الحياة الفضلى

مركز الدراسة بالمراسلة

المحتويات: العدد 4

 

 باركي يا نفسي الرّبّ، وكل ما في باطني ليبارك اسمه القدّوس كونوا أنتم كاملين كما أنّ أباكم الذي في السماوات هو كامل يسوع المسيح هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد

(تأمُّلات في آيات مِن الكتاب المقدس)

طُوبَى لِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ وَيَحْفَظُونَهُ

(مِن كلمات المسيح حسب البشير لوقا 11، 28 )

ذَابِحُ الْحَمْدِ يُمَجِّدُنِي، وَالْمُقَوِّمُ طَرِيقَهُ أُرِيهِ خَلاَصَ اللَّهِ.

(مزمور 50: 23)

 

سلسلة التأمّلات: العدّد الرابع

الطبعة الأولى 2005

 

الحياة الفضلى

ص.ب.226- مزرعة يشوع - المتن لبنان

www.hayatfudla.org

 

باركي يا نفسي الرّبّ

الكفاح حول البقاء أصبح صراعا لجمع الأموال. يبذل الكثير مِن النّاس وقتَهم وجهدهم وذكاءَهم ليكوّنوا ثرواتهم. أما ابن مريم فقال:"لا يقدر أحد أن يخدم سيّدين، لأنّه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر، أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون أن تخدموا الله والمال (متى6: 24).حاول النّبي داود أن يحلّ هذه المشكلة بطريقته، وأمر الأصوات في باطنه أن تصمت، ليستطيع أن يرتكز على الرب وحده. لم يُرد أن يسمع أو يعلم شيئاً من نفسه بل أراد أن يقف أمام الله، ويسمع صوت روحه القدوس:

 

بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ, وَكُلُّ مَا فِي بَاطِنِي لِيُبَارِكِ اسْمَهُ الْقُدُّوسَ.

2 بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ, وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ.

3 الَّذِي يَغْفِرُ جَمِيعَ ذُنُوبِكِ. الَّذِي يَشْفِي كُلَّ أَمْرَاضِكِ.

4 الَّذِي يَفْدِي مِنَ الْحُفْرَةِ حَيَاتَكِ. الَّذِي يُكَلِّلُكِ بِالرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ.

5 الَّذِي يُشْبِعُ بِالْخَيْرِ عُمْرَكِ, فَيَتَجَدَّدُ مِثْلَ النَّسْرِ شَبَابُكِ.

(مزمور103: 1-5)

ابتدأ النبي مزمورَهُ وأمر نفسَه بالسكون، وهو يعلّمنا أن الصَّمتَ أمام الله ليس سهلاً على الإنسان. تحتاج الصلاة والحمد إلى العزم والثبات. لقد أراد داود أن يردّ كل الشرف والسلطة إلى الرب، وَرُوحُ الرب يرشد المؤمنين إلى الانتباه إلى صوت باريهم. ورد اسم الرب 6828 مرة في أسفار العهد القديم بينما وردت كلمة الله 2600 مرة. فإسم الرب يؤكد لنا أمانته غير المتزعزعة، ويستحق أن يتكل كل واحد عليه، وأراد النبي أن يشكره. أما الأصوات والأفكار والأحلام فقد طافت فيه ولم تصمت. لذا أمر شعوره الباطني أيضا أن يسبح الرب ليمتلئ وعيه بالشكر والتسبيح والحمد. أراد داود أن يحب الرب من كل نفسه ويكرمه بكل كيانه. لذلك سمّى النبي الرب في مزموره "القدوس" الذي ليس فيه غش، ولا مكر ولا خدعة ولا يوافق على أي خطيئة. فكل من يقترب من الله تخترقه أشعة قداسته وتكشف كل نجاسة أمام الرب. اختبر داود هذا الاكتشاف وانكسر أمام القدوس. فقصد أن يعظمه ويحمده لأن قداسة الله تشمل مجده. فالقدوس هو المجيد. من يلتفت إليه يتقدس في أعماق قلبه. أمر داود نفسه للمرة الثالثة بالصمت والحمد لكي لا تتشتت أفكاره وتعود إلى المال والملك والأخطار بل تنصبّ على ربّ الأرباب وضابط الكل و ديان العالمين.

أرشد الروح القدس داود إلى الشكر لكل الحسنات في حياته. نحن سرعان ما ننسى بركات الرب في حياتنا واستجاباته لصلواتنا في يوم الضيق. نحن سبّاقون في نسيان حسنات الرب.

أيها القارئ العزيز... نقترح عليك أن تأخذ ورقة وتدوّن عليها كل النعم التي ينبغي أن تشكر ربك عليها. أشكره فعلاً لأجل الهواء النقي وماء الشرب الصافي، لأجل الأمطار والثلوج، القوت والكساء، الوالدين والمعلمين، المدارس ومكان العمل، المسكن والحفظ في الطرقات. اشكر ربك لأجل السلام في بلادك، واشكره إن لم تهاجمك أعاصير أو عواصف، ولم تصب بالزلازل والبراكين، وإن لم تتألم من الجوع أو ويلات الحروب. ابحث في ذاكرتك عن الحسنات التي منحك الرب إياها، ولا تكن بخيلاً بالشكر. دَرِّبْ قلبَكَ على الحمد والشكر بالوعي المستمر فتصبح إنساناً سعيداً وتثبت فيك مسرة الرب.

أهم سبب للشكر الذي أوضحه الروح القدس لداود كان غفران جميع خطاياه. كل إنسان خاطئ. البعض يعرف هذه الحقيقة والبعض يهملها. يخبئ الواحد آثامه، أما الآخر فيعترف بها أمام الرب. يعيش الكثير مثل الأغبياء فيخبئون ذنوبَهم ويجولون وجوههم كئيبة. لذلك نقترح عليك أن تتوب وتعترف بكل خطاياك للرب، وتصمم أن لا تخطئ فيما بعد، فتختبر ما كتبه الرسول يوحنا "إن قلنا إنه ليس لنا خطيئة نضل أنفسنا وليس الحق فينا. إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل، حتّى يغفر لنا خطايانا ويطهّرنا مِن كل إثم"(1يوحنا 1: 8- 9).

اختبر داود أن الله غفر له خطاياه بنعمته. لذلك أمر نفسه أن تشكر الرب لفضله العظيم. أبرز النبي أن القدوس سامحه على جميع خطاياه و غفرها حقا. لا نجد نعمة شاملة كهذه في الأديان الأخرى، ولا يوجد عند ربنا " لعلّ أو عسى " كما أنه لا يغفر بعض الخطايا فقط، بل يهب من فضله تطهيراً كاملاً وتبريراً شاملاً، ويمنحنا نعمته مجانا. منذ أن كفر المسيح بموته النيابي عن خطيئة العالم كلها، نتأكد "أنه بقربان واحد قد أكمل إلى الأبد المقدسين" (عبرانيين10: 14). أعلن الرب أن كل من حصل على غفران خطاياه ينبغي أن يغفر لخصمه أيضا كما غفر الله له. هل لديك عدو أو هل تعيش مع إنسان صعب؟ اغفر له فوراً وكلياً وبسرور، وإلا فقدت غفرانَ خطاياك. اطلب مِن ربّك القوّة لتسامح خصمك على إساءته لك، كما سامحك الرب مسبقاً.

أرشد الروح القدس النبي داود إلى المعرفة، أنّ بعد غفران خطاياه أصبحت الصحة أهم هبة من ربه له، وينبغي أن يشكره لأجلها. كم مرة أُصِبْتَ بالزكام أو الرشح أو بجروح جسدية أو تعرضت لمرض خطير. فشفاك الربّ برحمته؟ لا تساعدك جرعات الدواء ولا الأطباء المقتدرون و لا الطبيعة وحدها، بل يؤكد لك القدير: "إني أنا الرب شافيك"روج15: 26). كان إبن مريم يبرئ كل المرضى الآتين إليه، ويخرج الأرواح النجسة من الملبوسين، وفي أيامنا هذه يستخدم الرب الأطباء والأدوية، إنما الشفاء يأتي من ربك وحده. فأين شكرك؟ لا تنسَ إذاً أن تشكر الرب الأزلي الذي أنعم عليك بحسناته الغزيرة.

