الحياة الفضلى

مركز الدراسة بالمراسلة

المحتويات: العدد 6

 

اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي أَنَا الْخَاطِئَ

(لوقا 18، 13)

)رواية عن أحداث تاريخية حقيقيّة(

 أُطلبوا أوّلاً ملكوت الله وبِرّه

(متّى 6، 33)

 

تَعالوا إلي يا جميع المُتعبين والثَقيلي الأحمال وأنا أُريحكم (ى 11، 20- 30)

(تأمّلات في آيات مِن عظات المسيح)

طُوبَى لِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ وَيَحْفَظُونَهُ ( لوقا 11، 28 )

أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ. لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ عَلَى الأَرْضِ. خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ. وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضاً لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا. وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لَكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ. لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ، وَالْقُوَّةَ، وَالْمَجْدَ، إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ. (متّى6، 9-13)

 

لسلة التأمّلات: العدّد السادس

الطبعة الاولى 2005

 

الحياة الفضلى

ص.ب.226- مزرعة يشوع - المتن - لبنان

www.hayatfudla.org

 

اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي أَنَا الْخَاطِئَ. (لوقا 18، 13)

 زار معلّم كفيف في قريته بعض العائلات في بيوتهم وقرأ على الجالسين حوله بلمس أصابعه من الكتاب المقدس المطبوع بالخط النافر فصولا متواصلا بدقة. استغرب مستمعوه من مقدرته و انتبهوا لكل حرف من كلامه مراقبين صحة قراءته. وأختار المعلم الأعمى مشهد مثير حدث في المعبد المركزي في بلادهم و روى عليهم:

إنسانان صعدا إلى المعبد ليصليا، واحد تقي متدين والآخر لص. أما التمدين فوقف يصلي صامتا في نفسه هكذا: اللهم، أنا أشكرك أني لست مثل باقي الناس الخاطفين الظالمين الزناة ولا مثل هذا اللص. أصوم مرتين في الاسبوع واُعَشّر كل ما أقتنيه. أما اللص فوقف من بعيد، لا يشاء أن يرفع عينيه نحو السماء، بل قرع على صدره قائلا: اللهم، ارحمني أنا الخاطي. ( لوقا 18: 13)

وقف المعلم في قرأته وسال الحضور: ليفتكر كل واحد في نفسه: من تكون أنت، هل مثل التقي المتدين أم مثل اللص؟ أليس الرجل التقي قدوة لامتنا؟ إذ قال انه لم يزنِ، ولا يسرق، ولا يظلم أحد، بل يصوم مرتين في الأسبوع، ويقدم الزكاة والصدقات، ومحسنا للمحتاجين؟ جابه بعد صمت شيخ كبير في السن وقال: " الحمد لله إن اقترب الإنسان من ربه، ويصلي مخلصا، لكن هذا التقي المتدين مجد نفسه في صلاته، وعظم أفعاله الخاصة، ولم يذكر الله ولا يمجده، وما عظّم أعماله العجيبة. فالتقوى دون التواضع تميل إلى الاستكبار والدعاء بدون إنكار الذات شبه أنانية". أكّد المعلم الكفيف نصيحة الشيخ وقال: " أصبح قلوب المتدينين كثيرا ما متحجرة، وأذهانهم متفاخرة فلا يدركوا حقيقة الله ولا حالة أنفسهم رغم حفظهم نصوص الوحي عن ظهر قلب. فيظهر أن التقوى المتدينة دون خوف الله مزيفة وخالي من المحبة، فكل من يصلي لِيَنتبه على كيفية صلاته: هل ندور حول أنفسنا في أدعيتنا، ونكتفي بسلوكنا، أو نَتّجِهُ إلى الله العظيم ونفتكر به، ونطلب رضاؤه بخوف ورعب. سال شاب من بين الحضور المعلم الكفيف: "لماذا نصلي؟ هل هناك نفعٌ من الصلاة؟ من يسمع لكلامنا؟" أجابه المعلم الكفيف:"هل يرى المبصر ما وراء الأفق؟ انه يؤمن باستمرارية أرضنا المدورة بدون أن يرى ما وراء الأفق ونتكلم هاتفيا من القاهر إلى باريس، ومن الدار البيضاء إلى طوكيو، ونثق أن نسمع صوت الصديق المراد التحدث معه شخصيا بدون أن نراه، فكم بالأحرى يتأكد المؤمن عن الله القدير أنه يسمع له، ويستجيب أدعيته الصادرة من القلب المتواضع والمحبة".

وأكمل الكفيف شرحه وأشار إلى صلاة اللص وقال: " الحمد لله لان قد ترك اللص جرمه، وتاب ورجع إلى ربه، وتجاسر أن يقترب منه، وغلب صوت ضميره، وتمتم دعاؤه نحو الرحمان الرحيم. ونلاحظ في صلاته أنه لا يزال آمن بوجود الله وحكمه وقدرته. وسماه اللهمّ، مُوقِناً أن الله واحد في قوته وكلمته وروحه. وشعر اللص التائب بقداسة الرحمان ووثق برحمته من جهة، وخاف من دينونته على إجرامه ونجاساته من جهة أخرى، هكذا تأرجح بين لطف الله و عدله المستقيم. وكان معتقدا أن ربه يدينه في سبيل الحق ويرميه إلى الهلاك مباشرةً، ولكن بنفس الوقت تمسك برحمة القدوس وأمن بأن لطفه أعظم من عدله، وانّ القادر على كل شيء يستطيع أن يُنشئ كفارةَ لفرط محبته و يُمحي خطايا المذنبين إذ يرتموا بين يدي الديان الرحيم ولذاك نطق: اللهم، ارحمني أنا الخاطئ" فسّر المعلم الأعمى حالة التائب أكثر وقال: "عرف المجرم أنه لم يخطي أخطاء قليلة فحسب، بل أنه في ذاته أصبح فاسدا مرفوضا كليا، وعندما اقترب من الله القدوس اكتشف انه لا يبقي شيئاً صالحاً في نفسه بل أصبح من الظالمين في عيني الرب.

أقلاء من الناس يعرفون حالة أنفسهم ويظنون أنهم محترمون ومستقيمون ولكن من يقف في نور الله الكاشف لنياتنا وأقوالنا واعمالنا يتضح له فورا أن ليس أحد صالح إلا الله. فطوبى للّص التائب لأنه أدرك حالة نفسه، ورجع إلى خالقه والتمس منه رحمة، واعترف بفساده أمامه، واصبح حكيما، مبصرا حنان الله ومحبته. لا يرفض الرب التائب الذي ينوي على تغير قلبه، ويتمني على إصلاح سلوكه، ويشتاق إلى تطهير ضميره، فالرب يعلن له طريق الخلاص، وعون النجاة، والكفارة الإلهية والتبرير الحاضر لكل نادم".

استمر المعلم الكفيف وهو مبصر في قلبه وسال الحضور: هل تعرفون القرار النهائي على لسان المسيح ابن مريم بالنسبة للرجل المتدين واللص التائب؟ فقرأ بكل وضوح قول المسيح: "أقول لكم أن اللص التائب نزل إلى بيته مبررا دون ذالك، لان كل من يرفع نفسه يتضع ومن يضع نفسه يرتفع." لوقا 18: 14)

 

أيها القارئ العزيز،

امتحن نفسك مرة أخرى: هل أنت مكتفي بتقواك ومتكبر بأعمالك الصالحة وراضي عن سلوكك، أو تشعر بتأنيب ضميرك على خطاياك وتندم على ما فعلته في حياتك؟ فتأكد أن كل من يستكبر ويرى نفسه عظيما يسقط حتماً أما كل من يتوب، ويرجع إلى ربه، ويعترف بذنبه أمامه، ويندم عليها ينال رحمة وتبرير من كفارة ربه وعظمة نعمته.

 

صلاة التوبة (المزمور 51، 1-19)

صلِ معنا صلاة النبي داود بعدما زنى بإمرة، وأمر بقتل زوجها. أدانه الرب على جرمه اما هو فتاب توبة نصوحة. احفظ اعترافه في قلبك، وتب معنا تصبح حكيما متبررا

اِرْحَمْنِي يَا اَللَّهُ حَسَبَ رَحْمَتِكَ. حَسَبَ كَثْرَةِ رَأْفَتِكَ امْحُ مَعَاصِيَّ. اغْسِلْنِي كَثِيراً مِنْ إِثْمِي وَمِنْ خَطِيَّتِي طَهِّرْنِي.

لأَنِّي عَارِفٌ بِمَعَاصِيَّ وَخَطِيَّتِي أَمَامِي دَائِماً. إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأْتُ وَالشَّرَّ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ صَنَعْتُن، لِكَيْ تَتَبَرَّرَ فِي أَقْوَالِكَ وَتَزْكُوَ فِي قَضَائِكَ.

هَئَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي. هَا قَدْ سُرِرْتَ بِالْحَقِّ فِي الْبَاطِنِن فَفِي السَّرِيرَةِ تُعَرِّفُنِي حِكْمَةً.

طَهِّرْنِي بِالزُّوفَا فَأَطْهُرَ. اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ. أَسْمِعْنِي سُرُوراً وَفَرَحاً فَتَبْتَهِجَ عِظَامٌ سَحَقْتَهَا.

اسْتُرْ وَجْهَكَ عَنْ خَطَايَايَ وَامْحُ كُلَّ آثَامِي. قَلْباً نَقِيّاً اخْلُقْ فِيَّ يَا اَللَّهُ وَرُوحاً مُسْتَقِيماً جَدِّدْ فِي دَاخِلِي.

لاَ تَطْرَحْنِي مِنْ قُدَّامِ وَجْهِكَ، وَرُوحَكَ الْقُدُّوسَ لاَ تَنْزِعْهُ مِنِّي. رُدَّ لِي بَهْجَةَ خَلاَصِكَ، وَبِرُوحٍ مُنْتَدِبَةٍ اعْضُدْنِي.

فَأُعَلِّمَ الأَثَمَةَ طُرُقَكَ، وَالْخُطَاةُ إِلَيْكَ يَرْجِعُونَ. نَجِّنِي مِنَ الدِّمَاءِ يَا اَللَّهُ إِلَهَ خَلاَصِي فَيُسَبِّحَ لِسَانِي بِرَّكَ.

يَا رَبُّ افْتَحْ شَفَتَيَّ فَيُخْبِرَ فَمِي بِتَسْبِيحِكَ. لأَنَّكَ لاَ تُسَرُّ بِذَبِيحَةٍ وَإِلاَّ فَكُنْتُ أُقَدِّمُهَا. بِمُحْرَقَةٍ لاَ تَرْضَى.

ذَبَائِحُ اللَّهِ هِيَ رُوحٌ مُنْكَسِرَةٌ. الْقَلْبُ الْمُنْكَسِرُ وَالْمُنْسَحِقُ يَا اَللَّهُ لاَ تَحْتَقِرُهُ. أُطلبوا أوّلاً ملكوت الله وبِرّه

( متّى 6، 33)

لكلّ إنسان هموم ومشاكل تضغط عليه وتطحنه، وبعض المرّات تتكاثر كالجراثيم تنتقل كالمكروب. أمّا يسوع فيريد ويستطيع أن يحرّرك مِن هذه الضيقات ويشجّعك و يقول لك:أُنظر إليّ وإمكانياتي، ولا تتفرّس بضيقاتك. استطيع أن أُعينك، أقصد أنْ أُجدّدك مِن الداخل وأغير ذهنك، لكي تنظر إلى مشاكلك ببصيرتك الموهوبة مِن الله. إنسَ همومك وارتكز عليّ وعلى ملكوتي الروحي، فتنل أفقاً جديداً وتستمدّ منّي قوّة عظيمة.

ما هو ملكوت الله؟

السِرّ في أي ملكوت حسب الأصول في اللغات السامية، هو المَلك. هو مالك ملكوته. كلّ ما في الملكوت يخصّه، ويقدر أن يعمل به ما يريد. فالمَلك هو الأكثر أهميّة مِن كل أمور الدنيا. كما المَلك هكذا الملكوت! ويكون للمَلك شعبه ما لهم مِن لغّة ومواهب عديدة، وتقاليد تاريخية فملكوته غنيّ بالتراث. فالإهتمام بالتقاليد وروح مقاصد المَلك تصيغ الملكوت. كلّ مملكة تحتاج إلى نظام، فالمَلك يسنّ الشريعة الشاملة كل نواحي حياة شعبه. هذه الشريعة تشكل الحضارة وسلوك شعبه.

يدعو المَلك لتنفيذ شريعته بواسطة وُزراء أمناء، وتحمي جيوشه شعبه، والموظفون مسؤولون تُجاهه وسلطتهم مستمدّة منه.

المَلك هو قاضي القضاة على شعبه، فيقاصص المجرمين حسب شريعته، ويمنح لخدامه الامناء نعمة لأجل خدمتهم المخلصة.

الملكوت مكوّنة مِن المَلك وشعبه وشريعته وموظفيه والملك هو الديّان. ونريد أن نفكّر بملكوت الله مِن حيث هذه النواحي الخمس.

 

المسيح هو المَلك الروحي في ملكوت السماوات

نقرأ في العهد القديم الآية المثيرة:

"ابتهجي جداً يا ابنة صهيون، اهتفي يا بنت أورشليم! هوذا مَلكك يأتي إليك. هو عادل ومنصور وديع، وراكب على حمار وعلى جحش ابن آتان."(زكريا 9،9). عندما أتى المَلك يسوع في مجيئه الأول، لم يأتِ كرئيس لجيوش، وقهّار على حصان أبيض برّاق، بل أتى وديعاً متواضعاً، فقيراً وبدون أسلحة، راكباً على حمار. فيتّضح مِن هذا الظهور بأنه ليس مَلكاً دنيوياً، بل مَلكاً روحياً إلهياً. هكذا اتّضح لبيلاطس الوالي الروماني في آخر حياته الدنيوية :"مَمْلكتي ليست مِن هذا العالم. لو كانت مَمْلكتي مِن هذا العالم لكان خُدّامي يُجاهدون، لكي لا أسلّم إلى اليهود، ولكن الآن مَمْلكتي ليست مِن هنا .....انّي مَلك. لهذا قد وُلدت أنا. ولهذا قد أتيت إلى العالم، لأشهد للحق، وكل مَن هو مِن الحق يسمع صوتي" (يوحنا 18، 36- 37). كان يسوع قبل هذا الإعتراف يأمر بطرس مقدام تلاميذه في بستان جسيماني:"رُدّ سَيفك إلى مكانه، لأن كلّ الذين يأخذون السيف بالسيف يَهلكون!"(متّى 26، 52). إن يسوع وهو مَلك! امتنع عن كل نوع من استخدام السلطة المدمّرة لتنفيذ ملكوته. لقد كان وديعاً في النيّة والعمل، وكان مختلفاً كل الإختلاف مع الملوك والأسياد في الدنيا. م يملك يسوع حصاناً، وما كان عنده حمار خاص، فمشى على قدميه إلى القرى والمدن في بلاده، لقد أخلى عمداً مجده، وظهر فقيراً للفقراء. أراد أن يكون صغيراً ليربح الصغار، وكان متواضع القلب، آتياً كخادم، وليس كسيّد، كما اعترف مرارا (متّى20، 25). ما زار يسوع الأمراء والسلاطين والأغنياء، بل أحبّ المساكين والمحتقرين والمُخطئين. شَفى بسلطانه الروحي كلّ مَن أتى إليه مِن المرضى، وأخرج الشياطين مِن الملبوسين بأوامره المَلكية. وحتى الأموات أقامهم بكلمة قدرته، فكان الراعي الصالح المُستعدّ أن يفتّش عن خروفه الضّال، حتى يجده، ويحمله إلى حظيرته بفرح (لوقا 15، 1-7).

كان يسوع خطيباً شهيراً، أصاب قلوب الناس، وعاش ما قاله، فدعا كل طامع إلى التوبة "قد اكتمل الزمان، واقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" (مرقس1، 15). غضب الأتقياء لأجل دعوته للتوبة، إذ ظنّوا أنفسهم أفضل مِن الخطاة المرفوضين. أبغضوا يسوع، لأنه طلب منهم الرحمة عوضاً عن الذبائح، والمحبة عوضاً عن أحكام الشريعة. أما هو فشفى المفلوج يوم السبت وسط معابدهم. حَكم نواب متطرفون عليه في محكمة دينية، وبصقوا على وجهه، وسلّموه إلى الوالي الروماني بيلاطس، ليحكم عليه بالموت. أما هو فأراد أن يُطلق يسوع حُرّاً، لأنه لم يجد فيه عِلّة. فاعترضوا عليه حتى أمر بجلد يسوع وصلبه. أما المَلك المصلوب فتحنّن على أعدائه، وابتهل إلى الله لأجل الخطاة:"يا أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لوقا 23، 35). رأى اللصّ المصلوب، المسيح بجانبه وسمع، أنّه تصرَّف مختلفاً عن الآخرين. ولمس أنّ المصلوب هو المسيح الموعود، وطلب إليه:"اذكرني، يا رب، متى جِئتَ في ملكوتك"! فجاوبه يسوع فوراً: "الحقّ أقول لك: إنك اليوم تكون معي في الفردوَس!" (لوقا 23، 42- 43). فهَلْ كان اللصّ التائب الإنسان الوحيد الذي خلّصه يسوع، ما دام على هذه الدنيا؟ هل كان هذا اللصّ المُنعم عليه رمز الذين يدخلون إلى ملكوت الله؟

