الحياة الفضلى

مركز الدراسة بالمراسلة

المحتويات: العدد1 

 

مجد الربّ أشرق على أبواب الشّام

) رواية عن أحداث تاريخية حقيقيّة (

 

إنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللَّهِ، لِلْخَلاَصِ، لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ،الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللَّه، مُتَبَرِّرِينَ مَجَّاناً بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ

(تأمّلات في آيات مِن رسالة الرسول بولس الى اهل روما)

طُوبَى لِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ وَيَحْفَظُونَهُ

(من كلمات المسيح حسب البشير لوقا 11، 28 )

لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ

(لوقا 4: 4)

 

سلسلة التأمّلات: العدّد الأوّل

الطبعة الاولى 2005

 

الحياة الفضلى

ص.ب.226- مزرعة يشوع - المتن - لبنان

www.hayatfudla.org  

 

رواية عن أحداث تاريخية حقيقية

مجد الرب أشرق على أبواب الشام

كان شاول شابّاً متحمّساً، متطرّفاً، متعلّماً حسب شريعة موسى. وأراد تنفيذ بنود الشريعة وتطبيقها بالكامل. فسمع أنّ في القدس بدعة تُسمّى نصارى، وأنهم يؤمنون بأنَّ المصلوب المرفوض قام مِن الأموات، وأنّه حيّ. غضب شاول لذلك غضباً شديداً، وطلب مِن المجمع الأعلى عن شعبه التفويض، ليبحث عن المرتدّين، ويُجبرهم على العودة إلى الإيمان الأصيل، وشريعة أمّتهم. وبعد أن أخذ الموافقة، بدأ يدخل البيوت، وأماكن الاجتماعات، فيقبض على المؤمنين، ويعذّبهم عذاباً مريراً، ويُجبرهم على الكفر بالمسيح وإلاّ كان الموت مِن نصيبهم. فخاف المؤمنون في عاصمة القدس من هذا الجزّار (أعمال 8، 1و 3؛ 9، 1؛ 22، 4- 5).

تفويض شاول للقبض على النصارى في الشام

وصل إلى مسمع شاول، أنّ بعض النصارى هربوا من القدس إلى الشام، وفتحوا هناك بيوتهم للعبادة. كانت الشام يومئذ تحت سيطرة الرومان. فطلب الإذن من المجمع الأعلى بالتفتيش عن هؤلاء الهاربين الضّالين، ليأتي بهم مقيّدين إلى القدس. ففوّضه المجمع الأعلى، وأعطاه فرقة خاصّة للقيام بهذا العمل ( أعمال 9، 2). في طريقه إلى الشام، مع الفرقة

المرافقة له، مرّ عبر شواطىء بحيرة طبريا، نحو مرتفعات الجولان فدمشق. كان ذلك اليوم حارّاً، وكان الماء قليلاً، ولكن رغم الظروف القاسية، اندفع شاول بسفرته، وشاهد من بعيد قبباً عديدة في مكان يدعى الغوطة، والهواء الساخن يُظهر له مِن البعيد سراباً كأنّه الماء. ورغم تعبه ابتسم، لأنّه كان يعرف أن النصارى في دمشق هم في خوف شديد مِن اسمه، وأنّ النّصر سيكون حليفه.

 

ظهور المسيح في مجده

ما كاد يقترب مِن مدخل الشام، ومنابع الماء، وهو يستعدّ لذلك، حتّى سطع فجأة حوله نور أقوى مِن نور الشمس، كأنّ صاعقة ناريّة انقضت مِن عَلٍ. حينئذٍ جفلت الخيول مِن هذا البريق، وسقط شاول عن صهوة حصانه أرضاً ( أعمال 9، 3؛ 22، 6).

سمع صوتاً غريباً:"شاول، شاول، لماذا تضطهدني؟" وأدرك شاول تَوّاً أنّ هذا الصوت هو صوت آتٍ مِن العالم الآخر. لأن ليس هناك مِن عظمة كهذه إلاّ ومنبعها الربّ القدير. فتمتم مرتعباً":مَن أنت يا ربّ؟ "لم يدرك شاول تماماً ما قاله، لأنّه كان متردّداً في داخله، أنّ الشيطان يمكن أن يقوم بذلك. ولكنّه أحبّ أن يعرف بدقّة أكثر مَن هو المتكلّم (أعمال 9، 4؛ 22، 7).

لم يَدُم انتظار شاول طويلاً، بل جاءه الجواب صريحاً واضحاً": أنا هو يسوع، الّذي تضطهده"، وكان هذا الإعلان مثل صاعقة أخرى، وقعت على قلب شاول، وبسرعة البرق انفتحت أمامه أبواب المعرفة في الدّنيا والآخرة ( أعمال 9، 5؛ 22، 8).

 مجد الرب سحقَ شاول المتعجرف

أدرك المرتعب أنّ الصوت هو صوت يسوع، الّذي يضطهده في أتباعه، وأنّ جسد يسوع ليس متحلّلاً في القبر، ولكنّه حيّ، مقام مِن بين الأموات. أدرك شاول في الوقت نفسه وهو ملقى على الأرض، أنّ رجال الدين المحترمين كانوا كاذبين مِن رؤساء وكتبة، لأنّ ظهور المسيح لا يحتاج إلى بيان وتفسير، بل كان واضحاً مكشوفاً.

علم شاول للحال، أنَّ المتكلّم في المجد هو المسيح الربّ الموعود منذ أجيال، وأمّا هو، شاول، فعدّو له، لأنّه اضطهد المؤمنين به وعذّبهم، وقتلهم، وأجبر بعضاً منهم على الكفر، كما علم أنّه إن لم يتب فوراً، فسيكون الموت نصيبه، لأنّه تعدّى على الربّ نفسه، وليس له مستقبل، وباب الجحيم مفتوح، وغَضَبُ الرب حالٌ عليه.

 

أبرأ المسيح شاول بالنعمة

أدرك شاول بدهشة، أنّ رب المجد لم يرفضه، أو يقتله، بل كلّمه وخاطبه. وشعر أنّه كان مقبولاً عند الرب الّذي يخاطبه. كانت هذه المفاجأة صدمة قوّية لشاول، لأنّه أدرك أنّ الرب لم يقاصصه على أعماله المتعصبة على الرغم من أنّه العدو الأكبر ليسوع ، بل خاطبه برحمة، وأنّ الرب أنعم عليه، وباركه، واختاره ليكون من خاصته، ليس لأيّ صلاح فيه، بل رغم إجرامه. عندئذٍ فهم شاول سرّ العهد الجديد، ألا وهو النعمة، وليس الاستحقاق. وعلم أنّ لكلّ مجرم رجاء في التوبة، وإمكانيّة التبرير، والعيش مع الربّ بسلام.

م يظهر الربّ للمؤمنين به والقدّيسين في الشام والقدس فحسب، بل ظهر أيضاً للمجرم الإرهابي الّذي حاول أن يشّرد ويقتل أتباعه. إنّ ما حصل لشاول في الواقع هو انقلابٌ ذهني، مدركاً محبّة يسوع وعظمته.

 

وحدة المسيح مع أعضاء كنيسته

فهم شاول أيضاً عُمق معنى دعوة الربّ:" شاول، شاول، لماذا تضطهدني؟" لم يكن شاول يضطهد يسوع مباشرة، لأنّه حسب العرف كان فانياً في قبره. عندئذ أدرك شاول سرّ الاتحاد الروحي بين المسيح وكنيسته. الألم الّذي يحسّ الجسد به، يحسّه أوّلاً الرأس، لأنّ الرأس يشعر بالآلام، ويشير بها إلى الأطراف، ويحاول شفاءها أو إصلاحها. هذه الحقيقة أعطت اليقين لشاول، حتّى أعلن في رسائله مستقبلاً سرّ الوحدة بين المسيح وكنيسته، وأنّ الربّ يحب الّذين يتبعونه بملء محبّته.

فهم شاول، الملقى على الأرض، بلمح البرق، أنّ المسيح حيّ وهو ربّ المجد. وأنّه أتى ليخلّصني، لا ليهلكني، وأنه ممتلىء بالمحبّة والرحمة. وبعدما اختبر ظهور المسيح ببهائه الساحق تيقّن في أعماقه وآمن بعزم وثبات:

 

أنّ يسوع حيّ، وهو الربّ، المسيح الموعود.

وأمّا هو شاول، فمُجرِم مستحقّ الهلاك فوراً.

انّما كلام الربّ له ليس لهلاكه، بل لخلاصه، فأدرك سِرّ النعمة المبرِّرة مجاناً.

وأنّ المسيح وكنيسته هما وحدة روحيّة، لا تفترق مهما حدث وصار.

 

الإخضاع الطوعي لرب المجد

بعد هذا كلّه تمتم شاول:" ماذا تريد أن أفعل؟"، إذ أدرك أنّ الربّ يسوع المجيد هو المنتصر على الموت، وليس مِن أحد يستطيع قهره، فلا بُدَّ أن يضع نفسه تحت تصرّفه. وأصبح مِن ذلك الوقت عبداً للمسيح طائعاً وشاكراً، إذ فهم جوهر ربّه الرحيم ( أعمال 22، 10).

كان شاول يظنّ مِن خلال عقيدته السابقة، أنّ يسوع المضلّ المصلوب هو ميت، ولا يستحقّ سوى هذا، لكنّه الآن فهم السرّ العظيم لقيامة المسيح. وقرّر أن يستسلم له كلياً، وأن يذهب أينما يرشده. وفهم الفقيه أنّ الشريعة الموسوية، لا تنفع للتبرير والبرّ. فلا يبقى إلاّ السير في طريق النّور، فكما كان في الماضي ضدّ المسيح بتعصّب وعنف، أصبح الآن معه بمحبّة وإخلاص. لم يحتج إلى قول ربّه "صعب أن ترفس مناخس" ليس له مِن عمل إلاّ أن ينفّذ مشيئة منقذه، ويطيعه حتّى الموت بملء المحبّة.

بعد ذلك الظهور المجيد لم يعتلِ شاول خَيلاً، بل أصبح متواضعاً، ومنكسر القلب، سائراً على قدميه، منقاداً مِن قبل الآخرين. فشاول المفتخر بذاته بدأ ينحني، ويسير على الرمال. ودعا نفسه فيما بعد "الصغير" وباليونانيّة بولس وقد عرف نفسه للتو في ضياء مجد الرب. وأصبح المسيح المقياسَ لحياته، ولم يعتبر نفسه مُهماً، أو عظيماً، أو ضرورياً، بل اعترف بأنّ الرب الحيّ هو المخلّص الوحيد.

