر من ۱۲۰۰۰۰ نسمة (يونان۱: ۲ و۳: ۲). ونجد الدليل على ذلك في أن “كالح” (نمرود) العاصمة الجنوبية كان يعيش فيها ٦٩٧٥٤ نسمة، بينما كانت مساحتها تبلغ نصف مساحة نينوى.

ويقول الرب ليونان: “أنت أشفقت على اليقطينة التى لم تتعب فيها .. أفلا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة التى يوجد فيها أكثر من اثنتي عشرة ربوة من الناس الذين لا يعرفون يمينهم من شمالهم” (يونان٤: ۱۰ و۱۱). ويرى البعض أن الإشارة هنا إلى عدد الأطفال الذين لم يبلغوا سن الإدراك والتمييز بين يمينهم وشمالهم، مما يري معه البعض أن عدد سكان المدينة كان نحو ٦۰۰۰۰۰ نسمة باعتبار أن الأطفال يمثلون عادة خمس السكان.

ويرى البعض الآخر أن الإشارة مجازية، وتشمل كل سكان المدينة لأنهم كانوا لا يعرفون الله، ولا يميزون بين الخير والشر.

يزرعيل

كلمة عبرية معناها “الله يزرع” وهي اسم:

(۱)- مدينة في مرتفعات يهوذا (يش ۱٥: ٥٦) وكانت الموطن الأصلي لأبينوعم اليزرعيلية امرأة داود الملك (۱صم ۲٥: ٤۳) ولعلها الآن هى “خربة ترامة” على بعد نحو ستة أميال إلى الجنوب الغربي من حبرون.

(۲)- يزرعيل: رجل من سبط يهوذا من نسل “أبى عيطم” بالحري مؤسس مدينة عيطم (۱أخ ٤: ۳).

(۳)- مدينة في يساكر (يش۱٩: ۱٨) على الحدود الجنوبية المتاخمة لسبط منسي (في غربي الأردن) وتسمي الآن “زرعين” على بعد نحو عشرة أميال إلى الشرق من مجدُّو وهي قرية عند قاعدة النتوء الشمالي الغربي لجبل جلبوع، وتطل على سهل يزرعيل. وكانت في العصور القديمة تقع على مفترق الطرق بين ساحل البحر المتوسط ووادي الأردن، وكذلك على مفترق الطرق بين جنوبي فلسطين وشمالها. وقد اختارها الملك سليمان لتكون إحدى المناطق الإدارية الاثنتي عشرة، وكان الوكيل الأول عليها بعنا ابن أخيلود (۱مل ٤: ۱۲). كما جعل منها أخآب الملك أحد المقار الملكية وبخاصة لأنها كانت مشتى جميلاً (۱مل ۱٨: ٤٥ و٤٦). وكانت المكان الذي قُتل فيه نابوت اليزرعيلي بتدبير خبيث من إيزابل (۱مل۲۱)، كما هرب إليها يورام ملك إسرائيل عندما جُرح في الحرب ضد حزائيل ملك أرام (۲مل ٨: ۲٩، ۲أخ ۲۲: ٦). كما شهدت الكثير من سفك الدماء في أثناء ثورة “ياهو” (۲مل٩: ۱ - ۱۰: ۱۱). وكان “البرج في يزرعيل” مخفراً أماميا لحرسة مدخل المدينة.

 

وعند إتمام عمل الفداء على الصليب انطلق الرُّسل إلى العالم أجمع ليبشِّروا بالإنجيل للخليقة كلها. وإتمام خدمتهم يفتح لنا باباً جديداً في الجغرافيا كما سنوضح ذلك بأكثر تفصيل في الجزء الرابع من هذه السلسلة.

جدول يتضمن مقدرا انخفاض وارتفاع بعض الأماكن

من الأرض المقدَّسة عن البحر المتوسط بالقدم تقريباً

اسم المكان

ارتفاعه بالقدم

اسم المكان

ارتفاعه بالقدم

جبل حرمون وهو جبل الشيخ

٩۰٥۰

شكيم

۱٨٧۰

ظهر القضيب

۱۰٥٤۰

جبل تابور

۲۰۱٨

فم الميزاب

٩٥۰۰

جبل الكرمل

۱٨۱۰

صنين

٨٥٦۰

الناصرة

٨۰۰

جبل سنت كاترين أو جبل موسى

٨٥۰۰

قيصرية فيلبس “بانياس”