بَنى يسوع ملكوته على الحقّ الإلهي. لا يستطيع أحد أن يدخل إلى ملكوته إلا مَن يقبل تبريره المجاني بالإيمان والشكر والحمد. حمل يسوع تاج الشوك الذي وضعوه على رأسه بقسوة حتّى انبثق دمه. وكان مكتوباً فوق رأسه على لوحة الأحرف الأولى مِن الكلمات التالية:"هذا هو مَلك اليهود" (لوقا 23، 38) بالعبرانية واليونانية والرومانية. فمعارضوه اشتركوا مِن دون عِلم أنّ مَلك الرحمة قد أتمّ الفداء والخلاص لكلّ التائبين المؤمنين (يوحنا 19، 23). أما المسيح فهو مَلك الملوك! قد قام مِن بين الأموات! قام حقاً وغلب الموت.لم يستطع الشيطان أن يقوده إلى الخطيئة، فانكسر الشرير أمام حمل الله البريء. وتمّت المصالحة بين الله والناس على الصليب، وظهرت فِعلتها في قيامة المصلوب مِن بين الأموات. ومُنذ ذلك الوقت، كل الخطايا مُحيت. خمد غضب الله على العصاة بسبب ذبيحة المَلك النائبة. المسيح هو المنتصر! تبيَّن أن حمل الله هو أقوى مِن كل القـِوى المضادة لله. مات المَلك عوضاً عن شعبه الرديء، إنه أحبّهم إلى المنتهى، ويعيش مع أبيه السماوي إلى الأبد. فكل مَن يؤمن به يتبرّر وينال منه الحياة الأبدية.

الشعب في ملكوت السماوات

دعا يسوع تلاميذه الأولين مِن عند يوحنا المعمدان، حيث اعترفوا هناك بخطاياهم أمام الله، وغطسوا تحت المياه رمزاً لاستحقاقهم الموت غرقاً. فأهالي ملكوت المسيح الأولون كانوا خطاة منكسري القلوب. ما كانوا أبراراً مِن أنفسهم، بل فاسدين منذ ولادتهم (المزمور51، 5و10-12). فعرفوا أنهم تجاوزوا شريعة الله بموسى، وهم مذنبون مستحقّون الفناء. تيقنوا أنهم لا يعيشون إلا بنعمة الله وحده، وبرحمته يدومون. قد ذاب كبرياؤهم، وعاشوا مِن وراء نعمة وبِرّ الله الموهوب لهم مجاناً (أرميا 23، 6؛ 51 ، 10). هنا ينبغي أن نسأل أنفسنا: هلْ اعترفنا بخطايانا ليسوع وسلّمناها كلياً؟ هل تخلينا عن شرفنا الموهوم، ومُتنا عن استكبارنا الموروث؟ لا يدعو يسوع إلا الخطاة التائبين إلى ملكوته. وَضّح الرب لنائب الشعب نيقوديموس:"الحقّ الحقّ أقول لك: إن لم يُولد أحد مِن جديد فلا يقدر أن يرى ملكوت الله". وهذا الايضاح يعني لنا، أن العِلم اللاهوتي لا يكفي للإيمان، ولا يعطينا الإستحقاق لدخول الملكوت، ولكنّ التغيير الجذري في أعماقنا، أي الولادة الجديدة الروحية هي التي تفتح أعيننا، حتى نَرى ونُدرك ونَفهم ما هو الملكوت السماوي. وعمّق يسوع إعلانه السابق وقال:"الحقّ، الحقّ أقول لك: إن كان أحد لا يُولد مِن الماء والروح، لا يقدر أن يدخل ملكوت الله" (يوحنا 3، 5). يَدلّ الماء في هذا القول على التوبة عند يوحنا المعمدان، رمزاً للغَسل الإلهي ليُتطهّر الخاطىء مِن جميع خطاياه، ويترك شرّه، وأما الروح فهو روح الله وروح المسيح الذي يَحلّ في المتعمد التائب الذي أخْلى نفسه، ولبس قداسة المسيح وقوته.

لذلك يليق بنا أن نمتحن أنفسنا: هل وُلدنا مِن روح المسيح بنعمته ثانياً؟ وإلا لا نتعجب إذا لم نستطع أن نرى الملكوت الإلهي، ولا أن ندخله، إلا إذا تغيّرنا من ذهننا، ونلتمس مِن الربّ هبة الرّوح القدس. قد أتى الملكوت إلينا في شخص يسوع المسيح، وبواسطة كلماته وصلواته وأعماله. هو شريف ويدعو كل إنسان أن يدخل إلى ملكوت نعمته، شرط أن يتوب أولاً وينضمّ إلى صفوف حركة التوبة، التي بدأت بيوحنا المعمدان. لم يقدّم يسوع لأتباعه رواتب عند دخولهم إلى ملكوته. فمَن يَثق بكلمات يسوع كطفل ويؤمن بها، هذا يدخل إلى ملكوت السلام الأبدي كأنّه في حلم. لا يجد الأغنياء فرصة لدخول ملكوت ملك الرحمة بالسهولة، لأنّ يسوع أكّد لهم:"أن مرور جمل مِن ثُقب أبرة أيسر مِن دخول غني إلى ملكوت الله" (متّى 19، 24). فأهل ملكوت السماوات هم تائبون متبرّرون، الذين نالوا الحقّ والإستحقاق لاستلام روح القدس، على أساس الذبيحة الكفّارية مِن مَلكهم عوضاً عنهم. المَلك مات عوضاً عن أتباعه، ليؤهّلهم للدخول في ملكوته. وهذا يتمّ بحلول روح الله فيهم، لأنّ هذا الرّوح هو حياة المَلك، ومحبّته وقوّته. فمَن يؤمن بالمسيح يحيا إلى الأبد، لأن مَلكنا هو ينبوع الحياة وأعلن بأوضح بيان:"أنا هو القيامة والحياة، ومَن آَمَن بي، ولو مات، فسيحيا. وكل مَن كان حياً، وآَمن بي، فلنْ يموت إلى الأبد. أتؤمنين بهذا؟"(يوحنا 11، 25 26).

عترف أن المسيح هو حياتنا، وملكوت الله ينبثق وينمو مِن داخل مَلكه. كما أن حبّة القمح تأتي بحبّات كثيرة، هكذا يغيّرنا المسيح يسوع إلى خدّام محبته، سالكين في الحقّ والطهارة. نتأكّد أن أهل الملكوت الإلهي يتقدّسون بنعمة مَلكهم، فينبغي أن تموت الأنانية والحساسية الزائدة، لكي ينمو فينا "النَحْنُ" في الملكوت. يُنشىء روح الرب فينا المحبة والفرح والسلام، والتأنّي واللطف والجودة، والإيمان والوداعة والعفّة. (غلاطية 5، 22- 23) يعلّمنا هذا الروح الصلاة المستجابة، ويصرخ فينا:"يا أبا الآب". فالروح يشهد لأرواحنا، أنّنا أولاد الله (رومية 8، 15)"فكلّ الذين ينقادون بِرُوح الله فهم أبناء الله" (رومية 8، 14). أوجد أبونا السماوي لنا ملكوت محبته، وإبنُهُ يقبلنا كأخوته، رغم أنّه ربّنا ومَلكنا. شهد بولس بهذه الحقيقة وكتب "فلستم إذاً بعد غرباء ونزلاء بل رعية مع القديسين، وأهل بيت الله" (أفسس 2، 19). فأهل ملكوته هم متبرّرون مولودون ثانية، أحياء في الروح، مقدّسون، وخُدّام بالنعمة. فهل تخصّهم أنت؟ هل تعيش داخل ملكوتك؟ أو لا تزال خارجاً عنه؟ أو هلْ تحاول أن تقف بِرِجل واحدة في الجنّة ورِجل ثانية في هذه الدنيا؟ المسيحيون حسب طبيعتهم ليسوا أفضل مِن الآخرين، إلا أنّهم نالوا بنعمة يسوع حصّتهم في قداسة الله، ومحبّته وروحه. فأصبحوا بتجدّدهم غرباء في العالم، ولم يشتركوا في الخداع والرشوة والزنى والكذب، ولِموقفهم هذا يرفضونهم ويُبغضونهم. ومَن يشهد بمَلكه يسوع، ويعترف بقوة خلاصه، ينبغي أن يحتمل ويختبر الاضطهاد.