 

معجزة الشِّفاء

بعد كلّ ما حدث بسرعة قصوى، حاول شاول أن ينهض عن الأرض، فأدرك أنّه إنسان أعمى، لا يدرك طريقه، وكان بحاجة لِمَن يمسك بيده ويقوده. كما علم للحال بأنّه الجبّار المنتصر المتعجرف، الّذي حاول دخول دمشق ليقضي على أتباع المسيح، هو إنسان صغير، لا حول له ولا قوّة. فامتنع عن الطعام والشراب، وانعزل للصلاة، واستمرّ بهذه الحالة، لأنّه التقى الرَّبَّ الحي. لقد أصبح هذا اللقاء السريع، نقطة التّحوّل في حياته. لم يقم بحركة ما، بل صلّى لمن كلّمه مِن خلال نوره الساطع ( أعمال 22، 11). استجاب الربّ صلاته، وظهر في رؤيا لأحد المؤمنين في دمشق وقال له:" يا حنانيا، قم واذهب إلى الزقاق المستقيم واسأل عن بيت يهوذا. وستجد هناك رجلاً طرسوسياً اسمه شاول وهو يصلي". فأجاب حنانيا الرب:" يا رب، لقد سمعت من كثيرين عن هذا الرجل وما فعله من شُرورٍ وقَتْلٍ ضدّ المؤمنين في أورشليم، بل وإنّه يملك التفويض مِن المجمع الأعلى للقضاء على كل من يقول إِنَّ المسيح حيّ" (أعمال 9، 10 - 14؛ 22، 12).

ولكنّ الرب لم يَردّ على خوف حنانيا وتردّده، بل أمره مرّة أخرى:" إذهب إليه، لأنّه المختار مني، ليقدّم اسمي إلى الملوك والشعوب، وسأريه كم سيتعذّب مِن أجل اسمي. فقام حنانيا مطيعاً، وغلب الخوف نفسه، وآمن بحماية الربّ الحيّ. ودخل البيتَ حيث شاول، ووجده كما قال له الربّ، وتقدّم منه، ووضع يده عليه قائلاً: أيّها الأخ شاول الحبيب قد أرسلني الربّ يسوع، الّذي ظهر لك في الطريق، لكي تبصر مرّة أخرى، وتمتلىء مِن الرّوح القدس فسقطت الغشاوة لتوّها مِن عيني بولس وأبصر. فقام بولس وتعمّد، وأكل ليتغذى جسداً، كما غذّاه الربّ روحياً (أعمال 9، 15- 18؛ 22،13- 16).

وهنا أدرك شاول: أنّ يسوع هو المفتاح للمجد وللحياة الأبدية. ولا يتحقّق معنى اسمه "يسوع" وهو "الربّ يخلّص"، إلا بالإيمان به، والتسليم له. واختبر شاول في أعماقه: أنّ قداسة الربّ تدين الخاطىء، وتهلكه، ولكنَّ محبّته تُخلصه، وتُقيمه، وتُنعشه، وتمنحه الحياة الأبدية، مع الدعوة للخدمة في القوّة والنور. فالشخص الّذي كرهته سابقاً، يحبّني، وأستمدّ مِنه البركة والنعمة لي وللّذين يؤمنون به. آمين.

 

1 بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ،

وَكُلُّ مَا فِي بَاطِنِي لِيُبَارِكِ اسْمَهُ الْقُدُّوسَ.

2 بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ.

3 الَّذِي يَغْفِرُ جَمِيعَ ذُنُوبِكِ.

الَّذِي يَشْفِي كُلَّ أَمْرَاضِكِ.

4 الَّذِي يَفْدِي مِنَ الْحُفْرَةِ حَيَاتَكِ.

الَّذِي يُكَلِّلُكِ بِالرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ.

5 الَّذِي يُشْبِعُ بِالْخَيْرِ عُمْرَكِ،

فَيَتَجَدَّدُ مِثْلَ النَّسْرِ شَبَابُكِ.

(المزمور 103: 1 -5)

 

إنّي لَسْتُ أستحي بإنجيل المسيح

(رومية 1، 16- 17)

كان ليسوع رسل بارزون، وهم أبراج في تاريخ الكنيسة، وأوّلهم بطرس مقدام الرُّسُل، ومتّى البشير خادم كلمات يسوع، ويوحنّا البصير الصوفي الّذي منحه المسيح الحيّ رؤيا المستقبل، وأخيراً بولس رسول الأمم، المتجوّل في أنحاء العالم المعروف في ذلك الوقت. ترعرع بولس في طرسوس، على شاطىء الأناضول، في مدينة رومانّية، وحصل على الجنسيّة الرومانيّة منذ ولادته، إلى جانب انتسابه لشعب العهد القديم. وبعد تضلّعه مِن الثقافة اليونانية والرومانية، سافر إلى القدس، وتعلّم شريعة موسى على يد غمالائيل، وصار فقياً في الشريعة لوصايا الله.

كان شاول شاباً متعصّباً لشريعته. لكنّ المسيح وقف في طريقه، فرأى شاول بهاء مجده، وأدرك أنّه مخطىء ومجرم، ومتعدّ على ربّه بالذات. أمّا الرب فرحمه لأجل نيّة طموحه، وبرّره، وأرسله إلى الأمم، لينشر بينهم الخبر السارّ عن ابن الله المصلوب، والمقام مِن بين الأموات. ويظنّ أغلبية المؤمنين الّذين يقرأون رسائله في العهد الجديد، أنّ بولس لم يعرف الخوف، ولم يَستحِ بإنجيل المسيح. وهذا خطأٌ، لأنّ بولس واجه أَخطارَ وتجربةَ الموت، لأجل شهادته، بإبن الله الحي. وكانت هناك ثلاثة أسباب لخوفه واستحيائه، اللذين تغلّب عليهما يومياً:

أولاً: كلّ يهودي يعترف بأنّ لله ابناً، يجب أنْ يُرجَم، وحتّى يسوع صُلب، لأنّ رئيس الكهنة قيافا استحلفه، مُباشرةً، هل هو المسيح ابن الله الحي ، وعندما ردّ المسيح على هذا السؤال المحرج بالإيجاب، سلّموه للصلب. أمّا بولس فرأى الربّ يسوع في مجده، وتيقن أنّ المسيح هو ابن الله الحي، واعترف بِهذه الحقيقة الجلّية في الشام، مقرّ إيمانه الأول، فأراد اليهود في الشام أن يقتلوه فوراً، فأنزله المؤمنون في سلّ مِن على السور، ليهرب ليلاً. فأينما وصل بولس، واعترف بحقيقة المسيح وألوهيته، أشرف على خطر الموت. وكان السؤال دائماً أمامه: هل أَتكلّم عن المسيح بدون ذكر ألوهيته؟ أو اعترف بالحقّ، ونواجه الإضطهاد والخطر والتهديد بالموت؟ ولكنّ بولس تغلّب يومياً على هذه التجربة. لذلك كتب: "إنّي لست أستحي بإنجيل المسيح"، لأنّه تغلّب على خوفه باستمرار.

ثانياً: شهد بولس، أنّ بيلاطس الروماني اعترف جهراً، بأنّه لم يجد في يسوع علّة وكان قصده أن يُطلقه. لكنّ الضغط اليهودي أجبره، أنْ يصلبه على عكس اعترافه. فبولس وضّح أن صلب يسوع كان خطأً شرعيّاً، وأنّ بيلاطس خالف الحق الروماني وكسره، وأمر بصلبه مع العلم أنّه بريء.كانت هذه الشهادة على لسان بولس تعدّياً على الحكم الروماني، ودليلاً على أنّ النظام الروماني كان على خطأ مبين! وزيادة على ذلك أثبت بولس، أنّ المسيح هو ابن الله، وأنّ الرومان قد صلبوا إلهاً، بصلبهم يسوع. آمن الرومان بتعدّد الآلهة، فأرادوا أنْ يُسكتوا هذا الصوت، كان خطر الموت يهدد بولس في كل بقعة رومانية وُجد عليها. فكان عليه أنْ يتغلّب على هذا الخوف، ويشهد للجميع بالصليب، رغم أنّه أصبح عند الرومان محلّلاً للقتل، ولكنّ بولس تغلّب يومياً على هذا الخطر، وقام وشهد بحقيقة الصلب، وسِرّ ألوهيّة يسوع.

ثالثاً: تقدّم بولس إلى أثينا في اليونان، مركز الفلاسفة والأذكياء، حيث يسكن أصحاب اللّغة اليونانيّة الطنّانة، والبُلغاء، وتمنّى رسول الأمم، أنْ يكسب عباقرة الفكر والفلسفة للإيمان بيسوع. وهم طلبوا منه، أن يجتمع معهم على جبل أريوباغس، ويخبرهم بما لديه. فألقى بولس وهو المتضلع مِن الثقافة اليونانية عظة عن يسوع المسيح، وأصغى الفلاسفة إلى أقواله، حتّى وصل إلى قيامة المسيح مِن بين الأموات. فضحكوا وسخروا منه وقالوا: مَن رأى ميتاً متجولاً؟ وسمّوه ثرثاراً متخيّلاً مِن سفالة المجتمع. صُدِمَ بولس، لأنّه فكّر أنْ يربح بواسطة الفلاسفة كل الشعب اليوناني، وكان عليه أن يتعلّم الدرس المؤلم، أنّ الأذكياء والحكماء لن يروا ملكوت الله، بل البسطاء والصغار. وشهد لذلك بكلماته الشهيرة إلى أهل كورنثوس الأولى ( 1، 19 - 31 ).

صمت بولس بعد ذلك أياماً طويلة، لأنّ المجتمع استهزأ به، لأجل سخرية الفلاسفة منه. وكان عليه أن يتغلّب على الإستهزاء والخجل، ويستمرّ في شهادته، بأنّ المسيح قام، حقاً قام. ومِن هذه الغلبة على ذاته اعترف بعناد وتصميم بأنّي لست أستحي بإنجيل المسيح. نتعلّم مِن كفاح بولس بذاته، أنّ هناك ثلاثة أنواع مِن التجارب للمؤمن، يجب أن يتغلب عليها:

1-  الخطر مِن المتعصبين دينياً وحيلهم واستعدادهم للقتل.

2-  الخطر مِن السلطة المدنية التي لا تقبل أي ملك أو سلطان إلى جانب سلطتها، أمّا يسوع فهو ملك الملوك وربّ الأرباب.