كان الملك داود رجلاً محتاطاً لنفسه، وعرف أنه سوف يموت حتماً. و استعدّ لموته بالوعي، إذ تيقن: الرب سوف يفديني من حفر قبري، ليس لأني كنت صالحاً بل لأني آمنت بنعمة الرب المبرر. وإن وثقت بالمسيح فلا حاجة للخوف من الموت ولا من قصاص القبر! يؤكد لك المولود من روح الله:"أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا، وكل من كان حيا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد.أتؤمنين بهذا؟"( يوحنا 11: 25-26). قد قام إبن مريم من قبره حياً، إذ غلب الموت وأظهر في ذاته الحياة الأبدية. من يتبعه يدخل به من باب الموت إلى الحياة الأبدية.

أعلن روح الرب للملك داود أن التيجان الذهبيّة ليست التيجان الأثمن بل توجد تيجان الله التي تثبت إلى الأبد. من حصل على رحمة من الرب يرحم المساكين والمرضى و الفقراء ويشعر بحاجات المنبوذين والمحتقرين والغرباء ويساعدهم في سبيل الرحمة. فهل حصلت على إكليل الرحمة والرأفة من ربك الذي يوزع تيجاناً مقدسةً روحية على عبيده؟ هل مازال قلبك كالصخر أم أنك تتألم مع المتألمين وتبكي مع الباكين؟ يعلمك المسيح الرحمة المستمرة ليس بأقربائك وأصدقائك فحسب بل أيضاً بالضالين والكفار الذين ليس لهم رجاء. لا تقشعر من وجوههم البائسة، بل صَلِّ لأجلهم وافتكر كيف تقدر أن تخدمهم بأمانة واستمرار.

يحمل قديسون بسطاء غير معتبَرين تيجاناً غير منظورة على رؤوسهم، لأنهم تحننوا على المساكين، وصلوا لأجلهم، وساعدوهم، وضحّوا لأجلهم، وخدموهم باستمرار. كما فعل ربهم: "إبن الإنسان لم يأت ليُخدَم بل ليَخدِم، وليبذل نفسه فدية عن كثيرين"(متى20: 28). المسيح هو طريقنا وقدوتنا وهو يمنحنا القوةَ لنخدمه.

8 الرَّبُّ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ, طَوِيلُ الرُّوحِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ.

9 لاَ يُحَاكِمُ إِلَى الأَبَدِ وَلاَ يَحْقِدُ إِلَى الدَّهْرِ.

10 لَمْ يَصْنَعْ مَعَنَا حَسَبَ خَطَايَانَا, وَلَمْ يُجَازِنَا حَسَبَ آثَامِنَا.

11 لأَنَّهُ مِثْلُ ارْتِفَاعِ السَّمَاوَاتِ فَوْقَ الأَرْضِ قَوِيَتْ رَحْمَتُهُ عَلَى خَائِفِيهِ.

12 كَبُعْدِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمَغْرِبِ أَبْعَدَ عَنَّا مَعَاصِيَنَا.

13 كَمَا يَتَرَأَّفُ الأَبُ عَلَى الْبَنِينَ يَتَرَأَّفُ الرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ.

14 لأَنَّهُ يَعْرِفُ جِبْلَتَنَا. يَذْكُرُ أَنَّنَا تُرَابٌ نَحْنُ.

15 الإِنْسَانُ مِثْلُ الْعُشْبِ أَيَّامُهُ. كَزَهْرِ الْحَقْلِ كَذَلِكَ يُزْهِرُ.

16 لأَنَّ رِيحاً تَعْبُرُ عَلَيْهِ فَلاَ يَكُونُ, وَلاَ يَعْرِفُهُ مَوْضِعُهُ بَعْدُ.

17 أَمَّا رَحْمَةُ الرَّبِّ فَإِلَى الدَّهْرِ وَالأَبَدِ عَلَى خَائِفِيهِ, وَعَدْلُهُ عَلَى بَنِي الْبَنِينَ,

18 لِحَافِظِي عَهْدِهِ وَذَاكِرِي وَصَايَاهُ لِيَعْمَلُوهَا.

(مزمور103: 8-18)

 

كونوا أنتم كاملين كما أنّ أباكم الذّي في السماوات هو كامل (متّى 5، 48)

مَن يسمع أمر الوحي هذا، ويكن عاقلاً ومستقيماً، ييأس، لأن ليس مِن إنسان كامل أو شبه كامل، فكلّنا ناقصون في المحبة والصدق والطهارة. ولو أعطانا الربّ شهادة على سلوكنا، فكلّنا راسبون. وبما أنّنا لا نُكمّل أمر الربّ في حياتنا، ولا نُتمّم وصيته، فنحن متعدّون مذنبون أشرار وهالكون. قد يعتبر الإنسان نفسه مهذّباً ومُخلِصاً، إذا قارن نفسه بزملائه من البشر، ونشكر الربّ لأجل كلّ الأُدباء واللُطفاء، ولكن إذا قارن هذا الإنسان المهذّب نفسه بالله العظيم، فلا تبقى شرارة مِن الفخر، والثقة بالذات، لأنّ الله هو المقياس لحياتنا وسلوكنا وأدبنا. كان النبي أشعياء كاهناً في الهيكل، مختاراً من الله والناس، لهذه الوظيفة المقدّسة. كان قدوة لشعبه، فعندما رأى السَرافيم المنادين: "قدّوس قدّوس قدّوس، ربّ الجنود. مجده ملء كلّ الأرض". عندئذ اهتزّت أساسات العَتَبِ مِن صوت الصارخ، وامتلأ البيتُ دخاناً. فأدرك الكاهن نفسه، في نور الله وصرخ: "ويلٌ لي، إنّي هلكتُ، لأنّي إنسان نجس الشفتين، وأنا ساكن بين شعب، نجس الشفتين، لأنّ عينّي قد رأتا الملك، ربّ الجنود" (أشعيا 6، 3- 6). لا يعرف الإنسان نفسه، إلا بعد أن يعرف ربّه. كلّ مَن يُدرك لمحة عن القدّوس المحبّ، ينكسر انكساراً هائلاً، لأنّه يُدرك خطاياه بأوضح بيان في نور بهائه. إن كان يفكّر بأنّه إنسان صالح وجواد، ومقبول عند الجميع، فيعرف حالاً أنّه مجرم هالك لا محالة.

أيها القارئ العزيز: نحترمك ونحبّك، ولكنْ لخير مستقبلك، نقترح عليك، أن تقارن نفسك بالله، وأن تطلب مِن القدّوس إيضاحاً إلهياً لحالتك، فيبيّن كلّ ذنب وكذب ونجاسة، حتّى لا يبقى فيك فخر، ولا أُبَّهة، إلا الانكسار والانسحاق. هذا الإدراك هو بداية الكمال، ولا كمال للإنسان، إلا بالاعتراف بكلّ خطاياه، كما تمتم أشعياء: "إنّي أنا نجس الشفتين، وساكن بين شعب نجس الشفتين، لأنّ عينيَّ قد رأتا الملك القدّوس".

هل يبدو أمر المسيح لنا تجربة شيطانية؟

أتى إبليس إلى حوّاء في الفردوس، وبَلبل ثقتها بالله، وقال لها أخيراً:"الله عالم أنّه يوم تأكلان من هذه الشجرة، تنفتح أعينكما، وتكونان كالله، عارفَين الخير والشرّ (التكوين 3، 5) جرّب الشرّير حوّاء وزوجها بالفكرة أن يُصبحا حكيمين وعارفَين "مثل الله". هذه تجربة الشيطان الأصلية في كل حين. يريد الإنسان أنْ يرتفع، ويتكبّر، وينسى أنَّه مسكين. فبعض الزعماء يرتفعون أكثر، حتّى شعوبهم تؤلّههم، وتتبعهم كأنهم آلهة، ورأينا هذا التأليه لزعماء مثل هيرودس ونابليون ولينين وهِتلر وماو تسي تونغ وعبد الناصر والخميني ... الذين وقعوا في تجربة الشيطان مع الصغار والكبار. وبما أنّ المسيح أوصانا، أن نكون كاملين كالله، فهذه الوصيّة ليست تجربة، بل هي تُرشدنا إلى إدراك نقصاننا. إن قِسنا أنفسنا بالأزلي، عندئذ ينكسر"الأنا"، ونصرخ "النجدة" "النجدة" مِن الرحمان الرحيم. ولكن مع الأسف، أكثريّة الناس لا يفهمون قصد المسيح، ولا يُدركون تجربة الشيطان! سُئلت فتاة صغيرة، عمرها أربع سنوات، ما هي المهنة التي تحبّينها في المستقبل؟ ففكّرت وقالت:"أنا أريد أن أكون تمثالاً". وعندما سألوها:"لماذا تريدين أن تكوني تمثالاً؟" فأجابت:"حتّى ينظر الكلّ إليَّ". يريد الإنسان أن يكون محور الجميع، لينظر الكلّ إليه كإله صغير. يريد المسيح أن يكسّر هذه الأنانية، ليكون الربّ بالذات محور حياتنا. فلا نقيس أنفسنا بأنفسنا، بل نقيس أنفسنا بالآب السماوي، عندئذ تظهر الحقيقة.