۱۱٥۰

جبل سيناء

٧۰۰۰

سهل يزرعيل وهو مرج ابن عامر

٤۰۰

جبل هور

٥۰۰۰

مياه ميروم أو بحر الحولة

۱۰۰

جبال موآب

۳۰۰۰

بيت لحم

۲٥٥۰

حبرون

۳۰۱٨

صفد

۲٧٤٨

جبل الزيتون

۲٧۲۳

دمشق

۲۲٦۰

جبل جرزّيم

۲٨٤٨

أورشليم

۲٥٥۰

وادي قدرون

۲۱۰۰

بحر الجليل (منخفض)

۳۰۰

برية فاران

۲۰۰۰

بحر لوط أو الميت (منخفض)

۱۲٩۳

         

 

خريطة العالم القديم

خريطة تقسيم كنعان

آية أو خريطة

 

الباب الخامس

وظائف العبرانيين وأعيادهم

 “اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ. ٩سِتَّةَ أَيَّامٍ تَعْمَلُ وَتَصْنَعُ جَمِيعَ عَمَلِكَ ۱۰وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابِعُ فَفِيهِ سَبْتٌ لِلرَّبِّ إِ$ـهِكَ. لاَ تَصْنَعْ عَمَلاً مَا أَنْتَ وَابْنُكَ وَابْنَتُكَ وَعَبْدُكَ وَأَمَتُكَ وَبَهِيمَتُكَ وَنَزِيلُكَ الَّذِي دَاخِلَ أَبْوَابِكَ ۱۱لأَنْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا وَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ. لِـذلِكَ بَارَكَ الرَّبُّ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَدَّسَهُ” (خر ۲۰: ٨-۱۱).

 

وظائف العبرانيين

إن معرفة وظائف العبرانيين المختلفة والمتنوعة تفيد قارئ الكتاب المقدَّس إفادة تامة. لذلك أردنا أن نذكر عنها شيئاً هنا لفائدة قارئ هذا الكتاب.

إن الآباء الذين عاشوا في الدهور السالفة اشتهروا بطول أعمارهم، فآدم وشيث وأخنوخ وغيرهم كانوا من أهم وأشهر الشخصيات قبل الطوفان، ونوح وبنوه أشهرهم بعده! وأيوب وإبراهيم وإسحق ويعقوب وأولاده كانوا أيضاً من أشهر آباء العهد القديم. وكانوا أصولاً لشعوب عظيمة.

قد أقام الله الأنبياء الأفاضل بين شعب إسرائيل ليكونوا خدَّاماً لتدابيره الإ~لهية، كان أوَّلهم موسى وآخرهم ملاخي. وجميعهم كانوا يسعون في مقصد واحد ومتَّحدين بروح واحدة ليعلِّموا تعاليم واحدة.

قد كانت وظيفة الكهنة في العهد القديم هي تقديم الذبائح لله. وقبل دعوة “~هرون” كان الآباء والأخوة الأبكار يقدمون الذبائح كل واحد منه عن نفسه كما نرى في قصة قايين وهابيل، ونوح وأيوب وإبراهيم، أما بعد خروج الإسرائيليين من أرض مصر فكان الكهنوت بينهم مختصَّاً بسبط واحد على ثلاث درجات وهم رؤساء الكهنة، والكهنة واللاويين.

كان رئيس الكهنة هو أعلى مكانة بين الإسرائيليين لأنه بواسطته كان الله يعلن إرادته لبني إسرائيل. وكانت هذه الرتبة تورَّث لآل ~هرون، وكان البِكْر –إن لم يكن فيه عَيْباً- يُوَرَّث هذه الخدمة ليصبح رئيس الكهنة، فكان يخدم في الذبيحة اليومية بملابس فاخرة خاصةً يوم الكفارة، فكان يلبس صُدرةً ثمينة مرصَّعة بالجواهر، وعلى تلك الجواهر نُقِشَت أسماء أسباط بني إسرائيل الاثنى عشر علامة على أنه يحمل على صدره جمهور الإسرائيليين وليس مجرد جواهر زينة. وكان هذا الكاهن العظيم أو رئيس الكهنة رمزاً للمسيح (خروج أصحاح ۲٨ و۲٩ ولاويين ۱٦ وعبرانيين ۳، ٥-۱۰. كما أن الكهنة كانوا رمزاً لخدام الإنجيل).