3-  الخطر مِن المتعلمين المتمسّكين ببلاغة اللغة، والذي يكمن في استهزائهم بشهود المسيح البسطاء، وأخطائهم اللغويّة في بعض المرّات. وينبغي أن يتغلّبوا على هذا الإستهزاء، ويقبلوا الطريق المتواضعة، لإبراز حقيقة المسيح.

لستُ أستحي بالإنجيل

لم يكتب بولس أنّه لم يستحِ بالمسيح بل بإنجيله. وكلمة "الإنجيل" في ذلك الوقت، لم تكن مسيحيّة، بل يونانية، مختصّة ببيت القيصر الروماني! فكلمة "الإنجيل" كانت تعني في ذلك الوقت "الخبر السارّ مِن بيت القيصر"، أنّه وُلد له بِكر، أو انتصرت جيوشه على أعدائه. فكان القيصر يعلن إعلاناً رسميا،ً في كل أنحاء المملكة، أنّه وُلد له وَلد، وانتصرت جيوشه انتصاراً عظيماً.وكان هذا الخبر السارّ يُسَمَّى قبل المسيح "إنجيلاً" أي Euangelion.

لكنّ يسوع ورسله، استخدموا هذه الكلمة، وملأوها بمعان جديدة، وأعلنوا أنه صدر مِن الله خبرٌ سارٌّ، وينبغي للجميع، أن يفرحوا، إذ وُلد لله إبن، وهذا الإبن انتصر على كلّ أعداء الله، الموت، والخطيئة والشيطان. ولذلك ينبغي للجميع، أن يهلّلوا ويهتفوا، ويبتهجوا بهذا الخبر السّار. فكلمة "إنجيل" تشمل اليوم، ألوهية المسيح وانتصاره على الصليب وخلاصه في قيامته. كما أنّ إعلان هذا الخبر عند الرومان لم يكن موضوع بحث كفلسفة، بل خبراً عن حقيقة تاريخية فلا يحتاج هذا الإنجيل المسيحي تفسيراً كثيراً، بل يستوجب القبول، والحمد، والشكر لله على ما صار للمسيح.

 

لستُ أستحي بإنجيل المسيح

إنّ الإنجيل المذكور في عظات العهد الجديد مَبنيٌّ على لقب واحد وهو "المسيح". ويعني هذا اللقب: الممسوح مِن روح الله والممتلىء بصفاته، كما فسّر المسيح ذلك شخصياً في الناصرة عندما قال بوضوح: "روح الربّ عليّ، لأنّه مسحني، لأبشّر المساكين، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر، وأُرسل المنسحقين إلى الحرّية، وأكرز بسنة الربّ المقبولة" ( لوقا 4، 18- 19 وأشعياء 42، 7). تفّوه يسوع بهذه الكلمات، أنّه والربّ وروحه وحدة، لا تتجزأ. بعبارة قصيرة واضحة فسّر سرّ وحدة الثالوث الأقدس، وأوضح أنّه مُسح بالرّوح القدس، ونال مِن تلك المسحة كلّ سلطان الله ومحبته وقداسته ، ليكون نائب الله في الدنيا، وصورة عن حقيقته. استمّر يسوع بتوضيح هذه الكلمة، بأنّ إِرساله ومسحه يهدفان إلى تبشير المساكين فقط. أرسله الله الآب إلى الناس، ولكن ليس الكلّ يتجاوب مع بشارته. لذلك لم يتحقّق إنجيله إلا في المساكين! وأمّا الآخرون فامتلأوا بذواتهم، لكنّ المساكين قبلوا فرحين مسحة الرّوح القدس. فسّر يسوع مَن هم المساكين، وأوضح أنّ بمجيئه قد ابتدأ عصرٌ جديد، هو عصر النعمة المفتوحة لكل مَن يتوب و يقبل المسيح ومسحته.

كان بولس يختبر حقيقة مسحة الرّوح القدس، وامتلأ مِن روح المسيح. لذلك عُرف أنّ إنجيل المسيح هو الوسيلة، لينال الإنسان المؤمن بركة روح الله، ومسحة محبّة روحه، فالمسيحي الحقيقي يعترف بتواضع مع المسيح: "روح الربّ عليّ، لأنّه مسحني، لأبشّر المساكين، ... وأكرز بسنة الربّ المقبولة".

فاسمح لنا أنْ نسألك: هل حصلت على مسحة الرّوح القدس؟ هل يسكن المسيح في قلبك بواسطة إنجيله؟ إن كان جوابك لا فَتُبْ إليه، وتواضع، والتمس منه نعمة حلول روحه فيك، لأنّ لك الامتياز بقبول هذا الرّوح الطاهر، على أنّ المسيح غفر جميع خطاياك على الصليب! فيحقّ لك استلام الرّوح الإلهي القدّوس بالنّعمة.

  

إنجيل المسيح هو قوّة الله

لا يأتي الإنجيلُ بقصّةٍ عابرة، ولا بأسطورة، ولا بفلسفة، ولا بعقيدة ولا بفكر، بل يُقدِّمُ لك القوّة، قوّة الله، الحالّة في المسيح. ربّما لا تعرف أنّ كلمة "الله" ليست مجرّد كلمة أو إسم، بل جملة، وتعني "أل إيل هو". أل تتضمن التعريف، وإيل هو اسم الله الأصيل في اللغات الساميّة، ويعني قوّة وقدرة وطاقة. و"هو" خبرٌ في الجملة الإسمية، و أنّ القوي هو واحد. فبايجاز يعني هذا التوضيح، أنّ الله هو القوّة الأصليّة الخالقة الحافظة المخلّصة الديّانة والمجدّدة. فالله ليس فكراً، ولا عقيدة لاهوتية، بل هو قوّة، ومَن يؤمن بالله الحقيقي، ينل منه قوّة. تَغلبُ هذه القوة الخطايا فينا، والموت، وتجارب الشيطان. وبما أنّ بولس يكتب،"أنّ إنجيل المسيح هو قوّة الله" فهو يعترف بهذه الكلمات، أنّ الله دفع إلى المسيح كلّ سلطان في السماء وعلى الأرض، لأجل تواضعه، وخلاصه على الصليب، وظفره في قيامته. فالمسيح هو قوّة الله المتجسّد. لذلك أقام الأموات، وشفى المرضى، وأسكت العاصفة، وأشبع الآلاف مِن خمسة أرغفة وسمكتين. ليتنا ندرك أنّ الله بذاته قوّة، وأنّ المسيح ممتلىء بالقوّة، وأنّ يسوع قبل صعوده إلى أبيه السماوي، وَعَد تلاميذه: ستنالون قوّة متّى حلّ عليكم الرّوح القدس وتكونون لي شهوداً (أعمال الرسل 1، 8) فالمسيح أوضح لتلاميذه، أنّ قوّة الله وقوّته تحلان كقوّة واحدة فيهم، إن ثبتوا في الإيمان بالمُقام مِن بين الأموات. لذلك ليست المسيحيةُ فلسفةً أو مجرّد دين.،بل قوّة موهوبة مِن الآب والإبن بواسطة الرّوح القدس.

أنشأ المهندسون في أول الأمر الكهرباء على خط واحد، قوته 110 فولت. بعدئذ على خطين 220 فولت. ثم على ثلاثة خطوط 330 فولت، للماكينات الثقيلة. وكذلك الأمر بالمعنى الروحي، ينال كل مسيحي حق، كلّ القوة مَن ثلاثة مصادر: الآب والإبن والروح القدس. فلماذا تظهر المسيحية بعض المرّات ضعيفة، ما دام الإنجيل قوة الله؟ هذا التأمل يرمي بنا إلى التوبة، نحن المؤمنين، إذ نتّكل على قوتنا الخاصة، أكثر مِن اتكالنا على قوّة الله المثلثة الواحدة. يخبرنا الكتاب المقدّس أنّ الأتقياء في العهد القديم أدركوا سرّ القوة في الله، فسمّوا أولادهم بأسماء مرتبطة بالله، مثل إسماعيل، الذي يعني "إيل يسمع" أي الله يسمع، أو إيليا وتعني "إيل لي" أي الله قوّتي، أو "بيت إيل" أي بيت القوّة، أو الملاك جبرائيل أي "جبروت الله"، أو ميخائيل وتعني "مَن كالله؟" فكلّ هذه الكلمات تعني أنّ الناس أرادوا أن يرتبطوا بالقوّة الأصليّة "إيل" أي الله. فهل أنت مرتبط بالله "القوة" أَم أنت منعزل ومتجوّل بحياة ضعيفة نحو الموت؟ ارتبط بالله قوّتك، وآمن بالربّ طاقتك.

 

قوّة الله للخلاص

نشكر الله، لأنّ قوّته لم تأتِ إلينا للدينونة، أو الهلاك، بل للخلاص. فكلمة "الخلاص" كلمة ضخمة وكبيرة، وتحمل معاني مختلفة. نوضح إثنين منها في هذا البحث المتواضع:

أولاً: قوّة الله للخلاص مِن القوى المضادة لله. فالآب السماوي يريد، أن يحرّرك مِن العناد والكبرياء، والخوف واليأس، والإثم والذنب، والتجارب الشيطانية، وحتّى مِن شبح الموت، ومِن غضبه الخاص في الدينونة الاخيرة.

قوّة الله تحرّرك مِن كلّ المخاوف، التي تهاجمك مِن الخارج، أو تطفو مِن داخلك. فالخلاص معناه النجاة والإنقاذ والتحرير والشفاء والعون ورحمة الله على الخطاة. فالمسيح لم يأتِ كديّان، بل مخلصاً للعالم، ليحرّر العبيد مِن الخطيئة، ومِن الموت. هل خلصتَ أَم لا تزال مقيّداً بكلّ هذه السلبيات؟ وتعيش ضالاً متشائماً منتظراً دينونة الله العادلة على كل فجورك وزلاتك؟ المخلّص حاضر، وهو يأتي إليك ليحرّرك، إنْ فتحت نفسك له. اتّجه إلى إنجيل المسيح، لأنّه قوّة الله للخلاص مِن كلّ السلبيات في حياتك.

ثانياً: الخلاص في الكتاب المقدّس لا يعني فقط التحرير مِن الذنوب والأخطار، بل التحرير إلى حرّية أولاد الله، إلى الإنتصار على الخطيئة، إلى الفرح بحضور المخلّص، وبسلام الله الذي يحلّ في قلبك.