ماذا يعني أمر المسيح؟

 ليس يسوع فيلسوفاً، بل مخلّصاً وربّاً. يعزم أن يحرّر البشر المتكبرين إلى تواضعه، ليتقدّم كلّ إنسان إلى هدف حياته، ويصبح صورة مصغّرة عن خالقه، الذي أعلن:"خلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه. ذكراً وأنثى خلقهم"(التكوين 1، 27). يشاء الله والمسيح حقاً أنْ يصبح كلّ إنسان صورة مصغّرة عن الله، ومرآة عن محبّته وقداسته. هذا هو هدف الخلق، لا أكثر ولا أقلّ. يقصد يسوع بهذه الوصيّة، أنّ يرفعنا نحو هدف خالقنا، يرفعنا إلى مستواه الخاصّ. ونحن لا نزال خطأة، فما أعظم المحبة! نقرأ في العهد القديم أمراً إلهياً شبيهاً بوصيّة المسيح، وبالمعنى نفسه: إنّي أنا الربّ إلهكم، فتُقدّسون وتكونون قدّيسين، لأنّي أنا قدُّوس (اللاويين 11،44). فمَن يتجرأ أنْ يقول "أنّي أنا قدّيس" ليس أحد صالحاً ولا واحد. أمّا الله فقرّر أنْ يرفعنا إلى مستواه الخاصّ به. فما أعظم المحبة! وإنْ نظرنا إلى تربية الإنسان، والمدارس العليا، والشهادات البارزة، فنرى أنّه لا يصدر منها، إلا خطاة أذكياء، لأنّ قلب الإنسان يبقى رغم كل التعليم نجساً وشريراً. أمّا الله فَيُريد أنْ يعطينا قلباً نقياً، وروحاً مستقيماً، فتربيته أسمى مِن كل تربية بشرية وأقدس مِن كل الشهادات والرتب والرواتب الضّخمة.

كيف يمنحنا الله كماله؟

إنْ دقّقت في قراءة وصيّة المسيح بخصوص كمالنا، فستجد أنّه لم يقل: كونوا كاملين كما أنّ الله هو كامل، وإلا فسوف نيأس، ونفشل ونحبط، لكنه قال:"كونوا كاملين كما أنّ أباكم في السماء هو كامل". إنّ كلمة "الآب" تُغيّر القصّة كلّها، فقد صار لنا رجاء، لكي لا نفشل، بل نتقدّم مِن أجل بُنوّتنا لله. عندئذ يظهر الله لنا، ليس كدّيان وجبّار، بل كمحبّ كآب، كَمَن يملك قلباً رؤوفاً وعطفاً وحناناً. فاسم الآب رجاؤنا، وضمان مستقبلنا. فلنتعمّق في هذا الاسم الفريد، لنُدرك كيف يَهب لنا الله كماله. يورث الأبُ الدنيوي أولادَه خلايا نوعه، وصنفه، وطاقة مواهبه، وسرّ مزاجه. وكما الأب هكذا الإبن! أمّا الآب السماوي فيورّثنا مواهبه، ولاهوته، وقدرته، لكي لا نبقى فاشلين، غير مقتدرين، بل رافعين رؤوسنا نحوه، شاكرين مِن صميم قلوبنا، مصلّين كما علّمنا المسيح: "أبانا الذي في السماوات، ليتقدّس اسمك الأبوي" (متّى 6،9).

يهتم الأب الدنيوي بأولاده، ويريد أن يُصبحوا مثله، وأفضل، فيربيهم، ويدفعهم، ويراقبهم، ويستخدم المعارف لتقدّمهم، ويشجعهم نحو الأفضل، ويضحّي بكلّ ما عنده لأجل منفعتهم ومستقبلهم. إنْ كان الأب الدنيوي يهتمّ بأولاده فكم بالحري الآب السماوي يحبّك، ويشجّعك، ويقوّيك ويقدّسك، ويضحّي بكل ما عنده حتّى تنجح في الحياة والآخرة. الله يَهبك نفسه، لكي تصبح كاملاً، كما هو كامل. فما أعظم المحبّة!

الآب يرسل إبنه لنا ليضع كماله فينا

هل عرفت لبّ الإنجيل؟ اقرأ الوحي المثير والمعلن: لأنّه هكذا أحبّ الله العالم، حتى بذل إبنه الوحيد، حتى لا يهلك كلّ مَن يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية(يوحنا 3،16). لقد فسّر بولس الرسول هذا الكنز وكتب:"إنْ كان الله معنا فَمَن علينا! الذي لم يُشفق على إبنه، بل بذله لأجلنا أجمعين، كيف لا يَهبنا معه كل شيء؟" (رومية 8، 31- 32). منحنا الله بمجيء المسيح كماله الخاص، إنْ ثبتنا فيه، وتبعناه. نقرأ أيضاً في رسائل رسول الأمم الآية المثيرة عن المسيح: فإنّ فيه يحلّ كلّ ملء اللاهوت جسدياً، وأنتم مملوؤون فيه! (كولوسي2،9-10). فهل أدركت هدف الله الآب؟ لا يتركك كما تكون ناقصاً وفاشلاً ونجساً، بل يملؤك بملء لطفه، وكماله، بواسطة إتيان يسوع المسيح. فافتح قلبك لهذه البشارة، لأنّها هبة سماويّة لا دنيوّية. أتى المسيح، ليكون جسراً بيننا وبين الله، ويرفع الهوّة والهول والخطيئة. فنقرأ أنّ يوحنّا المعمدان صرخ:"هوذا حمل الله، الّذي يرفع خطيئة العالم!" (يوحنا 1، 29).

شاء المسيح أنْ يبرّرنا مِن كلّ عِلّة، وإثم وذنب وفجور، لكي لا يبقى فينا شكوى، كما نقرأ مِن بولس الحبيب:"الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله، متبرّرين مجاناً، بنعمته، بالفداء الّذي بيسوع المسيح"(رومية 3، 23- 24). منحنا المسيح حقّاً جديداً، أنّ نُحسب أبراراً، رغم حالتنا التعيسة. فلأجل كفّارته، يعتبرنا الله متبررّين أبرياء قدّيسين إلى الأبد، إن آمنّا بحمل الله الوديع. ويُطهّر دم يسوع المسيح قلوبنا، مِن كلّ إثم، تطهيراً كاملاً شاملاً أبدياً، كما هو مكتوب:"فكم بالحري يكون دم المسيح الذي بروح أزليّ، قدّم نفسه لله بلا عيب، يطهّر ضمائرهم مِن أعمال ميّتة، لتخدموا الله الحي" (عبرانيين 9، 14). أثبت الرسول يوحنا الحقيقةَ السماوية نفسها:"دم يسوع المسيح، إبنه، يطهّرنا مِن كلّ خطيئّة"(يوحنا الأولى 1،7). الله يمنحنا بواسطة المسيح تطهيراً كاملاً،وضميراً مرتاحاً. فهل شكرته لهذا الامتياز ولهذه الهبة التي لا توصف؟ وبولس أكمل البحث عن الكمال الموهوب لنا وكتب:"إنّ الله كان في المسيح مصالحاً العالم بنفسه، غير حاسب لهم خطاياهم، وواضعاً فينا كلمة المصالحة. إذاً نسعى كسفراء عن المسيح، كأنّ الله يعظ بنا. نطلب عن المسيح: تصالحوا مع الله"(كورنثوس الثانية 5، 19-20). أتمّ الله الصُلح بينه وبين البشر المجرمين المعتدين. وهذا الصُلح كاملٌ غير منقوص أو ضعيف. تهلّل بولس الرسول على أساس هذا الصلح، والتبرير المجّاني، وكتب:"إذ قد تبرّرنا بالإيمان، لنا سلام مع الله، بربّنا يسوع المسيح"(رومية 5، 1). فالمسيح هو سلامنا، لأنّ فينا عصياناً وتكبّراً، ولكنّ كفّارة المسيح أدخلتنا إلى سلام مع الله:"لأنّكم بالنعمة مخلّصون بالإيمان، وذلك ليس منكم، هو عطّية الله"، "لأنّ المسيح هو سلامنا"(أفسس 2،14 و2، 8). طوبى لِمَن يدرك، أنَّ هذا السلام أزليٌّ أبديٌّ، لا يتزعزع، لأنّه مبنيٌّ على ذبيحةِ حَمل الله.