 

يريد الشيطان وأتباعه أن يُبيدوا ملكوت الله ويهلكوها. أما المَلك الأبدي فيَحمي كنيسته أكثر مما يحرص الراعي على خرافه. أكّد يسوع لأتباعه بأن :"ليس أحد يقدر أنْ يخطفها مني" (يوحنا 10، 28) "وأبواب الجحيم لن تقوى على كنيستي"(متّى 16، 18).

 

شريعة ملكوت المسيح

 

أعلن يسوع مَلكنا:"وصية جديدة أعطيكم، أن تحبوا بعضكم بعضاً. كما أحببتكم أنا تُحبّون أنتم أيضاً بعضكم بعضاً. بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي إن كان لكم حبّ بعضاً لبعض." (يوحنا 13، 34- 35). أفهمنا يسوع بهذا الدستور الجديد لملكوته؟ إِن محبّته الخاصّة هي مقياس لمحبتنا. فهو بذاته شريعتنا! ينبغي أنّ أهل ملكوته يعيشون كما عاش هو لا أكثر ولا أقل. كان الرب الإله يُعلن في العهد القديم:"كونوا قدّيسين، لأنّي أنا قدّوس" (لاويين 11، 45)، "تكونون قدّيسين، لأنّي قدّوس الربّ إلهكم"(لاويين 19، 2). في هاتين الآيتين جعل الله الربّ قداسته الخاصّة مقياساً لحياتنا. كلُّ مَن يدرك هذه الحقيقة في عمقها ينكسر، ويتحطّم مثلما صار مع النبي أشعيا، الذي انكسر أمام قداسة الله وصرخ: "ويل لي، إنّي هلكت، لأنّي إنسان نجس الشفتين، وأنا ساكن بين شعب نجس الشفتين، لأنّ عينيّ قد رأتا المَلك ربّ الجنود" (أشعيا 6، 5). وكما أنّ الملاك أتى وطهّر شفتي النبي بجمرة حمراء، هكذا المسيح طهّرنا في العهد الجديد بدمه الثمين، مِن خطايانا العديدة، ووَهَب لنا روحه القدّوس، لنتبعه، ونتغيّر إلى لُطف قداسته. لذلك نرفع أعيننا نحو رئيس إيماننا ومكمله يسوع (عبرانيين 12، 1-2).

 

جمع يسوع مَلكنا الوصيتين الأساسيتين المذكورتين من العهد القديم وأمرنا:

 

"كُونوا كاملين، كما أنّ أباكم في السماء هو كامل" (متّى5، 48)

 

مَن يُدرك هذه الوصية يَيأس، لأن ليس أحد كامل كما أنّ الله هو الكامل. لا يمكن أن نطوّر أنفسنا نحو هذا الكمال الإلهي. ورغم ذلك يطلب منا أن نصل إلى كمال الله. فكيف يتمّ هذا الأمر المستحيل؟ الأب الدنيوي يَورث إلى أولاده أخلاقه وصفاته، أي ذاته، التي تتطور فيهم، حتى تستطيع بعض المرات أن تقول:"هذا الصبي يظهر تماماً كأبيه"! وهكذا بطريقة روحيّة يهب الله لنا ذاته في مجيء إبنه إلينا وحلول روحه فينا. فإرثنا الروحي هو كلمات يسوع، ودمه وروحه، التي ورثناها مِن الآب بواسطة إبنه. لهذا الإرث، لنا رجاء، أن نعيش في وصية المسيح عملياً (رومية 8، 29- 30؛ متّى 19، 29؛ 25، 34).

 

تُعمّق أوامر المسيح الوصايا العشر، التي نالها موسى مِن الربّ، ولكنّ هناك فرق عميق بين شريعة موسى وشريعة المسيح! فالعهد الجديد لا يمنعنا مِن الأعمال الشريرة فحسب، بلْ يَغلب فينا النوايا التي تصدر منها الأعمال السيئة، فلا يمنعنا مِن القتل فحسب بل يمنعنا حتّى مِن الغضب والبُغض بل أيضاً مِن الشهوة. ولم يمنعنا مِن السِحر فقط بل يؤنّب أيضاً ثِقتَنا الناقصة بالله الآب! فلا يُعارض المسيح البخيل والمرابي وحدهم، بل غلبهما بمنع محبة المال مطلقاً. فكبرياؤنا وأستكبارنا تنسحق أمام تواضع مَلكنا. أراد يسوع بإعلان وصاياه الألف، في الأناجيل الأربعة، أن يكشف جذور خطايانا، ويقلعها، ويتغلب عليها، بواسطة قوة محبّة روحه. وكان داود وحزقيال يدركان هلاك نفسيهما الموروثة مِن والديهم، واعترفا أن لا يساعدهما إلا خلق جديد لنفسيهما:

 

"قلباً نقيّاً أُخلق فيّ يا الله وروحاً مستقيماً جَدّد في داخلي"

(مزمور 51، 10)

لايَضع مَلكنا الجديد شريعة وفرائض مستحيل تطبيقها تُجاه الله وتُجاه الناس، إنما يشجّعنا أن نثق بأبينا السماوي، ونحبّه مِن كل قلوبنا، ونُكرمه شاكرين، ونسجد له بحياتنا، ونخدمه إلى الأبد. يقودنا الروح القدس إلى أبينا كما يقودنا لنحبّ جميع الناس الصعبين المحيطين بنا، وحتى لأعدائنا:

"الله محبة، ومَن يثبت في المحبة يَثبت في الله والله فيه"

(يوحنا الأولى 4، 16)

هذا الوعد يُرشدنا بأن نعظّم الله، ونحمده، ونشهد بخلاصه أمام الجميع، ونساعد المحتاجين. و تستحق حتّى الطبيعة عنايتنا وإكرامنا.

 

خُدّام ملكوت الله

 

كانت تعني سابقاً كلمة "وزير". أنّه يحمل أوزار الآخرين مِن شعبه، ويتعب مِن أجل إصلاحه، ويضع الوزرة حوله، رمزاً لخدمته في أوساط محيطه. هكذا بالمعنى الروحي رَبّى يسوع أتباعه، أن لا يكونوا أسياداً، بل خدّاماً، كما أنه هو أعتبر نفسه خادماً فقال:

 

"إن إبن الإنسان، لم يأتِ ليُخدَم، بل ليَخدُم، وليبذل نفسه فـِدية عن كثيرين"

(متّى 20، 28)

 

وبهذا المعنى وزراء المسيح ليسوا أسياداً، بل خـُداماً، كما أنّ بولس جعل نفسه عبداً للمسيح، ولجميع الناس. ولهذا اعترف يوحنا في بدء كتابه عن رؤيا المسيح أن يسوع "أحبّنا، وقد غسلنا مِن خطايانا بدمه، وجعلنا ملوكاً وكهنة لله أبيه" (رؤيا يوحنا 1، 5- 6).تَدْفعنا محبّة المسيح أنْ نتحمّل المسؤولية عن زملائنا. قد دعانا لنخدمه خدمات كهنوتية في ملكوته. لذلك أهّلنا بالإمتياز، لنصلّي عن الآخرين، ونشهد لهم عن حقيقة الملكوت، ولنخدمهم في حاجاتهم، ونُعزّيهم في أحزانِهم، وذلك في المدارس والكنائس والعائلات والبيوت في حارتنا وشعبنا وفي كلّ الأرض. ولنمتحن أنفسنا، ونسأل يسوع: مَن هم الذين وضعتهم على قلوبنا كأمانة، ونتكهن لأجلهم، طالبين أنّه يجعلنا أمناء ، ولا نَكِلّ في ابتهالاتنا لأجل أحبائنا، لذلك نصلّي:

 

ليأتِ ملكوتك، - عندهم وعندنا. لتكن مشيئتك كما في السماء، - عندهم وعندنا.

خبْزنا كفافنا أعطنا جميعنا اليوم. واغفر لنا جميعاً ذنوبنا وساعدنا حتّى نغفر لجميع المذنبين إلينا. ولا تدخلنا جميعاً إلى التجربة،

لكن نجّنا جميعاً مِن مَكر الشيطان وكِذبه، لانّ لك المُلك والقوّة والمجد.

لقد أشركتنا بها منعماً بها علينا إلى الأبد.آمين.