لم يأتِ المسيح ليغفر خطاياك فحسب، بل يريد أنّ يحلّ فيك روحه القدّوس، لتحيا إلى الأبد. الغفران هو مرحلة في الخلاص، انما هدفه الشركة مع الآب والإبن في الروح القدس، في الحياة الفُضلى، في حياة مبنيّة على قوة روح الله، لينشىء فيك ثماره وصفاته، وبكلمة أخرى: "محبّة الله قد انسكبت في قلوبنا بواسطة الرّوح القدس المعطى لنا" (رومية 5، 5).

الخلاص يعطيك رجاء، فلا تخاف مِن الموت، ولا مِن دينونة الله، لأنّ المخلّص يحلّ في قلبك، بواسطة روح محبّته. إقرأ في الإنجيل فتجد ألف صِفة ودرجة للخلاص، الذي يهبه الله لك مجّاناً، بنعمته، إنْ فتحت قلبك لمخلّصك، وفاديك ومنجّيك.

أَدركْ أنّ الخلاص تمّ. لا حاجة أن يموت المسيح مرّة أخرى لأجل أعدائك. لقد تمّ الخلاص، وكلّ شيء مُعدّ، أمّا الناس الأغبياء فهُم لا يدركون ولا يعرفون ولا يأخذون حقوقهم المؤسسة لهم. يشمل الخلاص كلّ الناس: السود والبيض والحمر والسمر والصفر. قد خلّص المسيح الجميع، لكنّهم لا يعرفون، ولا يقبلون، بل يرفضون، ويلعنون. لقد تمّ الخلاص! وقوّة الله حاضرة، ليتسربل بها كلُّ الذين يتجهون نحو المسيح.

 

لِكُلّ مَن "يؤمن"

كيف يتحقّق الخلاص فينا عملياً؟ بعدما أدركنا أنّ الخلاص قد تمّ، وحضر، يقول بولس الرسول بكلمات بسيطة، إِنّ الخلاص بالإيمان لا بالأعمال. فليس عليك أن تصوم وتحج، وتصلّي وتجاهد، وتعمل أي شيء لتربح الخلاص، بل أن تؤمن فقط، أنّ الخلاص يكون معدّ لك. لذلك يعني الإيمان القبول بواسطة الإنفتاح والإستسلام والإختبار.

يمكننا أن نشبّه الإيمان بقصة الحبّ الطاهر. فعندما يبلغ شابٌ سنَّ الرشد، ويريد أن يتزوج، فهو يفتّش عن فتاة محترمة، ويسأل ويراقب، حتّى يقتنع بفتاة ما، فيتقرّب منها، وينشىء الثقةَ المتبادَلةَ والتفاهم. وتبتدىء المحبّة المحترمة. ويظهر ذلك على وجهيهما، ويعرّفان بالخطوبة مقصدهما، ويستعدّان لحفلة العرس، ويعترفان جلياً أمام الله والناس، بأنّهما سيرتبطان بعهد الزواج. بعدئذ تبتدىء الحياة المشتركة، مع إنجاب الأولاد وتربيتهم، والتعب مِن أجل تأمين لقمة العيش، والتسامح المتبادل بين الزوجين، واحتمال أحدهما للآخر، والتعاون والتغلّب على مشاكل الحياة، ولا سمح الله، في حال مرض أحدهما، يتحمّل الآخر، ويعبر حتى المنتهى، فتنمو الثقة بين الزوجين أثناء سيرهما معاً، حتّى تكون المحبّة الاخيرة أعمق وأقوى مِن الحبّ الأول.

هكذا بالمعنى الروحي، يليق بالإنسان، أن يفتّش عن الله، ويسأل عن الأديان، ويختار المذهب الأفضل، ويقترب مِن المسيح، ويقرأ رسائله، ويثق بما يقوله، ويغلب الشكوك، ويفهم أخيراً أنّ الله مِن جهته يريد أن يرتبط به. فيثق به، حتّى يصبح "مخطوباً لله"، ويسعى لتكون حياته مرضيّة له، ويعترف بخطاياه، حتّى لا تكون فاصلاً بينه وبين القدّوس. وإنْ لم يتعمّد مِن قبل فيطلب العماد، ويعترف بإيمانه بالمسيح جهراً، فيتّحد به في عهد أبدي! عندئذ تبدأ الحياة المشتركة، والطاعة الروحية، والخضوع حسب الإيمان، وإِنكار الذات، والمحبة للمسيح، والشهادة بخلاصه، حتّى ينال الآخرون أيضاً الحياةَ الأبدية مِن الإنجيل. إذا أخطأنا فالمسيح يسامحنا، ويحتملنا، ويرافقنا ويؤدّبنا، ولا يتركنا، بل يستخدم كلّ وسائله، ليرشدنا إلى نِهاية خلاصه: الشركة مع الآب والإبن والرّوح القدس. فللإيمان والثقة درجات ونمو. ليس الإيمان مجرّد نقطة تحوّل نتوقف في حدودها، بل يطلب المسيح منّا مواصلة التقدم والثبات في الإيمان، لنثق فيه بعزم وثبات، في كلّ أحوال حياتنا. عندئذ نختبر أنّ قوّته تكمل في ضعفنا،ونختبر أنّ قوّة الله تجري منّا إلى الآخرين، وتتضاعف، وتصبح سلسلة إنارة، للّذين يؤمنون به. لقد تمّ الخلاص نهائيّاً، وأمّا المؤمن فينال غنى الخلاص الروحي بإيمانه، ويشترك فيه.

وكمثال على ذلك، إنْ أعطى غنيٌ فقيراً ما، شيكاً بمبلغ كبير، كهبة، ومهره بإمضائه، فهذا لا يكفي، إن لم يذهب الفقير المسكين إلى المصرف، ويقدّم الشيك، ويضع إمضاءه ايضاً، عندئذٍ يقبض المبلغ. إنّ أكثرية الناس تهمل هبة الخلاص المعدّة مِن الله، ولا تعرفها أو لا تثق بها. فالكثير مِن الناس يضعون الإنجيل في الخزانة، ويطمئنون، بدون أن لا يقرأوه ويتفهموه، وهكذا يهملون الخلاصَ المُعَدَّ لهم.

ويقول البعض: أنا لا أفهم كيف أؤمن؟ لا أقدر أن أثق فيما لا أراه! فنجاوبه: الكهرباء لا أحد يستطيع أن يراها، ولكن باستخدام المفتاح يؤمنون، أنّ النّور يضيء، وأنّ وسيلة التدفئة تعطي حرارتها، والمحرّك يدور. فالإيمان بالكهرباء غير المنظورة أصبح عادياً. إن كان أحدٌ لا يزال يُنكرحقيقة وجود الكهرباء، فليأخذ مسماراّ ويضعه في الزرّ المكشوف، عندئذٍ سيشعر بقوّة الكهرباء، التي تُرجف يده. فضَعْ إيمانك في المسيح، تَختبِرْ قُوَةَ خلاصه للنجاة بحياتِك، لا للموت كهربائياً.

أَوَّلاً "لِليَهوديّ"

كان إبراهيم الساكن في بلاد ما بين النهرين، الرجل الذي سمع وحي الله: إذهب مِن أرضك، ومِن عشيرتك، ومِن بيت أبيك إلى الأرض، التي أُريك، فأجعلك أمّة عظيمة. وأباركك، وأعظّم اسمك، وتكون بركة. وأبارك مباركيك، ولاعنيك ألعنه. وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض ( سفر التكوين 12، 1- 3).

قام إبراهيم وجميع أهل بيته، وترك حماية عشيرته، وانسلخ مِن تجارب شعبه، وأصبح رحّالة متجّولاً بدون حقوق في هذه الدنيا. وأمر الربّ له، في سيره نحو الوطن الأبدي: أنا الله القدير، سِرْ أمامي وكُن كاملاً (سفر التكوين 17، 1). وآمن إبراهيم بوحي الله، وسلّم نفسه له حتّى يقول القرآن، إِنّ إبراهيم هو المسلم الأول (سورة آل عمران 7، 67). وامتحن الله إبراهيم، فسمع إبراهيم في الحلم، بأن يقدّم إبنه، ووضعه على المذبح ليقدّمه ذبيحة لله. وأمّا الربّ القدير، فأرسل له ملاكاً أوقفه، وقال له حسب القرآن: لقد فديناه بذبح عظيم (سورة السفات 37، 107).

عندئذٍ أقسم الله بنفسه وقال: "إنّي مِن أجل أنّك فعلت هذا الأمر، ولم تُمسك ابنك وحيدك، أباركك مباركة، وأُكثّر نسلك تكثيراً، كنجوم السماء، وكالرمل الذي على شاطىء البحر (سفر التكوين 22، 16- 17).

آمن إبراهيم بكلمات ربّه، وأطاع أوامره، فلهذا السبب يكون إبراهيم قدوة جميع المؤمنين، ورمزاً للمسلمين. النسل الموعود له، ليس نسلاً حسب الجسد فحسب، بل النسل الروحي أي المؤمنون بكلمة ربّه، والذين يطيعون أوامره بفرح. لذلك يسميّه الرسول بولس: أباً لأمّم كثيرة ( رومية 4، 17).

وأمّا حفيده يعقوب فكان ذكياً وعقبة، وهرب إلى الغربة. أما الله فلاحقه، وأعلن له، أنّه يباركه، إن آمن به وأطاع شريعته، ولكن يعقوب بقي عقبة وعنيداً، ولكن بعد رجوعه إلى وطنه، اعترض ملاك الرب طريقه، وحاول يعقوب أن يتصارع معه، لكنه لم يستطع. فصلّى قبل انهياره:"لا أطلقك إن لم تباركني" (التكوين 32، 26). فبإيمانه غلب دينونة الله، حتّى قال الملاك: لا يُدعى اسمك في ما بعد يعقوب، بل إسرائيل ( التكوين 32، 28). لم يكن يعقوب كاملاً في سيرته، ولكنْ بالإيمان برحمة الله غلب الديّان، ونال الخلاص بالإيمان مجاناً بدون استحقاق.