وهكذا يخبرنا يسوع، أنّه قطع معنا عهداً جديداً، مبنيَّاً على دمه الثمين، كما نقرأ حسب البشير متّى:"وفيما هُم يأكلون، أخذ يسوع الخبز، وبارك وكسّر، وأعطى التلاميذ وقال: "خُذوا كُلوا هذا هو جسدي". وأخذ الكأس، وشكر وأعطاهم قائلاً:"إِشربوا منها كلكم لأنّ هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يُسفَك من أجل كثيرين، لمغفرة الخطايا" (متّى 26، 26- 28). هل أدركت في كلمات يسوع الشهيرة، أنّه منحك بعهده الكمالَ الإلهيَّ ثلاث مرات؟

1- العهد الجديد، الذي قطعه المسيح معنا، هو عهد أبدي كامل غير ناقص ممتلىءبالقوّة الإلهية، والفاعلية منذ يوم تأسيسه.

2- جسد المسيح، الذي يحلّ فينا بالنعمة، بالرمز الخبز، هو كامل، وغير ناقص، قدّوس إلهي. يُريد الإِبنُ أنْ يَثبت فيك، ويسكن في فؤادك، ولن يتركك أبداً. فالعشاء الربّاني يشركك في كمال الله.

3- وأمّا دم يسوع المسيح، الذي تشربه برمز الخمر، فهو طاهرٌ وقدّوسٌ، وثمينٌ فوق أي ثمن دنيوي، ويجري في عروق الذين يشربونه حتى أطراف أصابعهم، لكي يتطهّروا كلياً مِن خطاياهم. فهل لاحظت كمال الله الموهوب لكل الذين ينفتحون للمسيح، ويأكلونه ويشربونه لأنّه يريد أنْ يسكن فينا إلى الأبد. وأثبت كاتب الرسالة إلى العبرانيين توضيحاً لذلك الإمتياز، ولخّص كل معاني الكلمات بشهادته: لأنّه بقربان واحد، قد أكمل إلى الأبد، المقدّسين (عبرانيين 10، 14).

الآب السماوي يمنحنا كماله بحلول الروح القدس فينا

اللهُ رُوحٌ، والذين يسجدون له، فبالرّوح والحق ينبغي أن يسجدوا (يوحنا 4، 24). روح الله هو في ذاته كامل، وقدّوس، وطاهر، كما الله هو قدّوس، وفوق كلّ شكاوي الشيطان. وهذا الرّوح الإلهي يحلّ في أتباع يسوع، لأنّهم غير قادرين أن يسلكوا كما يحقّ بالإنجيل، فيعين هذا الروح ضعفاتنا، ويَدفعنا نحو سلوك لائق لإسم أبينا السماوي. وهو في الوقت نفسه قوّة الله للخلاص، لكلّ مَن يؤمن، فالآب السماوي يحرّرنا حسب الحقّ، ويقوّينا بواسطة الرّوح، فيشركنا بالكمال شرعياً وروحيّاً. كان الله في العهد القديم يَعِد بحلول الروح القدس، في أتباع المسيح، بوعده العظيم:"أعطيكم قلباً جديداً، وأجعل روحاً جديدة في داخلكم، وأنزع قلب الحجر من لحمكم، وأعطيكم قلب لحم، وأجعل روحي في داخلكم، وأجعلكم تسلكون في فرائضي، وتحفظون أحكامي، وتعملون بها" (حزقيال 26، 26- 27 ).وتمّت هذه الوعود في عيد العنصرة، وتمركز روح الله في قلوب المصلّين:"لَمّا حضر يوم الخمسين، كان الجميع معاً بنفسٍ واحدة. وصار بَغتةً مِن السماء صوت، كما مِن هبوب ريح عاصفة، وملأ كلّ البيت، حيث كانوا جالسين. وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنّها مِن نار واستقرّت على كلّ واحد منهم. وامتلأ الجميع مِن الرّوح القدس" (أعمال الرسل 2، 1- 4).

إنّ هذا الحلولَ الإلهي، على الذين برّرهم المسيحُ بدمه الثمين، يأتي بمواهب وصفات، ودوافع وامتيازات لا حصر لها، ويَمنحنا أوَّلاً معرفة الآب والإبن. وليس مِن أحد يعرف الآب ولا الإبن إلا بهبة الرّوح القدس. "لأنّ كلّ الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله، إذ لم تَأخذوا روح العبودية أيضاً للخوف، بل أخذتُم روح التبنّي، الذي به نصرخ: "يا أبا الآب!". الرّوح نفسه أيضاً يشهد لأرواحنا أنّنا أولاد الله" (رومية 8، 14- 16). فهل أدركت مِن هذه الآيات كمال الله الموهوب لك، لأنّ هذا الروح يُعلن لك اسمه: الآب، وفي الوقت نفسه يمنحك التبنّي، حتّى تكون مِن أولاد الله حسب الحقّ. ولا يتراجع الله عن هذا الحق، بل يمنحك إياه إلى الأبد. فهو الآب، وأنت مِن أولاده في الرّوح والحق. ويحقّق الرّوح فينا محبّة الله، ويملأ الفراغ فينا، ويدفعنا إلى تطبيق هذه الموهبة، كما نقرأ :"محبة الله، قد انسكبت في قلوبنا، بالرّوح القدس المُعطى لنا" (رومية 5، 5).

إن محبّة الله كاملة وغير ناقصة، وهي نَفسُها موهوبةٌ لك، لأنّ محبّتك أنت ضئيلةٌ ووقتّية، أمّا محبّة الله، فهي قوّية، أزليّة أبديّة، لا تتغيّر ولا تنتهي. وقال المسيح إِنّه: يُريد أن يُكمل فينا فرحه:كلَّمتكُمُ بهذا، لكي يَثبت فرحي فيكم، ويكمل فرحكم (يوحنا 15، 11). وحقّق يسوع هذا الوعد في صلاته الشفاعية عندما طلب مِن أبيه لأجلنا: "أمّا الآن فإنّي آتي إليك، وأتكلّم بهذا في العالم، ليكون لهم فرحي كاملاً فيهم" (يوحنا 17- 13). يتّضح مِن كلمات يسوع هذه أنّ مسّرة الله ساكنة فيه، وأنّه يشركنا بسروره حسب القول:"لا تحزنوا، لأنّ فرح الرب، هو قوّتكم" (نحميا 8، 10).

يجري أهل العالم بسرعة نحو الفرح الذي يتوقون إليه ولا يجدونه. فالفرح الدنيوي ينتهي بدموع، أمّا فرح المسيح فهو كامل، وموهوب لك، إن فتحت نفسك لروح المسيح، المنبعثة مِن قلب الآب. وفوق هذا نقرأ من بولس الرسول:"وسلام الله، الذي يفوق كلّ عقل، يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع" (فيليبي 4، 7).

هل عرفت أنّ في الله سلاماً؟ وأنّه لا يوجد في الدنيا سلام حقيقي، إلا بحلول سلام الله بالقلوب والأذهان، والعائلات والجماعات والكنائس؟ سلام الله كامل موهوب لِمَن يثبت في المسيح، وهو فيهم. فتّش الكُتُب، فتجد أنّ تواضع المسيح ووداعته، وعفّته وروحه للخدمة، وحمده وعطفه، وكلّ صفاته، الموهوبة لك في الروح القدس، كاملة بذاتها، موهوبة لك! وأمّا روح المسيح فلا ينام، ولا ييأس، بل يعمل، ويدفعك إلى عمل صالح، ويعزّيك، ويُنشيء فيك اليقين، ويساعدك على الشهادة الواضحة، أمام السلطات حسب قول يسوع:"فمتى أسلموكم، فلا تهتموا كيف أو بما تتكلمون، لأنّكم تُعطون في تلك الساعة ما تتكلّمون به، لأن لَسْتُم أنتم المتكلمين، بل روح أبيكم، الذي يتكلم فيكم" (متّى 10، 19). يمنح الآب السماوي أولادَه وحياً كاملاً حتّى يستطيعوا أن يشهدوا بحقيقته، وبخلاص المسيح الكامل. الروح القدس هو عربون فدائنا (أفسس 1، 14) والمسيح فيكم رجاء المجد (كولوسي 1، 27).