 

تُعلّمنا رؤيا يوحنا أن نشكر الربّ مسبقاً، لأجل إتمام انتصاره، لأنّ ملكوته يأتي، ولا أحد يقدر أنْ يمنعه مِن وصوله. وتكون مشيئته باستمرار، كما أنّ الأصوات في السماء تشهد مُسبقاً، ومُتأكداً مِن الإنتصار:"لقد صارت ممالك العالم لربّنا ومسيحنا، فسيملك إلى أبد الآبدين" (رؤيا يوحنا 11، 15). إن يسوع مَلك المُلوك، وربّ الأرباب، بتواضعه وانهياره المطلق على الصليب، غلب التكبّر في العالم، والعظمة الموهومة في المساكين. وهو يشجّعنا أن نتبعه ونتواضع جداً، ونطلب ملكوته، ونمو بِرّه أولاً، ولا نتمسّك بمشاكلنا الشخصية أولاً. فَمَن يخدمه طوعاً يخدمه أيضاً، ويساعده في الأمور اليومية أكثر مما نطلب. مَن يثق به يرى عجائبه في مجيء ملكوته، ويختبر عونه في صعوبات خدماته.

  

ديّان الملكوت الآتي

 

فتح يسوع أعيننا لنرى المستقبل، ولا نفزع. فأعلن مسبقاً أنه سيأتي بمجد أبيه ومجده الخاصّ، ليدين الأحياء والأموات. قال بأوضح بيان ماذا سيحدث في يوم الدين الآتي: "ومتى جاء ابن الإنسان في مجده، وجميع الملائكة القدّيسين معه، فحينئذٍ يجلس على كرسي مجده. ويجتمع أمامه جميع الشعوب، فيميّز بعضهم مِن بعض، كما يميّز الراعي الخراف مِن الجداء، فيُقيم الخراف عن يمينه والجداء عن اليسار.

ثم يقول المَلك للذين عن يمينه: تعالَوا يا مباركي أبي، رِثوا الملكوت المُعدّ لكم منذ تأسيس العالم. لأنّي جُعت فأطعمتموني. عطشت فسقيتموني. كنت غريباً فآويتموني. عرياناً فكسوتمونّي. مريضاً فزرتمونّي. محبوساً فأتيتم إليَّ.

فيجيبه الأبرار حينئذٍ: يا ربّ، متى رأيناك جائعاً فأطعمناك، أو عطشاناً فسقيناك؟ ومتى رأيناك غريباً فآويناك، أو عرياناً فكسوناك؟ ومتى رأيناك مريضاً أو محبوساً فأتينا إليك؟

فيُجيب الملك: الحقّ أقول لكم: بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر، فبي فعلتم.

ثم يقول أيضاً للذين عن اليسار: اذهبوا عني يا ملاعين، إلى النار الأبديّة المعدّة لإبليس وملائكته، لأنّي جعت فلم تطعمونّي. عطشت فلم تسقونّي. كنت غريباً فلم تأوونّي. عرياناً فلم تكسونّي. مريضاً ومحبوساً فلم تزورونّي. 

حينئذٍ يجيبونه هم أيضاً: يا رب، متى رأيناك جائعاً أو عطشاناً أو غريباً أو عرياناً أو مريضاً أو محبوساً ولم نخدمك؟

فيجيبهم: الحقّ أقول لكم: بما أنكم لم تفعلوه بأحد هؤلاء الأصاغر، فبي لم تفعلوا. فيمضي هؤلاء إلى عذاب أبدي والأبرار إلى حياةٍ أبدية" (متّى25،31-46).

 

مَن يتعمّق في كلمات الديّان الأزلي هذه يفزع، ويتعجب ويرتعب، ويسأل: هل الربّ لا يعتبر شهاداتي العالية ورُتبي في المجتمع، وأملاكي وتعبّدي وتقواي شيئاً مهماً؟ وهلْ كلّ ما يكون عظيماً في الدنيا لا شيء في الآخرة؟ إلا أنّه يريد الرب، أن نرى ونخدم المساكين، ونحبّ المعذّبين، وحتّى المذنبين في السجون. فما هذا الإنقلاب الإجتماعي؟ هل نعيش جميعاً في الخط المؤدي إلى الجحيم، وأخطأنا الهدف السماوي؟ ويظهر أن أتباع المسيح كانوا يخدمون المحتاجين والعطشى والجياع إلى البِرّ والمحتقرين والمرفوضين، ولم يلاحظوا أنهم عملوا عملاً خاصاً، بل اعتبروا ذلك مِن طبيعتهم وواجبهم، فلم يستطيعوا إلا أن يساعدوا بقدر الإمكان، واهتمامهم ليس بأنفسهم، ولا بعشيرتهم، بل بالذين ساروا في الظلمة والإحتقار. قد خلق المسيح في أتباعه محبة، وبصيرة حتّى يروا المحتاجين، ويتحنّنوا عليهم، ويكملوا معهم الخدمة بقدر إمكانياتهم. قد تغيّرت فيهم النيّة. فلا ينمو فيهم ما يساعدهم شخصّياً، بل شعروا بالمرفوضين مِن المجتمع، ووقفوا معهم بدون كلمات كثيرة.

أمّا المحكوم عليهم مِن غضب الله، فعاشوا بالبحبوحة أو بالفقر، ولكن لا يفكرون إلا بأنفسهم، ولا يهتمّون إلا بذاتهم ومَن يخصّهم فقط. طلبوا الإتفاق في المجتمع والإكرام والإحترام والوظائف العليا. ما رأوا المساكين، ولا شعروا بالمستعطين، بل عاشوا فوقهم وعلى أتعابهم، فيسقطون في نار جهنّم حتماً، لأنّ المسيح لا يطلب إلا محبة حقيقية، واهتمام روحي، فأقام الموتى وشفى المرضى. يبقى هناك سؤال مُحرج: هل الصالحون كانوا دائماً صالحين، وما أخطأوا أخطاءً ملموسة، وتقسّوا بقلوبهم تُجاه الطالبين؟ وبنفس الوقت، هلْ المرفوضون الساقطون إلى الجحيم، أليسوا لم يعملوا أي صلاح، ولم يقدموا عطايا وهدايا، ولم يصلّوا ويحجّوا وكافحوا في سبيل الله؟ أليس الصالحون خطاة، والخطاة أيضاً صالحين؟ نعم، إلا أن المحبّين سلموا خطاياهم لحمل الله، حتّى غُفرت خطاياهم كُلياً، وطُهّرت ضمائرهم، ونُقَّت أذهانهم كاملاً، حتى فكّروا أفكار مَلكهم تلقائياً. لذلك أصبحوا مقبولين، حتّى لا يبقى فيهم إلا ما أنشأ الروح القدس مِن الأعمال الصالحة، لأنّهم تبرّروا بدم حمل الله كاملاً ً، فلم يبق في حياتهم إلا ما أنشأ الرّوح القدس فيهم. أما قُساة القلب فخدموا بعض المساكين لصالح حسابِهم في السماء، وفكّروا أنْ يجمعوا أعمالاً مقبولة في ميزان الله، حتّى ترجح كفّة أعمالهم الصالحة. وفكّروا بدون فائدة أنّ الحسنات تُذهب السيئات. ما فهموا عمق فساد أنفسهم، فما آمنوا بدم يسوع المسيح، ولم يتطهّروا بنعمته، فلا يبقى إلا أعمال أنانيتهم. فيسقطون سقوطاً عظيماً، لأنّهم لم يفتحوا قلوبَهم لمَلكهم، ولم يتغيّروا إلى خدّام، كما كان ربّهم خادماً.

 

هل تريد أن تصبح خادماً في ملكوت ربك؟

 

انتبه! مَلكك يدعوك ويقول: اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه، فتنحلّ مشاكل حياتك بطريقة ما. ابتدأ أن تهتم بالله وملكوته أولاً! فكّر جيداً: ماذا يعني هذا الأمر الإلهي لك؟ لا تكن غبياً راكضاً وراء الغنى الفاني، والمجد الدنيوي الباطل، واللهو السطحي، بل اطلب الباب المؤدّي إلى ملكوت الله، وادخل فيها. هو مفتوح على مصراعيه لأجلك. إنما ادخلها حقاً، ولا تتأخّر، ولا تتردّد. ادخل إليها الآن! لا تسمح للضيقات في عائلتك، والمشاكل في مهنتك، أن تشغلك وتملأك، بل تأمّل ما ينتظره المَلك منك اليوم. اسأل نفسك: ماذا تستطيع أن تفعل لأجله؟

 