وأمّا موسى الّذي قتل مضايق أمتّه، وهرب إلى البرّية، وعاش هناك، حتّى سنّ الثمانين. فقد ظهر له الربّ في العلّيقة المُلتهبة، وأرسله إلى فرعون، ليطلب منه إطلاق شعبه. فاستهزأ به فرعون، ورغم قصاصات الرب لفرعون، لم يطلق فرعون عبيده، عندئذ أمر الرب أولاد يعقوب، أنْ تذبح كلّ عائلة حملاً، وترشّ دمه على عتبة الباب، ليمرّ ملاك الدينونة عنهم، فليس أولاد يعقوب أفضل مِن المصريين، وهم مستحقون القصاص مثلهم. ولكنّ دم الحمل حماهم، وإيمانهم بهذا الدّم خلّصهم، فهربوا بعدئذ نحو صحراء سيناء، حيث اعترضهم خليج على البحر الأحمر، فسمعوا جلبة عساكر الفرعون وراءهم، والبحر أمامهم، فصرخوا إلى الرب: نجّنا فوراً وإلا هلكنا. فأمر الربُّ موسى، أنْ يرفع عصاه فوق البحر، وعندئذٍ أجرى الرب مياه البحر بريح شرقيّة شديدة، طوال الليل، وجعل البحر يابسة، فانشقّ الماء، ودخل بنو إسرائيل في وسط البحر على اليابسة، والماء سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم (سفر الخروج 14، 21- 22).

أنقذت رحمة الله بواسطة إيمان موسى الشعبَ الضال. فالإيمان هو الذي يجلب الخلاص إلى الأمّة. ولا بدّ مِن الإيمان القوي، لتتحقق رحمة الله وخلاصه فينا وفي أمتنا. ومَن يريد أنْ يعرف هذا السرّ أكثر فأكثر، أنّ الخلاص يتحقّق بالإيمان، فليقرأ أسفار العهد القديم، ويتعجّب مِن الله، الّذي خلّص المتمردين والعصاة، بواسطة إيمانِهم، وضربِهم مراراً، إن لم يسيروا كاملين في المحبّة والرجاء. إنّما الإيمان القوي هو همزة الوصل بين الله والبشر ويحقّق الخلاص في المذنبين.

لأجل سلسلة الإيمان في شعب العهد القديم قال بولس، إنّما الخلاص يتحقق أولاً في اليهود، ليس لأنهم أفضل مِن البشر الآخرين، ولكن لأنهم تجرّأوا وتمسّكوا برحمة الله، وبرأفته، فنجحوا بإيمانِهم.

 

ثمُ "لِلْيونانيّ"

ويا للعجب، أتى المسيح إلى شعبه المثالي بالإيمان، فرفضوه، وسلّموه إلى الصلب على يد الرومان، والأكثريّة منهم انغلقت على حلول الرّوح القدس، فالربّ شتّتهم، وباعهم إلى عبودية الشعوب، في كلّ انحاء العالم.

والحمد لله، هناك نفر قليل مِن أولاد إبراهيم، آمنوا بالربّ يسوع، وأصبحوا رسله، وخاصة بولس الرسول، الذي تقدّم إلى اليونانيين والرومان والأتراك، وبشرّهم بكفّارة المسيح، وحلول الرّوح القدس، وأعلن لهم، أنّ كلّ مَن يؤمن بالربّ يسوع، المقام مِن بين الأموات، الحي والآتي ثانية، يخلص، ويتغيّر ويتقدّس، ويختبر نِعمةَ الله مجانا.ً فبعدما رفض اليهود المخلّص بعناد وقساوة القلوب، فتح الله الباب لجميع الشعوب! نرى في تاريخ الكنيسة، أنّ الإنجيل تقدّم إلى أوروبا، وبعدئذ إلى آسيا، وأفريقيا، وأخيراً إلى أميركا والجزر. فثلث سكان العالم اليوم اعتنقوا الإيمان بالمسيح، وعدد كبير منهم تجدّدوا مِن الرّوح القدس. فتحقّقت شهادة بولس حرفياً: لليهود أولاً ثم لليوناني.

فاسمح لنا أن نسألك: هل قبلت حقاً الخلاص، الذي أسّسه يسوع لأجلك؟ وهل أدركت عُمق خطاياك، وأنّك هالك حسب طبيعتك؟ وهل تُبت عن فسادك، نحو محبّة الله المتجسّد في المسيح، وأدركت أنّه يحبّك، وأنه حمل خطاياك، وصالحك مع الله؟ وهل اشتركت في بركة الله، مِن ذبيحة المسيح على الصليب، ونلت قوّة الرّوح القدس، مِن إرث موت يسوع المسيح لك؟ عندك امتيازات سماويّة، وبركات أبديّة. فلا تغفل عمّا منحك الرب إياه، بل خُذ وآمن، تمسّك واشكر، لأنّ الربّ آمين، ويريد أن يخلّصك، إِنْ آمنتَ بهِ وبإبنه وبروحه القدّوس

 

لأنّ فيه مُعْلَنٌ "بِرّ الله"

ما كان بولس فيلسوفاً، بل معلناً حقيقة الله، وخطّة خلاصه، اللتين لا تُدرَكان تلقائياً بالعقل، فكتب أنّ سرّ الإنجيل، ليس في خلاص الإنسان أوّلاً، بل في "برّ الله الأزلي" وبكلمات أخرى "كيف يبقى الله باراً، إذا كان يبرّر المجرمين؟" الشيطان هو عدّو الله، ويريد أنْ يغلب القدّوس، فيشتكي عليه، اذ برّر الخطاة، المستحقين العقاب، وكأنّه يقول لله، إنّكَ قد خالفتَ العدلَ، وبرّرتَ مَن يستحق الهلاك، فالحقّ عليك، وأنت المُدان! ويردّ بولس على هذه التهمة، قائلاً إنّ الإنجيل يعلن برَّ الله أولاً، وليس برّنا نحن. فحوّل نَظَرَكَ عن نفسك وخلاصك، وانظر إلى الله، كيف يتبرّر القدوس مِن تُهمة الشرّير.

إنّ جواب هذا السؤال الخطير، هو المسيح، حمل الله، الذي يرفع خطيئة العالم، ومات عوضاً عنهم. فلا غفران إلا بسفك الدماء. لم يمُت الله الأَثَمة، بل أمات إبنه الوحيد عوضاً عنهم! فدَمُ المسيح يُسقطُ شكوى الشَّيطان، لأنّ الله في إبنه حمل الخطايا، والقصاص، عوضاً عن المجرمين. لذلكَ تمّت مطالب الشريعة، وتبرّر الخطاة، وثبت الله باراً في محبّته!

نجد مِن وراء خلاص الإنسان صراعاً عنيفا، بين إبليس والقدّوس. أمّا الحل لهذا النزاع فهو المصلوب المحبّ، لأنّ فيه يتبرّر الله والإنسان، وتكتمل عدالة الله وبرّه حقاً. فليس الموضوع خلاص الإنسان فحسب، بل قداسة الله، وبِرّه وعدله، التي لا تتزعزع بل تثبت إلى الأبد.

"بإِيمانٍ، لاِيمانٍ"

يوضّح لنا رسول الأمم، أنّ سرّ الخلاص، وأقوال الإنجيل، وبِرّ الله، تتطلّب إيماناً باستمرار. لا يخلص الإنسان بفعل الإيمان مرّة واحدة، بل يحرّضه القدّوس مِن إيمان لإيمان، كأنّه يعيش في سلسلة حلقات الإيمان، فحياة المسيحي مبنيّة على الإيمان المستمّر.

يرشدك الرّوح القدس مِن الإيمان بخلاصك، إلى مرحلة الإيمان بنقل الإنجيل إلى الضالين. فتصلّي وتؤمن وتبتهل لأجل الضّالين، والأموات في الخطايا. فالتبشير لا يعني التكلّم والشهادة فحسب، بل مصارعة إيمانيّة مع الله: "لا أطلقك إن لم تخلّصهم". يقودك المسيح إلى إنشاء أسرة خاصة، ويمنحك الأولاد، فالحياة العائلية والهموم في تربية الأولاد تتطلب إيماناً كثيراً. الشيطان يريد أنْ يفرّق الزوجين، لأسباب مختلفة، ولكن حيث يكون المسيح الثالث في العهد بين الزوجين، تثبت الأسرة، ولا تتفكك. فيعلّمنا المسيح الغفران المتبادل، والإحتمال بصبر ومحبّة، ويربّيك بالإيمان مِن أجل أولادك.

إِنْ فكَّرتَ بأنّك تخلّصت بعون الرب من خطاياك الصعبة، فستجد الخطايا نفسها تظهر في أولادك، في عنادهم، وأنانيتهم، وانفصالهم عن الأسرة. هذه التطورات تتطلب منك أوّلاً إيماناً ، حتّى لا تحاول أن تصلح مشاكل أسرتك مِن تلقاء نفسك، بل تطلب مِن الرب الحي، أن يتدخل، ويقود الأفراد إلى تغيير الذهن، ويحلّ فيهم روح اللطف والمحبة والطهارة. إنّ الحياة العائلية مدرسة للإيمان، وبالإيمان يخلصون.

وإنْ نظرت إلى مشاكل أمّتك، وإلى الأرواح النجسة في الإذاعات والتلفزيونات، والتجارب المتربّصة في كل أنحاء العالم، فارفع قلبك نحو الربّ، واصرخ:"أعِنْ يا قدير! أعِنْ، لأنْ لا خلاص إلا مِن عندك، وإلا فكلّنا مسرعون نحو الهلاك".

قد تيأس مِن نفسك، وأنتَ غارق في الأفكار النجسة، وأحلام التجربة، والحقد على المذنبين إليك، مِن صميم قلبك، فتحتاج إلى قوّة غالبة على هذه التجارب، حينئذٍ لا بُدّ لك مِن الإيمان، بأن يسوع يُنجّيك، أنت المؤمن، لتثبت في المحبة، وتستمر في الشهادة، ولا تترك جماعة المؤمنين، بل تسامحهم سبع مرات سبعين مرّة، كل يوم! لا يستطيع الإنسان أنْ يخلّص نفسه بنفسه، ولا أنْ يهذّب ذاته بتربية عُليا، بل يحتاج إلى المخلّص، إلى الربّ، إلى المعين، إلى الحي، ويستمدّ منه قوّة فوق قوّة بالإيمان. لذلك يؤكّد لك بولس أنّ حياتك المسيحية تسير مستقيمة بإيمان لإيمان، أو بكلمات أخرى مِن إيمان لايمان، لأنْ بالإيمان وحده تخلص.