إن تَعمّقت في هذه الآيات، أدركتَ سِرّ الكمال، الموهوب لأتباع المسيح، بأنّ الله الآب والإبن والروح القدس يهب ذاته لأتباع المسيح، ليشتركوا في كماله، وهكذا يصبحون أعضاء في أسرة الله ورعيته:"فلستم إذاً بعد غرباء ونُزلاً، بل رعيّة مع القدّيسين وأهل بيت الله مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر نفسه الذي فيه كلّ البناء مركّباً معاً ينمو هيكلاً مقدّساً في الرب الذي فيه أنتم أيضاً مبنّيون معاً مسكناً لله في الروح" (أفسس 2، 19- 22). ردّد بولس هذا السِرّ العظيم مراراً. أنّ جماعة المسيح هم هيكل الروح القدس (كورنثوس الأولى 3، 16- 17؛ 6، 17و 19). وطلب المسيح لأجلنا نحن البطّالين أنْ نقترب مِن وحدة الثالوث الأقدس ونُجذب إليها، ونثبت فيها، لنشترك في كمالها:"وأنا قد أعطيتهم المجد، الذي أَعطيتني، ليكونوا واحداً، كما أنّنا نحن واحد. أنا فيهم، وأنت فيَّ، ليكونوا مكمّلين إلى واحد، وليعلم العالم أنّك أرسلتني، وأحببتهم كما أحببتني" (يوحنا 17، 22- 23).

من يدرك هذه الوعود والحقائق في صلوات يسوع، يسجد للآب والإبن بقوّة الروح القدس، لأنّه أكمل الوصية العظمى، أن نكون كاملين كما أنَّ أبانا في السماء هو كامل. نحن في ذواتنا لا شيء، بل مذنبون مدانون، فالله في رحمته يرفعنا نحو مستواه، ويَهب لنا ذاته، حتّى نشترك في كماله. فلا يعطينا مالاً أو قوّة أو شرفاً دنيوياً، بل كمالاً روحياً، لأنّ كلّ الطاقة البشرية تزول، أمّا كماله فيستمّر ويدوم إلى الأبد.

 

كيف يحقّق المسيح ويمتحن كماله فينا عملياً؟

بعد هذا التفسير عن عجزنا، وهبة الله المجّانية، يَدلُّنا المسيح على التطبيق العملي، لكمال الله فينا:

5: 44 أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ, وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ,

45 لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ, فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ, وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ.

46 لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ, فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ. أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضاً يَفْعَلُونَ ذَلِكَ.

47 وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ, فَأَيَّ فَضْلٍ تَصْنَعُونَ. أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضاً يَفْعَلُونَ هَكَذَا.

48 فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ.

(متّى 5، 44- 48).

المسيح لا يتكلم عن أمور نظريّة فحسب، بل عن التطبيق العملي، كإمتحان لكمالنا! فيطلب تحقيق محبّة الله فينا عملياً وحقّاً، كما أحبّ هو أعداءه، وبارك لاعنيه، وأحسن إلى مبغضيه، وصلّى لأجل المسيئين إليه، وخلّصهم، سواء عرفوا حقّهم، أم لم يعرفوه، سواء قبلوه، أم رفضوه. محبّة الله ليست لها حدود. وهذا ما يريده بالتمّام منّا نحن. وهنا تنتهي التوهمات والأحلام، والأوهام حول الكمال، ونتعلّم عملياً ماذا قصد يسوع بهذه الوصيّة! فمَن يحبّ أعداءه، لا بُدّ أن يغفر لهم ذنوبهم، وخُبثهم وشرّهم، كما يغفر الله لنا، ويحبّنا، ولا يميل عنّا. الآب السماوي يغفر لنا زلاتنا يومياً، غفراناً كاملاً، شاملاً مِن كلّ القلب. هكذا ينبغي أن نُسامح المذنبين إلينا، يومياً كاملة، شاملة بكل محبّة. مَن لا يَغفر، لن يُغفر له. ومَن يتقسَّ تُجاه محبّة الله، ولا يُسامح، يَفقد غفرانه المعطى له، كما نقرأ في الإنجيل:"فإنّه إنْ غفرتم للناس زلاتهم، يغفر لكم أيضاً أبوكم السماوي. وإنْ لم تغفروا للناس زلاتهم، لا يغفر لكم أبوكم أيضاً زلاتكم" (متّى 6، 14- 15).

لذلك علّمنا المسيح، أن نصلّي:"واغفر لنا ذنوبنا، كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين إلينا" (متّى 6، 12). وهذه الكلمة الصغيرة "كما" تكسّر عنادنا وحقدنا، لأنّنا نطلب بِنطق هذه الكلمة مِن الله، أن لا يغفر لنا أكثر مِن غفراننا نحن. فإنْ سامحنا ولكن لم نُردْ أنْ ننسى ما فعله، فكأننا نقول:"سامحني يا الله، ولكن لا تنسَ ما فعلته نحوك ونحو الآخرين، فغفران الله الكامل الشامل يربّينا، ويرشدنا إلى غفران كامل شامل، بلا قيد ولا شرط. لقد أوضح يسوع لبطرس، الذي ظنّ أنه يكفي أن يغفر لزميله سبع مرات في اليوم الواحد، قائلاً له:"سبعين مرّة سبع مرّات أي 490 مرّة يومياً!" ترى في كلمات يسوع هذه ما يقصده مِن كمال الله في حياتنا:محبّة العدوّ بدون حدود، ومسامحته بدون حدود، كما سامحنا الله يومياً. شرّع يسوع هذا المبدأ بمناسبة، وقال لأتباعه:"كونوا رحماء كما أنّ أباكم أيضاً رحيم. ولا تَدِينوا فلا تُدانوا. لا تَقضوا على أحد فلا يُقضى عليكم. اغفروا يُغفر لكم" (لوقا 6، 36- 37).

إنْ أردت أنْ تتعلّم الرحمة المسيحية فمارس كلمات يسوع عملياً، تصبح حكيماً، وينشىء الروح القدس فيك الرحمة والرأفة. نتعجب حين نقرأ في القرآن شهادة محمد، أنّ المسيحيين حقّقوا هذه المبادىء، في زمنه تُجاه المسلمين:"وقفّينا بعيسى ابن مريم، وأتيناه الإنجيل، وجعلنا في قلوب الذين اتّبعوه رأفة ورحمة ( سورة الحديد 57، 27). إنّ هذه الشهادة غير المسيحية تُثبت، أنّ المسيحيين في زمن محمد أحبوا أعداءهم، وباركوا لاعنيهم، وأحسنوا إلى مبغضيهم، وبرهنوا بسلوكهم، أنّهم أولاد الله في وسط ضيْقاتِهم.

يَدفعنا يسوع، كي نَهبّ لنزور المرضى، ونحبّ المساكين، ونخدم المعوزين ونساعد المطرودين، ونحرر الملبوسين، ونخدم الجميع، كما كان هو خادماً بيننا، فجالس الخطاةَ التائبين، وأحبّ الصغار. فمن تزور بعد ظهر يوم الأحد؟ هل تزور أعضاء عائلتك وأصدقاءَك أم تزور المرفوضين والمقهورين في المجتمع، والبسطاء حيث تلتقي يسوعَ عندهم، لأنّه قال:"بِما أنّكم فعلتموه بأحد إِخوتي هؤلاء الأصاغر، فبي فعلتم" (متّى 25، 40). تجد سِرّ محبّة الله في العهد الجديد معلناً مِن الصفحة الأولى حتى الأخيرة، لأنّ "الله محبّة. ومَن يثبت في المحبة، يثبت في الله، والله فيه" (يوحنا 4، 16). وفَسّر يسوع هذه الآية الذهبية بقوله:"وصية جديدة أنا أعطيكم، أنْ تُحبوا بعضكم بعضاً، كما أحببتكم أنا تحبّون أيضاً بعضكم بعضاً. وبهذا يعرف الجميع، أنكم تلاميذي، إن كان لكم حبّ بعضاً لبعضٍ" (يوحنا 13 ، 34- 35). حقّق يسوع وصيّته الجوهريّة، وعاش مع تلاميذه، وصلّى لأجلهم، ووبّخهم إذ أخطأوا، ومشى معهم في البلاد، ولم يفقد أحداً منهم، إلا خائنه. فيسوع مثّل محبّة الله وكمالها أمامنا، ولخّص كل الكلام بوصيّة واحدة، أن نحبّ كما أحبّنا. وبما أنّنا غير قادرين على فعل ذلك مِن تلقاء أنفسنا، فهو يساعدنا على ذلك لتميم وصيّته، بغفرانه المستمّر، وقوّة روحه وشفاعته لنا عند الله، واشتياقه لنا، حتّى يأتي ثانية، ويأخذنا إليه، لنكون معه في كل حين، بحضور الآب، لنرى فيه سِرّ الكلام ألا وهو المحبّة الإلهية. آمين.