وما هي مشيئته في حياتك؟

اطلب مِن الربّ يسوع الجواب على هذا السؤال في صلاتك، فيجيبك يقيناً. إنْ لم تجد القوة والحكمة والمواظبة في نفسك، لتعمل وتتمّم إرادة ملكك، فاطلب منه أنْ يباركك، ويقدّسك، ويقوّيك، لتستطيع أن تتمّم أوامره، أو تحقق إرادته. مَلكك يرحمك، وكل الطالبين إليه. لا تتكّل على قدرتك الخاصّة، ولا تؤمن بمواهبك المحدودة، بل امتدّ نحو ينابيع الملكوت الأبدي. الإمكانيات في مملكة أبيك السماوي غير محدودة، ولا تقدر أن تدرك عظمته. كلّ ما عنده يمنحه لخدّامه ليستطيعوا أنْ يكمّلوا خِطة خلاصه في محيطهم. إنْ أدركتَ، أنّك لا تكون أهلاً أو مستحقاً لتخدم الله، وإنّ فهمتَ أن النجاسة والغِشّ والإلتواء لا تصالح ملكوت الله، وتخجل أمامه، فأنت الشخص المختار لله القدّوس! هو مستعدّ أن يطهّرك، ويبرّرك، ويقدّسك إلى التمام. ويمنحك لِباس البيضْ الطاهر، المختص لأهل ملكوته. إن الخُطاة التائبين، الذين يثقون بِملكهم ويمارسون إرادته، سيرثون ملكوته حسب قوله:

 

"طوبى للمساكين بالروح، َّ لهم ملكوت السماوات" (متّى 5،3)

 

بهجة يوم اختيار المسيح

 

ما أبْهَجَ اليومَ الذي آمنْتُ فيه بالمسيحْ

أَضْحَى سُروري كاملاً وَرَنَّ صَوتي بالمديحْ

حُبِِّي لفاديَّ المجيدْ يوماً فيوماً سيَزيدْ

عُمرٌ جَديدْ يَومٌ سَعيدْ

يومُ اختصاصي بالوحيدْ

 

بِجاذبِ الحُبِّ أتى فَيا لَحُبٍّ فائقٍ

وردّني إلى الهدى بفضلِ عَهدٍ صادقٍ

سعادةٌ مِنَ السما حَلّتْ على هذا الفقيرْ

طوباك يا قلبي ابتهجْ وقُمْ بِنذرِكَ الخَطيرْ

 

يا نِعْمَ عَهداً ضَمني إلى مُخلِّصي الأمينْ

إني لِرَبِّي وهو لي دوماً لدهرِ الداهرينْ

يا ربِّ ثَبّتني وَكُنْ ممتلكاً إرادتي

دَرِّبْ حَياتي سيَّدي في مَنهجِ القَداسةِ

 

(جورج فورد اللبناني)

 

تَعالوا إليّ يا جميع المُتعبين والثَقيلي الأحمال وأنا أُريحكم

(متّى 11، 20- 30)

 

هذه الآية المشهورة هي إعلان مِن إعلانات يسوع المسيح، التي ظهرت في استجواب بين المتراسلين معنا كأعزّ جملة مِن يسوع، وأكثر معرفة من الآيات الأخرى. إنّما هذا النداء ليس إلا جزءاً ونتيجة مِن دعوة المسيح للتوبة الموجّهة إلى مُستمعيه في محيط بحيرة طبريّة، وإلى كلّ الذين يسكنون اليوم على شاطىء البحر المتوسط.

 

مَن هُم الأكثر خطاة؟

 

كانت مدينتا صور وصيداء مشهورتين بعبادة الأصنام وسجود أهاليهما إلى عشتروت وبعل، وقدّموا لهما القرابين والتضحيات، إنما في حفلات هذه الهياكل حدثت أعمال مِن فحش وزنى وغيرها. أمّا يسوع فأوضح أنَّ كُفر أهالي منطقة الجليل ستكون أكثر بَشاعة مِن عبادة الأوثان للفينيقين، فليس الوثنيون أكبر الخطاة، بل المهملون والغير المستعدّين للتوبة. كان يسوع يَعظ كثيراً بين قريتي كورازيم وبيت صيدا فشفى المرضى، وطرد الشياطين مِن الملبوسين. أتى الرسل: يُوحنا ويَعقوب وفيلبس مِن بيت صيدا، وأما أكثرية أهاليها لم يشتاقوا إلى مسيح متواضع ووديع وروحاني، بل انتظروا محرّراً بطلاً قوياً من النير الروماني، ويقودهم منتصراً إلى الرفاهية والشهرة. أثبت يسوع حدوث دينونة الله التي يُكشف مِن خلالها كلّ خطيئة بدون شفقة ويُدان. يُعتبر عدم الإيمان بيسوع وخلاصه في هذه الدينونة أعظم خطيئة، ومستحقة أشدّ العقاب. ويمنع الكفر تدفّق نعمة الله إلى عالمنا الفاسد.نزل يسوع مِن مدينة الناصرة في الجبال إلى كفرناحوم ملتقى الطرق، وقريب مِن مصبّ نهر الأردن إلى بحيرة طبرية، وسُمّيَ هذا المكان المكتظ بالسوّاح والتجّار بمدينته المختارة. وسَكن هناك في فترة خدمته الدينية، وأتى الرسل أندراوس وبطرس ومتّى من هذه المدينة المهمة. أكثر المعجزات التي صنعها يسوع كانت في هذه المدينة ومحيطها.

 

ولكن أكثر أهلها قبلوا أفعال الرحمة مِن الربّ يسوع بلا حماس، وبغير اهتمام. وكانوا في البدء مندهشين مبغوتين، عندما سمعوا كلمات يسوع، ورأوا عظائمه، ولكنّهم لم يتوبوا ويهتدوا، فاعتبروا أشغالهم ومشاكل عائلاتهم والضرائب عليهم أهمّ مِن الواعظ والشافي الغريب مِن قرية الناصرة المشتبه بها. أمّا يسوع فحكم على اهمال الفُجار، والاختلافات القبليّة بينهم، والبُغض ضد الرومان، وأعلن لهم أنّ أهل سادوم وعامورة مع فحشهم النجس واللوطيين المرفوضين، سيكون لهم يوم الدين أقلّ قصاصاً مِن أكثرية سكان كفرناحوم، لأجل عدم توبتهم، وثباتهم في الكفر.

 

لماذا تُدفع أهل كفرناحوم إلى الجحيم؟

 

فإن سمعت مدينة أو منطقة لمدة طويلة الإنجيل، ولم تتب توبة نصوحة، ولم تلتجىء إلى مخلّص العالم ولا تقبل النجاة مِن غضب الله، فتنمو فيهم التقسّي، ويتطوّر إلى رفض، وبُغض ضدّ يسوع. عندئذ تتغلغل أرواح أبالسة ومذاهب نجسة إلى هذا المجتمع، وتسقط عليهم دينونة الله، ولا مفرّ منها، لأنّهم أصبحوا مُلحدين رغم تقواهم الظاهري. فإنْ سمعت بيروت ولبنان والقاهرة مع مدن النيل الإنجيل لمدة سنوات، ولم يتركوا إلههم "المال" ولم يتغلبوا على إلتزام العشائر، ويلتجئوا إلى يسوع المنجّي، ليغيّر ذهنهم، يبتدىء الإهمال بالمخلّص، ويتطور إلى الإستهزاء به، فدينونة الله تقرع على أبواب هذه المدن. لكنْ مَن يسمع نداء التوبة؟ ومَن يسمح ليسوع بأن يجدّده؟

 الحمد مِن يسوع في هذه الحالة المرعبة

 

سَبّح يسوع أباه السماوي، وسمّاه ربّ السماء والأرض، فمدحه لأجل عدالته وحكمته ولُطفه وتدخلّه في جريان تاريخ البشر. حمد يسوع أباه بالدموع. كان يفضّل أن يحمل جميع أهالي الساكنين حول شاطىء البحيرة إلى السماء، ولكنّهم لم يريدوا أن يتقدموا إليه، وبالآخر لم يقدروا أن يتوبوا. عظّم يسوع أباه رغم تقّسي المتكبرين المدّعين والمكتفين. إن دينونته عادلة وحق. وأعلن يسوع في صلاته، أن أباه أخفى وخبّأ سِرّ الإيمان الحق مِن أهل كفرناحوم، لأجل عدم استعدادهم للتوبة. وذكر خاصّة منهم الحكماء والفهماء والكتبة اللاهوتيين، والتجار الأذكياء، والمدبّرين المحتالين، الذين اشتروا السمك مِن صيّادي السمك وباعوها بالأرباح. فكان الله مضّطراً لأجل أبّهتهم ومراءاتهم، وتقواهم المزيّفة، أن يخفي أمامهم خلاص إبنه، وحقيقة الحياة الروحيّة. فظنّوا أنّهم أتقياء محترمين، وأفضل مِن المجرمين، وأصفى طبقات الشعب، فما أعظم غرورهم! العكس هو صحيح. فالخاطىء التائب هو أقرب مِن الله مِن المدّعين الأبرار مِن ذواتهم.