 

أمّا البارّ فبالإيمان يحيا

لخّص بولس أقواله وأفكار شهادته بكلمة الوحي، المعطاة للنبي حبقوق:"أمّا البارّ فبالإيمان يحيا"(حبقوق 2، 4). امتحن نفسك مرّة أخرى. هل أنت بارّ؟ إنْ كنت مستقيماً فستعترف مع اللص التائب في الهيكل: "اللهّم ارحمني أنا الخاطىء" ( لوقا 18، 13). لأنّ كلّ مَن يقل إِنّه بارّ مِن تلقاء نفسه يتخيّل، أو يكذب، ولكن مَن يعترف بأن لا برّ فيه، ينل البرّ مجاناً مِن الله، بواسطة إيمانه بكفّارة المسيح. فليس أحدٌ بارّاً في هذه الدنيا، ولكنْ كثيرون تبرّروا بالتبرير الإلهي مجاناً، ونالوا بِرّ الله كهبة لهم. ليتك قد تيقّنتَ أنّ الله يحبّك، وأنه برّركَ لأجل دم المسيح، فصِرت باراً بنعمته، فيحلّ الرّوح القدس فيك، لتسلك في بِرّ الله وهذا لا يتمّ بقدرتك الخاصّة، بل بقوّة الإنجيل العاملة فيك. هل حلّ الروح القدس في ذهنك وفي قلبك؟ وهل حصلت على حياة الله؟ أم لا تزال ميتاً روحياً بالخطايا والعناد. البارّ يتغيّر ويقوم مِن الموت في الخطايا، ويحيا في حياة الله. قد دخل إلى الحياة الفُضلى الحياة الأبدية، ولا يستطيع الموت أنْ يقبض عليه، ويميته حقاّ، لأنّ المسيح يؤكّد للمؤمن به: "أنا هو القيامة والحياة. مَن آمن بي، ولو مات فسيحيا. وكل مَن كان حيّاً، وآمن بي، فلن يموت إلى الأبد. أتؤمنين بِهذا؟ ( يوحنا 11، 25- 26).

لقد كانت هذه الآية: "أمّا البار فبالإيمان يحيا" السببَ في انفتاحِ ذهنِ المصلح مارتن لوثر، فكان لمدة ثمانية عشر عاماً يكافح مِن أجل الحصول على البِرّ مِن الله، بصلاة وصوم، وتقشف وإهانة النفس، وبألف طريقة، ولم يحصل على نتيجة، إلا أنه أكتشف أنّ البِرّ ليس مِن الإنسان، بل يحسب له مجاناً بالإيمان. فتمسّك بهذه الآية، وعاش معناها، وأصبح باراً بالإيمان، واستمرّ في بِرّ الله، وأعلن أن لا خلاص إلا بيسوع المسيح، الذي صالحنا مع الله، بكفّارته، ليُحلّ حياة الله فينا، بواسطة الرّوح القدس.

أيّها القارىء العزيز: نقترح عليك، أن تحفظ هذه الآيات غيبا،ً وتتأمل فيها، لتتحقّق معاني شهادة رسول الأمم فيك:

 

لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللَّهِ،

لِلْخَلاَصِ، لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ، لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلا،ً ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ.

لأَنْ فِيهِ مُعْلَنٌ بِرُّ اللَّهِ، بِإِيمَانٍ لإِيمَانٍ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ:

"أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا".

(رومية 1، 16- 17).

إن أردت أن تحصل على تأمّلات كهذه ، فاطلب منّا، كي نرسلها لك مجاناً، لبنيان إيمانك. وإن أردت منشورات مثل هذه، فوضّح لنا الأعداد الّتي تريدها لتوزّعها عملياً على أصدقائك. نصلّي لأجلك، حتّى يتمّم الربّ قصده فيك، لتحيا بارّاً بنعمته إلى الأبد.

 

الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا

وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللَّهِ,

مُتَبَرِّرِينَ مَجَّاناً بِنِعْمَتِهِ

(رومية 3، 24)

أعلن رسول الأمم آيات بارزة متعدّدة وأمّا الكلمة المذكورة أعلاه فتفوق جميع كلماته الأخرى وتقودنا إلى لبّ تعليم الرسول. وتلهمنا سرّ الإصلاح.

ومَن يُرِدْ أن يفهم إنجيلَ المسيح فليحفَظْ هذه الكلمات المنحوتة في تاريخ الكنيسة وليتأمّل فيها ويدركها ويؤمن بها ويعش بموجبها عندئذ يستنير ويسلك سعيداً مع الله.

 

سيطرة الفساد البشري

يعرّف بولس لنا في هذه الكلمات خلاصة إعلانات التوراة والأنبياء أنّ الخطيئة منتشرة في كلّ البلاد ويوضّح لنا بهذه النبوّات أنّ الخطيئة سمّمت البشريّة:

ليس مَن يفهم، ليس مَن يطلب الله.

الجميع زاغوا وفسدوا معاً،

ليس مَن يعمل صلاحاً ليس ولا أحد،

حنجرتهم قبر مفتوح، بألسنتهم قد مكروا،

أرجلهم سريعة إلى سفك الدم.

في طرقهم إغتصاب وسحق،

 

وطريق السلام لم يعرفوه.

ليس خوف الله قدّام عيونهم

(رومية 3، 11- 18)

مَن يقرأ هذه الخلاصة مراراً مِن العهد القديم يُدرِكْ معناها ويَقبلْها فيَعِشْ في واقع الحقيقة ولا يتخيّل فيما بعد وجُود إنسان صالح ولا يقصد أن يُنشيء برّه الخاص بواسطة صلواته وصومه وحجّه وتبرّعاته وجهاده في سبيل الله. إنّ هذا الصراط يقود الجميع إلى الضلال ويبقى بدون فائدة.

أوَّلاً: أنّه لا فرق إذ الجميع أخطأوا .....

يوجد لدى الإنسان استعداد للموافقة على جدول الخطايا المتدرّجة فهو يوافق على حقيقتها بالنسبة للآخرين الّذين يحتقرهم ويعتبرهم فاسدين أمّا هو فيرى نفسه صالحاً وبلا لوم مرتفعاً عن كلّ أوساخ العالم.

ما أعظم الغرور! وما أنتن الخداع بالذات! ألا وهو السطحيّة البَحْثُ. يؤكّد لنا رسول الأمم أنّ كلّ الناس حتّى الأتقياء والقدّيسين هم خطاة فبطرس مقدام تلاميذ يسوع اعترف بشهادته الجريئة أنّ يسوع هو المسيح ابن الله الحيّ وأعلن الربّ له بأنّه سيبني كنيسته على تلك الشهادة. لكن بعد وقت وجيز حاول بطرس أن يمنع ربّه مِن أن يتقدّم نحو الصليب فكان على يسوع أن يسمّيه شيطاناً لكي يدرك بأنّه سقط إلى أحطّ الدّركات ( متّى 16، 16- 23). كتب يوحنا رسول المحبّة: دم يسوع المسيح يطهّرنا مِن كلّ خطيئة (يوحنا الأولى 1، 7).لم يكتب الشيخ الرسول أنّ دمّ ابن الله يطهركم مِن كلّ خطيئة بل ضمّن نفسه بهذا الإعتراف وشهد بأنّ دمه يطهّرنا من الخطيئة: فتكلّم بصيغة الجمع وشمل ذاته ضمن المذنبين المتطهّرين برحمة ربّهم.

وأكمل قوله المشهور: إنْ قُلنا إنّه ليس لنا خطيئة نضلّ أنفسنا وليس الحق فينا. إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتّى يغفر لنا خطايانا ويطهّرنا مِن كلّ إثم. إن قلنا إنّنا لم نخطىء نجعله كاذباً وكلمته ليست فينا ( يوحنا الأولى 1، 8- 10؛ رؤيا يوحنا 1، 5).

أما بولس نفسه فكان شاباً فقيهاً متحمّساً اضطهد كنيسة المسيح في القدس وأجبر المؤمنين تحت العذاب والإضطهاد أن ينكروا مخلّصهم ويرفضوا خلاصه. ولكن بعد أن ظهر له المُقام مِن بين الأموات أمام أبواب الشام انكسر كبرياؤه وانسحق طموحه وانتهى برّه الذاتي. لم يَبْقَ إلاّ كخاطىء أنعم الربّ عليه ( أعمال الرسل 9، 1- 19).

نقرأ في رؤيا يوحنا أنّه قُبيل تربّع يسوع على عرشه في السماء أتى ملاك مجيد وامتحن البشر والأبالسة والملائكة بكلامه الفاصل: مَن هو مستحقّ أن يفتح السِّفر ويفكّ ختومه، فلم يستطع أحد في السماء ولا على الأرض ولا تحت الأرض أن يفتح السِّفر ولا أن ينظر إليه ( رؤيا 5، 2- 3).

لم يتجاسر لا ملاك ولا شيطان ولا فيلسوف ولا قدّيس حتّى ولا مريم العذراء أن يتقدّم وينال كتاب الرؤيا مِن يد القدير لأنّ جميع المخلوقات هم خطاة، وعمّ في السماء صمت ضاغط وبكاء الرسول فسادَ الخَلق أوضح عمق الخطيئة فما كان مِن أحدٍ صالحٍ ولا واحد واتّضح أنْ ليس أحدٌ صالحاً إلاّ الله ( المزمور 14، 1- 3؛ متّى 17، 19).

ما معنى خطيئة؟

مَن يظنّ ويتخيّل أنّه الأصلح والأفضل مِن الآخرين ويتيقّن أنّه مهذب وأنّ لديه شهادات عالية فهو لم يعرف الله ولا نفسه بعد. إنّ اللغّة العربية تحمل عبارات وأسماء متعدّدة للخطايا مثل: الكفر، الظلم، الضلال، السوء، الشرَك، الفسق، الفساد، الإثم، الّذنب، العصيان، الفتنة، التعدّي، الجرم، الفاحشة، الخطيئة، الرجس، الكبائر، العتو، الوزر، النَّجِس، ويا للعجب كلّ هذه الإضطهادات لا تقود الإنسان ليدرك ويعرف أنّه ضال وفاسق وهالك.

استقلّ عبد المسيح المصري القطارَ مِنَ القاهرة إلى أسوان فجلس إلى جانب شيخ محترم في المقصورة وقدّم له الإنجيل فقبِلَ هذا الشيخُ الوقور كُلَّ ما قاله خادم الرب واقترح عبد المسيح أن يُصلّيا معاً على ما سمعاه مِن كلمة الله فأجابه الشيخ أنا لا أعرف كيف أصلّي في القطار! فرّد عليه الواعظ أنا أصلّي وأنت تردّد الكلمات وبعد موافقة الشيخ: ابتدأ عبد المسيح مصلّياً: أيّها الإله العظيم أشكرك لأنّنا نستطيع أن نبتهل إليك ونحن في القطار، وأعاد الشيخ هذه الكلمات وتابعَ المبشّر: أشكرك لأنّك تحبّنا رغم أنّنا خطاة وقال الشيخ أيضاً أشكرك لأنّك تحبّنا، وتوقّف فأكمل عبد المسيح بقوله رغم أنّنا خطاة فأجابه الشيخ أنت خاطيء، أبوك خاطيء ولكنّني مسلم! وانتهت المباحثة بينهما.