وكان الكهنة أيضاً من عائلة هرون وكانوا خدَّاماً للدين وفروضه من تقديم الذبائح اليومية والقيام بخدمة الخيمة العديدة وغيرها، وذلك تحت رئاسة رئيس الكهنة. وكان الكهنة منقسمين إلى أربع وعشرين فرقة وكل فرقة تخدم الهيكل أسبوعياً (۱أي ۲٤).

أمَّا اللاويين فكانوا من نسل لاوي وليس ~هرون، وكانت درجتهم الكهنوتية أقل درجة سواء من الكهنة أو مساعديهم، إذ كانوا برتبة شمامسة اليوم. وهذه الرتبة السفلى كان يتقلدها كل سلائل موسى، وهذا يدل على أنه ليس راغباً في الافتخار وحُبِّ الظهور بل بالحري دعوته للخدمة المدعو لها! كما أن اللاويين كان يتفرَّقون في البلاد كمعلمين وضباط للشعب، ولم يكن لهم في البلاد أي عقار إلاَّ ثمان وأربعين (٤٨) مدينة لأن الله كان ميراثهم، وكان الله قد عيَّن لهم عشور الأرض جزاءً للعمل بين الشعب (عد ۱٨: ۲۰-۲۲، و۳٥: ۱-٨).

إن الموهوبين كانوا خداماً متسلمين خدمة خيمة الاجتماع والهيكل، وكانت وظيفتهم شاقة إذ كانوا يجمعون الحطب ويستقون الماء. ويُظنّ أن هؤلاء هم الكنعانيون الذين عُفي عنهم ولم يُقتلوا (يش ٩ وعز ۲۰:٨).

أما الناذرين فكانوا منذورين لعبادة الله مدة أسبوع أو شهر أو سنة أو مدى العُمر، وكان شمشون ويوحنا المعمدان منذورين منذ ولادتهما والآخرون نذروا أنفسهم اختياراً (عد٦، أع۱٨:۱٨، و۲۱: ۲۳-۲٦). والركابيون كانوا أناساً من هذه الطبقة (انظر أرميا أصحاح ۳٥).

التوقيت

 

لم يكن للوقت حسابٌ دقيق في أول الأمر. وقد استعمل اليونان والرومان ساعات الشمع وساعات الماء، كما كانت الطريقة المعتادة لقياس الوقت حسب وحدات صغيرة هي تحرك الظل (مع أن المصريين القدماء كانوا يستعملون الساعات الزجاجية قبل ذلك بزمن طويل). ويبدو أن هناك ثلاثة أنواع من التوقيت استخدمت في الكتاب المقدَّس.

ففي العهد القديم، لما كانت كنعان تحت نفوذ مصر، كان شروق الشمس يُعتَبر أول اليوم. وكان التقويم مؤلفَّاً من اثنى عشر شهراً ذات ثلاثين يوماً، يُضاف إليها خمسة أيام عند نهاية العام. وكانت أيام الشهر تُعلَّم بغرس وتدٍ في طَبَقٍ كبير فيه ثلاثة صفوف من عشرة ثقوب.

ويبدو أن التقويم تغيَّر فيما بعد، بما تحت النفوذ البابلي. فكان اليوم يبدأ عند طلوع القمر (في السادسة مساءً) وصار اليوم الكامل يضم مساءً صباحاً. وقد قُسِّم الليل إلى ثلاثة هُزُع، كل هزيع أربع ساعات.

ولكن الرومان جعلوا الليل أربع هُزُع، كل هزيع ثلاث ساعات. وكان شهر جديد يبدأ كلما هلَّ القمر. وكان يُشار إلى الهلال بإشعال نيران فوق الجبال، أما الأشهر آنذاك فكانت من ۲٨ يوماً أو ۲٩ فاقتضى الأمر زيادة شهر إضافي في بعض السنين لضبط التقويم مع الشمس، وكان الكهنة يقررون متى يُزاذ هذا الشهر.