احفظ كلمة الرب غيْباتكسب كنْزاً أبدياً

أيها القارئ العزيز: تجد في هذه التأملات آيات الوحي المطبوعة بطريقة بارزة. نقترح عليك أن تخبئها في فؤادك لتجد قوة روحية لن تزول وترافقك في الدنيا و الآخرة

و إن أردت أن تحفظ آيات مختارة أكثر وتخبرنا بقصدك نرسل لك ما ينفعك من مطبوعاتنا الجديدة

 

يسوع المسيح هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد

(عبرانيين 13، 8)

 مَن يتطلّع إلى مجرى التاريخ، يرَ أنَّ الرجال والنساء الصاعدين في سُلّم الحياة يزولون، إلا واحداً وهو يسوع المسيح، الذي قام مِن بين الأموات، وارتفع إلى الله! فإبن مريم حيّ، بينما كلّ الزعماء السياسيين والدينيين ماتوا، وما زالوا في قبورهم. فمَن يكن ذكياً يفتّش عن سِرّ هذا المسيح، ليَعرِف معنى إسمه، ويَفهم أفعاله، ويُدرك ما يَعمله اليوم، ويَنتبه إلى ما سَيَفعله غداً. إنّ الثورة الروحية التي بدأها المسيح، تتطورّ بدون ضجيج. طوبى لِمَن يَنفتح لرُوح إنجيله، فيَشترك في قوّة المسيح وحياته ومحبّته.

ما معنى إسم "يسوع"؟

نجد إسم يسوع مكتوباً 975 مرّة في أسفار العهد الجديد ، وهذا الإسم أهمّ كلمة في الإنجيل. أخبر بِهذا الإسم الملاك جبريل، الذي أَوحى وأَمر به، ووَضّح في الوقت نفسه معناه:"إسمه يسوع، لأنَّه يخلّص شعبه مِن خطاياهم" (متّى1، 21 ؛ لوقا 1، 31). ونجد في "حرف الياء" من هذا الإسم الرمز لإسم الربّ الذي هو هو، لا ولن يتغيّر. هو أمين في وعوده ويحقّقها. أتى يسوع وشفى كلّ مرض في شعبه ممّن تقدّموا إليه وآمنوا به. وأخرج الشياطين مِن الملبوسين، وأقام الموتى بقدرته الإلهية. فأحلّ السماءَ على الأرض بواسطة أعماله. وُلد ليَموت، وعاش قُدّوساً بلا خطيئة، ليستطيع أن يتَوسط لأتباعه أمام الله في دينونته. أحبّ الخُطاة، ورفع خطاياهم كلها، وصالحهم مَع القدُّوس. فهو الفادي القدير.

وعندما قام مِن بين الأموات، برهن بقيامته أنّه غلب الموت. هو في ذاته الحياة. وفيه القُدرة على أن يَغلب الموت فينا، ويبثّ في مَنْ يؤمن به حياته الأبدية. قد غلب الشيطان الذي جرّبه مراراً، لكي يُنشىء ملكوته السماوي بدون كفّارته، فرفض هذه التجربة، وأكمل طريقه إلى موته النيابي عنّا. حاول الشرّير أن يخلق فيه بُغضاً وغضباً، لكنه أحبّ أعداءه، وآمن بالله، واستودع روحه بين يديه في آخر اليأس. لم يخطىء بل ثَبتَ قُدّوساً مؤمناً مفعماً بالرّجاء.

أنهى المسيح مبدأ الثأر. تعيش الشعوب كلّها على منوال "عين بعين وسنّ بسنّ" فتتناحر وتتقاتل بلا شفقة، ولكنّ المسيح أمر أتباعه قائلاً:"أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات" (متّى 5، 44- 45). واستحقّ أن يُعلن هذا الأمر، لأنّه حمل خطايا أتباعه وخطايا أعدائه، فأطفأ شريعة الإنتقام بموته الكفاري، فيحقّ لنا أن نُسامح كما سامح هو! غلب المسيح الأنانية في كلّ مَن يؤمن به حقاً، إذ قال:" ابن الإنسان لم يأت ليُخدَم، بل ليَخدُم وليَبذُل نفسه فديةً لكثيرين" (متّى20، 28). وقال أيضاً: " أحبّوا بعضكم بعضاً كما أنا أحببتكم" (يوحنا 13، 34). فجعل محبّته هو مقياساً لمحبّتنا نحن.

لم يبتدىء المسيح بخدماته الخلاصية إلا عندما بلغ سن الرشد في الثلاثين مِن عُمره. عاش في إرشاد روح الله، ولم يُنفّذ إرادته الخاصة، بل أصغى إلى صوت أبيه السماوي وقال:" لِتكنْ مشيئته، كما في السماء كذلك على الأرض". مشى على قدميه في كل أنحاء الجليل، وعلّم المتعلمين والجُهال في المدارس والساحات. اجتمع بالأفراد وجمع الجماهير،واهتمّ بمشاكل النساء، كما حرّر الرجال مِن الأرواح النجسة.

لم يَكتبْ كتاباً مع العِلم، أنّه كان يجيد الكتابةَ والقراءةَ بطلاقة. فالإنجيل هو ذاته. حياته وأقواله وصلواته هي فحوى الإنجيل. مَن يتعمّق فيه، يلتقِ سِرّ المسيح، أنّه وديع ومتواضع القلب.لا يجد أحد راحة النّفس إلا إذا قبل هذه الصفات مِن يَد المُحبّ.

قبل ابن مريم تلاميذه الأَولين مِن جماعة يوحنّا المعمدان، لأنّهم انكسروا مِن كبريائهم في توبتهم. اختار رجالاً مَهرَة في العمل الشاق، كصيادي السمك والخطاة التائبين. لم يَدْعُ لنفسه رجالاً لاهوتيين وكتبة وفلاسفة، بل اهتمّ أنْ يتوب أتباعُهُ توبةً نصوحةً، عندئذ عاش معهم ليتعلموا السلوك المناسب منه. فكان في ذاته شريعتَهم، ليسلكوا كما سلك هو. وأرسلهم إلى الضالين، وجهّزهم بقوته، أرسلهم اثنين إثنين، وطلب منهم أن يتبادلوا الإختبارات، ويصلُّوا بعضهم لبعض. لكنهم رسبوا في الإمتحان الأخير، عندما قبضوا على المسيح، ولكن بعد قيامته جمعهم مِن جديد، ووعدهم بحلول الروح القدس، ليخدموا في قوّة إرشاده الأمين.

ما معنى لقب "المسيح"؟

نقرأ هذه الكنية 569 مرة في الإنجيل. فسّر يسوع هذا اللقب بنفسه إذ قال:"روح الربّ عليَّ، لأنّه مَسحني، لأبشّر المساكين، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر، وأُرسل المنسحقين في الحرية، وأكرز بسنة الربّ المقبولة" (لوقا 4، 18- 19). وُلِد المسيح مِن الروح القدس، وليس له أب دنيوي. لم يكنْ المسيح إنساناً عادياً مثلنا نحن المولودين مِن أبوين جسديين المخلوقين مِن التراب، إنما المسيح هو روح الله المتجول في الدنيا بلباس الإنسان. كان إنساناً حقاً وروحاً حقاً، وبما أنه اعترف بأن روح الرب عليه، فإنّنا نرى فيه وحدة الثالوث القدّوس. الرب وروحه والمسيح وحدة كاملة لا تتجزأ. لسنا نتكلم عن" ثالوث بيولوجي" كأنّ الله أنجب المسيح مِن مريم العذراء، بل يعترف المسيح "بوحدة الثالوث الروحي" مِن أنّ روح الرب حضر فيه في دنيانا.

ويا للعجب لم يأتِ لِيُنشىء ملكوتاً قويّاً باهراً غنيّاً مشهوراً، بل أتى ليُبشّر المساكين، ويشفي المَعُوقين، ويُعزّي اليائسين، ويُحرّر الملبوسين، ويَفتح أعين العُمي. فهو أحبّ الصِغار والخُطاة والملبوسين وحرَّرهم، بينما الأغنياء والمتعلمون والمشاهير لم يُبالوا به. اعترف يسوع بأنَّه المَلك الحق، وأنَّه وُلد ليُظهِرَ الحق، وأنَّ كلَّ مَن هو مِن الحق يسمع له (يوحنا 18، 36- 37).