شهد يسوع بنفس الوقت مَن هم المختارون، الذين يدركون سِرّ الله وَجوهر المسيح. سماهم أطفالاً بمعنى لم يصلوا بعد إلى الرشد الروحي، فيشتاقون إلى معرفة الله، ويجوعون إلى بِرّه. هؤلاء هم طلاب خلاص الله، وينالون الإعلانات مباشرة مِن الآب السماوي، كما وعد الله سابقاً:"تطلبونني فتجدونني إن تطلبونني بكل قلبكم" (أرميا 29، 13).

مَن يُباهي بأنه حصل على شهادات عالية مِن المعاهد والجامعات، أو يعرف أقسام الكتاب

المقدس غيباً، أو يخصّ عائلة محترمة، هو يشرف على الخطر أكثر بأنه يصبح أعمى روحياً.

ولكنْ مَن يقرأ في الإنجيل ويفتّش عن الحق، ويؤمن بما يقوله الربّ يخلص، حتّى وإن كان

خاطئاً كبيراً أو محتقراً مِن الآخرين.

حمد يسوع أباه لأنّه خبّأ حقيقته، وخلاصه، مِن حكماء العالم وأذكياء المدارس، ولكنّه أعلن الإيمان المُخلّص للأطفال بالرّوح. نطق يسوع بقلب ثقيل الكلمة الصعبة " نعم " لهذا التقّسي مِن الأتقياء المغرورين والأذكياء المتباهين، ورأى في هذا التقّسي نتيجة وفَعل هذا لمسرّة أبيه. فليس الأقوياء والأغنياء والجميلات والعظماء والمهمّين هم مُختارو الله بل الصغار والمنكسرو القلوب والتائبون، الذين يؤمنون كالأولاد، هم المختارون مِن الآب السماوي. مَن ينظر إلى البيئة التي أتى منها رسل المسيح، يستطيع أن يجد جواباً عملياً على التّقسّي واختيار الله. كسب يسوع أغلبية تلاميذه مِن جماعة التائبين حول يوحنا المعمدان. لم يأتِ أحد مِن رسل المسيح مِن فئات المهندسين أو السياسيين أو الضباط أو اللاهوتيين، بل كان مختاروه صيّادي سمك ماهرين في الأعمال الشاقة، والمعتادين على ألفاظ ثقيلة، وكان بينهم العشارون المحتقرون لأجل اختلاسهم المال ظلماً، وخطأة معروفين، إنّما جميعهم تابوا توبة حقّة، واعترفوا بخطاياهم جهراً، وتعمّدوا في نهر الأردن رمزاً حيث لا مفرّ مِن غرق آدم القديم وحواء الذكيّة، ليقوم مِن الماء أناس جُدد، متطهّرين مِن الله. فيظهر بسهولة لأنّهم قد ماتوا لكبريائهم وشرفهم المزعوم.

إعلان أسرار إيمان يسوع

 

اعترف يسوع بصلاته أولاً، أنّ الله، خالق السماء والأرض، هو أبوه. فنزل مخلّص العالم مِن الروح القدس في مريم العذراء. لذلك يكون يسوع إلهاً مِن إله، نوراً مِن نور إلهاً حق مِن إله حق، مولوداً غير مخلوق، ذا جوهر واحد مع الآب. أوضح يسوع في إعترافه عن ألوهيته أنّ أباه القدير دفع إليه "الكلّ". وماذا تعني الكلّ؟ تقصد هذه الشهادة أولاً الخلاص لجميع الناس، وأيضاً الدينونة على كل فرد لا يقبل الخلاص المجاني طوعاً. تشمل هذه الكلمة تاريخ العالم منذ بداية الخلق حتّى اكتمالها. يتضمّن هذا التفويض السماوات وجهنّم، الموت والشيطان والخطاة والمؤمنين مع الملائكة والأبالسة. عينّه الآب السماوي كملك الملوك وربّ الأرباب، ودفع إليه كلَّ سلطان في السماء وعلى الأرض.لا نستطيع أن نستقصي ونفهم عظمة وعمق هذه العبارة بعقولنا المحدودة. إنّما مِن الضروري أن نُدرك بأن يسوع لم يأخذ الكلّ عنوة، بل استلمه مِن أبيه متواضعاً، فوحدة الثالوث الأقدس هي أساس كياننا. أكّد يسوع لنا أن ليس أحد على الأرض وفي السماء يعرفه حقاً، إلا أبوه.فلا نقدر أنْ نتصّور سلطان يسوع، ومزاجه، وإرثه الروحي في جسده، لأنّ الله العظيم المجيد هو أبوه، وحلّ فيه ملّ اللاهوت جسدياً. فأهل كفرناحوم لم يُدركوا ألوهية المسيح بسهولة، لأنّ يسوع تجوّل بينهم بِهيئة إنسان، متواضع فقير وبلا مُلك. ولم يروا إلا إنساناً لا إلهاً! فعاثوا فساداً ضد دعوته وقوله، أنّه هو إبن الله الوحيد. فغضبوا وسمّوه مجدّفاً، ملبوساً. أمّا أتباعه فادركوا في معجزاته وكلماته، ومحبته وحقّه، مصدره الإلهي، وأيقنوا أنّ يسوع ليس إنساناً عادياً، بل هو إله في هيئة إنسان. البسطاء والمشتاقون إلى المحبة والقداسة، هم الذين شعروا وأدركوا وآمنوا واعترفوا بأنّ يسوع هو بالحقيقة إبن الله الحي.

أكَّد يسوع لهم أنْ لا أحدَ إلا أبوه يعرفه في أعماق قلبه. عنده البصيرة إلى ملئه وقدرته وجلاله. إنّ الآب ظهر وتجلّى في إبنه. فلا أحد يدرك الله إلا الله. بدون روح الله لا يستطيع أحد، أن يسمّي المسيح رباً. فلا بالعقل ولا بالنقل بل بالوحي الإلهي يحلّ الإيمان الصحيح بالقلوب. وأحبّ الآب إبنه الوحيد، ووثق به حتّى استودع الكل بين يديه.

أعلن يسوع في نفس الوقت بأن لا أحد يعرف الآب، إلا المسيح إبنه. لم يدرك أحد صفات الله جميعاً ولا يملكها "إلا يسوع".

ويعني هذا الإعلان المثير، أنّ جميع مؤسسي الأديان والفلاسفة المشهورين، لا يعرفون بالضبط مَن هو الله. يعترفون بوجود خالق، وبعمل مقدِّر، وضرورة ديّان، ويرجون رحمته في الدينونة، ولكن لا يعرفون مَن هو القدير بالحقيقة، إلا إبنه فهو يعرفه!

أوضح يسوع لأتباعه كيف يعرف أباه. هو رآه بعينيه، وسمع كلماته بأذنيه، فلا يكرز بكلماته الخاصّة، وأرائه البرّاقة، بل أعلن ما قاله الآب. فعل الإبن ما أراه أبوه. لذلك اعترف يسوع بأنّ الله الآب هو الكامل، الرحيم، الحق، الحياة، الروح البارّ، وجَمع كل هذه الصفات في كلمة واحدة "الآب"! فالآب هو يكون الهيئة للمحبة الشرعية، ويدلّ على مَن يحلّ المسؤولية لعائلته. نقرأ مئتي مرة في أقوال يسوع في العهد الجديد كلمة "الآب"، أربع وأربعون مرّة في الإنجيل حسب متّى، وأربع مرات في الإنجيل حسب مرقس، وسبع وعشرون مرّة في كلمات يسوع عند لوقا، ومئة وسبع عشرون مرّة في سجلات يوحنا. يسمّيه يسوع الآب أو أبي أو أبانا أو أبوكم أو أبوك، وأمّا في صلواته فسمّاه "يا أبتاه" في صيغة الأطفال.

اسم الآب هو محور وخلاصة عقيدة الإيمان بيسوع المسيح. يعرف يسوع أباه ويريد أن يقرّبنا إليه ويعلن لنا هذا السِرّ العظيم فمن يدرس كلمات المئتين عن الآب في الكتاب المقدّس، ويحفظها في قلبه، يشعر قليلاً مِن عمق اللاهوت، ويلاحظ أن الآب يحبّ الإبن، والإبن يحب الآب، ولم يتكلم ولم يعمل المولود وحيداً مِن الآب شيئاً مِن ذاته مِن دون إرادة أبيه. يعمّ الوئام والسلام بين الآب والإبن. فليس هناك تكبّر أو أبّهة أو مقاصد الإستقلال ولا عناد، بل محبة مجرّدة، وحق عميق، وتواضع مخلص، وطاعة طوعية، ووداعة حرّة. إن الروح في المسيح هو الروح القدس، ومَن يفتح نفسه لبشارة الإنجيل، لذلك يُعلن الأبن وحدته مع أبيه، في قوة وإرشاد الروح القدس. إن في الله الواحد في الثالوث القدوس، تتدفق ينبوع الحياة، والشفاء لعالمنا المضّطرب الملحد.