التقويم العبراني وأعياده

يحتوي التقويم العبراني على يومين مختلفين، أحدهما اليوم الطبيعي وهو من شروق الشمس إلى غروبها في نفس اليوم، وهو ما يُسمى عندنا نهاراً وقد قسَّمه اليهود إلى اثنتي عشرة ساعة كما في يوحنا ٩:۱۱. واليوم الثاني هو اليوم السياسي وكان يُحسب عندهم من غروب الشمس إلى غروبها في اليوم التالي وهو المسمى عندنا يوماً. وفي أيام السيد المسيح كان يُقسَّّم الليل عندهم إلى أربعة أقسام متساوية كل قسم منه يُسمى محرساً أو هزيعاً. فالهزيع الأول كناية عن الثلاث ساعات الأولى بعد غروب الشمس، والثاني يبتدئ من نهاية الأول حتى منتصف الليل، والثالث يبتدئ من نصف الليل حتى الفجر وكان يقال له صياح الديك، والرابع من نهاية الثالث حتى شروق الشمس وكان يسمى محرس الصباح.

وكان لهم سنتان متغايرتان أحداهما للأمور السياسية وهي الأصل عندهم، والأخرى للأمور الدينية. فالسنة السياسية تبتدئ من شهر إيثانيم (تشرين الأول-أكتوبر) وقد أجمع رأي المدققين بأن هذا الحساب ابتدأ منذ خلق العالم ودام حتى خروج بني إسرائيل من أرض مصر حينما أمرهم الله أن يحسبوا أبيب أو نيسان (أبريل) تذكاراً لتاريخ خروجهم من العبودية (خر ۱۲: ۲، ۱۳: ٤) ومن ثم صار يُحسب هذا الشهر رأس سنتهم “الدينية”.

وطريقة حساب الأشهر عند العبرانيين هي بخلاف طريقتنا لأنها بحسب الهلال تقريباً، لذا لا يمكن لها أن توازي أشهر سنتنا الاعتيادية بالضبط لأن فيها شهراً ۲٩ يوماً وشهراً ۳۰ يوماً على التوالي. ومن ثم كانوا كل ثلاث سنوات يضيفون شهراً إلى شهر مارس (آذار) ويسمونه آذار الثاني وذلك لكي يساوا سنتهم بالسنة الشمسية. والجدول الآتي يبين أسماء شهورهم الدينية والسياسية والأعياد الواقعة فيها وما يوافقها من تقويمنا الحديث في الأشهر العربية والأجنبية.

 

أشهُر السنة عند العبرانيين والأعياد الموافقة لها

ما يوافقها سياسياً

ما يوافقها عربياً

الفصل

(۱) أبيب أو نيسان خر ۱۲:۲و۱٨، ۱۳: ٤، أس٧:۳. اليوم ۱٤ منه ذبح خروف الفصح، والـ ۱٥ منه الفصح، والـ ۱٦ باكورة حصاد الشعير تهدى للرب، والـ۲۱ نهاية الفصح.

السابع

نيسان (أبريل)

ربيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع

(۲) زيو ۱مل۱

الثامن

أيار (مايو)

صيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــف

(۳) سيوان أس٩:٨، اليوم الـ ٦ منه عيد الخمسين، وفيه تهدى للرب باكورة القمح

التاسع

حزيران (يونيو)

(٤) تموز حز۱٤:٨

العاشر

تموز (يوليو)

(٥) آب

الحادي عشر

آب (أغسطس)

(٦) أيلول نح ٦: ۱٥

الثاني عشر

أيلول (سبتمبر)

خريـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــف

(٧) إيثانيم ۱مل۲:٨ اليوم الأول منه عيد الأبواق. والـ ۱۰ منه يوم الكفارة، والـ ۱٥ عيد المظال والـ ۲۲ نهاية العيد

الأول

تشرين أول (أكتوبر)

(٨) بول ۱مل ٦: ۳٨

الثاني

تشرين الثاني (نوفمبر)

(٩) كسلو زك ۱:٧، اليوم ۲٥ منه عيد تكريس الهيكل

الثالث

كانون أول (ديسمبر)

شتـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاء

(۱۰) طيبيت أس ۲:۱٦

الرابع

كانون الثاني (يناير)

(۱۱) شباط زك ۱: ٧

الخامس

شباط (فبراير)

(۱۲) آذار أس ۳: ٧-۱٤ اليوم الـ ۱٥ منه عيد الفوريم، أس ٩: ۱٨-۲۱. ويتلو هذا الشهر كل ثلاث سنوات آذار الثاني

السادس

آذار (مارس)

ربيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع

 


 

 

الأعياد العبرانية

۱- السبت:

كان يوم السبت أعظم الأعياد المقدَّسة عند اليهود، وهو اسمٌ عبرانيٌ لليوم السابع من السُبَّة ومعناه الرَّاحة لأن الله استراح فيه من جميع عملهِ. وهذا اليوم كان مُفْرِزِاً منذ بدء العالم للعبادة ثم اعتبره اليهود يوماً مقدَّساً يعيِّدون فيه لله. وقد أُمِروا بذلك تذكاراً لعتقهم من عبودية المصريين وكانت تتضاعف فيه الذبيحة اليومية فيقربون كل دفعة خروفين (خر ۲٩: ۳٨-٤۲، لا٩:٦، عد ۲٨: ۳-۱۰).

۲- الفصح:

وهو أول الأعياد السنوية حسب التقويم اليهودي. وقد عُيِّن تذكاراً لحفظ بني إسرائيل ليلة خلاصهم من العبودية عندما قتل الملاك بِكْر كل بيت من المصريين وتجاوز عن بيوت الإسرائيليين إذ كانت القائمتين والعتبة العليا مضرَّجتا بدم خروف الفصح الذي ذُبح مساءً. وكانت تلك الليلة هي ختام الأربع مئة والثلاثين سنة (٤۳۰) لسكنى العبرانيين في مصر من زمان إبراهيم (تك ۱٥: ۱۳و۱٤، وخر۱۲: ٤۱ و٤۲)، وكانت ليلة الرابع عشر من شهر أبريل (نيسان أو أبيب) (خر۲:۱۲-۱٨ و ۲۳: ۱٥).

وكان الفصح رمزاً إلى مخلِّصنا له المجد لذا يقول الرسول بولس: “لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضاً الْمَسِيحَ قَدْ ذُبِحَ لأَجْلِنَا” (۱كو٧:٥) وكان خروف الفصح السالم من العيوب رمزاً إلى السيد المسيح في سيرته المعصومة وقلبه الطاهر. فقد اُفتُدي المسيحيون لا بأشياء تفنى بفضةٍ أو ذهبٍ “عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ، بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَلٍ بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ” (۱بط ۱: ۱٨-۱٩). فكما أن الإسرائيليين عُفي عنهم وخلِصوا برش دم خروف الفصح على القائمتين والعتبة العليا وأكله، هكذا الأمر بالنسبة لنا كمسيحيين حصلنا على الخلاص بواسطة المسيح وممارسة فريضة العشاء الرَّبَّاني

۳- عيد البنتيكستي أي الخمسيني:

وهذا العيد وقع في اليوم الخمسين بعد ثاني الفصح. ودُعي أيضاً عيد الحصاد لأنه كان عند نهاية حصاد القمح الذي كانت باكورته للرب رغيفين من أنقى الدقيق مع ذبائح شكر وسرور. أما الذبيحة في هذا العيد فكانت سبعة حملان حوليَّة وعجلاً وكبشين محرقةوخروفين ذبيحة سلامة وماعزاً ذبيحة خطية (لا۲۳: ۱٥-۱٧).

ومن الجدير بالذكر أن هذا العيد وقع في يوم الرب من السنة التي صُلِبَ فيها المخلِّص عندما حلَّ الروح القدس على التلاميذ وأعدَّهم وجهَّزهم لتقرير ملكوت الميسح وقد آمن بالمسيح في هذا اليوم  ثلاثة آلاف نفس.

٤- عيد المظال:

يقع هذا العيد عند نهاية جني كل الثمار في آخر السنة (تث ۱۳:۱٦) وذلك للاعتراف بالله الفائض في تتويجه السنة ببركاته. وكان المقصود بهذا العيد تذكار مراحم الله في حمايته للإسرائيليين في البرية. ولذلك كانوا يسكنون في هذا العيد سبعة أيام في خيام من أغصان الشجر تذكاراً لسكن آبائهم الأولين في البرية. وكان الاحتفال بهذا العيد في اليوم الخامس عشر من شهر إيثانيم الموافق أكتوبر (تشرين الأول) وهو أول شهور السنة السياسية. وفي غُرَّةِ هذا الشهر تعيَّن لهم عيدٌ يُقال له عيد الأبواق أو انتصارات أصوات الفرح. واليوم العاشر منه يوم الكفارة (لا ۲۳: ۲٧-۳٤، وتث ۱٦: ۱۳-۱٥). وهذا العيد كان واحداً من الثلاثة أعياد التي كان كل ذَكَرٍ فوق الاثنى عشر من عُمره ملتزماً بالحضور فيها أمام الرَّب في هيكله وهي الفصح والبنتيكستي والمظال (تث۱٦:۱٦).