لم يأتِ مَلكاً بأسلحة وجيوش وضرائب، ولم يحرّر شعبه من نير الإستعمار الروماني، ولم يَطلبْ مقابلةً مِن الزعماء السياسيين والدينيين، ولم يتقدم إلى الحكماء ومجلس النواب، بل جمع الشعب البسيط كغنم بلا راعٍ، وأحبّ الذين في الضيق. لذلك غضب أكثرية شعبه منه، لأنهم انتظروا ابن الملك داوود، الذي يقودهم إلى حُكم الممالك في العالم، والذي يكون حاكماً بارزاً لألف سنة، وأعظم مِن أوغسطس في زمنه، وفكّروا برجل مثل موسى، أو داود اللذين سنّا شرائع وعهوداً لإبادة الأشرار، وحكما بقوة جيوشهما. فرفضوا حمل الله الوديع، واستهزأوا بالمصلوب المجلود.

أمّا المسيح فعمّد أتباعه بروحه القدوس، الروح الذي استقرّ فيه. لم يغيّر الأوضاع، بل جدّد الناس، الذين سيغيّرون الأوضاع بمحبتهم. مَسَح المسيح رُسله، لكي يكونوا كهنة ملوكيين، يبتهلون عن شعوبهم بصلواتهم الحارّة، وإيمانهم الثابت، وأرسلهم بدون أسلحة، ليعلنوا ربّ المجد، ويقدّموا قوته لِمَن يستعدّ أن يتغيّر في ذهنه.

 

ما معنى اللَّقب "هو هو"؟

ظهر الربّ لموسى في العلّيقة الملتهبة، وأعلن له إسمه (أهْيَه الذي أَهْيَه) (خروج 3، 14) وتعني هذه الأحرف (أكون الذي أكون) أو (هو هو). نقرأ هذه العبارة المترجمة إلى اللغّة العربية (الرب) 216 مرّة في العهد الجديد، أمّا في العهد القديم فنقرأ هذه العبارة 6828 مرّة. إنّ سرّ اسم الربّ هو أَنّ أمانته لن تتغيّر فيثبت هو هو أميناً لِمَن آمن به. ارتبط الرب القدير بفاشلين مائتين في عهد عتيق. ويرفع ربّ المجد مَن يرتبط به إلى مستواه، ويغيّر العصاة المتمرّدين إلى لُطفاء مُطيعين. في العهد القديم أسّس الربّ بموسى الشريعة التي تُقْسَم إلى 613 وصيّة لتربية وتنمية الأخلاق، وللانفصال عن الذين لا يرتبطون بشريعته، وأعطى المؤمنينَ بهِ الأمر:

"تكونون قدّيسين لأنّي قدّوسٌ الرَّبُّ إِلهكُمُ" (لاويين 19، 2).

ولتنفيذ هذه الوصيّة أمرهم:"تحبّ الربّ إلهك مِن كلّ قلبك، ومِن كلّ نفسك، ومِن كلّ قوّتك" ( تثنية 6، 5). إنّ هدف الله في العهد القديم هو القداسة في المحبّة، ولكنّ الكتبة عملوا مِن هذه الوصايا دعوة لإِنشاء البِرّ باجتهادهم الخاصّ. فلم ينفتحوا لعمل الربّ الفدائي، بل فكّروا أن يَفدوا أنفسهم بأنفسهم، فنادراً ما حدثت بينهم التوبة والإنكسار لاستقبال المسيح. أمّا الربّ القُدّوس، فتجسّد في يسوع ابن مريم، فظهر رحيماً وشديداً في الوقت نفسه. هو مَلك الحق، يُدافع عن الحق بحكمة وسلطان. أتى المسيح لشعبه الضالّ رغم قساوة قُلوبهم وخلّصهم. لكنه كان يعترف:"أحمدك أيّها الآب ربّ السماء والأرض، لأنّك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء، وأعلنتها للأطفال. نعم، أيّها الآب، لأنْ هكذا صارت المسرّة أمامك" (متّى 11، 25- 27).

أعلن يسوع ربوبته بكلماته الشهيرة، أنّه خبز الحياة، وأنّه نور العالم. قال أيضاً:"أنا الكرمة وأنتم الأغصان، وأنا الرّاعي الصالح، وأنا مَلك". نجد خمسين آية عن لسان المسيح مبنيّة على قالب "أنّي أنا هو" وتعني هذه العبارة باللغة العبرانية أنّي أنا هو الربّ نفسه. ولم يَتباهَ يسوع بأنّه الربّ العظيم، بل تواضع جداً، وقدّم نفسه لشعبه بكلمات مفهومة مقبولة مؤثرة، وأسس العهد الجديد بموته الكفاري، لأنّ هذا الربّ الرحيم مات عن شعبه ليخلّصه ويغيّره، فخلّص شعبه بصبر ومحبة لا نهاية لهما.

ماذا تعني كلمة "أمساً"؟

إنّ ما وضّحناه حتى الآن هو تفسيرٌ لما عمله المسيح أمساً، وتجتمع أعماله وصفاته في سِرّ ذبيحة ذاته، كرئيس الكهنة عن الخطاة الهالكين. كان يسوع مُستحقاً أن يَنوب عن الأئمة، لأنَّه وُلِد مِن روح الله، وعاش مِن دون خطيئة. ثبت في محبة أبيه، وكان واحداً معه في المحبة والوئام والطّاعة. هو الذبيحة الكاملة الذي يجمع في موته جميع أنظمة القرابين في العهد القديم. فلا حاجة لإعادة ذبيحته مرة أخرى، لأنّ قُربانه ونيابته أكملا كلّ الذين قبلوا موته الكفّاري عنهم:"لأنَّه بقُربان واحد قد أكمل إلى الأبد المقدّسين" (عبرانيين10 14). قد تمّت مُصالحتنا مع الله، لأنّ الله القدّوس أثبت بقيامة المسيح مِن بين الأموات فَعاليةَ ذبيحته. وهو تقدّم في السماويات إلى عرشه تعالى، وقدّم دمه أمامه، كما يقول بولس:" الله كان في المسيح مصالحاً العالم بنفسه" (كورنثوس الثانية 5، 19).

لم يمتْ المسيح لأجل مصالحتنا بالله فحسب، بل ليحلّ البركة الإلهية مِن ذبيحته على أتباعه. مَن يَقبل المُصالحة بالله بدم المسيح يَنْل الحياة الأبديَة، وحلول محبّة الله في قلبه، وثبات روحه الخادم في نفسه، وتقديس نيّاته، لِيَسلك في المحبة والفرح، ويُمارس السلام بتأنٍّ، ويكون لطيفاً في الإيمان ووديعاً في العفّة. المسيح أكمل خلاصنا شرعياً وروحه يحققه فينا عمليّاً. بعدما امّحت الخطيئة استطاع سيل روح الآب أن يَحلّ في كل مَن يُؤمن بالمسيح.

ما معنى كلمة "اليوم"؟

إنّ المسيح حيّ، وهو يصالحنا مع الله يومياً، ويشفع في كنيسته. فليس إنسانٌ ولا مُؤمنٌ صالحاً مِن تلقاء نفسه. كُلّنا نعيش مِن حقّ ذبيحة المسيح وبَركتها. فيه وبه فقط نستحقّ الحياة الأبدية، وبدونه لا نستطيع أن نفعل شيئاً، لا أن نتنفس ولا أن نصلّي. كُلّنا عائشون مِن نعمته. دفع الله إلى مسيحه بعد موته الكفّاري كلّ سلطان في السماء وعلى الأرض. لذلك أصبح المصلوب المحتقر ملكَ الملوك وربّّ الارباب، حسب الوعد القديم:"قال الربّ لربّي:إجلس عن يميني، حتّى أضع أعداءك موطئاً لقدمي" (مزمور110،1). فمَن يرفضه ينكسر تلقائياً، ومَن يُؤمن به يَخلُّص أفراداً وجماعات. أمّا الرافضون فيقتلون وينهون أنفسهم. قال المسيح:"هذه هي الخطيئة أنهم لا يؤمنون بي"(يوحنا 16، 9). وبإيمان أتباعه وسلطة المسيح يطرد إبليس رئيس هذا العالم. المسيح هو المنتصر في سبيل المحبة، رغم أن الحقيقة حولنا تُخبرنا بعكس ذلك.