 

دعوة إبن الله للجميع

 

يعرف يسوع قلوب الناس، وما فيها، ويُبصر الهموم والآثام، والارتباطات والضيقات والانزعاج في كل نواحي الحياة، فلا يعمّ سَلام في قلوب الناس. لذلك يدعو يسوع الجياع إلى البِرّ، واليائسين مِن صوت ضميرهم، والذين يخافون مِن دينونة الله:"تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين، والثقيلي بخطاياكم الخبيثة، والمتألمين مِن مشاكل حياتهم المميتة. تعالوا إليَّ يا كلّ الذين ينكسرون أمام قداسة الله، أنا يسوع ابن الله الحيّ أستطيع، وأريد أن أعينكم. أقدر أن أمنح لنفوسكم راحة دائماً. إني أنا رئيس السلام. أموت عِوضاً عنكم في قصاص الدينونة، وأنجّيكم مِن الموت الحتمي، وأحفظكم مِن مَكر الشيطان، وأطفىء غضب الله بذبيحة نفسي كفّارة عنكم. أنا فاديكم! لا تبقوا منفردين، لأني المخلّص الوحيد، المرسل مِن الله إليكم.

ياللعجب، لا يدعو يسوع كل الناس إليه، بل المتعبين والمَحزونين والمعذّبين، بينما الآخرون لا يأتون، ويكتفون بأنفسهم. فقط مَن يشتاق إلى الله وسلامه يجد عند ابنه تعزية شافية، والحياة الأبدية. أمّا الشباع والأقوياء والأذكياء والأتقياء المدّعين، والجميلات يظنون أنهم لا حاجة لهم إلى يسوع المخلص، ولا ينكسرون إلى بِرّهم الذاتي، وريائهم الخدّاع، فلا يسجدون أمام القدوس، ولا يؤمنون بكلماته.

اقترح يسوع على الذين يأتون إليه:"احملوا نيري عليكم وتعلّموا منّي". تعني هذه الجملة الغريبة، أنّ يسوع لا يأخذ مِن المتعبين والمعذبين شيئاً مِن أثقالهم، بل يزيد عليهم نيره الخاصّ. النير يشبه الصليب المحمول مِن شخصين. لم يحمل يسوع صليبه منفرداً، بل مع أبيه دائماً. عاش مع القدير في شركة نيره. كان متحداً مع أبيه في وحدة العمل الشاق، فكلاهما يفلحان الأرض ويزرعانها ويحصدان البشر. يدعو يسوع كلّ واحد يحاول أنْ يفدي نفسه بنفسه ويقول له:"تعال إليّ، واحمل معي نيري، عِشْ معي في شركة العمل والمحبة، امشِ معي تحت النير إلى حيث أسير أنا، قِف معي أينما أقف، ترتّل أوتصمت، تصلي وتسمع، تخدم وترتاح معي، كما أعيش معك. أنا مستعدّ أنْ أحمل نيرك، مع مشاكلك، وأحملك أنت بذاتك. اثبت في الشركة الوثيقة مع أبي وأنا. سلّم لي استقلالك المزعوم، واكشف لي خطاياك. ارتبط بإبن الله، الذي ربط نفسه بك، ومهر العهد الجديد معك بدمه الثمين. لا تخجل به، ولا تهمل حظّ حياتك.

يعلّمك يسوع أنّ السير والحياة تحت نيره يحتاج إلى تواضع ووداعة وإلا يكون عندك وجع في عنقك. إن كان الثور أوالجمل أوالحمار تحت النير يمشي بسرعة وباتجاه آخر مِن شريكه تحت النير فإمّا أنْ ينكسر النير أو العنقين! فالتواضع يعني الشجاعة في الخدمة.لا تفكّر أنك عظيم، ومهمّ، ولا أحد يقدر أن يحلّ مكانك. كلّنا باطلون بالنسبة لربنا يسوع. هو يحملنا مع نيرنا. في شركته يذوب كبرياؤنا. مَن يتكبر وينفجر في إحساسه، لا يعرف خطاياه بعد، ومَن يعرف الله وقداسته ومحبته يصغر، ويبقى صغيراً حسب الحقائق السماوية.

وأما الوداعة التي يعلّمها يسوع لنا، فتعني أن لا ينفّذ الإنسان إرادته الخاصة بالعنف والمواظبة والحيلة، بل يخضع لخطّة أبيه السماوي. فخطّط لسفرياتك، وتطوّر في مهنتك، وزواجك، وكلّ نواحي حياتك ليس حسب فكرك الخاصّ، بل إسأل يسوع:"ماذا تريد أنت لأجلي؟" إمنح له أن يحكم مقاصدك، ويبارك نواياك، ويحفظ خطواتك. سلّم له مقود حياتك كاملاً وأبداً بين يديه، فتصل حتماً إلى هدف حياتك. عندئذ تختبر أنّ غفران يسوع يطهّر قلبك، وأنّ سلامه يملأ ضميرك، فتعيش في راحة روحية، بدون كسل بل سلام. وتُدرك مندهشاً أنّ الله العظيم هو أبوك الشخصي، إنّه قبلك بالتبني، ويجددك بروحه القدّوس، ويشهد لك بذهنك أنّك ابن أو ابنة الله. لم يصدر هذا التطور مِن تلقاء نفسك، بل ينتج مِن نعمة يسوع المسيح، ومحبة الآب، وشركة الروح القدس، في الذين يُلبّون دعوة يسوع، ويأتون إليه.

 

امتحن معلوماتك في كلمة الله

 

أيّها القارىء العزيز: إن أحببت إعلانات يسوع في الإنجيل وتعمّقت في مواضيع هذا الكتيّب تستطيع الإجابة على الأسئلة التالية بسهولة:

 

الأسئلة:

1- لِمَ لم يصبح في مَثل يسوع المصلّي التّقي بصومه وتبرّعاته وامتناعه عن الخطايا قدوة لأمّته؟

2- كيف أصبح اللّص التّائب في هذا المثل المُفضّل مِن الله؟

3- ما هو السرّ في صلاة المجرم التّائب بأنّ الله استجاب له بينما التّقي المحترم تُرك بدون بركة واستجابة؟

4- أيّة آية في صلاة التّوبة للملك داود أصبحت مشهورة عالميّاً حتّى يصلّي مئات الألوف مِن المؤمنين كلماته الرّوحيّة؟

5- ما هو الفرق الأساسي بين ملكوت الله وممالك الدّنيا؟

6- ما هي الأسس الخمس في أي ملكوت دنيوي أو سماوي؟

7- كيف بيّن يسوع أنّه الملك في ملكوت السماوات؟

8- مَن هم شعب المسيح حسب العهد الجديد؟ وكيف ينتسب أحد ما إلى هذه الأمّة؟ وما هي صفاتهم؟

9- ما هو دستور ملكوت المسيح وخلاصة شريعته؟ وما هو هدف وصايا المسيح؟

10- مَن هم خدّام الملك؟ وما هي صفاتهم؟ وما عملهم إن كانوا أمناء؟

11- كيف يحكم يسوع الشعوب في اليوم الأخير؟

12- ماذا يتوقّع ملكك منك شخصيّاً؟

13- مَن هم الأكبر خطاة؟ حسب قول يسوع.

14- لماذا حمد يسوع أباه السماوي؟ وسط الحالة المرعبة في الدّنيا؟ وماذا تعني صلاة يسوع لتمييز الأرواح؟ (متّى 11، 25- 26).

15- كيف أوضح يسوع سرّ وحدة الثّالوث الأقدس؟ (متّى 11- 27).

16- كيف دعا يسوع كلّ النّاس إلى رحابه الروحيّة؟

17- هل يهب الربّ لكلّ المتعبين والمنسحقيّ القلوب؟

18- ما معنى نير يسوع الّذي يحمله شخصيّاً والذي يريد أن نحمله شخصيّاً؟

19- ما هي الصفتان البارزتان في شخصيّة يسوع؟ اللّتان ينبغي أن نتعلّمها ونمرّن أنفسنا عليها؟

20- بماذا يعد يسوع كلّ مَن يتبعه حقّاً ويسمح أن يغيّره إلى صورته؟

 

إنْ أجبت على 75% مِن الأسئلة أعلاه بصواب نرسل لك الكُتيّب التالي. ونطلب منك أن تدوّن عنوانك كاملاً على أوراق المسابقة ونصلّي لأجلك لكي تتحقّق كلمات الإنجيل فيك ونشكرك إن ابتهلت لأجلنا أيضاً؟

 

الحياة الفضلى

ص. ب. 226 مزرعة يشوع المتن لبنان

family@hayatfudla.org