يستطيع الإنسان أن يوافق على أخطائه وزلاّته ولكنه لا يوافق على أنّه ضالّ هالك، ولا يريد أن يخرج هذا الإعتراف مِن شفتيه. قد يساعدنا على أن ندرك شراسة الخطيئة أن نقول إنه ينبغي لنا أن نعترف بخطايانا حقاً. فإن وجدتَ شيئاً في بيتك لا يخصّك فَرُدّ هذا الشيء إلى صاحبه واطلب السماحَ منه، وإن نطقتَ كذباً فارجع واعترف بالحقّ وإن فعلت نجاسة فتقدّم إلى مَن أخطأت إليه واطلب منه السماح لكي تخلصا معاً. وكلّ مَن يعترف بخطيئته حقاً يُميت الكبرياء فيه وتنكسر أبّهته ويزول برّه الذاتي.

كلّ مَن يعرف خطيئته ويدرك نجاستها يحصل على نعمة خاصّة مِن ربّه وتساعدنا اللغّة العربية على فهم معنى الخطيئة فنقول: إِنّ أحداً أخطأ هدف حياته فنعترف بهذا بأنّه ما أصاب هدفه بل ضلّ هدفه بل مرّ عن هدفه ويستمّر بدون هدف كسفينة الفضاء الّتي كان القصد منها الّنزول على سطح القمر ولكنّها شردت عنه وذهبت إلى اللاهدف.

وهكذا الإنسان الّذي لم يرتكز على الله بل أخطأه، يصبح ضالاً فالسؤال المهم هو هل وجدْت الله حقاً؟ أو بالأحرى هل وجدك الله وهل سلّمت مستقبلك له؟ فكثيرون أخطأوا هدف حياتهم، مساكين يعيشون بلا هدف هذه هي خطيئتهم.

كتب الرّسول بولس: أنّ الخطيئة هي التعدّي فمَن لا يتمّم وصيّة واحدة يَعْص بهذا التصرّف المشترع ويتعدَّ عليه. فأجرة الخطيئة هي الموت (رومية 6، 23).

فكلّ إنسان هو ثائر ضدّ الله ولا يعترف بوصاياه 613 في العهد القديم ولا يتمّمها وأمّا يسوع فأعلن في العهد الجديد أكثر مِن ألف وصيّة وإقتراح وأمر لحفظنا فلا نعرف شريعته ولا نحفظها، فكلّنا عصاة ومحتقرو شرائع القدّوس.

اعترف النّبي داوود أنّ جميعنا وُلدنا في الخطايا "ها أنذا بالإثم صُوّرت وبالخطيئة حبلت بي أمّي" ( مزمور 51، 5). فكلّنا ورثنا كبرياءنا وأنانيتنا وبغضنا مِن جدودنا ونوافق عليها ونعيش بها، إنّ تواضع المسيح يدين كبرياءنا النتن، مَن لا يعرف يسوع لا يعرف نفسه إذ يظنّ الإنسان الطبيعي نفسه صالحاً بينما هو في الحقيقة سطحيٌّ ولم يدرك المرضَ المميت الذي أصاب كلّ إنسان. بالحقيقة نحن فاشلون بلا رجاء ما من تربية ولا مدارس تقدر أن تُصلحنا فلا حلّ إلا بخلق جديد كما قال النبي داوود مرّة أخرى: قلباً نقياً أخلق فيّ يا الله وروحاً مستقيماً جدّد في داخلي. لا تطرحني مِن قُدّام وجهك وروحك القدُّوس لا تنزعه منّي ( مزمور 51، 10- 11).

وبمعنى آخر إنّ الخطيئة هي الموافقة على تجربة الشيطان فروحه النّجس يتعامل في كلّ خطيئة مِن خطايانا ويملأ الخاطىء تدريجياً فليست الخطايا أعمالاً شريرة فحسب بل الشر المتمركز في قلوبنا. يخلق المجتمع اليوم عبارات تفسّر الخطيئة كحرّية وتحقيق الذات والمحبّة والمساواة وحقوق البشر وعدم احترام الوالدين. وتظهر وقاحة هذا الرّوح النجس في الدعايات الصارخة على الطرق أو الراقصة على شاشات التلفزة. إننا نعيش في عالم الخطيئة كما كتب الرسول يوحنّا: العالم كلّه قد وُضع في الشرّير (يوحنا الأولى 5، 19).

ثانياً: الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله.

يقود بولس قرّاء رسالته إلى أخر عمق في معرفة الخطيئة ويبرز أنّ هذه هي خطيئتنا أن تُنقص الخطيئة مجد الله. القدّوس خلقنا حسب صورته حسب الإعلان الأوّل في إصحاحه الأوّل مِن الكتاب المقدّس. خلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكراً و أنثى خلقهم ( سفر التكوين 1، 27).

وهب الله للإنسان أن يكون صورة طبق الأصل عن مجده وليس أن يكون إلهاً في ذاته بل أن يعكس صورة الله كما تعكس المرآة صورة الشمس. ليسَ الله رجلاً أو أنثى بل هو يقف بعيداً عن محور الجنس. إنّما كلاهُما أي الرجل والمرأة مدعوٌّ أن يعكس مجدَ الله في سلوكه وأقوالِه وتصرّفاتِه.

إنّ مَجدَ الله هو خُلاصةُ صفاته وقواه وتشمل محبّته وقداسته وقدرته وأمانته وصبره وحكمته وعلمه وجلاله وتواضعه وعدالته وبرّه وصفات أخرى تحديداً.

الله روح والّذين يسجدون له ينبغي أن يسجدوا له بالرّوح والحق ( يوحنّا 4، 24). فكلّ مَن يقس نفسه بصفات الله لا يقدر إلاّ أن يعترف بنقصه المطلق فكلنا ناقصون وأردياء راسبون. قد أخطأنا هدف الخلق. مَن يُدركْ هذا الناقص الشامل يَتواضَعْ ويُصبِحْ صغيراً جداً. إنّ معرفة الله هي المصدرُ لمعرفة ذواتِنا. لقد ابتعدنا جداً عن هدف حياتنا وهذا الإدراك لا يأتي مِن قدرتنا العقلية وذكائنا المحدود بل مِن إنارة الرّوح القدس. كلّما اقتربنا مِن الله نصغر وتذوب ( الأنا). ندرك في الأزلي حقيقتَنا ويعترف القدّيسون أنّهم أكبر الخطاة لأنّهم يعيشون في نور مجد الله الّذي يحرق آخر عمق في شعورهم الباطني.

مَن يبقى على حالته السيئة ومَن يتألم مِن عبوديته في خطيئته ومَن يخجل مِن الله والناس ومَن ينكسر مثل أشعياء الذي سمع ورأى قليلاً مِن قداسة الله فصرخ: ويل لي إنّي هلكت لأنّي إنسان نجس الشفتين، لأنّ عينّي قد رأتا الملك ربّ الجنود ... ( أشعيا 6، 5- 7). لا يسمح يسوع بأن نغرق في يأسنا ونبكي على أنفسنا بل يرفعنا إلى مستواه ويأمرنا قائلاً: كونوا كاملين كما أن أباكم الّذي في السماوات هو كامل ( متّى 5، 48). فكونوا رحماء كما أنّ أباكم أيضاً رحيم ( لوقا 6، 36)

وعمّق يسوع بهذه الوصايا أمر الله الموجّه إلى موسى وشعبه عندما قال: تكونون قدّيسين لأنّي قدّوس الرب إلهكم.

يقودنا المسيح في توبتنا وإنكسارنا إلى المعرفة بأننا لا نستطيع أن نخلّص أنفسنا بأنفسنا ولا أن نصلح ونقدّس ذواتنا بل بالحري أنّ الله بنفسه يريد أن يُحقّق معجزته فينا ويخلّصنا مِن كياننا الفاسد الخاطىء ويصلحنا ويقدّسنا إلى التمام. فيدعونا كي لا نمعن النظر في نقصاننا وفشلنا بل نرفع أعيننا إلى رئيس الإيمان ومكمّله يسوع ( عبرانيين 12، 1- 2). فبدون المسيح نحن بلا رجاء في دينونة الله ساقطون هالكون ولكن معه لنا مستقبل بَهي.

ثالثاً: الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله متبرّرين مجاناً بنعمته بالفداء الّذي بيسوع المسيح

أضاء بولس فجأة ظلمتنا البشرية بنور سماوي جلي حتّى بَهَرَنا إشراقه ولمعانه لدرجة أن نغمض أعيننا مِن أشعّة قوّته. شهد رسول الأمم أنّ الله قد غفر ذنوب البشرية جمعاء ومحا الخطايا الشخصيّة أيضاً. لأنّ القدّوس قد برّر الجميع. كتب بولس هذا المبدأ لخلاصنا رغم أنّ كثيرين مِن الأتّقياء والمؤمنين لا يقدرون أن يستوعبوا هذه الحقيقة الأبدية أو أن يؤمنوا بها: الجميع متبرّرون مجّاناً بنعمته.

 

ما معنى التَبْرير الإلهي؟

في المحكمة الدنيوية يُصْدر القاضي والّذين معه الحكم بمعاقبة المحكوم عليه على ذنبه وفي زمن بولس كانوا يُلبسون المجرمين والمخطئين المحكوم عليهم لباساً أسود لكي يعرف الجميع أنّ هؤلاء هم المجرمون المحكوم عليهم وأمّا المتبرّرون الّذين أُطلق سراحهم فيلبسونهم الثياب البيضاء لأنّ المحكمة قد برّأتهم واعتبرتهم بدون ذنب فألبسوهم ألبسة بيضاء لكي يعرف الجميع أنهم أبرياء.

شهد بولس أنّ الله برّر جميع الناس مجّاناً بدون اجتهاداتهم الخاصّة فهذه الحقيقة تقلب كلّ مبادئ الحقوق لأنّ الرسول يشهد بهذه الكلمات أنّ كلّ ابتهالاتهم وتبرّعاتهم وأعمالهم الصالحة وقتالهم في سبيل الله هي ناقصة وغير كافية وباطلة في الدينونة الأخيرة، فالله استخدم حقّه الخاصّ لتبرير الفاشلين والعصاة عندما استخدم حقّ النعمة بالعفو عنهم. لقد حرّر الله كلَّ الهالكين. في دنيانا يستخدم الملوك والرؤساء حقّ العفو ليربحوا محبّة شعوبهم وذلك بإطلاق المساجين.