المسيح هو رأس كنيسته، وهو يتألّـم مع أتباعه، كما قال لشاوول:"لماذا تضطهدني؟" لم يضطهد شاوول المسيح نفسه، لأنّه فكّر أنَّ جثّته قد تفتتت، بل اضطهد أعضاء كنيسته، فالآلام التي أصابت كنيسته، كانت بالحقيقة تُصيب المسيح رأس كنيسته أوَّلاً. المسيح الحيّ. هو المُخطط العليم القدير الذي يهتمّ بأنْ يكون جسده ممتلئاً بصفاته وقُدرته. ولا يعمل الجسد ضدّ إرشادات الرأس، ولكنّ المسيح بواسطة أتباعه في دنيانا يحقـق خلاصه بين الضّالّين بشهادة أحبائه. ابتدأ المسيح بإنشاء الخليقة الجديدة الروحيّة في وسط انهيار الخليقة القديمة، فولدت كنيسته بأوجاع، واضطُهِدت في صغرها. ولكن ليس أحد يقدر أن يخطفها مِن يده، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها.

ما معنى عبارة "وإلى الأبد"؟

أخبرنا المسيح بأنه سيأتي ثانية، فَلننتظره، بشوق، ونَستعدّ لمجيئه. عندئذ يُظهِر العالم الروحي الجديد، الذي لا يحتاج إلى زمان ومكان، بل هو روح مِن روحه، ونور مِن نورْ! أعلن المسيح قبل صعوده، أنَّ أنبياء كذبة ومُسحاء كذبة سيأتون بكثرة، فلا نُصغِ إليهم، بل نَبقَ أمناء للإنجيل الوحيد. أخبرنا المسيح بحدوث حروب وغلاء ووباء وكوارث، واقتراب الشعوب إلى وحدة ضد الرب، وزيادة الأنسال ونمو الإِلحاد، وابتداء الضيقة العظمى. المسيح سوف يُجبر "المسيح الدجال" على الظهور. أمّا أصحاب الأبدية فلا يخافون مِن الموت، لأن المسيح أخبرهم، أنه "بضيقات كثيرة ينبغي أن يدخلوا ملكوت الله".

سيأتي المسيح ليخلّص كنيسته، ويَجذبها إليه، فيقوم الأموات، وتحلّ الدينونة. نقرأ عن أساليب الإستجواب في الدينونة:"ومتّى جاء إبن الإنسان في مجده، وجميع الملائكة القديسين معه، فحينئذ يجلس على كرسي مجده. ويجتمع أمامه جميع الشعوب، فيميّز بعضهم مِن بعض كما يميّز الراعي الخراف مِن الجداء، فيُقيم الخراف عن يمينه، والجداء عن اليسار. ثم يقول الملك للذين عن يمينه: تعالَوا يا مُباركي أبي، رِثوا الملكوت المُعدّ لكم مُنذ تأسيس العالم..... ثم يقول للذين عن اليسار:اذهبوا عنّي يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدّة لإبليس وملائكته"(متّى 25، 31_ 41).

أمّا هدف خطّة خلاص الله، وحَمله القدوس فهو:شركتنا الدائمة مع ألآب والإبن بالروح القدس، فمَن يلتصق في المسيح بإيمانه، يتغيّر إلى صورته، صورة حمل الله الوديع، لأنّ الله أسّس البشر على هذا المنوال، أن يصبحوا مرآة لمجده: "خلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكراً وأنثى خلقهم." (تكوين 1، 27). فمجيء المسيح الثاني سيحقّق هذا المبدأ في أتباعه، لأنه هو يُدخلهم إلى سماء جديدة وإلى أرض جديدة، يعمّ فيها البِرّ، كما قال المسيح في صلاته إلى أبيه:

"أيّها ألآب، أريد أنّ هؤلاء الذين أعطيتَني، يكونون معي حيث أكون أنا، لينظروا مجدي الذي أعطيتَني، لأنّك أحببتني قبل إنشاء العالم. أيّها ألآب البارّ، إن العالم لم يَعرفك. أمّا أنا فعرفتُك. وهؤلاء عرفوا أنّك أنت أرسلتني. وعرّفتُهم اسمك، وسأعرفهم، ليَكون فيهم الحبّ الذي أحببتني به، وأكون أنا فيهم" (يو 17، 24- 26).

أيّها القارئ العزيز إن كان عندك الكتاب المقدّس، فنقترح عليك أن تفتحه، وتقرأ الآيات المذكورة في هذه النشرة، وتحفظها غيباً. فتنال قوة لشعورك الباطني، وإلهاماً وإرشاداً في طريقك نحو السماء.

وإنْ لم تعرف المبادئ المذكورة في هذا الكُتيّب، ولا الأسرار في أسماء المسيح فلا ترمي هذه الأوراق، بل اُدرسْ المسيح، لأنّه هو هو، لا يتغيّر في محبته، وأمانته وتواضعه. هو ينتظرك ويشتاق إليك، لأنّه يحبّك شخصياً. نحن مستعدّون أن نُرسل لك كتاب العهد الجديد أوكتباً روحية أخرى إن طلبتها منّا.

 

امتحن معلوماتك عن الكتاب المقدّس

إن تأمَلت في المواضيع الثلاثة لهذا الكتيّب تقدر أن تجيب عن الأسئلة التالية بسهولة.

1- كيف أجبر داود نفسه على حمد الربّ؟

2- كم بَرَكَة مِن الله تتذكّر في حياتك؟ اذكر أهمها إن أردت.

3- كم نسبة مئوية مِن خطاياك غفرها لك الربّ؟

4- هل اختبرت أنّ الربّ شفاك؟ وهل شكرته؟

5- هل القبر هدف حياتك أم أنّ لك رجاءً أكيداً للحياة الأبدية؟

6- لماذا ليس إنسان كاملاً مثل الله، بل ناقصاً هالكاً؟

7- كيف عرف النبي اشعيا نفسه عندما رأى قليلاً مِن مجد الله؟

8- ماذا تعني الآية المبدئية أنّ الله خلق الانسان على صورته؟

9- ماذا وهب الآب السماوي مِن كماله للمؤمن به؟

10-ما الكمال الذي منحه أبونا السماوي للتائبين بإرسال ابنه يسوع إلينا؟

11-ماذا وصلنا مِن كمال الله بحلول الروح القدس فينا؟

12-كيف يمتحن المسيح الكمال الموهوب لنا عملياً ويحققه؟

13-كم مرّة ورد اسم "يسوع" في العهد الجديد؟ وما معناه؟

14-ماذا يعني لقب "المسيح" وكم مرّة ورد في العهد الجديد؟

15-ما فحوى عبارة "هوهو"؟

16-ماذا تستنتج مِن أنّ المسيح هو هو "أمساً واليوم وإلى الأبد

 

إنْ أجبت على إثنَي عشر سؤالاً بالصوّاب نرسل لك كتيّباً آخر مِن مطبوعاتنا لبنيان نفسك في المحبة والإيمان والرجاء.

 

كيف فداك ربّك عملياً؟

إنْ أحببت أن ترسل لنا شهادة إيمانك نشكرك مسبقاً

لكي نتعلّم ونسمع مع الأصدقاء الآخرين

كيف يخلّص يسوع المسيح اليوم أفراداً

ويهديهم ويحفظهم وسط الضّيقات.

إنّ شهادتك هي شكر لفاديك.

  

شهادة الإيمان

 إنَّ قلبي ليس يَهوى غَيْرَ فاديَّ الحبيبْ

باسْمِهِ نِلْت خَلاَصي إذْ فَدَاني بالصليبْ

ليس يحلو لي شيٌ ما خَلاَ الاسمَ المجيدْ

أنا لا أرضَى سِواه فَهْوَ لي الخِل الوَحيدْ

 كُلُّ ما في القلبِ شَوْقٌ نَحْوَ شَخْصِه الكريمْ

لسْتُ أَبْغي في حياتي غَيْرَ مجدِهِ العظيمْ

فَقُوايَ وحَياتي مُلْكُ رَبِّي لا سِواهْ

إذْ شراني بدماهُ مُنْقِذاً أَشْقَى الخُطاةْ

 كُلُّ عَقْلي لِيَسُوعٍ كُلُّ ما لي في الحَياةْ

كُلُّ حُبِّي وسَلامي ورجائي في الصلاةْ

كُلُّ قَلبي لِيَسوعٍ وهو كَنْزي ورَجاي

فافتِخاري وَعِمادي إسمُ رَبّي مُشْتَهاي

حبيب جرجس من لبنان

 

الحياة الفضلى. ص.ب. 226 - مزرعة يشوع - المتن لبنان

family@hayatfudla.org 

 

 

 

 

 

كُونُوا رُحَمَاءَ

كَمَا

أَنَّ أبَاكُمْ

أَيْضاً رَحِيمٌ

 

وصية المسيح

حسب البشير لوقا 6: 36