٥- رؤوس الشهور أو الأهلَّة:

كانت تُحفظ بتعييدٍ حافل وقد عُيِّن لها ذبائح مخصوصة كانت تُصحب بتبويق الكهنة بأبواق الفضة (عد ۱۰:۱۰، ۲٨: ۱۱-۱٥).

٦- يوم الكفارة، أو عيد الغفران:

وهو اليوم العاشر من شهر إيثانيم الموافق أكتوبر (تشرين الأول) وكان هذا العيد يمتاز بالذبيحة السنوية. وذلك بعد أن يقرِّب الكاهن ثوراً كفَّارة لخطايا عائلته يقرِّب ماعزين كفَّارة لخطايا الشعب. أمَّا عن كيفية تقديم الذبيحة في هذا العيد فهي بعد أن يعترف الكاهن بخطايا الشعب فوق رأس الماعزين، يذبح أحدهما ويقرِّبه وقوداً كما في الذبيحة اليومية أمَّا الآخر فيؤخذ حاملاً خطايا الشعب في البرية ولا يعود يُرى (لاويين ۱٦). وصورة الاعتراف يوم الغفران على حسب استعمال المعلمين العبرانيين كانت هكذا: “يارب، إن شعبك بني إسرائيل قد فعلوا السوء وأخطأُوا أمامك، فالتمس منك الآن أن تعفوا عن الخطايا والآثام والذنوب التي ارتكبها وأساء وأثِمَ بها أمامك الشعب بيت إسرائيل كما هو مكتوبٌ في ناموس عبدك موسى، أنَّهُ في +لك اليوم يقيم كفَّارة لينقِّيك ولتطهروا من جميع آثامكم أمام الرَّب”. وقيل إن رسم طقس الاعتراف عند تقديم الذبائح الخاصة كانت هكذا: “أثمت وعصيت ولكنني راجعٌ بالتوبة إليك، وعسى أن يكون ذلك كفَّارة لي”.

وقد استغلَّت كل من مصر وسوريا بمساعدة كل الدول العربية هذا العيد في السادس من أكتوبر عام ۱٩٧۳م وفي الساعة الثانية وخمس دقائق بعد الظهر (سعت ۱٤۰٥) في شن هجوم مفاجئ على إسرائيل في سيناء والجولان. وقد أفقدت القوات المصرية الجيش الإسرائيلي توازنه بالضربات الجوية ونيران المدفعية الثقيلة لمدة ٦ ساعات متواصلة في هذا العيد. وكان تقدير مدير المخابرات الحربية المصرية اللواء فؤاد نصَّار أن إسرائيل سوف تقوم بهجومها المضاد بقوَّاتها الرئيسة بعد قيامها بتعبئة قوَّاتها من ٦-٨ ساعات من بدء الهجوم المصري. ولكن ما حدث كان غير ذلك في صباح يوم ٧ أكتوبر أي بعد مضي ۱٨ ساعة من بدء الهجوم المصري شرق القناة لم تكن هناك أية ظواهر بأن القوات الإسرائيلية المعبأة قد دخلت الحرب في الجبهة المصرية. وقد بدأت القوات الإسرائيلية في الظهور على الجبهة صباح يوم ٨ أكتوبر عام ۱٩٧۳م.

٧- سنة العطلة:

وهي كل سنة سابعة عندهم ويُقال عليها سنة الإطلاق أيضاً. فكما كان يوم السبت عندهم يوماً مفرزاً للرب يمتنعون فيه عن أعمالهم، هكذا كانت سنة العطلة لتنبههم أنهم هم وأرضهم للرب. وكان حفظ هذا العيد محصوراً في أمرين، أحدهما لا تُحرث الأرض ولا يُقضَب الكرم، ومن ثم كان يقال له “سبت الأرض” (لا٦:۲٥). والثاني العفو عن المديونيين وترك الديون لهم (تث۱٥: ۲-٩) ولذلك كان يسمى إبراء للرب. وقد وعد الله أن يفيض بخيراته في السنة السادسة فتثمر الأرض غلَّة ثلاث سنين “وَإِذَا قُلْتُمْ: مَاذَا نَأْكُلُ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ إِنْ لَمْ نَزْرَعْ وَلَمْ نَجْمَعْ غَلَّتَنَا؟ فَإِنِّي آمُرُ بِبَرَكَتِي لَكُمْ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ فَتَعْمَلُ غَلَّةً لِثَلاَثِ سِنِينَ. فَتَزْرَعُونَ السَّنَةَ الثَّامِنَةَ وَتَأْكُلُونَ مِنَ الْغَلَّةِ الْعَتِيقَةِ إِلَى السَّنَةِ التَّاسِعَةِ. إِلَى أَنْ تَأْتِيَ غَلَّتُهَا تَأْكُلُونَ عَتِيقاً” (لا۲٥: ۲۰-۲۲). وكانت التعاليم الدينية تُعلَّم للخدام والشعب لكي تدوم معرفة وخوف الله بين الشعب على مر الأجيال (تث ۳۱: ۱-۱۳).

٨- اليوبيل:

ومعناه الهتاف، وكان عندهم عام الراحة الكبير وكان يقع كل خمسين سنة بعد مضي سبع سنين من سنوات العطلة المذكورة. وكان في هذا العيد إطلاقٌ عام ليس للديون فقط بل للعبيد والأسرى والأراضي والأملاك المرتهنة. وكانت البشارة بهذه المدة المفرحة تُطلق مساء يوم الكفارة. وكان الأغنياء من اليهود يستعدون لهذا العيد ليغفروا ذنوب إخوانهم ويتركوا دينهم بعد أن يلتمسوا لأنفسهم الغفران من الله.

 

بيان بتاريخ الترجمات العربية


[1] يوسف رياض [وحي الكتاب المقدس]

[2] موسوعة الكتاب المقدس، صادرة عن دار منهل الحياة، لبنان.

[3]  راجع كتاب [حديث مع مارتن لوثر] للدكتور القس لبيب مشرقي.

[4]  يوجد باب كامل في هذا الجزء عن ترجمات الكتاب المقدس إلى اللغة العربية

[5]  محتويات فصل عصمة الكتاب مأخوذة من كتاب [حقيقة إيماني]. دكتور لويس عبدالله.

4  انظر فصل [كيف كُتب الكتاب المقدَّس] صفحة 63

[7] يجدر بالقارئ الكريم أن يقتني نسخة من المرجع العظيم [شُبُهاتٌ وهمية حول الكتاب المقدس].

[8]  د.ق. منيس عبد النور [موسى كليم الله] نداء الرجاء، شتوتجارت، ألمانيا.

[9]  >ـيمس آنس [خلاصة الأدلة السنية على صدق أصول الديانة المسيحية]

[10] كتاب [ثقتي في التوراة والإنجيل] جوش مكدويل، ترجمة القس منيس عبد النور

[11]  Haig, The Wonder of The Book

[12]  Wilber M. Smith, The incomparable Book, Beacon Publications, 1961.

[13]  Kenneth Scott Latourette, A History of Christianity, Harpoer and Row, 1953.

[14]  د.ق. منيس عبد النور [شُبُهات وهمية حول الكتاب المقدَّس].

[15] [ثقتي في التوراة والإنجيل]، مرجع سابق.

[16] د. داود رياض إرسانيوس [التوراة والإنجيل كلمة الله المعصومة]

[17]  راجع كتاب [خير الماكرين] عبد المسيح وزملاؤه، و[مقالة في الإسلام] جرجس سال وهاشم العربي، و[مصادر الإسلام] سنكلير تسدل وجميع هذه الكتب صادرة عن مركز [نور الحياة] النمسا. Light of Life, villach Austeria

[18]  [حديث مع مارتن لوثر] د.ق لبيب مشرقي، مركز المطبوعات المسيحية، بيروت، لبنان

[19]  الكتاب المقدَّس في اللغة العربية، بقلم جميل حنا طرانجان، د.ق. ثروت قادس [الكتاب المقدَّس في التاريخ العربي المعاصر].

[20]  وكان عميداً لكلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة.

[21]  د.ق. منيس عبد النور [تأملات في أمثال المسيح] كنيسة قصر الدوبارة الإنجيلية.

[22]  النهر المذكور في سفر التكوين اسمه [حِدَّاقل] وقد تحرَّف الاسم إلى [حِدَّاجل] ثم إلى [دجلة].