أمّا الله فينعم على كلّ المجرمين والخُطاة والعصاة في سبيل محبته الواسعة وله الحقّ والسلطان أن يمارس عمليّة العفو الكاملة. يظنّ البعض أنّ الله يخطىء عندما يبرّر الخطاة ولكن العكس هو الصحيح فعنده الإمكانيّة لكي يبرّر الفاسدين المذنبين ويطلقهم ويقبلهم بقربه فيسأل البعض أنّ الشيطان لم يأخذ الحقّ بأن يشكو الله أنّه برّر المذنبين قائلاً: أنّه لا غفران بدون سفك الدماء ( عبرانيين 9، 22). أمّا الله فهو بارّ لأنّه بذل إبنه الوحيد لكي يُسفك دمه الثمين الطاهر لأجل الخطاة فمنذ موت المسيح النيابي الكفّاري يثبت برّ الله وليس لأحدنا الحق أنّ يشتكي وليس لإبليس الحقّ منذ هذا العفو العام أن يتذمّر وأن يشتكي على الله بالذّات. لأنّ دم يسوع المسفوك لأجل الخطاة يطّهرهم ويبرّر حق الله الّذي سامح الجميع.

ماذا يعني الفداء بيسوع المسيح؟

بيع العبيد في السوق زمن الرسول بولس فكانت الإمكانية مفتوحة دائماً لأصدقاء عبد معيّن أو لأقربائه أن يدفعوا الفدية لتحريره وإعطائه بعدئذٍ حقّ الحريّة الشرعيّة واشتقّ مِن عبارة الفِدية كلمة الفادي والفداء لقد دفع يسوع ثمن فداء كلّ إنسان وبذل حياته كذبيحة كفّارية ليتحرّر كلّ الخطاة ويتبرروا حقاً. رفع يسوع الخطايا على كتفيه ومات عوضاً عنهم فتحرّروا بموته النيابي عنهم.

ربّما يسأل أحد: إن كانت نيابة يسوع عند الله حقّاً فيمكن التفكير بأنّ إنساناً واحداً ينوب عن إنسان آخَر ويحمل قصاصه ولكن كيف يقدر المسيح أن يمارس النيابة عن كلّ الناس في كلّ الأزمنة ويبرّرهم ويحررهم دُفعة واحدة. يخبرنا الإنجيل مراراً أنّ يسوع ما كان إنساناً عادياً. إنّه لم يولد مِن أب دنيوي بل مِن روح الله في مريم العذراء فهو كان ويكون الإنسان الوحيد الّذي عاش بدون خطيئة ولذلك قبل الله نيابته وعظمت محبّته وقداسته حتّى اجتذب كلّ خطيئة وكلّ وسخ إلى قلبه كما نقرأ في رسالة بولس الرسول إلى أهل كورنثوس الثانية: أي إنّ الله كان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه، غير حاسب لهم خطاياهم، وواضعاً فينا كلمة المصالحة. إذاً نسعى كسفراء عن المسيح، كأنّ الله يعظ بنا. نطلب عن المسيح: تصالحوا مع الله لأنّه جعل الّذي لم يعرف خطيئة، خطيئة لأجلنا لنصير نحن برّ الله فيه ( كورنثوس الثانية 5، 19- 21).

وهب روحُ الله للمسيح السلطانَ والقُدرةَ على أن يحمل خطايا كلّ الناس كما صرخ يوحنا المعمدان عند نهر الأردن "هوذا حمل الله الّذي يرفع خطيئة العالم" (يوحنا 1، 29).

ألوهية المسيح استطاعت أن تكمل الفداء كلّه للبشر. لذلك أعلن بولس، الفداء الكامل بيسوع المسيح لكلّ الناس، ولا يضطر إبن الله أن يموت مرّة أخرى عن اليهود والمسلمين والملحدين لأنّ موته قد أكمل لهم تبريراً كاملاً وحسب الحق كلّ الناس تبرّروا لكنهم لا يعرفون امتيازهم أو لا يريدون أن يعرفوه ويرفض البعض حقّ العفو عنهم ويبغضون فاديهم ولكنّ موقفهم لا يغيّر حقيقة الحقّ بأنّ المسيح قد أكمل بقربان واحد كلّ المقدّسين ( عبرانيين 10، 14). لا ينشىء الإنسان هذا الفداء الأزلي بواسطة توبته أو إيمانه بل تمَّ ذلك بواسطة حمل الله في كلّ الأزمنة لكلّ الناس ويحقّ لكلّ مسيحي مولود ثانية أن ينزل إلى الطريق العام ويقول لكلّ مَن يلتقيه، هل تعلم أنّ يسوع فداك مِن خطاياك ومِن غضب الله ومِن دينونته إن آمنت بحقّك هذا يتحقّق الفداء الكامل فيك.

 

رابعاً: الإيمان هو الذي يستلم الفداء الكامل

.كتب بولس في رسالته إلى أهل رومية:" أمّا الآن فقد ظهر برّ الله بدون شريعة مشهوداً له مِن الشريعة والأنبياء، بِرّ الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كلّ وعلى كلّ الذين يؤمنون" ( رومية 3، 22). يؤكّد لنا بولس رسول الأمم أنّ ذبيحة المسيح الكفّارية لا تتحقّق إلاّ في الّذي يفتح قلبه ليسوع المسيح وفدائه.

هل تعرف معنى الإيمان؟ إنّ الإيمان بالمسيح هو أن تثق في قلبك بأنّ كلماته وذبيحته الكفّارية حق وفعّالة وأن تعرف هذا الإمتياز وتقبله وتؤمن به ولا تبتعد عنه. لا حاجة بأن تشعر بإيمانك إنّما الإيمان مغامرة أن ترتبط بفاديك إلى الأبد ويتحقّق فيك غِنى فدائه، حتّى يصحّ القول مَن يؤمن يتبرّر. ليس تقواك السابق يقرّر فداءك بل إيمانك بكفّارة المسيح النيابي عنك، فمن يرتبط بفاديه بواسطة الإيمان يعتبره الله باراً إلى الأبد. ربّما يقول بعض النقّاد إِنّ هذا البرّ رخيص فإن تبرّر كلّ إنسان مجاناً فيمكن أن يخطىء بعدئذ بالفكر أنّ الله سامح الكلّ وغفر لهم والمسيح كفّر عن الجميع. هذا الإعتقاد هو غرور شيطاني لأنّ كلّ مَن تحرّر مِن خطاياه بدم المسيح لا يريد أن يخطىء فيما بعد ومَن حرّره الإبن مِن عبوديّة الخطيئة يحب فاديه إلى الأبد وليس الإيمان بالمسيح تخيّلاً فكرياً بل هو ارتباط قلبي بمخلّصه. نحبّ الذي أحبّنا أولاً ومات لأجلنا ونشكره لأجل فدائه الأزلي ونبغض الخطيئة وكتب يوحنا جواباً لهذا السؤال:"يا أولادي، أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا، وإن أخطأ أحد، فلنا شفيع عند ألآب يسوع المسيح البَارّ، وهو كفّارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا كلّ العالم أيضاً" (يوحنا الأولى 2، 1- 2). نختم هذه التأملات بتفسير مِن مارتن لوثر الجزء الثاني مِن قانون الإيمان عند الرسل: إنّي أؤمن أنّ يسوع المسيح هو إله حق مولود مِن ألآب قبل كلّ الدهور وأنّه إنسان حقّ مولود مِن مريم العذراء وأنّه ربّي الذي فداني أنا الإنسان الضالّ الهالك واشتراني وأعتقني مِن كلّ الخطايا ومِن الموت وسلطان الشيطان وليس ذلك بذهب أو فضّة بل بدمه القدّوس الثمين وآلامه وموته البريء لكي أكون خاصّة له وأعيش في مملكته تحت تصرّفه وأخدمه في برّ أزلي وبراءة وسعادة كما أنّه قام مِن بين الأموات وهو حي ومالك إلى الأبد وهذا حقّ ويقين. آمين.

احفظ الآيات الذهبية في صميم قلبك، تكسب كنْزاً أبدياً!

وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ظَهَرَ ...

22 بِرُّ اللَّهِ بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ،

إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ.

لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ،

23 إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللَّهِ،

24 مُتَبَرِّرِينَ مَجَّاناً بِنِعْمَتِهِ

بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ،

25 الَّذِي قَدَّمَهُ اللَّهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ،

لإِظْهَارِ بِرِّهِ.

(رومية 3، 21-25)

 

امتحن معرفتك في كلمة الله!

أيّها القارئ العزيز: ان تعمّقت في هذه التأملات تستطع أن تجيب عن الأسئلة التالية بسهولة

1 ما هي المبادئ الأربعة الّتي أدركها شاول أثناء ظهور المسيح له أمام الشام؟

2 ما اسم الشخص الّذي أرسله الرب ليفتح عينيّ شاول وليحلّ الروح القدس فيه؟

3 ما هي الأخطار الثلاثة الّتي كان على بولس ان يغلبها يوميّاً لئلا يستحي بالإنجيل؟

4 ماذا كان معنى كلمة "الانجيل" عند الرومان قبل المسيح و ماذا أصبح معناها بعده؟

5 ماذا تفعل قوّة الله في كلّ مَن يؤمن بالمسيح؟

6 ما هو السِرّ في بِرّ الله، إِنْ كان يبررّنا مجاناً؟

7 - كيف برهن بولس أنّ كلّ انسان هو خاطئ شرير هالك؟

8 ماذا تعني العبارة أنّ الجميع يعوزهم مجد الله؟

9 مَن هم الّذين بررّهم الله مجاناً وكيف يحقّ هذا العفو العام؟

10- مَن يمكن أَن يختبر فداء يسوع المسيح ويثبت فيه و يعيش منه؟

إن أرسلت أجوبتك عن هذه الأسئلة الى عنواننا نرسل لك كتيّباً آخر مجانّاً. لا تَنْسَ أَن تكتب عنوانك الكامل على ورقة أَجوبتك. نُصَلِّي إِلى الرب يسوع الحيّ، ليحقّق فيك بشرى نعمته السارّة المذكورة في هذه التأملات.

الحياة الفضلى

ص.ب.226 - مزرعة يشوع - المتن - لبنان

family@hayatfudla.org